مقدمة:
تُعدّ ظاهرة النينيو (El Niño) من أبرز الظواهر المناخية العالمية التي تُحْدِث اضطرابات واسعة في أنماط الطقس، ولا تقتصر آثارها على الجوانب البيئية، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية عميقة، خاصةً في دول إفريقيا جنوب الصحراء، التي تُعتبر من أكثر المناطق تعرُّضًا لتداعيات هذه الظاهرة؛ نظرًا لاعتماد نسبة كبيرة من سكانها على الزراعة المطرية، وضَعْف البنية التحتية، ومحدودية القدرات المالية والمؤسسية اللازمة للتكيُّف مع الصدمات المناخية.
وقد تزايدت أهمية دراسة الآثار الاقتصادية لظاهرة النينيو في السنوات الأخيرة، في ظل تكرار الظواهر المناخية المتطرفة، وتزامنها مع أزمات عالمية أخرى، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتفاقم أعباء الديون، الأمر الذي أدَّى إلى تعميق الهشاشة الاقتصادية في العديد من الدول الإفريقية. وفي هذا السياق، تُسهم ظاهرة النينيو في إحداث خسائر مباشرة وغير مباشرة تمسّ الإنتاج الزراعي، والأمن الغذائي، وإمدادات الطاقة الكهرومائية، والتجارة الخارجية، والاستقرار المالي، بما ينعكس سلبًا على معدلات النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة.
ومِن ثَمَّ، يهدف هذا المقال إلى تحليل الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على ظاهرة النينيو في إفريقيا جنوب الصحراء، من خلال توضيح طبيعة الظاهرة وآليات تأثيرها على الأنشطة الاقتصادية، ولا سيما الزراعة والأمن الغذائي، وانعكاساتها على معدلات النمو الاقتصادي، والتضخم، والتجارة، والاستقرار المالي. كما يسعى المقال إلى استعراض أبرز الدول الأكثر عُرْضَة لتداعيات الظاهرة، ويختتم بمناقشة السياسات والإجراءات اللازمة لتعزيز قدرة الاقتصادات الإفريقية على التكيُّف مع الصدمات المناخية، بما يسهم في الحدّ من الهشاشة الاقتصادية وتحقيق تنمية أكثر استدامة وقدرة على الصمود.
أولًا– ظاهرة النينيو: المفهوم والأبعاد والدول الأكثر عُرضة لتداعياتها في إفريقيا:
تعرف “النينيو” على أنها ظاهرة مناخية مهمة تُؤثر على أنماط الطقس في جميع أنحاء العالم، مُسبِّبةً الفيضانات والجفاف وموجات الحر والعواصف في مناطق مختلفة. تحدث ظاهرة النينيو كل سنتين إلى سبع سنوات، ويمكن التنبؤ بها قبل عدة أشهر، على الرغم من صعوبة التنبؤ بتوقيتها وشدتها وآثارها التي قد تكون وخيمة. وتُعد النينيو جزءًا من نمط مناخي أوسع يُعرَف باسم “تذبذب النينيو الجنوبي” (ENSO). تحدث هذه الظاهرة عندما ترتفع درجة حرارة المياه السطحية في وسط وشرق المحيط الهادئ بشكل غير معتاد.([1])، ([2]). وقد حددت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية احتمالية بنسبة 80% لحدوث ظاهرة النينيو بين يونيو وأغسطس 2026، مع احتمالية استمرارها حتى نوفمبر بنسبة تقارب أو تتجاوز 90%. وتُصنَّف شدة الظاهرة المتوقعة بأنها متوسطة إلى قوية.([3])
