نشرت مجلة أوراق “بليتر/Blätter” الألمانية، في عددها الصادر في يوليو 2026، مقالًا للرأي، بقلم باول شتارسمان/Paul Starzmann – مدير مكتب مؤسسة “روزا لكسمبورج” الألمانية في تونس – بعنوان “روسيا: أهي قوة هامشية في إفريقيا؟” قدَّم خلاله قراءة حول طبيعة وحجم النفوذ الروسي في إفريقيا على أرض الواقع وليس من واقع صور ذهنية متداولة، وذلك في ضوء التغييرات الدولية المتلاحقة التي تتطلب إعادة قراءة المشهد من آنٍ إلى آخر. رغم الحراك الذي خلَقه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بهدف توسيع نفوذه في عدد متزايد من الدول الإفريقية، بواسطة مزيج من المساعدات العسكرية والدبلوماسية والدعاية؛ إلا أنه يحرص أيضًا على الظهور بمظهر “الصديق” و”الداعم” لإفريقيا. لكن، ما حقيقة ذلك؟ وإلى أيّ مدًى يمتد النفوذ الروسي في القارة؟
بقلم: باول شتارسمان/ Paul Starzmann
ترجمة: شيرين ماهر
أصبح المرتزقة الروس جزءًا لا يتجزأ من المشهد الحضري في بعض مناطق إفريقيا. على الأقل، هذا ما تُوحي به الصور الأرشيفية الواردة من مختلف البلدان. وخلال الانتخابات الرئاسية الروسية في مارس 2024، تجلَّى ذلك المشهد بوضوح في بانغي، عاصمة جمهورية إفريقيا الوسطى؛ حيث اصطف نحو عشرين رجلًا من ذوي البشرة البيضاء للإدلاء بأصواتهم أمام السفارة الروسية، وهي مبنى شاهق ومتميز يطل على الحي الحكومي ونهر “أوبانغي” المجاور. كانوا يرتدون ملابس عادية وأقنعة، فيما انتشرت الصورة انتشارًا واسعًا.
وعلى هذه الخلفية، كتب المصور الصحفي الهولندي، توماس فان لينج، على منصة “إكس”: “لعلّ إحدى أكثر الصور إثارة للاهتمام في الانتخابات الروسية تأتي من جمهورية إفريقيا الوسطى؛ حيث يصطف مرتزقة فاجنر أمام السفارة الروسية في بانغي”. والواقع، كانت الصورة بمثابة جرس إنذار عكَس تطورًا لم يحظَ باهتمام يُذكَر في أوروبا حتى ذلك الحين: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يُوسّع نفوذه في عدد متزايد من الدول الإفريقية. يرسل المرتزقة والأسلحة، ويبرم اتفاقيات تجارية، ويتقرب من الزعماء الأفارقة في القمم والزيارات الرسمية. وفي منطقة الساحل، وتحديدًا في النيجر ومالي، يبدو أنه يُشكِّل “جناحًا جنوبيًّا” في مواجهة أوروبا، وذلك بواسطة مزيج من المساعدات العسكرية والدبلوماسية والدعاية.
شبكة الإنترنت مُتخَمة بالعديد من الأدلة على ذلك: صور متظاهرون في نيامي، عاصمة النيجر، يرفعون العلم الروسي. وصور حشد من مؤيدي بوتين في بانغي، يحملون لافتات باللغة الفرنسية: “روسيا، نحن معك”، منشورة على موقع وكالة الأنباء الفرنسية تعود إلى مارس 2022، أي بعد فترة وجيزة من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. وفي واجادوجو، عاصمة بوركينا فاسو، ترفرف الأعلام الروسية على جانبي الطريق. كما أن الإنترنت مليء بالصور التي تُظهر بوتين مع نظرائه الأفارقة: وهو يصافح رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، أو في محادثة ودية مع رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، أو مع رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري. يحرص بوتين على أن يظهر بصفته صديقًا وداعمًا لإفريقيا. لكن ما حقيقة ذلك؟
لا شك أن بوتين يُبدي اهتمامًا متزايدًا بالقارة الإفريقية. فقد أبرم الكرملين اتفاقيات تعاون عسكري مع أكثر من 20 دولة من أصل 54 دولة إفريقية في السنوات الأخيرة. وتُعدّ روسيا أكبر مُصدِّر للأسلحة إلى إفريقيا؛ إذ تُشكّل صادراتها منها نحو 50%([1]).
