عرض وترجمة
شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
أثارت الحرب الإيرانية وما رافقها من تصاعد التوترات الإقليمية تساؤلات متزايدة بشأن انعكاساتها على مناطق تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القرن الإفريقي الذي يحتل موقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر وباب المندب، وجاءت تداعيات حرب إيران بوصفها عاملاً قد يعيد تشكيل موازين النفوذ الإقليمي، ويؤثر في طبيعة التنافس الخليجي والتحالفات القائمة في المنطقة، بما يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة للأمن والسياسة والاقتصاد.
في هذا السياق، نشر المعهد النمساوي للشؤون الدولية “OiiP”، ومقره فيينا، موجز سياسات بعنوان “حرب إيران والمنطقة الأوسع في القرن الإفريقي: التنافس الخليجي، وإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية، والتداعيات الاقتصادية المترتبة”؛ أعده دكتور “يان بوسبيسيل/Jan Pospisil”، باحث بالمعهد النمساوي للشؤون الدولية، وأستاذ مشارك في جامعة فيينا، وباحث في منصة أدلة السلام وحل النزاعات (PeaceRep) بجامعة إدنبرة.
يستعرض الموجز السياسي الجدل الواسع الذي أثاره التصعيد الذي تقوده الولايات المتحدة منذ فبراير 2026 وتداعيات حرب إيران على منطقة القرن الإفريقي، مع الإشارة إلى أن هذه التداعيات ليست مباشرة في معظمها.
وباستثناء الروابط التكتيكية مع القوات المسلحة السودانية، لا تُعدّ إيران نفسها فاعلًا مؤثرًا في المنطقة، إذ يتركز نفوذها بالأساس عبر الخليج والبحر الأحمر؛ من خلال تغيير الحسابات الأمنية، وزيادة مخاطر النقل البحري، والتداعيات الاقتصادية لارتفاع تكاليف الوقود والنقل والغذاء.
وقد برهنت هذه الأزمة على أن القرن الإفريقي والخليج يُشكّلان فضاءً جيوسياسيًّا مشتركًا؛ حيث تؤثر التطورات في إحداهما بشكل سريع على الآخر. كما تطرَّق الباحث إلى أن الأثر السياسي الأبرز لهذه الحرب يتضح في ثلاثة مسارات ذات صلة:
- في السودان، تُضيف الحرب مع إيران بُعدًا جديدًا إلى صراع دولي قائم؛ إذ تُفاقم شعور دول الخليج بالتهديد، وتُعقِّد موقف السعودية تجاه القوات المسلحة السودانية، وتصاعد حدة التوتر بين جهود الوساطة والدعم العسكري على الأرض.
- في الصومال، الأثر أقل مباشرةً، ولكنه بالغ الأهمية؛ حيث تكتسب المنافسة على الموانئ، وهياكل السلطة الفيدرالية، وسعي أرض الصومال لنيل اعتراف دولي باستقلالها، والتحالفات الخارجية؛ أهميةً متزايدة في ظل أجواء عسكرية متنامية على البحر الأحمر.
- في إثيوبيا، تُبرز الأزمة الدور المحوري للوصول إلى البحر وبسط النفوذ الإقليمي. وعلى وجه الخصوص، يتجلى توسُّع إثيوبيا باتجاه البحر الأحمر الآن في بيئة إستراتيجية أكثر انغلاقًا وتوترًا.
يمكن فَهْم الأثر الإقليمي الأوسع نطاقًا باعتباره أحد أشكال تكثيف المنافسة الإستراتيجية؛ إذ بات لدى الفاعلين في الخليج دوافع أقوى للتنسيق بشأن القضايا الأمنية، لا سيما في المجال البحري. وفي الوقت نفسه، يواصلون دعم مختلف الجهات الفاعلة المحلية، والسعي وراء مشاريع إقليمية متنوّعة. ولا تقضي الحرب الإيرانية على المنافسة القائمة، بل تُغيِّر فقط طريقة خوضها في ظل تقلُّص هامش المناورة.
يتوقع الباحث أن تمتد آثار التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لتشمل المنطقة بأسرها، بما في ذلك الدول غير المشاركة مباشرة في حرب الخليج، مُمثلةً في: تفاقم ارتفاع أسعار الوقود، ونقص الأسمدة، واضطراب الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، والتأخيرات على طول طرق التجارة، وزيادة الضغوط على الاقتصادات الهشَّة؛ إذ تتأثر كينيا وأوغندا تحديدًا، نظرًا لاعتمادهما على الخدمات اللوجستية وعائدات قطاع الخدمات اللوجستية، على التوالي. ورغم أن الحرب الإيرانية لن تُغيِّر منطقة القرن الإفريقي بشكل جذري، إلا أنها ستزيد من حدة الصراعات القائمة، والتبعيات، والتشابكات الخارجية.
في هذا الموجز
- مقدمة
- المحور الأول: دول الخليج في القرن الإفريقي: المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة
- المحور الثاني: ساحات منافسة خليجية متباينة في منطقة القرن الإفريقي
- المحور الثالث: إثيوبيا باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل النظام
- المحور الرابع: المنافسة المستمرة والتداعيات الاقتصادية غير المباشرة في القرن الإفريقي
- خاتمة
مقدمة:
في استعراض بانورامي للتأثيرات المباشرة وغير المباشرة، قصيرة الأمد والممتدة لتداعيات حرب إيران على منطقة القرن الإفريقي، يتناول الباحث البُعْد الأمني للصراع كشاغل رئيسي يُؤرّق كافة الفاعلين الخليجيين في المنطقة، ولكن وفق تحرُّكات وممارسات متباينة تتسم بالأولوية لكل فاعل على حِدة.