وفي يوليو 2026، سادت بالفعل ظروف النينيو المعتدلة في المحيط الهادئ. وتشير التوقعات الحالية بشكل قاطع إلى احتمالية تطوُّر ظاهرة النينيو في نوفمبر 2026، مع احتمال كبير لاستمرارها حتى ذُروتها بين ديسمبر 2026 وفبراير 2027. وربما تكون من أشد الظواهر منذ عام 1950 على الأقل([4]). والأهم من ذلك، أن هناك احتمالًا بنسبة الثلثين تقريبًا أن تصل الظاهرة إلى شدة قوية أو شديدة للغاية، على الرغم من أن ظاهرة النينيو “الخارقة” تبقى احتمالًا مستبعدًا، وليست الحالة الأساسية.([5])
ويُحذّر خبراء الأرصاد الجوية من أن نمط النينيو المناخي -الذي غالبًا ما يُسبِّب جفافًا شديدًا وفيضانات وعواصف في إفريقيا- قد يتحوّل إلى أحد أقوى الأنماط المناخية على الإطلاق إذا استمرت اتجاهات ارتفاع درجة حرارة المحيط الهادئ الحالية، وهذا يؤكد ضرورة اتخاذ إجراءات مُبكّرة ومنسقة.([6])
وقد تشهد إفريقيا أقوى ظاهرة النينيو منذ عقود ابتداءً من نوفمبر2026؛ حيث حذّر خبراء المناخ من اضطرابات جوية شديدة محتملة في جميع أنحاء القارة. ففي غرب ووسط إفريقيا، تختلف آثار النينيو على الظروف المناخية الزراعية من منطقة إلى أخرى، ويصعب التنبؤ بها لعدم وجود مؤشر إقليمي ثابت. ومع ذلك، يميل هطول الأمطار خلال موسم الأمطار الرئيسي (من يونيو إلى سبتمبر) إلى أن يكون أكثر جفافًا في أجزاء من المنطقة خلال سنوات النينيو. أما في شرق إفريقيا، فآثار النينيو أكثر اتساقًا ولكنها متباينة جغرافيًّا. ففي الأجزاء الغربية من المنطقة (جنوب السودان، والسودان، وغرب إثيوبيا، ومنطقة كاراموجا في أوغندا، وإريتريا)، يرتبط النينيو بانخفاض معدل هطول الأمطار خلال موسم الأمطار الرئيسي (من يونيو إلى سبتمبر)، مما يؤدي غالبًا إلى ضعف إنتاج المحاصيل. وفي المناطق الشرقية من القرن الإفريقي، التي تشهد هطول أمطار غزيرة بين أكتوبر وديسمبر، ترتبط سنوات ظاهرة النينيو بهطول أمطار أعلى من المعدل الطبيعي وفيضانات واسعة النطاق. أما في جنوب إفريقيا، فترتبط ظاهرة النينيو بهطول أمطار أقل من المعدل الطبيعي بين أكتوبر وأبريل([7]).
وحدّد بنك التنمية الإفريقي: السودان وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية والصومال ومالي وبوروندي، وحتى نيجيريا، كدول قد تُواجه آثارًا بالغة الخطورة(([8].
وتجدر الإشارة هنا إلى الدول الإفريقية الأكثر عرضة لظاهرة النينيو فيما يلي:
- دول الجنوب الإفريقي: تواجه زامبيا وزيمبابوي وموزمبيق وملاوي ومدغشقر أعلى معدلات الجفاف خلال سنوات ظاهرة النينيو. ويؤدي الاعتماد على الطاقة الكهرومائية إلى تفاقم الأثر الاقتصادي، متجاوزًا القطاع الزراعي ليشمل قطاعي الطاقة والصناعة. وقد تسببت موجة 2023- 2024 في خسائر في المحاصيل تجاوزت 50% من الإنتاج السنوي في المناطق الأكثر تضررًا.
- دول شرق إفريقيا: وتشمل كينيا وتنزانيا وإثيوبيا والصومال وأوغندا، فقد تواجه مخاطر فيضانات متزايدة خلال سنوات ظاهرة النينيو. وتتسبّب الفيضانات في إتلاف شبكات النقل، وتعطيل التجارة الحضرية، والنزوح الذي يُقلّل من المشاركة في سوق العمل. وتُواجه المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تُشكل عماد النشاط الاقتصادي الحضري في شرق إفريقيا، اضطرابًا حادًّا نتيجة الفيضانات وإغلاق الأسواق.