وفي مارس 2023، خصّص بوتين، لأول مرة، فصلًا للقارة الإفريقية في “تصوُّر السياسة الخارجية للاتحاد الروسي”. وفي هذا الفصل، أعلن الكرملين “تضامنه مع الدول الإفريقية في جهودها الرامية إلى إرساء عالم متعدد الأقطاب أكثر عدالة”. وتعتزم موسكو افتتاح سبع سفارات جديدة في إفريقيا بحلول نهاية العام، وهو “عدد ذو دلالة هامة”، حسبما أكّد وزير الخارجية “سيرجي لافروف” في أوائل عام 2025.
لكن بوتين لا يعتزم ممارسة نفوذه في القارة الإفريقية من خلال الدبلوماسية التقليدية والوسائل العسكرية فحسب، بل يُركّز، بالأكثر، على مجال لا تُوليه قوى كبرى كالصين والاتحاد الأوروبي اهتمامًا كبيرًا: ألا وهو الثقافة والمجتمع. ويخوض بوتين معركة لكسب قلوب وعقول سكان إفريقيا، التي تضمّ أصغر فئة عمرية وأسرعها نموًّا في العالم. يزعم بوتين أن مواطني روسيا تربطهم صلة خاصة بثقافة القارة، مؤكدًا أنهم يتشاركون القيم السياسية وأنهم “متقاربون روحيًّا”، بحسب تصريح بوتين في ديسمبر 2024. هذا خطاب قلما تداوله رؤساء دول أو حكومات أوروبية. وفي حربه الثقافية، يحظى بوتين بدعم شبكة دولية واسعة النطاق تتكون من: مؤسسات حكومية، وشركات خاصة، ومؤسسات كنسية، ومؤسسات تعليمية، واتحادات رياضية، ووسائل إعلام، وشخصيات مؤثرة، جميعها تُساعد بوتين في بناء علاقات ونشر رسائله. ولكن، ما هي الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها من خلال هذه الشبكة؟ وما مدى نجاحه في ذلك؟ وما هي تداعيات ذلك على القارة؟
أعربت مارجريت كلاين، الخبيرة في الشؤون الروسية بمؤسسة العلوم والسياسة (SWP) في برلين، قائلة: “تنسجم خطط بوتين التوسعية في إفريقيا بسلاسة مع إستراتيجية الكرملين الأوسع للسياسة الخارجية”. وأضافت: “تكمن وراء ذلك رغبة روسيا في استعادة مكانتها كقوة عظمى عالمية، ويشمل ذلك الانتشار في مناطق رئيسية من العالم. ومن الأهداف المهمة تقليص نفوذ الدول الأوروبية”.([2])
غير أنه لا يبدو أن بوتين يتبع إستراتيجية مدروسة في هذا الصدد. بل إنه يلتقط الفرص السانحة. وبحسب تحليل أجراه «المعهد الهولندي للعلاقات الدولية» في عام 2022([3])، تُميّز السياسة الروسية تجاه إفريقيا بين نوعين من الدول: في الديمقراطيات المستقرة نسبيًّا، تقتصر العلاقات على المستوى الحكومي. أما في الدول الهشَّة؛ حيث تمتد سلطة الدولة من العاصمة إلى الأطراف بالكاد، تجري الاستعانة أيضًا بالشركات الخاصة وجماعات المرتزقة. بدوره، يقول عالم السياسة تيم جلافيون، الأستاذ بجامعة فرايبورج: “يتمثل العرض الروسي المُقدَّم للدول الإفريقية في استقرار أنظمتها، وليس تحقيق الأمن والنمو لسكانها”([4]). ويضيف: “في المقابل، هناك اتفاقيات موارد، وربما حق التصويت المشترك في منظمات دولية كالأمم المتحدة”. فعلى سبيل المثال، تساعد قوات مجموعة فاجنر رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى، فوستان-أرشانج تواديرا، في محاربة المتمردين، وتأمين سلطته، واستخراج الذهب في البلاد. كما تقدم روسيا مساعدات عسكرية إلى حكومات الانقلاب في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي يهدّد المسلحون سُلطتها. وترسل هذه الحكومات بانتظام مندوبين إلى موسكو، أو تستقبل كبار السياسيين الروس. وغالبًا ما يصاحب ذلك منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تُشيد بالصداقة الروسية الإفريقية.
