تتصاعد المخاوف من احتمال تجدد الحرب في تيغراي، شمالي إثيوبيا؛ في ظل التوتر العسكري والسياسي المتصاعد بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي؛ بالتزامن مع اتهامات إثيوبية لمصر بدعم قوى مناهضة للحكومة، وتحذيرات من تداعيات إقليمية واسعة إذا اندلعت حرب جديدة على كل من إريتريا والسودان.
هذه التطورات تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات الإثيوبية مع عدد من دول المنطقة توترات مرتبطة بملفات الأمن المائي والسيادة والوصول إلى البحر الأحمر، بينما تعزز مصر علاقاتها مع إريتريا والصومال.
في هذا السياق، أجرت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” باللغة الأورومية، مقابلة مع السفير الإثيوبي لدى كينيا، باتشا ديبيلي، الذي شغل سابقًا منصبًا قياديًا في الجيش الإثيوبي.
تناول اللقاء تصاعد التوترات في تيغراي، واحتمالات اندلاع مواجهة جديدة بين الحكومة والجبهة، إلى جانب رؤية المسؤول الإثيوبي لمواقف مصر وإريتريا والسودان، ودور جبهة تحرير شعب تيغراي وقوات فانو وجيش تحرير أورومو في المشهدين الأمني والسياسي الإثيوبي.
محتويات المقال
الحرب في تيغراي
مطلع الأسبوع الماضي، اندلعت اشتباكات بين قوات حكومية وقوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي على مقربة من الحدود السودانية.
وفي حين لم يصدر عن الحكومة الإثيوبية موقف تفصيلي بشأن الاشتباكات، اتهمت تيغراي الحكومة بشن هجوم عليها.
كما أكد أبراهام بالاي، الذي يشغل منصبًا وزاريًا في حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد، وقوع الاشتباكات، واتهم جبهة تحرير شعب تيغراي ببدء القتال.
وكان السفير ديبيلي قد قال في مقابلة سابقة مع “بي بي سي” باللغة الأمهرية إن جبهة تحرير شعب تيغراي تستعد للحرب، في وقت تتزايد فيه المخاوف من عودة القتال إلى شمال إثيوبيا.

جبهة تحرير تيغراي لم تعد كما كانت
يرى السفير ديبيلي أن القدرات العسكرية لجبهة تحرير شعب تيغراي تراجعت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه خلال الحرب السابقة في شمال إثيوبيا (2020: 2022).
وقال إن الجبهة كانت، خلال تقدمها باتجاه منطقة “دِبْرِ سينا” في إقليم أمهرة، تمتلك قوة عسكرية كبيرة، وتحظى بدعم شعبي ومعدات عسكرية ودعم دبلوماسي دولي، مشيرًا إلى أن دولاً أوروبية وغيرها كانت تتعامل معها آنذاك.
وأضاف أن الجبهة كانت في ذلك الوقت قادرة على حشد نحو 270 ألف مقاتل، بينما لا يتجاوز عدد قواتها حاليًا، وفق تقديره، 30 ألفًا، كما قال إن الدعم الشعبي لها تراجع.
وتتهم السلطات الإثيوبية جبهة تحرير شعب تيغراي بإقامة علاقات وثيقة مع الحكومة الإريترية، التي تشهد علاقاتها مع حكومة أبي أحمد توترًا متزايدًا.
وفي ظل المخاوف من تجدد الحرب، أعلنت جبهة تحرير شعب تيغراي تشكيل تحالفات مع قوى مختلفة.
اتهامات إثيوبية بدعم مصري لجبهة تحرير شعب تيغراي
يذهب مسؤولون إثيوبيون إلى أن مصر تقف وراء جبهة تحرير شعب تيغراي، وأنها تقدم لها دعمًا يتجاوز الدعم الإريتري.
وقال السفير ديبيلي إن جبهة تحرير شعب تيغراي لا تمتلك قوتها السابقة، لكنه اتهم مصر بأنها مصدر تمويلها.
كما اتهم مصر بدعم جبهة جيش تحرير أورومو، مؤكدًا أن هذه الاتهامات ليست جديدة، وأن مسؤولين إثيوبيين سبق أن وجهوا اتهامات مماثلة إلى القاهرة.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق خلافات طويلة بين مصر وإثيوبيا حول مياه نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي، الذي استكملت إثيوبيا بناءه بعد 14 عامًا من بدء المشروع.