- الدول الهشّة والمتأثرة بالنزاعات: وحدّدها بنك التنمية الإفريقي على وجه الخصوص في كل من (السودان وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي وبوروندي ونيجيريا) كأكثر الدول عُرْضَةً للتأثيرات المتوقعة. ففي الدول الهشَّة، تتفاعل الصدمات المناخية مع أوجه القصور القائمة في الحوكمة، وأزمات النزوح، وانعدام الأمن الغذائي، لتُنتج نتائج بالغة الخطورة. كما أن هذه الدول لديها أقل قدرة مالية على تمويل التعافي ذاتيًّا، وأضيق نطاق للوصول إلى رأس المال الدولي.(([9]
ثانيًا: التداعيات المتوقعة لظاهرة النينيو على الأوضاع الاقتصادية في إفريقيا:
إن ما يحدث في عام 2026 ليس مجرد تنبؤات جوية بعيدة، بل إنه خطر اقتصادي قابل للقياس والتحديد الكمي، وَضَعه بنك التنمية الإفريقي في صميم تحذيراته السياسية قصيرة الأجل في ظل ما تعانيه القارة الإفريقية من وضع اقتصادي كلي هشّ أصلًا. فقد أدَّت أسعار النفط المرتفعة، وتكاليف الأسمدة المتزايدة، والظروف المالية العالمية الأكثر تشددًا المرتبطة بالصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، إلى إجهاد الموازين الخارجية، وإضعاف العملات، وتضييق هامش المناورة السياسية في جميع أنحاء المنطقة. وفي هذا السياق، تمثل ظاهرة النينيو المتوقعة في الفترة 2026- 2027 طبقة إضافية من المخاطر، وليست مجرد صدمة مستقلة. ويتضح ذلك فيما يلي:
- خسائر الاقتصاد الكلي والنمو الاقتصادي: من خلال تعطيل أنماط هطول الأمطار، ورفع درجات الحرارة، والتأثير على إنتاجية المحيطات، من المرجح أن تزيد من زعزعة استقرار الإنتاج الزراعي، وتفاقم ضغوط أسعار الغذاء، وتوسيع العجز التجاري، مما يزيد من حدة مواطن الضعف الاقتصادية الكلية القائمة. اذ قدر بنك التنمية الإفريقي أن خسائر ظاهرة النينيو في إفريقيا ممثلة في تراجع الناتج المحلي الإجمالي للدول المتضررة بشدة بنسبة تتراوح بين 1% و2% في المتوسط بما يصل إلى 20 مليار دولار، هذا في الوقت الذي كانت تشير فيه توقعات بنك التنمية الإفريقي الصادرة في مايو2026 (قبل التنبؤات بظاهرة النينيو) إلى أن إفريقيا ككل سوف تشهد نموًّا اقتصاديًّا بنسبة 2% لعام 2026، ليرتفع إلى 4.4% في عام 2027 بافتراض انحسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران([10]).
- تراجُع انتاجية القطاع الزراعي: إن الخسائر المحتملة لظاهرة النينيو تتركز معظمها في القطاع الزراعي، خاصةً في ظل ظروف الجفاف التي تُعاني منها معظم مناطق الساحل في السنوات الأخيرة. فقد سبق وتسببت ظاهرة النينيو في الفترة من 2023 إلى 2024 في جفاف حادّ في جنوب إفريقيا، وأمطار غزيرة وفيضانات في شرق إفريقيا. أدَّت هذه الظروف إلى فشل واسع النطاق في المحاصيل، وارتفاع حادّ في أسعار المواد الغذائية، وارتفاعات قياسية في مستوى سطح البحر على طول سواحل القارة. وقدّر بنك التنمية الإفريقي أن مُزارعي إفريقيا يواجهون بالفعل خسائر في الدخل تُقدّر بنحو 330 مليون دولار هذا العام، في حين أن قطاع صيد الأسماك قد يتضرَّر بشدة أيضًا بسبب ارتفاع درجات حرارة البحر والعواصف.([11])
ومن المتوقع أن تشهد جنوب إفريقيا -التي بلغت صادراتها الزراعية 15.1 مليار دولار أمريكي في عام 2025، أي: حوالي 13% من إجمالي صادراتها من السلع-، انخفاضًا في فائض الذرة، لكنها ستحافظ على مكانتها كمورد إقليمي رئيسي. في المقابل، تواجه زيمبابوي وزامبيا مخاطر أكبر؛ حيث يُرجّح أن تعود زيمبابوي إلى وضع المستورد الصافي للذرة. وستواجه الاقتصادات الأصغر حجمًا التي تعتمد على الزراعة، مثل مالاوي وموزمبيق، ضغوطًا مماثلة على حساباتها الخارجية، بينما قد تحتاج دول شرق إفريقيا إلى زيادة واردات الحبوب في ظل اضطراب هطول الأمطار والخدمات اللوجستية([12]).