مزيج الدبلوماسية والدعاية:
إن النهج الذي يعتمده بوتين في إفريقيا إنما هو مزيج من الدبلوماسية والدعاية المزدوجة. وفي هذا السياق، تقول “كلاين”: “تعتمد روسيا على الدبلوماسية التقليدية، كما تراهن أيضًا على حملات التضليل”. وتابعت: “إنها طريقة غير مُكلّفة لكسب النفوذ بإمكانات محدودة”. في الواقع، بصمة موسكو الاقتصادية في القارة الإفريقية ضئيلة: وبحسب وزارة الخارجية الروسية، بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا حوالي 27 مليار دولار أمريكي في عام 2024، وهو رقم لا يُقارَن بحجم التبادل التجاري في الاتحاد الأوروبي (355 مليار دولار أمريكي) أو الصين (295 مليار دولار أمريكي).
عسكريًّا، لا تسير الأمور بسلاسة بالنسبة للرئيس الروسي في إفريقيا أيضًا. ففي نهاية أبريل، اجتاح تحالف جديد من ميليشيات الطوارق ومسلحين من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التابعة لتنظيم القاعدة، قاعدةً تابعةً لـ”الفيلق الإفريقي” الروسي في مدينة كيدال في مالي. واضطر الجنود الروس للاستسلام دون قتال والانسحاب سريعًا من كيدال، ما شكّل إهانةً لـ”بوتين”. كذلك يَستهدف بوتين طموحات إفريقيا في إحراز مزيد من الاستقلال والعدالة العالمية. وينص “مفهوم” الكرملين على أن روسيا تدعم “القضاء على التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، الذي يتفاقم بسبب سياسة استعمارية جديدة متطورة تنتهجها عدة دول صناعية تجاه إفريقيا”.
وجاء تقليص الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لمساعداتهما التنموية ليصبّ في مصلحته. كما يُعزّز موقف الكرملين تمتُّع روسيا بصورة إيجابية في العديد من الدول الإفريقية منذ الحرب الباردة، لا سيما لأنها -على عكس الدول الأوروبية- ليس لديها تاريخ استعماري في القارة. ولطالما اعتبر الاتحاد السوفييتي نفسه حليفًا وثيقًا لحركات التحرّر الإفريقية، كما هو الحال في أنجولا وتنزانيا وموزمبيق.
من جانبه، يقول جلافيون: “لا تزال شراكات الحقبة السوفييتية حاضرة بقوة في أذهان الكثيرين”. درَس خمسون ألف رجل وامرأة من إفريقيا في الاتحاد السوفييتي، بمن فيهم شخصيات بارزة مثل رئيس أنجولا، جواو لورينسو، ورئيس جنوب إفريقيا السابق، ثابو مبيكي. واليوم، يوجد 32 ألف طالب إفريقي في روسيا، وفقًا لما ذكره “لافروف” في ديسمبر الماضي.