وفي المقابل، تقول مصر إنها تريد المشاركة في إدارة السد، بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
تقارب مصر والصومال
في موازاة ذلك، عززت مصر علاقاتها مع الصومال خلال الفترة التي شهدت تراجعًا في العلاقات بين مقديشو وأديس أبابا.
وكانت القاهرة قد أعلنت استعدادها لإرسال قوة لحفظ السلام إلى الصومال، الدولة المجاورة لإثيوبيا، في خطوة أثارت اهتمامًا إثيوبيًا.
وتساءل السفير ديبيلي عن سبب الاهتمام المصري بحفظ السلام في الصومال بعد اكتمال سد النهضة، معتبرًا أن ما يجري في المنطقة تقف وراءه مصر.
وقال إن إثيوبيا تتمسك بمطلبها المتعلق بالوصول إلى البحر، في حين تعارض مصر وإريتريا هذا المطلب.
إثيوبيا: إذا اندلعت فلن تكون هناك حكومة إريترية
حذر السفير ديبيلي من أن اندلاع حرب جديدة في شمال إثيوبيا لن يقتصر تأثيره على تيغراي، بل قد يعيد تشكيل المشهد السياسي والجغرافي في المنطقة.
وقال إن إريتريا تدعم جبهة تحرير شعب تيغراي، بحسب تقديره، بهدف إبقاء ساحة الحرب داخل تيغراي وعدم انتقالها إلى الأراضي الإريترية.
ووصف هذا التصور بأنه “حماقة”، معتبرًا أن اندلاع الحرب سيجعل تيغراي نفسها ساحة رئيسية للقتال.
وأكد أن إثيوبيا لا تسعى، وفق قوله، إلى الاستيلاء بالقوة على ميناء عصب الإريتري، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن اندلاع حرب واسعة قد يؤدي إلى انهيار حكومتي السودان وإريتريا.
تداعيات إقليمية تمتد إلى السودان
قال السفير ديبيلي إن السودان يخوض حربًا داخلية، وإن اندلاع مواجهة بين إثيوبيا وأطراف أخرى في المنطقة قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة.
وأضاف أن الحرب الحديثة لم تعد تعتمد بصورة أساسية على القتال البري التقليدي، وإنما أصبحت التكنولوجيا عنصرًا حاسمًا فيها، ما يجعل قدرة إثيوبيا على حسم أي مواجهة، وفق تقديره، أكبر مما كانت عليه في الماضي.
مجددًا تحذيره من أن أن اندلاع حرب جديدة قد يؤدي إلى تغير الحكومات والجغرافيا السياسية في المنطقة.
تحركات مصر وإريتريا
في ظل هذه التوترات، أشار تقرير “بي بي سي” إلى التحركات المتكررة بين مصر وإريتريا، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من اندلاع حرب جديدة في شمال إثيوبيا.
ودعا السفير ديبيلي إلى معالجة التوترات من خلال الحوار، كما دعا الشعب إلى رفض جبهة تحرير شعب تيغراي.
وكان اتفاق بريتوريا قد أنهى الحرب السابقة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي وأوقف القتال، إلا أن الطرفين يتبادلان الاتهامات بانتهاك الاتفاق.
ويرى السفير ديبيلي أن الاتفاق واجه مشكلات بسبب تدخل أطراف لا علاقة مباشرة لها بالنزاع، متهمًا بعض القادة بأنهم لا يريدون السلام، لأن تحقيقه قد يضعهم أمام المساءلة القانونية ويؤثر في مصالحهم السياسية.
انتقادات لعملية نزع سلاح قوات تيغراي
انتقد السفير الإثيوبي ديبيلي أيضًا عملية نزع سلاح قوات تيغراي وإعادة دمجها في المجتمع، معتبرًا أن عدد الذين سلموا أسلحتهم كان محدودًا.
وقال إن الأسلحة الثقيلة التي كان ينبغي تسليمها لم تُسلَّم، وإن ما جرى تسليمه كان في الغالب أسلحة لم تعد مستخدمة.
وأضاف أن استمرار ظهور الدبابات وأنظمة الدفاع الجوي يشير، وفق رأيه، إلى أن جبهة تحرير شعب تيغراي لم تسلم أسلحتها بالكامل.