كما سيؤدي جفاف مصادر المياه للماشية، وضعف المراعي إلى نفوق الماشية، وفقدان الدخل، وزيادة حركة السكان والماشية والحياة البرية في المناطق المتضررة، مما سيؤدي إلى تفشّي أمراض الماشية العابرة للحدود، بما في ذلك الأمراض الحيوانية المنشأ مثل الجمرة الخبيثة.
كما تتزايد المخاطر في الدول التي تعتمد على الزراعة المطرية كأساس إنتاج الغذاء في معظم أنحاء إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وعلى عكس أنظمة الزراعة المروية الشائعة في أجزاء من آسيا والأمريكتين، تفتقر أنظمة الزراعة المطرية إلى أيّ آليات وقائية ضد نقص الأمطار. فعندما ينقطع المطر، تنهار المحاصيل بشكل فوري تقريبًا، وتنتشر آثار ذلك لتشمل دخل الأُسَر، والاستهلاك الريفي، والناتج القومي.([13])

- اضطرابات مصايد الأسماك والنظام البحري: يُعدّ قطاع مصايد الأسماك والاقتصاد البحري الأوسع، ولا سيما في المحيط الهندي، قناةً أخرى لتأثير ظاهرة النينيو. إذ تُقلّل هذه الظاهرة من إنتاجية المحيطات عن طريق إضعاف تيارات المغذيات الصاعدة، الضرورية لاستدامة السلاسل الغذائية البحرية. ويؤدي ذلك إلى انخفاض مخزون الأسماك وتغيُّر توزيع الأنواع. ونتيجةً لذلك، ينخفض إنتاج مصايد الأسماك العالمي عادةً بنسبة تتراوح بين 1% و3.5% خلال فترات النينيو، مع اضطرابات أكبر في الحالات الأقوى. ففي المحيط الهندي؛ حيث تُحدث حوالي 70% من حالات النينيو تأثيرات ملحوظة على الظروف البحرية، قد تنخفض كميات الصيد لأنواع رئيسية مثل التونة والسردين؛ مما يؤثر على عائدات التصدير والإمدادات الغذائية المحلية. بالنسبة للاقتصادات الساحلية الإفريقية، تُعزّز هذه التأثيرات الضغوط الناجمة عن الزراعة، مما يُحدث صدمة أوسع في النظام الغذائي. وقدّر بنك التنمية الإفريقي أن من المتوقع أن تُؤدي ارتفاع درجات حرارة البحر والعواصف إلى انخفاض الإنتاجية المتعلقة بمصايد الأسماك بنسبة تتراوح بين 1% و4%.
- ارتفاع معدلات التضخم: يؤدي ارتفاع أسعار المواد الغذائية بسبب النينيو، إلى جانب انخفاض فرص العمل في القطاع الزراعي، وفقدان سبل العيش، واضطرابات في سلاسل التوريد، إلى سوء التغذية، وانعدام الأمن الغذائي، والصعوبات الاقتصادية؛ اذ أدَّت ظاهرة النينيو في فترات سابقة إلى صدمة حادة في أسعار المواد الغذائية المحلية؛ إذ ارتفعت أسعار الذرة البيضاء بنسبة 98% في جنوب إفريقيا و41% في زامبيا بين مارس 2015 ومارس 2016، مما زاد من الضغوط التضخمية المتصاعدة أصلًا نتيجة ضعف العملة.