ومع انتهاء الحرب الباردة، تراجعت العلاقات الروسية الإفريقية في بادئ الأمر، وأغلقت موسكو سفاراتها وقنصلياتها. إلا أنه ابتداءً من عام 2015، وبعد ضمّ شبه جزيرة القرم، بدأ بوتين في تعزيز العلاقات مجددًا. ووفقًا للمعهد الهولندي للعلاقات الدولية، قام سياسيون أفارقة بحوالي عشرين زيارة دولة إلى موسكو خلال السنوات الخمس التالية. في المقابل، لم تتجاوز الزيارات المماثلة سبع عشرة زيارة خلال السنوات الخمس عشرة السابقة. وبلغت العلاقات ذروتها في أكتوبر 2019 مع انعقاد القمة الروسية الإفريقية الأولى في سوتشي، والتي حضرها 43 رئيس دولة وحكومة إفريقية. ورغم أن أقل من نصفهم أُتيحت لهم فرصة إجراء محادثات مباشرة مع بوتين([5])، إلا أن الاجتماع أسفر عن ظهور صور عديدة للرئيس بوتين مُحاطًا بنظرائه الأفارقة، ما شكّل نجاحًا دعائيًّا. بينما لم يتمكن بوتين من تكرار هذا النجاح لاحقًا؛ إذ لم يحضر قمة 2023 في سانت بطرسبرج، عقب الغزو الشامل لأوكرانيا، سوى 17 رئيس دولة إفريقية([6]).
المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي في “حرب المعلومات“:
لا يمكن إغفال الأهمية البالغة للاجتماع الأول، في عام 2019، لدعاية بوتين، لا سيما أنه شكَّل نقطة انطلاق لأنشطة المؤثرين الموالين لروسيا في إفريقيا. ويتجلَّى ذلك في ظهور الناشطة “ناتالي يامب” هناك، والتي عُرفت منذ ذلك الحين باسم “سيدة سوتشي”. تبلغ “يامب” من العمر 56 عامًا، وهي ابنة لأب كاميروني وأم سويسرية، ولديها مليون متابع على فيسبوك، ومنصة إكس، ويوتيوب. على صفحاتها، تنشر روايات مؤيدة للكرملين وتنتقد بشدة فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، وهو ما يَلقى صدًى واسعًا في إفريقيا. في يونيو 2025، فَرَض الاتحاد الأوروبي عقوبات ضدها بحجة كونها على اتصال بـ”منظمة مرتبطة بشركات عسكرية روسية خاصة”([7]).
كذلك، يُعدّ الناشط الفرنسي كيمي سيبا، المولود في فرنسا، شخصيةً محوريةً أخرى في “حرب المعلومات” الروسية، وأحد أبرز الشخصيات في آلة بوتين الدعائية. وفي السنوات الأخيرة، اضطلع “سيبا” بأدوارٍ متعددة: بدءًا من العمل كمستشار لـ “عبد الرحمن تشياني”، قائد الانقلاب في النيجر، وصولًا إلى رئاسة الفرع الفرنسي لحزب “الفهود السود الجدد” المعادي للسامية، وحتى قيادة حملات سياسية في السنغال.
ينحدر والدا “سيبا” من بنين، ومنذ سحب جنسيته الفرنسية عام 2024، وهو يسافر بجواز سفر دبلوماسي نيجري. وفي عام 2018، صنّفه موقع “أفريكان نيوز” الإخباري ضمن الشخصيات الأكثر نفوذًا في القارة الإفريقية. ويحظى هذا الناقد الفرنسي البالغ من العمر 44 عامًا بشعبية واسعة، ويرى نفسه جزءًا من التيار الإفريقي الوحدوي، الذي تعود جذوره إلى مفكرين أفارقة، مثل كوامي نكروما، أول رئيس لغانا.
وعلى الرغم من تبنّيه للأفكار التقدمية، لا يتردد “سيبا” في الارتباط باليمين المتطرف: ففي عام 2017، زار الفيلسوف القومي المتطرف “ألكسندر دوجين” في موسكو. وبفضل خطابه المؤيد للكرملين، يُعدّ “سيبا” ضيفًا متكررًا على قناة RT” “France الروسية. ووفقًا لتحليل أجراه مركز البيانات والأبحاث في روسيا (Cedar)، سجلت قناة (RT) معدلات نمو عالية في القارة منذ عام 2022([8]). ويُشكّل الأفارقة ما يقرب من 80% من متابعي (RT France) على فيسبوك. وتحظى القناة بتقدير كبير لأنها -كما نقل تقرير مركز (Cedar) عن شاب يبلغ من العمر 28 عامًا من بوركينا فاسو– تُمثّل “القِيَم الإفريقية التقليدية”؛ وفق مزاعمه.