جيش تحرير أورومو وفانو
انتقل السفير ديبيلي إلى الحديث عن جيش تحرير أورومو وجماعات فانو المسلحة، وهما من أشرس القوى التي تخوض مواجهات مع الحكومة الفيدرالية في منطقتي أوروميا وأمهرة.
وكان جيش تحرير أورومو قد أجرى محادثات مع الحكومة الإثيوبية مرتين، لكنه لم يتوصل إلى اتفاق، بينما تواصل جماعات فانو المسلحة الاشتباكات مع القوات الفيدرالية.
وتتهم السلطات الإثيوبية هذه الجماعات بإقامة تعاون مع جبهة تحرير شعب تيغراي.
لكن السفير ديبيلي قلل من قدرتها على التأثير في حال اندلاع حرب جديدة في الشمال، قائلاً إن قوات فانو نفسها تواجه مشكلات، وإن القوة الموجودة في أوروميا لا تمتلك، بحسب تقديره، القدرة على خوض حرب منظمة أو إحداث تغيير كبير.
وأضاف أن أيًا من فانو أو جيش تحرير أورومو لن يتمكن من الوصول إلى شمال البلاد لمسافة كبيرة، حتى لو كانت الطريق مفتوحة أمامه.
دعوة إلى إنهاء الصراع بالحوار
وفي ختام حديثه عن الجماعات المسلحة، دعا السفير ديبيلي إلى معالجة مطالبها من خلال الحوار بدلاً من استمرار القتال.
وقال إن الجماعات التي تحتاج إلى المال يمكنها التفاوض مع الحكومة للحصول عليه، بينما أشار إلى أن المطالب السياسية والاجتماعية يمكن طرحها من خلال الانتخابات.
وأكد أن الخيار الأفضل هو إحلال السلام، معتبرًا أنه في حال تحول الصراع إلى مواجهة تستهدف القضاء على الطرف الآخر، فلن يكون من المفيد الحديث عن طرف منتصر وآخر مهزوم.
ما وراء الاتهامات الإثيوبية
تعكس تصريحات السفير الإثيوبي وما جاء في تقرير “بي بي سي”، رؤية إثيوبية شديدة القلق من احتمال عودة الحرب إلى شمال البلاد، كما تكشف عن قراءة تربط بين التطورات في تيغراي والتحركات المصرية والإريترية والصومالية في القرن الإفريقي.
غير أن الاتهامات الموجهة إلى مصر وإلى مختلف الأطراف الإقليمية والمحلية تظل، وفق ما ورد في التقرير، مواقف صادرة عن مسؤولين إثيوبيين، لم تتضمن ردًا من القاهرة وأسمرة والخرطوم، أو حتى جبهة تحرير شعب تيغراي أو جيش تحرير أورومو على هذه الاتهامات.
كما تظل الاتهامات الإثيوبية لجيرانها بحاجة إلى وضعها في سياق التوترات الإقليمية الأوسع، في ظل تباين مواقف هذه الدول بشأن قضايا الأمن الإقليمي، وسد النهضة على النيل الأزرق، والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
فالقاهرة تنظر إلى أمن حوض النيل باعتباره قضية أمن قومي، بينما عززت خلال الفترة الأخيرة تعاونها مع الصومال في المجالات الأمنية والعسكرية، وهو ما تراه أديس أبابا جزءًا من ضغوط إقليمية متزايدة عليها.
أما إريتريا، فتحتفظ بعلاقات متوترة مع الحكومة الإثيوبية على خلفية قضايا عدة، بينها اتفاق بريتوريا وترتيبات ما بعد حرب تيغراي وقضية الوصول البحري والسيادة على موانئ البلاد.
في حين يظل السودان غارقًا في حرب داخلية مع ميليشا “الدعم السريع” المدعومة إقليميًا، تجعل قدرته على الانخراط المباشر في أي صراع إقليمي محدودة، رغم أهمية موقع السودان الجغرافي وتأثير تطورات الحرب السودانية في حسابات أمن القرن الإفريقي.
ومن ثم، فإن التحركات المصرية والإريترية والسودانية يمكن قراءتها من زوايا متعددة، لا تقتصر بالضرورة على هدف معلن أو واحد يستهدف إثيوبيا.
تقرير “بي بي سي” باللغة الأورومية، متاح على الرابط











