وتُظهِر الأزمة، مجددًا، أن منطقة “القرن الإفريقي الأوسع” -الذي يضم الصومال وجيبوتي وإثيوبيا وإريتريا، ويمتد إلى السودان وجنوب السودان وكينيا وأوغندا وأجزاء من شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وصولًا إلى تنزانيا-؛ تُشكل جزءًا من ساحة جيوسياسية مشتركة مع الخليج.
وترتبط التحالفات السياسية وأوضاع الصراع ارتباطًا وثيقًا على جانبي البحر الأحمر. ولذلك، هناك تداعيات للضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والهجمات الإيرانية على أهداف خليجية، تتجاوز أبعادها منطقة الشرق الأوسط. رغم عدم كون إيران فاعلًا رئيسيًّا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى، إلا أن تحالفها مع القوات المسلحة السودانية له تأثير غير مباشر لكنه جوهري.
ويتجلى ذلك في تغيُّر تصورات دول الخليج حول التهديدات وزيادة المخاطر على الأمن البحري، مما يؤثر على اللوجستيات والاستثمار والأمن الغذائي مع ارتفاع تكاليف النقل.
يكرس الباحث تحليله لشرح أبعاد الوضع شديد التقلُّب الذي أحدثته الحرب. وقد بدأت بالفعل تظهر بعض الأنماط، حتى وإن ظلت النتائج غير محسومة. ففي منطقة القرن الإفريقي الأوسع، يُمثل السودان والصومال ساحتي التنافس الرئيسيتين بين دول الخليج والجهات الفاعلة الخارجية الأخرى.
وتمثل إثيوبيا ركيزة هيكلية، إذ يؤثر سعيها أيضًا للهيمنة الإقليمية والوصول إلى البحر، والذي له تداعيات مباشرة على إريتريا وأمن ممر البحر الأحمر، على دول مثل كينيا وتنزانيا.
من ناحية أخرى، يعكس الانخراط الخليجي أنماطًا مختلفة من بسط النفوذ. تتصدر الإمارات العربية المتحدة المشهد بنَهْجها الشبكي العابر للحدود، الذي يجمع بين الموانئ والتمويل والشراكات الأمنية والوساطة السياسية.
في المقابل، تعتمد عُمان على تاريخ طويل من الاستمرارية السياسية. بالمقارنة، تستند إيران إلى تقاليد دولة إقليمية عريقة، أقرب إلى إثيوبيا منها إلى ممالك الخليج (باستثناء حالة عُمان). وعليه، يساعد هذا التباين في تفسير نطاق الانخراط الخليجي وحدوده. ويُبرز التصعيد الحالي أهمية الأمن في الساحة، لكنه لا يُعيد ترتيب هذا المنطق الكامن، بل على العكس، يُظهره بشكل أوضح.
خلص الباحث، في تحليله، إلى أن الحرب الإيرانية خلقت تقاربًا إستراتيجيًّا محدودًا، وإن كان سائدًا، بين دول الخليج حول المصالح الأمنية المشتركة، لكنه ليس كافيًا للتغلب على واقع المصالح المتباينة، والمتضاربة أحيانًا، في العديد من بيئات الصراع.
بينما يُخيّم على النظام الإقليمي الحالي، رغم كونه يبدو متحدًا، حالة من الهشاشة والتفتت؛ إذ تواجه كافة الجهات الفاعلة المؤثرة ضغوطًا إستراتيجية. لقد أحدثت الحرب تأثيرًا فوريًّا قويًّا، بينما من المرجح أن يكون تأثيرها محدودًا على المدى الطويل، لتعود أنماط التفاعل المتجذرة إلى الظهور بمجرد انقضاء المرحلة الساخنة من الأزمة.
المحور الأول: دول الخليج في القرن الإفريقي: المصالح الاقتصادية والأمنية المشترك
استهل الباحث تحليله باستعراض ضرورة فهم كيفية انعكاس التحولات في إستراتيجيات دول الخليج المرتبطة بالحرب الإيرانية على نتائج سياسية ملموسة في مناطق النزاع كالسودان والصومال وغيرها، فضلًا عن دراسة كيفية عمل دول الخليج في المنطقة عن كثب، مشيرًا إلى ظهورهم كفاعلين مؤثرين، لافتًا إلى أن هناك اندماجًا وثيقًا بين الضرورات الأمنية والإستراتيجيات الاقتصادية، مما يطمس الفروق التقليدية بين النشاط التجاري والوساطة والدبلوماسية، واعتبارات الأمن الصارم.
وعليه أوضح أن هذه المصالح الأمنية والاقتصادية الخاصة، في بعض الأحيان، تخلق تنافسًا كبيرًا فيما بينهم.
تُعدّ الإمارات العربية المتحدة أوضح مثال على هذا النموذج؛ وهي، من الناحية العملية، الفاعل الرئيسي فيه؛ إذ يقترن تحكمها في مراكز الخدمات اللوجستية على طول البحر الأحمر والمحيط الهندي باستثمارات منتظمة في سلاسل التوريد والإنتاج الزراعي، والتي بدورها ترتبط بمصالح إستراتيجية كالأمن الغذائي المستدام ومجموعة واسعة من الشراكات الأمنية مع جهات حكومية وغير حكومية.
وقد أنشأت شركات إماراتية، مثل شركة الظاهرة الزراعية، سلاسل توريد عابرة للحدود في السلع الزراعية، تربط الإنتاج في دول كالسودان باحتياجات الأمن الغذائي لدول الخليج. تهدف هذه العناصر إلى خلق دائرة من التآزر تُعزّز بعضها بعضًا، مما يسمح للإمارات بترسيخ مكانتها على مستويات متعددة من السياسة الإقليمية في آن واحد، الأمر الذي من شأنه أن يُحقّق مرونة عالية مدعومة بموارد مالية لا محدودة.