تقول “كلاين” المنتمية إلى حزب العمال الاشتراكي: “لطالما اعتمد الكرملين على ما يُسمَّى بالقِيَم التقليدية، بدءًا من رفض حقوق المثليين والمتحولين جنسيًّا، وصولًا إلى نموذج الأسرة التقليدي الذي تتبع فيه المرأة الرجل وتنجب أكبر عدد ممكن من الأطفال”. وتابعت: “على صعيد السياسة الخارجية، يحاول بوتين استغلال هذه القضايا لأغراض خاصة. فهو يسعى إلى بناء تحالف أيديولوجي مع شعوب إفريقيا التي تشاركه هذه الآراء”. في الواقع، تربط هذه “القِيَم” رؤية بوتين للعالم بما يميل القادة الموالون لروسيا في القارة الإفريقية تسويقه باعتباره “تقليد إفريقي”. فعلى سبيل المثال، يُثير يوري موسيفيني، رئيس أوغندا الذي يحكم البلاد منذ فترة طويلة، مشاعر معادية للمثليين([9]) منذ سنوات، بينما قام نظيره “تراوري” من بوركينا فاسو بتجريم العلاقات المثلية في سبتمبر 2025.
مع ذلك، يشير النشطاء والباحثون إلى أن رهاب المثلية ليس “تقليدًا إفريقيًّا”، بل هو بالأحرى نتيجة تاريخية للتشريعات الاستعمارية والعمل التبشيري المسيحي. من جهة أخرى، يعتبر القس الأوغندي “مارتن سيمبا” حقوق المثليين والمتحولين جنسيًّا “طَقسًا غربيًّا”. هذا الواعظ الإنجيلي ناشط في منظمة “المؤتمر العالمي للعائلات” الأمريكية الموالية للكرملين، والتي، بحسب معهد GIGA، “تصوّر روسيا في إفريقيا باعتبارها مدافعة عن التقاليد والأعراف في مواجهة المعايير الغربية”([10]).
كما يلعب الدين دورًا مُهِمًّا في حرب بوتين الثقافية. وبحسب تصريحاتها، توسعت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بشكل كبير في إفريقيا منذ عام 2022، ولها تمثيل الآن في 36 دولة. يتوافق ذلك مع أيديولوجية الكرملين. تقول كلاين: “يميل بوتين إلى تصوير الثقافة الروسية باعتبارها ثقافة تنأى عن الانحطاط المزعوم والفردية والعدمية في الغرب. وبهذا، يحاول أيضًا كسب النفوذ في إفريقيا”.
إضافةً إلى ذلك، تخدم العديد من المنظمات في قطاعات أخرى من المجتمع طموحات بوتين التوسعية. وتشمل هذه المنظمات معاهد بحثية حكومية تعود إلى الحقبة السوفييتية، فضلًا عن مؤسسات ووسائل إعلامية حديثة ذات توجهات زائفة. هذا إلى جانب إعادة فتح مراكز ثقافية روسية، كما في دار السلام وبانغي وتونس، أو تنظيم فعاليات رياضية مثل التي أقيمت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. هناك افتُتح مركز للفنون القتالية عام 2025؛ حيث تُمارس رياضة السامبو، وهي الرياضة المفضَّلة لدى بوتين. وفي جمهورية إفريقيا الوسطى، نظَّمت شركة إنشاءات روسية مسابقة ملكات جمال في عام 2018. فالطالما كانت هذه الدولة الغنية بالموارد في وسط إفريقيا بؤرةً للنشاط الروسي لسنوات. ففي العاصمة، يوجد “البيت الروسي”، وتُعقَد دروس اللغة الروسية في الجامعة، كما يوجد تمثال لقائد مجموعة فاجنر السابق، يفجيني بريجوجين. وفي الوقت نفسه، تُجسِّد هذه الدولة التي تعاني من الأزمات مدى ضآلة استفادة شعوب إفريقيا من تدخل موسكو. ففي حين يدعم مرتزقة فاجنر نظام الرئيس “تواديرا” بالقوة المسلحة، ويتقاضون أجورهم بالذهب، يُعاني ثلث السكان من الجوع. ولا تُقدِّم موسكو أيّ مساعدات إنسانية.