ويأتي ذلك مصاحبًا لظروف اقتصادية صعبة تمر بها القارة؛ حيث تعاني معظم العملات الإفريقية بالفعل من ضغوط ارتفاع فواتير استيراد النفط المرتبطة بالصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، يزداد خطر حدوث وضع مماثل؛ حيث تُفاقم تأثيرات ظاهرة النينيو على الميزان التجاري وأسعار الغذاء مواطن الضعف القائمة بدلًا من أن تكون المحرك الوحيد أو الرئيسي. وبشكل عام، من المرجّح أن يؤدي ارتفاع الطلب على استيراد الحبوب وغيرها من المواد الغذائية الأساسية إلى زيادة فواتير استيراد الغذاء. ويترتب على ذلك تدهور في ميزان التجارة، وزيادة الضغط على أرصدة الحساب الجاري، وتفاقم هشاشة العملات في الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد. ويأتي هذا في وقت تعاني فيه معظم العملات الإفريقية بالفعل من ضغوط ارتفاع فواتير استيراد النفط المرتبطة بالحرب، مع كون ظاهرة النينيو عاملًا إضافيًّا مزعزعًا للاستقرار.
هذا في الوقت الذي نتوقع فيه ارتفاعات إضافية في أسعار الطاقة؛ إذ يُمكن أن يؤدي انخفاض هطول الأمطار إلى تقليل توليد الكهرباء، مما يرفع تكاليف الطاقة ويؤثر سلبًا على نفقات الإنتاج بشكل عام. إذ تعتمد العديد من أكبر اقتصادات إفريقيا على الطاقة الكهرومائية لتوليد معظم احتياجاتها من الكهرباء. فزامبيا، وزيمبابوي، وموزمبيق، وإثيوبيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، تعتمد كل منها اعتمادًا كبيرًا على الطاقة الكهرومائية المُخزّنة في الخزانات. وعندما يؤدي الجفاف إلى استنزاف هذه الخزانات، ينخفض توليد الكهرباء، ويتفاقم انقطاع التيار الكهربائي، ويتباطأ التصنيع، وتنخفض إنتاجية التعدين.([14])
ويؤدى مزيج من ضعف ديناميكيات النمو، الناتج عن انخفاض الإنتاج الزراعي، وارتفاع التضخم، يُهيئ بيئة شبيهة بالركود التضخمي. وقد يُترجم ذلك إلى تشديد للشروط النقدية لفترة أطول، أو حتى رفع أسعار الفائدة مجددًا في بعض الدول، على الرغم من هشاشة النمو. ويضيف بُعْد الطاقة طبقة ثانية من الهشاشة غالبًا ما يتم تجاهلها.