ويفسّر هذا النهج المتكامل مدى اتساع نطاق النفوذ الإماراتي في منطقة القرن الإفريقي واستدامته.
أما عن المملكة العربية السعودية، فهي تتحرك وفق منظور مختلف؛ إذ تتمحور مشاركتها حول الدولة، وتتجه نحو تحقيق الاستقرار على مستوى الحكومات المعترف بها والنظام الإقليمي. وتتركز أولوياتها على أمن البحر الأحمر، والقيادة الدبلوماسية -التي تظهر بوضوح في مفاوضات السودان ومحاولات بناء علاقة إستراتيجية مع الولايات المتحدة-، والحفاظ على استقرار الأنظمة في منطقة غير مستقرة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، ينعكس ذلك في التركيز على الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي، بما في ذلك الإنتاج الزراعي وسلاسل التوريد المرتبطة به في دول مثل السودان وإثيوبيا، بدلًا من التركيز على البنية التحتية اللوجستية والموانئ التي تتسم بها مشاركة الإمارات.
وبالمقارنة مع الإمارات، فإن المشاركة السعودية أقل تفصيلًا وأقل تَشعُّبًا في الاقتصادات السياسية المحلية. وهي أكثر حذرًا في نطاق عملياتها، لكنها تتمتع بنفوذ بفضل تدفقاتها المالية ودورها كركيزة دبلوماسية. ويدعم هذا الدور مساعيها لتعزيز مكانتها كمركز للوساطة في النزاعات، منافسةً بذلك قطر في هذا المضمار.
تمثل قطر بالفعل نمطًا ثالثًا من أنماط المشاركة. ويُعدّ حضورها أكثر انتقائية، ويعتمد بشكل أقل على البنية التحتية أو التكامل الأمني. وبدلًا من ذلك، تعمل قطر من خلال شبكات النُّخب ومبادرات الوساطة (التي تتمحور حول منتدى الدوحة السنوي)، إلى جانب التمويل السياسي المُوجّه.
وقد تبلور هذا النهج بوضوح في الصومال؛ حيث تداخلت المشاركة القطرية مع السياسة الفيدرالية وديناميات القيادة. وبالتالي، فإن نفوذ قطر أقل ارتباطًا بالأرض من نفوذ الإمارات، ولكنه قد يكون ذا أهمية سياسية في سياقات محددة.
خلص الباحث إلى أن النهج الخليجي ليس متشابهًا أو موحدًا تجاه منطقة القرن الإفريقي الأوسع، بل يستند إلى مجموعة من الآليات المتميزة المبنية على أولوية مشتركة.
وعلى الرغم من أن الأمن أولوية مشتركة، إلا أن الأمر لا يقتصر على الأمن بمفهومه الضيق؛ وإنما يشمل بالطبع بقاء الأنظمة، والسيطرة على طرق التجارة البحرية، والمرونة الاقتصادية، والتحول ما بعد الكربون في مجالات مثل الإمدادات الغذائية وتنويع الاقتصادات بعيدًا عن النفط. ومِن ثَم، تُستخدم الأدوات الاقتصادية -كالموانئ والأراضي والتمويل- عادةً كأدوات لتعزيز السياسة الأمنية.
المحور الثاني: ساحات منافسة خليجية متباينة في منطقة القرن الإفريقي
اهتم الباحث بتحليل كل نمط تنافسي في منطقة الخليج تجاه منطقة القرن الإفريقي الأوسع وتحديد طبيعة وسمات ودوافع هذا التنافس، مُسلطًا الضوء على أن التنافس بين الفاعلين في الخليج لا يظهر كصراع موحد في جميع أنحاء المنطقة، بل يُنتج أنظمة سياسية تنافسية متميزة في سياقات مختلفة.
كذلك يُعيد التدخل الخارجي تشكيل ساحات الصراع والتفاوض، كما يُغير آليات تنظيم السلطة. اتخذ الباحث كلًّا من السودان والصومال نموذجًا لتجسيد هذا الأمر بوضوح، وإن كان بطرق مختلفة تمامًا.
من ناحية، يُركز السودان التنافس في تداخل الحرب والدبلوماسية، ومن ناحية أخرى يعكسه الصومال من خلال عمليات طويلة الأمد من التحالف السياسي والتشرذم، فيما يتمثل العامل المشترك بينهما في إفراز هذا التنافس نمطًا متشرذمًا من الفوضى الدائمة. وتناول كل نموذج على حدة:
- السودان:
برز السودان كنقطة التقاء مركزية في التنافس الخليجي، سواءٌ من خلال الصراع المسلح أو الدبلوماسية. وتنخرط الجهات الفاعلة الإقليمية مباشرةً في سياق الصراع؛ حيث تقدّم الدعم المادي والإمدادات العسكرية للأطراف المتنازعة، فضلًا عن مشاركتها السياسية وعبر مبادرات الوساطة. وينتج عن هذا الانخراط وضعٌ يصعب فيه فصل ديناميات الحرب عن عمليات الوساطة؛ إذ تصبح مسارات التفاوض امتدادًا للتنافس الجيوسياسي، وتعيد إنتاج أنماط الصراع بحد ذاتها.
وقد رسّخ دعم الإمارات العربية المتحدة الكبير لقوات الدعم السريع مكانتها كأهم فاعل ميداني. ويجمع انخراط الإمارات بين الدعم اللوجستي والمالي والعسكري المباشر. وفي الوقت الذي تنفي فيه الإمارات رسميًّا تورطها، نجدها تجمع بين خطوات الدعم الملموسة والتموضع السياسي، انطلاقًا من مصالحها الإستراتيجية الأوسع في البحر الأحمر والوصول الاقتصادي الإقليمي.
