بقلم: مارتن فيسمان
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
نشرت صحيفة فرانكفورتر ألجماينه FAZ الألمانية- ضمن سلسلتها التي تحمل عنوان “القوى المتوسطة في ظل غياب نظام عالمي”[1]– مقالاً حصرياً للرأي بقلم: مارتن فيسمانMartin Wiesmann[2]، جاء المقال تحت عنوان “جنوب إفريقيا ترسخ مكانتها كقوة متوسطة في مرحلة ما بعد الثورة”.
يستعرض المقال أداء جنوب إفريقيا للحد من الاعتمادية على القوتين العظميين، الولايات المتحدة والصين.
وتتمثل نقاط انطلاق جنوب إفريقيا نحو تحقيق هذه الغاية في عدة إستراتيجيات؛ منها تنويع التحالفات الدولية، واستقلالية القرار السياسي، وتعزيز التكامل الإقليمي ودعم التكتلات الاقتصادية الموازية كـ”مجموعة بريكس”، وأخيراً، تتكئ جوهانسبرج على إرثها الثوري بالتوازي مع براجماتية عصرية، لتحقيق معادلة الاستقلالية.
في هذا المقال
تمهيد
“نحن فريق صغير”.. هكذا استهلت نوكوخانيا جيلي، مستشارة الشؤون الخارجية والعلاقات الدولية للرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا، حوارها بحماس، وهي في طريقها لحضور الاجتماع المنعقد في القصر الرئاسي في بريتوريا.
لعبت جيلي، الجنوب إفريقية من أصول يهودية-مجرية، دوراً محورياً في دفع جنوب إفريقيا إلى رفع دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة.
وهي تدرك تماماً حجم التوتر القائم بين موارد جنوب إفريقيا المحدودة والطموحات الكبيرة لمشروع التحرير الذي أطلقه المؤتمر الوطني الإفريقي ANC، والذي لا تزال جنوب إفريقيا ترتبط بإرثه الثوري ارتباطاً وثيقاً، سواء على الصعيدين الخارجي أو الداخلي، غير أنها ترى أن مبادئ الحزب غير قابلة للتفاوض.

المناورة الجيوسياسية والضغوط الداخلية
بوصفها قوة متوسطة صاعدة فيما بعد الثورة، حافظت بريتوريا، على مدار عقود، على موقفٍ محايد تجاه الولايات المتحدة الأمريكية بين دول عدم الانحياز.
وفي الوقت نفسه، سعت إلى ضمان استقلالها الإستراتيجي ضمن هياكل التعاون، مثل مجموعة العشرين، ودول بريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا)، والاتحاد الإفريقي، فضلاً عن مشاركتها الأوسع في منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة.
باعتبارها دولةً مُصدِّرة للمواد الخام تعاني من عجز تجاري كبير مع الصين، وقاعدة صناعية بطيئة النمو، تتعرض جنوب إفريقيا لمزيد من التقلبات الجيوسياسية.
وبمتوسط نمو لا يتجاوز 0.7% خلال العقد الماضي، يفتقر اقتصادها أيضاً إلى الديناميكية اللازمة لدعم طموحاتها في السياسة الخارجية على نحوٍ مستدام.
ورغم دورها المحوري كبوابة للقارة، ولا سيما للصادرات إلى الولايات المتحدة، لم تتلقَّ بريتوريا الدعم الكافي من الاتحاد الإفريقي، ومثلها مثل البرازيل والهند، لم تُوفَّق حتى الآن في مسعاها للحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي بعد إصلاحه.
والواقع، لطالما استشهد مواطنو جنوب إفريقيا بمقولة رئيس الوزراء السابق يان سموتس عند سؤالهم عن حال بلادهم بعد مرور 36 عاماً على انتهاء نظام الفصل العنصري؛ قائلين: “ليس هناك ما هو أسوأ أو أفضل على حدٍّ سواء”.
والواقع، إنها مسألة نسبية تخضع لقواعد التقييم الفردية؛ لقد أصبح نيلسون مانديلا رمزاً عالمياً، ولا تزال جنوب إفريقيا، حتى يومنا هذا، واحدة من الحالات القليلة التي ساهمت فيها العقوبات الدولية والعزلة السياسية إسهاماً ملحوظاً في سقوط نظام الحكم.
علاوةً على ذلك، في عام 2024م، تقبّل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي خسارة أغلبيته المطلقة وشكّل حكومة ائتلافية مع التحالف الديمقراطي الليبرالي المحافظ DA؛ إذاً، من الصعب إنكار حدوث تطورات كبيرة في البلاد؛ إلا أن “تفشي العنف السياسي” الذي توقعه الكثيرون لم يحدث حتى الآن.
في المقابل، تراكمت ضغوط هائلة في جنوب إفريقيا؛ إن معدل البطالة الذي يتجاوز 31%، ويربو على 60% بين الشباب -بينما لا يتجاوز 16% بين الشباب البيض- إلى جانب ركود الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد لأكثر من عقد، يهدد أحد أكثر مشاريع التحول الاجتماعي جذرية في العالم.