– الأمن الغذائي: يشير التقرير العالمي للأزمات الغذائية لعام 2026 إلى أن نحو 149 مليون شخص يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، بينما يعاني حوالي 18 مليون شخص حاليًا من مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة وما فوق من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) في أنغولا، وبوتسوانا، وإسواتيني، وليسوتو، وناميبيا، ومدغشقر، وموزمبيق، وزامبيا، وزيمبابوي .وقد دأبت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) على دق ناقوس الخطر بشأن الآثار المحتملة لظاهرة النينيو على الأمن الغذائي والزراعة. وأكَّدت أنها بحاجة إلى 202 مليون دولار أمريكي لحماية 8.8 مليون شخص في 22 دولة، منها 12 دولة في إفريقيا.([15])
هذا بالإضافة إلى تأثير ظاهرة النينيو على تغذية الأطفال وصحتهم؛ حيث يحتاج 3.5 مليون طفل إلى خدمات علاجية تغذوية، من بينهم أكثر من 900 ألف طفل سيحتاجون إلى علاج من سوء التغذية الحاد في أنغولا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وموزمبيق، ومالاوي، وناميبيا، ومدغشقر، وزامبيا، وزيمبابوي، وإسواتيني، وليسوتو. وتشير التقديرات إلى أن 21 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم في منطقة جنوب إفريقيا. ومن المتوقع تدهور الحالة التغذوية للأطفال مع استمرار موسم الجفاف. وحتى في الأماكن التي يتوفر فيها الغذاء، فإن ارتفاع الأسعار يجعل النظام الغذائي المغذي بعيد المنال عن الكثيرين. ويواجه الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية خطرًا أكبر للوفاة بسبب أمراض يمكن الوقاية منها مثل الإسهال والالتهاب الرئوي والملاريا 2024.([16])
فعلى سبيل المثال، يعتمد ما يُقدّر بنحو 70% من سكان جنوب إفريقيا على الزراعة لتأمين قُوتهم. ومن المتوقع أن تشهد المجتمعات المتضررة من آثار النينيو انخفاضًا في المحاصيل وقلة في فرص كَسْب العيش. وفى زيمبابوي، سيؤدي جفاف مصادر المياه واستنزاف المراعي إلى زيادة حركة السكان والماشية والحياة البرية غير المنظمة في المنطقة المتضررة. وسيؤدي ذلك إلى زيادة تفشي الأمراض العابرة للحدود التي تصيب الماشية. وتُعدّ الفئات السكانية الأكثر ضعفًا، مثل النساء الحوامل والمرضعات والأطفال الصغار، أكثر عُرْضَة لسوء التغذية خلال موسم الجفاف. كذلك الحال في ملاوي؛ إذ يُظهر تحليل بيانات مسح المؤشرات المتعددة (MICS) قبل ظاهرة النينيو أن معدل انتشار فقر الغذاء بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهرًا يبلغ 82.7%؛ حيث يعيش 25.5% منهم في فقر غذائي حاد؛ أي أنهم يتغذون بحد أقصى مجموعتين غذائيتين فقط في اليوم.([17])
- أضرار البنية التحتية والضغوط المالية الطارئة: تتسبب الفيضانات في شرق إفريقيا والعواصف على طول المناطق الساحلية في أضرار للطرق والجسور وشبكات الصرف الصحي والأسواق الحضرية. وتؤدي تكاليف إعادة الإعمار إلى تحويل ميزانيات رأس المال الحكومية بعيدًا عن نفقات التنمية المخطط لها. وتفرض متطلبات الاستجابة للطوارئ إعادة تخصيص الموارد المالية، مما يؤدي إلى تقليص الاستثمار في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية الإنتاجية.
- فخ تمويل المناخ: أحيانًا تتجاوز التداعيات المالية لظاهرة النينيو في كثير من الأحيان أضرارها المادية المباشرة، فعندما تُجبر الحكومات على إعادة توجيه ميزانيات التنمية المخصصة مسبقًا نحو الاستجابة للكوارث، فإنها تُضعف البنية المالية طويلة الأجل للنمو المخطط له. وتواجه الدول التي تفتقر إلى أدوات تأمين كافية أو احتياطيات طوارئ أصعب المفاضلات بين الإغاثة الفورية والاستثمار التنموي المستدام. ويتفاقم هذا الوضع مع تكرار دورات ظاهرة النينيو، مما يُضيّق الحيز المالي تدريجيًّا.([18])
ثالثًا- تأثيرات ظاهرة النينيو على الأوضاع الاجتماعية في إفريقيا:
يُعدّ نقص المياه مصدر قلق؛ لما له من آثار خطيرة محتملة على الصحة العامة والأمن وسبل العيش في منطقة تُكافح بالفعل تفشيًا خطيرًا للكوليرا. غالبًا ما تزداد الأمراض المنقولة بالنواقل، مثل الحمى الصفراء والملاريا وحمى الضنك، في ظروف الجفاف، بينما قد يؤدي ازدياد استخدام مصادر المياه غير الآمنة إلى ارتفاع حالات التراخوما والكوليرا والتيفوئيد والبلهارسيا. علاوة على ذلك، تشير الأدلة إلى أن النساء والفتيات يتعرضن لمخاطر متزايدة للعنف القائم على النوع الاجتماعي عندما تكون المياه شحيحة؛ حيث يُجبرن على النزوح لمسافات طويلة (غالبًا بمفردهن) بحثًا عن مياه صالحة للشرب، مما يجعلهن عُرْضة للعنف الجنسي. وقد تتعطل الخدمات الصحية بسبب الظواهر المناخية المتطرفة الناجمة عن ظاهرة النينيو. كما تُسبّب الفيضانات والأعاصير أضرارًا بالبنية التحتية الصحية وتُشرّد المجتمعات، ومن المرجّح أن يؤدي النزوح والاكتظاظ وعدم الحصول على اللقاحات إلى زيادة خطر الإصابة بالعديد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات، مثل الحصبة وشلل الأطفال. كذلك من المتوقع أن يزداد الطلب على خدمات الرعاية الصحية في وقتٍ تُكافح فيه معظم دول المنطقة للحفاظ على أنظمة الرعاية الصحية العامة.