وبالتالي، يُعد السودان ذا أهمية بالغة بالنسبة للإمارات؛ إذ يُمكِّنها من إبراز مصداقيتها كحليف سياسي عسكري يتجاوز نطاق الصراع المباشر.
كذلك يكتسب السودان أهمية ملموسة بالنسبة للإمارات العربية المتحدة. فهو يمثل جزءًا من ممر أوسع يربط بين مخاوف الأمن الغذائي والمصالح الإقليمية، والسيطرة على الطرق البحرية والشبكات التجارية. وتعمل الإمارات على مستويات متعددة في آنٍ واحد؛ إذ تنخرط في صِيَغ الوساطة مع الحفاظ على علاقات تُشكّل الواقع على أرض الواقع وفي المنطقة بأَسْرها، مما يضعها في مواجهة جهات فاعلة عديدة مثل تركيا وإيران.
من جانبها، تنظر المملكة العربية السعودية إلى السودان من زاوية مختلفة. فهي تعطي أولوية للبُعْد الأمني لهذا الصراع باعتباره تحديًا أمنيًّا ذا تداعيات مباشرة على استقرار البحر الأحمر والنظام الإقليمي.
ولذلك، ركزت المشاركة السعودية بالأكثر على تحقيق الاستقرار والسعي إلى الشرعية السياسية وتعزيز شراكتها مع الولايات المتحدة. وقد تجلى ذلك بوضوح من خلال دورها في مباحثات جدة، ويستمر الآن عبر صيغ دبلوماسية لاحقة مثل الحوار الرباعي (كواد)؛ إلى جانب الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة ومصر.
ويضع دورها في الحوار الرباعي المملكة العربية السعودية تحديدًا في سياق علاقات جيوسياسية معقدة: من ناحية تُصعّب المصالح المتداخلة عملية التنسيق، وقد حدّت حتى الآن من فعالية الحوار الرباعي (كواد) والصيغ المماثلة. ومن ناحية أخرى، يكشف السودان عن قيود التحالف الخليجي رغم المخاوف الأمنية المشتركة.
إلا أن المصالح الأمنية المشتركة التي أُزيح عنها الستار حديثًا بين الإمارات والسعودية تجاه إيران قد تُعيد تشكيل هذه المبادرات، لا سيما بعد أن تمّ حلّ التوترات في اليمن؛ حيث كانت الإمارات والسعودية على خلاف، ولو مؤقتًا.
لا شك أن المنظور الإيراني يُضيف بُعدًا جديدًا إلى الصراع السوداني. فالروابط المادية والسياسية بين القوات المسلحة السودانية وإيران، خاصة في إطار تزويدها بالطائرات المسيّرة، تُعقّد موقف دول الخليج وتُفاقم من حدة التصورات الأمنية.
ولكن، تُؤدي هذه الروابط أيضًا إلى توترات ضمن نمط التقارب الخليجي الناشئ حول الأمن. فالسعودية، رغم تركيزها على القوات المسلحة السودانية كشريك مُستقر، بات من غير المرجح أن تقبل بأيّ تحالف يُقحم إيران في المعادلة. وهذا يُشكِّل تناقضًا متزايدًا بالنسبة للقوات المسلحة السودانية؛ إذ بات من الصعب التوفيق بين قاعدة دعمها الخارجي مع تصاعد التوترات الإقليمية. وما كان يُعتبر سابقًا تنويعًا إستراتيجيًّا، بات يُهدد الآن بالتحول إلى عبء.
هكذا، يُوضح السودان كيف يعمل التنافس الخليجي من خلال الحرب وجهود الوساطة المتنافسة. فهو لم يُبلور نهجًا خارجيًّا موحدًا؛ إذ تتعايش المبادرات الدبلوماسية مع الدعم المادي الذي ينجذب في اتجاهات مُختلفة. والنتيجة ليست غياب النظام، بل كيان مجزأ يعمل فيه التدخل الخارجي على استقرار ديناميكيات معينة مع الحيلولة دون التوحد.
- الصومال:
أما الصومال، فهي بمنزلة ساحة مختلفة من ساحات التنافس الخليجي؛ إذ تُعدّ أقل تأثرًا بالوساطة النشطة في الحروب، وأكثر تأثرًا بالتحالفات طويلة الأمد في فضاء سياسي شديد التشرذم. تتنازع السلطات وتتوزع على المستويين الاتحادي ودون الاتحادي، مما يُصعِّب تشكيل مصالح متماسكة، ويخلق منافذ متعددة للجهات الفاعلة الخارجية. ويتضح التنافس من خلال وضعية كل فاعل ضمن هذا المشهد المتشرذم، بدلًا من التدخل المباشر في مسرح صراع واحد.
يعكس انخراط دول الخليج هذا الهيكل؛ حيث تعمل الإمارات العربية المتحدة من خلال مشاريع البنية التحتية والتعاون الأمني، وغالبًا ما يتجاوز نطاقها المركز الاتحادي، أو حتى يتخطاه. وتعتمد قطر على شبكات النخب والدعم السياسي على المستوى الاتحادي، لتشكيل ديناميكيات القيادة من الداخل. أما السعودية، فتلعب دورًا أكثر محدودية. وقد برزت تركيا كفاعل رئيسي.
ويعود انخراطها إلى تحوُّل سياسي حاسم عام 2011، عندما زار رئيس الوزراء آنذاك، رجب طيب أردوغان، مقديشو في ذروة المجاعة. وقد أدَّى ذلك إلى استجابة إنسانية واسعة النطاق سرعان ما توسعت لتشمل تطوير البنية التحتية، ثم التعاون الدبلوماسي والأمني، بما في ذلك إنشاء أكبر قاعدة تدريب عسكرية تركية في الخارج. كذلك شكّلت المشاركة الإنسانية مدخلًا لشراكة طويلة الأمد في بناء الدولة، مما عزّز مكانة تركيا كفاعل خارجي محوري.