لقد سعت الحكومة إلى تجاوز تبعات عقود من نظام الفصل العنصري من خلال أدوات مثل برنامج التمكين الاقتصادي للسود BEE، لكنه واجه انتقادات. تعزو الدراسات الخسائر الاقتصادية التي تتراوح بين 1.5% و3% من الناتج المحلي الإجمالي إلى هذا البرنامج.
فبدلاً من إشراك السكان السود شراكةً موسعةً في التنمية الاقتصادية لجنوب إفريقيا، برزت نخبة سوداء صغيرة.
ووفقاً لتقديرات مجلة الإيكونوميست، جَنت هذه النخبة حوالي 50 مليار دولار من خلال الإجراءات القانونية التي تُسهّل ملكية السود للشركات.
وتسعى الحكومة إلى توسيع نطاق برنامج التمكين الاقتصادي للسود BEE ليتضمن “التمكين الاقتصادي الشامل للسود” B-BBEE، لكن النجاح في هذه المساعي ما زال محدوداً حتى الآن.
جنوب إفريقيا تبحث عن مسارها نحو النمو

يُعتبر نهج الحكومة أكثر فعالية، لكونها تعمل- جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص- لمعالجة الانقطاعات الحادة في إمدادات الكهرباء والمياه، وتحديث البنية التحتية للطاقة التي تعتمد على واردات الفحم والغاز اعتماداً كبيراً.
ورغم أن هذا النهج لم يُفضِ بعد إلى النمو الديناميكي المعهود في الأسواق الناشئة؛ فإن الظروف مواتية لتحقيق مزيد من التطور، تزامناً مع هدف تضخمي بنسبة 3%، ودين وطني يقل قليلاً عن 80% من الناتج المحلي الإجمالي، وسوق رأس مال سائل، وتصنيف ائتماني مُحسّن من “ستاندرد آند بورز” وصل إلى BB (بالعملة الأجنبية) وBB+ (بالعملة المحلية).
الإرث الثوري وهوية السياسة الخارجية
لا تزال جنوب إفريقيا ملتزمة برؤى ورسائل الماضي، ليس فقط في سياساتها التحويلية وأدواتها، بل أيضاً في جوانب أخرى. وبصفتها حركة تحرير حظيت بدعم الاتحاد السوفييتي، لا تزال بعض أطياف المؤتمر الوطني الإفريقي تحافظ على علاقات وثيقة مع روسيا وتعززها.
وقد تجلى هذا الارتباط التاريخي أيضاً في المناورات البحرية المشتركة مع روسيا والصين التي أجرتها جنوب إفريقيا حتى بعد مرور عام على الهجوم الروسي على أوكرانيا.
إلا أن هذه المناورات لم تكن السبب في مواجهة الرئيس رامافوزا بصفته أول ضيف أجنبي يزور البيت الأبيض بعد إعادة انتخاب ترامب، فيما يشبه المحاكمة.
لقد جاءت اتهامات حكومة رامافوزا بممارسة “الإبادة الجماعية بحق البيض” كـ”رد فعل” سياسي على الدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بسبب الاشتباه في ارتكاب إبادة جماعية في غزة.
ولا تزال جنوب إفريقيا ثابتة على تمسكها بالمبدأ الذي صاغه نيلسون مانديلا، وهو أن «جنوب إفريقيا لن تكون حرة حتى ينال الشعب الفلسطيني حريته واستقلاله».
لقد فرض ترامب رسوماً جمركية إضافية بنسبة 30% على برتيوريا، وعرض على المواطنين الجنوب إفريقيين البيض الراغبين في الهجرة إلى الولايات المتحدة عرضاً لم يستفِد منه سوى بضعة آلاف حتى الآن. لكن الأمر لا يقتصر على صراع الشرق الأوسط؛ فحسب.
لطالما أظهر دعم حركة استقلال الصحراء الغربية ضد المغرب، على مدار عقود، مدى تأثر صورة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي في سياسته الخارجية بـ”إرث” كفاح التحرير، حتى إن كان ذلك يعني توتر العلاقات مع الولايات المتحدة.
من ناحيةٍ أخرى، تواصل جنوب إفريقيا المُضي قُدماً في هذه العلاقات، حيث سحبت الحكومة دعوة الولايات المتحدة بشكل مفاجئ من قمة قادة مجموعة العشرين؛ عندما خفضت الولايات المتحدة مشاركتها في قمة مجموعة العشرين المقرر عقدها في نوفمبر 2025م في جوهانسبرج إلى مجرد إيفاد القائم بأعمالها.
البراغماتية الجيوسياسية
هناك ضغوط كبيرة للتحرك في بريتوريا، لكن لا داعي للقلق المفرط. باعتبارها المنتج الرائد عالمياً لمعادن مجموعة البلاتين، وامتلاكها رواسب كبيرة من المنجنيز والكروم، تظل جنوب إفريقيا مورداً محتملاً للاتحاد الأوروبي من المعادن الحيوية (قانون المواد الخام الحيوية).