كما تُخلّف الصدمات الناجمة عن تغير المناخ، وما يصاحبها من إغلاق للمدارس، وتدمير كلي أو جزئي للبنية التحتية المدرسية، والمواد التعليمية، أثرًا مدمرًا على تعليم الأطفال. وتُسهم آثار ظاهرة النينيو، ولا سيما الجفاف، في زيادة احتمالية تسرب الأطفال من المدارس؛ حيث تُضطر الأُسَر إلى إعطاء الأولوية للغذاء والماء على حساب التعليم، مما يجعلهم أكثر عُرضة لعمالة الأطفال، وزواج القاصرات، والتجنيد في الجماعات المسلحة.
خاتمة:
تُؤكد ظاهرة النينيو 2026- 2027 مدى تحوُّل تقلب المناخ إلى خطر اقتصادي كلي نظامي على إفريقيا. ينتشر تأثيرها عبر سلسلة واضحة. وفي ظل محدودية الحيّز المالي والنقدي المتاح أصلًا، من المرجح أن يختبر هذا الحدث قدرة الاقتصادات الإفريقية على الصمود. إذ تؤكد ظاهرة النينيو أن الصدمات المناخية أصبحت تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه اقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء، ليس فقط بسبب آثارها المباشرة على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وإنما أيضًا لما تَفرضه من ضغوط على معدلات النمو الاقتصادي، واستقرار الأسعار، والمالية العامة، والقدرة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ومع تكرار الظواهر المناخية المتطرفة، تزداد الحاجة إلى الانتقال من سياسات الاستجابة الطارئة إلى تبنّي نَهْج استباقي يقوم على بناء القدرة على الصمود وتعزيز مرونة الاقتصادات الإفريقية في مواجهة المخاطر المناخية.
ويتطلب ذلك الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والتنبؤات المناخية لتمكين الحكومات والمزارعين من اتخاذ قرارات استباقية، والتوسع في تطبيقات الزراعة الذكية مناخيًّا، وتحسين إدارة الموارد المائية من خلال تطوير البنية التحتية للري والاستفادة من مياه الأمطار، إلى جانب تنويع القاعدة الاقتصادية للحد من الاعتماد المفرط على الزراعة المطرية. كما تبرز أهمية تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتوسيع برامج التأمين الزراعي، وتوفير التمويل الميسر للمزارعين والمشروعات الصغيرة الأكثر تضررًا من التقلبات المناخية.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يتعين على الدول الإفريقية تعزيز التعاون في مجالات تبادل البيانات المناخية، وإدارة الموارد العابرة للحدود، وتنسيق الاستجابة للكوارث، مع زيادة الاستفادة من التمويل المناخي الدولي وصناديق التكيُّف ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات. كما ينبغي دَمْج مخاطر تغيُّر المناخ في خطط التنمية والسياسات المالية والاستثمارية، بما يُسهم في توجيه الموارد نحو مشروعات البنية التحتية المقاومة للمناخ والطاقة المتجددة والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية.