يجمع اهتمام تركيا بالمنطقة بين الموقع الجيوسياسي والتقارب السياسي؛ إذ توفر الصومال منفذًا إلى ملتقى البحر الأحمر والمحيط الهندي، ومنصةً لبسط النفوذ، كما تتيح لتركيا تقديم نفسها كشريك في إعادة بناء الدولة، مما يميز تركيا عن نماذج التدخل الغربي والانخراط الخليجي القائم على المصالح المتبادلة. تُسهّل التقاربات الأيديولوجية المرتبطة بالإسلام السياسي الوصول والثقة، لكنها لا تُحدّد الإستراتيجية.
كما يدمج النهج التركي الدبلوماسية والتنمية والأمن في نموذج متماسك نسبيًّا يتركز حول الحكومة الفيدرالية. كما تستضيف الصومال أكبر قاعدة عسكرية تركية في الخارج، وهي قاعدة “توركسوم” في مقديشو.
على صعيد آخر، يتناقض السلوك التركي مع نهج الإمارات العربية المتحدة اللامركزي القائم على الأصول، والذي يتجلى في استثمارات موانئ دبي العالمية في بربرة (أرض الصومال) وبوصاصو (بونتلاند)، والتي غالبًا ما تُنفّذ بالتعاون مع السلطات المحلية. وفي الصومال، يُؤدي هذا إلى خلق تكامل وتوتر في آنٍ واحد.
وتُفضي هذه المقاربات المتضاربة إلى إطار تنافسي متعدد المستويات؛ حيث تُشكل نماذج خارجية مختلفة مسار تطور الدولة الصومالية. وتُؤثر هذه التحالفات الخارجية، مباشرةً، على ديناميكيات النظام الفيدرالي في الصومال. وبدلًا من توطيد السلطة، تُعزّز الجهات الفاعلة، وخاصةً الخليجية، التشرذم من خلال تمكين جهات فاعلة مختلفة على مستويات متباينة.
ويتم توجيه الدعم بشكل انتقائي، مما يُقوِّي قيادات معينة ويُضعف أخرى. جدير بالذكر أن ظهور ولاية SSC-Khaatumo، ولاية شمال شرق الصومال -التي أُعلِنت في عام 2023، وجرى الاعتراف بها في البداية كإدارة مؤقتة، وحصلت على وضع اتحادي كامل في عام 2025-؛ يوضح كيف يتم استخدام الكيانات الاتحادية الجديدة لإعادة ضبط التوازنات الداخلية واحتواء مراكز القوى القائمة مثل بونتلاند.
كذلك تُضيف قضية أرض الصومال، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالوصول إلى الموانئ، بُعدًا آخر للمسألة. ويتجلى دور الإمارات العربية المتحدة من خلال مشاركتها في بربرة وما يرتبط بها من خدمات لوجستية. ولا تزال خطوات الاعتراف الدولي غير مؤكدة، لكنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذه المشاركات الخارجية.
كما يمثل اعتراف إسرائيل بأرض الصومال تحولًا ملموسًا في الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر؛ إذ يربط الاعتراف بالوصول إلى ممر بحري إستراتيجي وتحديد موقعه فيه. كما يُدخل هذا الاعتراف خطًّا جديدًا من المنافسة، واضعًا إسرائيل في توتر إستراتيجي مع دور تركيا في الصومال.
ويتماشى هذا التحرك مع منطق الاتفاقيات الإبراهيمية، الذي يقوم على محور إسرائيلي-إماراتي يربط التطبيع الدبلوماسي بالموانئ والبنية التحتية اللوجستية والوجود الأمني في جميع أنحاء المنطقة. ولا تُمارس الجهات الفاعلة الخارجية وساطة علنية في هذه الترتيبات الداخلية، لكن تحالفاتها القائمة -سواء مع مقديشو أو أرض الصومال- تُحدّد الظروف التي تكتسب فيها هذه التحولات زخمًا.
لذا، تُجسّد الصومال نمطًا من التنافس يدور حول الهيكلة السياسية والتحالفات. وهي أقل عسكرةً علنًا من السودان، لكنها لا تقل تأثرًا بالتدخل الخارجي. ويُمارس النفوذ بمرور الوقت من خلال المؤسسات والبنية التحتية وعلاقات القيادة.
وتُعزز الحرب الإيرانية هذه الديناميكيات برفعها من أهمية الوصول البحري وأمن التجارة عند ملتقى البحر الأحمر والمحيط الهندي، مما يخلق نمطًا دائمًا من التشرذم؛ حيث تدير الجهات الفاعلة الخارجية توزيع السلطة بدلًا من حلّها.
المحور الثالث: إثيوبيا باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل النظام
لا تُعدّ إثيوبيا مجرد حالة أخرى ضمن منطقة القرن الإفريقي الأوسع، بل تسعى إلى تبوؤ مكانة قوة إقليمية مؤثرة وإعادة تشكيل موازين القوى في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي بأكملها. وينعكس هذا الطموح في موقف إقليمي أكثر حزمًا، بما في ذلك تجاه الصومال، وفي تركيز متجدد على بسط نفوذها خارج حدودها.
لا تكمن أهمية إثيوبيا في كونها ساحة للتنافس الخليجي بقدر ما تكمن في ربط إستراتيجيات الخليج بالتحولات الإقليمية الأوسع. فهي تمارس دورًا هيكليًّا بالغ الأهمية؛ إذ يتردد صدى التحولات في سياستها في جميع أنحاء المنظومة، مما يؤثر على التحالفات الإقليمية ومنافسات القوى.