وفي الوقت نفسه، تسعى البلاد جاهدةً إلى استعادة القيمة المضافة التي فقدتها لصالح الصين، وتنويع علاقاتها الاقتصادية.
تُعدّ الصين الآن أكبر شريك تجاري لجنوب إفريقيا، إذ تستحوذ على نحو 21% من حجم التجارة. في المقابل، تستحوذ الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الحصة الأكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر، بنحو 40%، بقيادة قطاع صناعة السيارات الألماني.
في الوقت نفسه، تكتسب المناطق الاقتصادية الإقليمية، مثل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي SADC، أهمية متزايدة، وتساهم في تقليل الاعتماد على أسواق التصدير الفردية.
بفضل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، أصبحت جنوب إفريقيا أهم مورد زراعي في القارة الإفريقية، حيث تجاوز نمو صادراتها السنوي مؤخراً 15%.
ولا يمثل الانفصال عن الولايات المتحدة، التي كانت تستحوذ على نحو 7 إلى 8% من إجمالي الصادرات حتى عام 2024م، تهديداً وجودياً، ولكنه يحمل تداعيات قطاعية كبيرة. على سبيل المثال، من المتوقع أن يفقد قطاع صناعة السيارات ما يصل إلى 100 ألف وظيفة.
مهما كان إرث حزب المؤتمر الوطني الإفريقي السياسي مؤثراً في توجهات سياسة جنوب إفريقيا الداخلية والخارجية، تظل إستراتيجيته في التجارة والاقتصاد الخارجي والسياسة النقدية تتجاوز الآفاق الأيديولوجية: “تتعاون جنوب إفريقيا مع كافة الأطراف، حتى مع خبراء تحلية المياه من إسرائيل”، حسبما تقول مفوضة التجارة الجنوب إفريقية، زوليلوا ملومبي- بيتر.
وبينما يُنظر إلى مجموعة بريكس في بريتوريا باعتبارها إطاراً لا غنى عنه للخيارات الجيوسياسية والاقتصادية، فإن النهج المتبع تجاه أجندة بريكس يظل براجماتياً بجدارة.
ورغم أن جنوب إفريقيا عضو مؤسس في اتفاقية الاحتياطي الطارئ لمجموعة بريكس CRA- وهي آلية سيولة ومقايضة أُنشئت عام 2014م خارج منطقة الدولار- فإنه من غير المرجح أن ينطلق من بريتوريا، في المستقبل القريب، أي حراك كبير نحو عُملة بريكس موحدة.
ويقابل ذلك، على الأقل، واقعية البنك المركزي الجنوب إفريقي، الذي لا يزال يحتفظ بنحو 70% من الاحتياطي النقدي بالدولار.
وأخيراً، يُعدّ مانديلا “نموذجاً” للتفكير العملي غير الأيديولوجي: فبعد محادثاته مع الوفد الصيني في دافوس عام ١٩٩٢م، تخلى عن خطته الأصلية بشأن تأميم الصناعات الرئيسية في جنوب إفريقيا.
واليوم، تتزايد أهمية الصين كأهم شريك تجاري لجنوب إفريقيا بشكل مطرد، ويتسارع هذا التزايد بفعل الصراع المستمر بين بريتوريا وواشنطن، حيث يسمح الكونغرس، علاوةً على ذلك، بانتهاء العمل بقانون النمو والفرص في إفريقيا AGOA بنهاية العام.
هذا القانون- الذي سمح على مدار ما يربو على ربع قرن لدول إفريقيا جنوب الصحراء بالتصدير إلى الولايات المتحدة بمصاحبة إعفاءات من الرسوم الجمركية- لن يحد بالتأكيد من تقدّم الصين على بوابة القارة الإفريقية.
ولكن في المقابل، يمكن لأوروبا ذات التوجه الإستراتيجي أن تكون شريكاً مؤثراً لـ«بريتوريا» في موازنة النفوذ الصيني المتنامي.
يتناول الفيديو قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السابق بوقف المساعدات الأمريكية لجنوب إفريقيا، والذي جاء كرد فعل على قانون يسمح بإعادة توزيع الأراضي الزراعية من الأقلية البيضاء للأغلبية السوداء دون تعويض.
رابط المقال والهوامش:
* فرانكفورتر ألجماينه FAZ الألمانية، متاح على الرابط
[1] سلسلة «القوى المتوسطة في ظل غياب نظام عالمي»: هي سلسلة منشورات جيوسياسية تصدرها مؤسسة الأبحاث REPUBLIK21 e.V. وصحيفة FAZ، وتسلط الضوء على النفوذ المتزايد والتحديات الإستراتيجية التي تواجهها الدول المتوسطة في عالم متعدد الأقطاب.
[2] مارتن فيسمان: زميل مشارك رفيع المستوى في فريق الأبحاث المعني بالاقتصاد الجغرافي التابع لـ”المجلس الألماني للعلاقات الخارجية/DGAP”.











