وفي المحصلة، فإن الحد من الآثار الاقتصادية لظاهرة النينيو لا يعتمد فقط على مواجهة تداعياتها بعد وقوعها، بل يتطلب بناء اقتصادات أكثر تنوعًا ومرونة وقدرة على التكيُّف مع المتغيرات المناخية. ومن شأن تبنّي سياسات تنموية تراعي الاعتبارات المناخية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وتعبئة التمويل والاستثمار في القطاعات الحيوية؛ أن يُحوّل التحديات التي تفرضها الظاهرة إلى فرصة لتعزيز الاستدامة الاقتصادية وتحقيق تنمية أكثر قدرة على الصمود في إفريقيا جنوب الصحراء.
ـــــــــــــــــ
- قائمة المراجع:
[1]) United Nations University. What is El Niño? And why does it matter in a warming world? United Nations University Institute for Environment and Human Security (UNU-EHS). (2026, May 13). Available at:https://unu.edu/ehs/article/what-el-nino-and-why-does-it-matter-warming-world
[2]) Africanews. “Climate experts say super El Niño will negatively impact African economies”. (2026, July 26). Available at: https://www.africanews.com/2026/07/26/climate-experts-say-super-el-nino-will-negatively-impact-african-economies/
[3]) Witness Radio. “ Africa’s El Niño economic impact: $20B at risk in 2026.,(2026, July 27). Available at: https://witnessradio.org/africas-el-nino-economic-impact-20b-at-risk-in-2026/
[4]) DMarket Forces. , “Africa may face strongest El Niño in decades, AU experts warn. “(2026, August 2). , https://dmarketforces.com/africa-may-face-strongest-el-nino-in-decades-au-experts-warn/
[5]) MCB Group. , “ El Niño 2026–2027: Fresh headwinds for inflation and food security in Africa.” , (2026, June 3)., available at: https://mcbgroup.com/insights/article/el-ni%C3%B1o-2026-2027–fresh-headwinds-for-inflation-and-food-security-in-africa
[6] Ibid.
[7]) Food and Agriculture Organization of the United Nations. , “ El Niño threatens agricultural production and food security across the continent: FAO advocates for timely anticipatory action” ,. (2026, July 30). , available at: https://www.fao.org/africa/news-stories/news-detail/el-ni%C3%B1o-threatens-agricultural-production-and-food-security-across-the-continent–fao-advocates-for-timely-anticipatory-action/en
[8]) Africanews. , Opcit.
[9]) Witness Radio , Op.cit.
[10]) Jessop, S., & Jones, M , “ Africa facing up to $20 billion economic hit from ‘super’ El Niño, AfDB climate chief warns”. Reuters, (.2026, July 26), available at:. https://www.reuters.com/sustainability/cop/africa-facing-10-20-billion-economic-hit-super-el-nio-afdb-climate-chief-warns-2026-07-26/
[11] Idem.
[12] Food and Agriculture Organization of the United Nations. Op.cit.
[13]) Australian Associated Press. “ Africa faces massive economic hit from “super” El Niño. , (2026, July 26)., available at: https://michaelwest.com.au/africa-faces-massive-economic-hit-from-super-el-nino/
[14]) Witness Radio , Op.cit.
[15])Food and Agriculture Organization of the United Nations , Op.cit.
[16]) Regional Inter-Agency Standing Committee for Eastern and Southern Africa (RIASCO). The humanitarian impact of El Niño in Southern Africa: Key messages (Annex: Technical version). SDG2 Advocacy Hub. (2024, March).P.2, available at: https://sdg2advocacyhub.org/wp-content/uploads/2024/04/ROSEA_20240312_KeyMessages_SouthernAfrica_El-Nino_short-long-version.pdf
[17].) Ibid , P.1.
[18]) MCB Group. Op.cit.










