رسّخت الإمارات العربية المتحدة مكانتها كشريك خارجي رئيسي في هذا المسار. ويجمع انخراطها بين الدعم المالي، والاستثمار في البنية التحتية، والدعم السياسي، لا سيما في أوقات الأزمات الاقتصادية. ويرتبط هذا الانخراط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة المحلية لرئيس الوزراء آبي أحمد، بما في ذلك مشاريع إعادة الإعمار والتنمية الحضرية البارزة في أديس أبابا.
وكما هو الحال في مجالات أخرى، يمتد الانخراط الإماراتي ليشمل إستراتيجيات الأمن الغذائي، بما في ذلك سلاسل الإمداد المرتبطة بالأراضي والاستثمارات الزراعية. وهذه ليست مسارات منفصلة، بل تعكس منطقًا متأصلًا قائم على استقرار إثيوبيا ودمجها في الخدمات اللوجستية الإقليمية بما يخدم مصالح الإمارات الأوسع نطاقًا في مرونة الإمدادات والموقع الإستراتيجي.
تُركز طموحات إثيوبيا الإستراتيجية حاليًّا، إلى حد كبير، على الوصول إلى البحر. وباعتبارها دولة حبيسة منذ انفصال إريتريا، تواجه إثيوبيا قيودًا هيكلية على قدرتها على بسط نفوذها. وقد أوضح “آبي أحمد” هذا الأمر جليًّا: “لا يمكن لدولة بحجم إثيوبيا وتطلعاتها أن تدّعي قيادة إقليمية دون الوصول إلى البحر والقدرة على تأمينه”.
وقد انعكس ذلك في سياسة أكثر حزمًا تجاه موانئ البحر الأحمر، ليس فقط لأغراض التجارة، بل أيضًا للسيطرة الإستراتيجية. كما تُعزز الحرب الإيرانية هذا المسار من خلال زيادة القيمة الإستراتيجية للوصول إلى البحر الأحمر، وكشف هشاشة الطرق البحرية القائمة، مما يدعم التوافق بين طموحات إثيوبيا ومصالح دول الخليج في تأمين ممرات النقل الإستراتيجية والسيطرة الجيوسياسية.
كما تُزيد الحرب من حدة التنافس على نقاط الوصول، مما يترتب عليه توافقًا جزئيًّا: إذ تُوفر دول الخليج البنية التحتية ونقاط الوصول، بينما تسعى إثيوبيا إلى استغلالها لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري.
تمثل مذكرة التفاهم الأخيرة مع أرض الصومال خطوة حاسمة في هذا الاتجاه. فمن خلال ربط الاعتراف المحتمل بالوصول إلى الموانئ، تتجاوز إثيوبيا الاعتماد السلبي على الطرق القائمة، وتعيد تشكيل التحالفات الإقليمية بشكل فعّال.
وكما توقعت القيادة الإثيوبية، أدت مذكرة التفاهم إلى تصعيد حاد في التوترات مع الصومال، التي تعتبر أيّ خطوة نحو الاعتراف بأرض الصومال انتهاكًا مباشرًا للسيادة. كما فتحت المذكرة آفاقًا جديدة للمنافسة الإقليمية؛ حيث وضعت دعم تركيا الرسمي لمقديشو في مواجهة دعم الإمارات وإسرائيل لموقع أرض الصومال الإستراتيجي على طول ممر البحر الأحمر.
ولا تزال إريتريا ورقة حاسمة في هذه المعادلة. فموقعها على البحر الأحمر وبنيتها الأمنية المشددة يجعلانها فاعلًا رئيسيًا في أيّ محاولة لإعادة تنظيم الوصول والسيطرة. وعقب تحالفهما التكتيكي خلال حرب تيجراي، وفي خضم التوترات بشأن سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر -ربما عبر الموانئ الإريترية-، تدهورت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا مجددًا. ولا يزال خطر تجدد المواجهة قائمًا.
كما تنخرط إريتريا في صراعات إقليمية أوسع، بما في ذلك مشاركتها المرتبطة بالحرب في السودان؛ حيث يتعارض موقفها -بما في ذلك قبولها قواعد عسكرية لميليشيات موالية للقوات المسلحة السودانية-، بشكل سافر مع المصالح الإماراتية. الأمر الذي يجعل إريتريا طرفًا مؤثرًا في موازين القوى، مما يُعقّد طموحات إثيوبيا وإستراتيجيات دول الخليج، لا سيما في عسكرة ممر البحر الأحمر.
خلص الباحث إلى أن إثيوبيا تطمح إلى تشكيل بنية النظام الإقليمي بدلًا من الاكتفاء بالتأثير في صراعاته. وتسعى إلى ترسيخ مكانتها كركيزة أساسية تربط السلطة السياسية الداخلية بالوصول البحري والشراكات الخارجية.
إلا أن هذا الطموح له ثمنه؛ إذ تتورط إثيوبيا، على نحو متزايد، في ديناميات صراع متعددة، داخليًّا وخارجيًّا. وتؤدي سياستها الإقليمية الحازمة إلى احتكاكات مع الصومال وإريتريا، وتتداخل في الوقت نفسه مع التنافس الخليجي. وبدلًا من أن يُسهم صعود إثيوبيا الواعي كفاعل مؤثر في النظام في استقراره، فإنه يُعزز نظامًا إقليميًّا أكثر اضطرابًا.
المحور الرابع: تداعيات حرب إيران غير المباشرة على القرن الإفريقي
تطرَّق الباحث إلى أنه بما لا يدع مجالًا للشك؛ فاقمت الحرب مع إيران الضغط على دول الخليج للتنسيق فيما بينها.
ونشأت مصالح مشتركة جديدة حول أمن البحر الأحمر واحتواء التصعيد. وقد أدَّى هذا الاهتمام المشترك إلى تقارب إستراتيجي، لا سيما فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر واحتواء إيران، مما وحَّد جهود دول الخليج على مستوى الأولويات الإستراتيجية، بينما بقيت مشاركاتها في القرن الإفريقي -وخاصة في السودان- مجزأة وتنافسية، فيما لا تزال المنافسة قائمة.
كذلك تتباين المصالح بين مختلف الأطياف السياسية، وتختلف وجهات النظر الزمنية: بالنسبة لبعض الجهات الفاعلة، يتمثل الشغل الشاغل في الأمن البحري وحماية طرق التجارة. أما بالنسبة لآخرين، فيظل التموضع طويل الأمد، والسيطرة على البنية التحتية، ومخاوف الاستدامة -لا سيما في سياق التحول ما بعد الكربون في المنطقة-، والوصول إلى الموارد والنقل، والنفوذ السياسي، عوامل لها وزنها وأهميتها.
وتُضيّق الأزمة الإيرانية نطاق هذه الأجندات، لكنها لا تخلق توافقًا بينها. ويتجلى هذا التباين بوضوح في اختيار الشركاء المحليين. ففي السودان والصومال وإثيوبيا، تتحالف جهات فاعلة خليجية مع قوى سياسية ومستويات مؤسسية مختلفة، غالبًا بطرق متضاربة. ولا يُوزّع الدعم بالتساوي، بل هو مُوجّه وإستراتيجي، يُعزّز بعض الجهات الفاعلة بينما يُهمِّش أخرى.
وتُشكل هذه التحالفات البنية الداخلية للصراعات والأنظمة السياسية، ما يترتب عليه تفتت مستمر للتفاعل الخارجي، مما يحد من نطاق تضافر الجهود وتنسيق العمل حتى في حال تداخل المصالح.
علاوة على ذلك، تؤثر الديناميكيات الجيوسياسية، مباشرةً، على الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في جميع أنحاء المنطقة. وتؤثر الحرب الإيرانية على منطقة القرن الإفريقي بشكل أقل من خلال المواجهة المباشرة، وعلى نطاق اوسع من خلال الأسواق والخدمات اللوجستية.
ويؤدي تزايد حالة الضبابية في البحر الأحمر وممرات الخليج إلى ارتفاع التكاليف، والتأخير، وزيادة تقلبات سلاسل التوريد. وتتفاوت درجة هذه التداعيات، لكنها محسوسة بقوة.
وتُعدّ أسعار الوقود النقطة الأكثر إلحاحًا؛ إذ تعتمد معظم الدول اعتمادًا كبيرًا على الواردات، مما يجعلها عُرضة لتقلبات أسواق الطاقة العالمية. وتؤدي الزيادات السريعة في الأسعار إلى ضغوط مالية، لا سيما في الدول التي تُقدّم الدعم أو التي تعتمد حكوماتها على ضرائب الوقود.
وترتفع تكاليف النقل، مما يؤثر على الاستهلاك الحضري وسلاسل التوريد الريفية. ما يترتب عليه آثار متتالية على مختلف القطاعات، من توزيع الغذاء إلى الخدمات الأساسية.
كما يرتبط الأمن الغذائي ارتباطًا وثيقًا بهذه الديناميكيات. فارتفاع تكاليف الوقود يزيد بالتبعية من أسعار الواردات والنقل، بينما تتأثر أسعار الأسمدة وتوافرها أيضًا بتقلبات السوق العالمية. ولعل أزمة الأسمدة الناجمة عن تعطل إنتاج الأسمدة في دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز، وهو ممر عبور رئيسي لنحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، تُشكِّل حاليًا أكبر خطر يُهدّد استدامة الإنتاج الزراعي في المنطقة.
وبالنسبة للدول التي تعاني من أزمات غذائية هيكلية، مثل السودان وجنوب السودان، وكذلك إثيوبيا والصومال، يُضيف هذا عبئًا إضافيًا على أنظمتها الهشة أصلًا. وتزداد هشاشة الأسر، لا سيما في المناطق الحضرية حيث تكون أسعار المواد الغذائية أكثر حساسية لتقلبات السوق.
تُفاقم التجارة والخدمات اللوجستية هذه الضغوط؛ حيث تُطيل الاضطرابات في البحر الأحمر -سواء أكانت هجمات مباشرة، أو ارتفاع أقساط التأمين، أو تغيير مسارات الشحن كإجراء احترازي- فترات النقل وترفع التكاليف.
ويصبح الشحن أقل قابلية للتنبؤ. بالنسبة للدول غير الساحلية أو التي تعتمد على الممرات البحرية، هناك تداعيات اقتصادية مباشرة؛ إذ لا تؤثر التأخيرات على الواردات فحسب، بل على الصادرات أيضًا، مما يُقوِّض تدفقات الإيرادات والاستقرار الاقتصادي.
تُجسّد كل من كينيا وأوغندا هذه الآثار غير المباشرة. فكلتاهما بمثابة مركزين إقليميين يربطان الاقتصادات الداخلية بالأسواق العالمية. ويُعرّض دور كينيا كمركز لوجستي وجوي، البلادَ لاضطرابات في الشحن والسفر الجوي.
بينما يجعل اعتماد أوغندا على الممرات الإقليمية -خاصة دار السلام في تنزانيا؛ حيث من المُخطط أن يصل إنتاجها النفطي القادم إلى السوق العالمية- منها دولةً حساسةً لارتفاع التكاليف والتأخيرات. ورغم أن أيًّا من البلدين ليس ساحةً مركزيةً للمنافسة الخليجية، إلا أنهما يتأثران بشدة بتداعياتها.
ويُترجم الضغط الاقتصادي إلى مخاطر سياسية، خاصةً وأن ارتفاع التكاليف، والقيود المالية، واضطرابات الإمدادات، تُعرِّض الحكومات لضغوطٍ كبيرة. وفي بيئاتٍ هشّةٍ أصلًا، يُمكن أن يُفاقم ذلك التوترات القائمة، ويزيد من السخط، ويُهيئ الظروف لعدم الاستقرار. ولا تكون هذه الآثار متماثلة، لكنها تُعزّز مواطن الضعف الكامنة في جميع أنحاء المنطقة.
وعليه، تسري الحرب مع إيران عبر ديناميكيتين مترابطتين. فهي تُبرز الحاجة إلى التنسيق الإستراتيجي بين الأطراف الخليجية، لا سيما فيما يتعلق بالأمن، مع الإبقاء على التنافس العملياتي قائمًا. وفي الوقت نفسه، تنقل هذه الحرب الضغوط الاقتصادية إلى منطقة القرن الإفريقي الأوسع، مما يُفاقم مواطن الضعف القائمة، ويخلق بيئة إقليمية أكثر تقييدًا؛ حيث يتعزز التنافس الجيوسياسي والضغوط الاقتصادية دون أن يُنتجا إطارًا متماسكًا لتحقيق الاستقرار.
خاتمة:
استعرض الباحث الكيفية التي أدَّت بها الحرب الإيرانية إلى انخراط منطقة القرن الإفريقي الأوسع في الساحة الجيوسياسية الأشمل للخليج والبحر الأحمر. وقد كثَّفت هذه الحرب الديناميكيات القائمة وعزَّزت ترابطها. ونتج عن ذلك نظام إقليمي بدا أكثر ترابطًا؛ حيث تترجم التطورات في الخليج بسرعة إلى آثار سياسية ودبلوماسية وأمنية واقتصادية في جميع أنحاء القرن الإفريقي، لكنه في الواقع يعاني الهشاشة نتيجة تباين وتضارب الأهداف.
فعلى المستوى الإستراتيجي، أدَّت الحرب مع إيران إلى تقارب نِسْبي بين دول الخليج. وقد خلقت المخاوف المشتركة بشأن الأمن البحري، ومخاطر التصعيد، وحماية التجارة والاستثمار، دوافع للتنسيق. ويتجلى ذلك في الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في ممر البحر الأحمر والحفاظ على القنوات الدبلوماسية في مناطق النزاع كالسودان.
أما على أرض الواقع، فلا يزال التنافس قائمًا. ولا تزال المشاركة محكومةً بأولويات متباينة وتحالفات محلية غير متوافقة. وتُظهر حالات السودان والصومال وإثيوبيا، بطرق مختلفة، كيف يتجلى ذلك في ساحات متباينة.
من ناحية أخرى، يُقلِّص هذا الوضع المختلط هامش المناورة المتاح للجهات الفاعلة. فالجهات الفاعلة في الخليج باتت أكثر تقييدًا من أيّ وقت مضى في تاريخها الحديث. وتَحُدّ مخاطر التصعيد والترابطات المتبادلة من إمكانية اتخاذ إجراءات أحادية الجانب.
في الوقت نفسه، ازدادت أهمية الحفاظ على النفوذ في الملفات الإقليمية، مما يُعزّز أنماط المشاركة الانتقائية؛ حيث تُركّز الجهات الفاعلة على الشراكات القائمة بدلًا من التوجه نحو مناهج منسقة. والنتيجة ليست استقرارًا، بل تفتيتًا من الداخل.
وفيما يخص دول أوروبا الوسطى، يُمثل الصراع المُعقّد في القرن الإفريقي الأوسع وضعًا شديد الحساسية مع نفوذ محدود على المستويات الدبلوماسية والعسكرية. وتنعكس التطورات في منطقة الخليج والبحر الأحمر مباشرةً على الاقتصاد الأوروبي، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات التجارة، وتقلبات سلاسل التوريد، دون وجود نفوذٍ كافٍ للتأثير على النتائج.
وفي ضوء هذه التداعيات، تبرز الحاجة إلى انخراط إستراتيجي أكثر اتساقًا في المنطقة، ليس فقط فيما يتعلق بالهجرة، بل أيضًا كمسألة سياسة اقتصادية وأمنية تؤثر على المصالح الأوروبية الجوهرية. وتتجلى هنا أهمية الانخراط في جهود الوساطة في المنطقة، وتعزيز التواصل مع المنظمات متعددة الأطراف في القرن الإفريقي، وهو ما يمكن استخدامه إستراتيجيًّا لبناء علاقات أكثر جوهرية مع دول الخليج.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Pospisil, Jan. The Iran War and the Wider Horn of Africa: Gulf Rivalries, Regional Realignments, and Economic Spillovers. Policy Analysis No. 2/2026. Vienna: Austrian Institute for International Affairs (oiip) 8 May 2026. متاح على الرابط
أحدث المقالات
- رئيس جنوب إفريقيا يحذر من تحميل المهاجرين مسؤولية المشاكل الاقتصادية
- تفشي إيبولا في الكونغو قد يكون الأسوأ على الإطلاق
- تداعيات حرب إيران على القرن الإفريقي: التنافس الخليجي وإعادة تشكيل التوازنات
- صناعة النشر في إفريقيا 2025: الواقع والتحديات وفرص النمو
- أرض الصومال تفتتح سفارة لها في القدس بعد اعتراف إسرائيل باستقلالها











