لكن بوتين يستغل سردية روسيا باعتبارها الداعم الرئيسي للقارة. ويستفيد من استمرار توتر العلاقات بين العديد من الدول الإفريقية والقوى الاستعمارية السابقة. فبينما يطمح الكثير من الأفارقة للدراسة أو العمل في بريطانيا أو فرنسا، وغالبًا ما تكون العلاقات وثيقة، إلا أن أوروبا لا تحظى بسُمعة إيجابية شاملة في إفريقيا. بل تظل ذكريات جرائم الحقبة الاستعمارية حاضرة بقوة، تمامًا كما هو الحال مع الوعي المجتمعي المستمر بالتفاوتات بين الشمال والجنوب. يُضاف إلى ذلك الأخطاء الدبلوماسية، مثل خطأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اتهم الأفارقة في أوائل عام 2025 بعدم تقديرهم للتدخل العسكري الفرنسي ضد الجماعات المسلحة. وقد أثارت تصريحاته غضبًا عارمًا في العديد من الدول، ما شكَّل فرصة مثالية لروسيا.
انفصلت دول غرب إفريقيا، مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تمامًا عن أوروبا واتجهت نحو موسكو، مصحوبةً بحملات على وسائل التواصل الاجتماعي تُشيد بحكومات الانقلاب في هذه الدول الثلاث وتصفها بالثوار الشجعان. إلا أن هذه الحملات، على الأرجح، مُوجَّهة بالدرجة الأولى إلى النُّخب. جدير بالذكر أن ما يقل عن ثلث سكان دول الساحل الثلاث لديهم اتصال بالإنترنت. والأكثر وضوحًا لمعظم الناس هو أن المساعدات العسكرية الروسية، شأنها شأن المساعدات الأوروبية السابقة، لم تُحقِّق نجاحًا يُذكَر في مكافحة الإرهاب وعدم الاستقرار. كما لا تلوح في الأفق أيّ بوادر لتراجع المعاناة والفقر.
ويبقى السؤال مطروحًا حول كيفية إدراك عامة المواطنين في إفريقيا للسياسة الروسية: هل صُوَر مؤيدي بوتين في شوارع واجادوجو أو بانغي تعبير عن حماس حقيقي تجاه روسيا، أم أنها مجرد نتاج دعاية بارعة؟ يقول عالم السياسة جلافيون: “لا نعلم. لا توجد إحصاءات موثوقة. والسبب هو أن الاستطلاعات والأعمال البحثية يجري عرقلتها عمدًا في الدول ذات الوجود الروسي القوي”.
وبشكل عام، لا تزال روسيا في إفريقيا قوة هامشية، ذات نفوذ متزايد، ولكنه لا يزال محدودًا؛ اقتصاديًّا وعسكريًّا واجتماعيًّا. حتى بالنظر إلى الصور المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تبدو الأمور في صالح بوتين. فمنذ عدة أشهر، انتشرت مقاطع فيديو على الإنترنت تُظهر رجالًا أفارقة يقاتلون إلى جانب روسيا في أوكرانيا؛ كثيرٌ منهم يبدو مرغمًا. ووفقًا لتقارير إعلامية، يتم استدراجهم إلى روسيا بعروض عمل، ثم يُجبَرُون على التجنيد في الجيش. ويُقال: إن حوالي 1400 منهم موجودون في أوكرانيا.
وفي ضوء ذلك، تُحذر بعض الحكومات الإفريقية مواطنيها صراحةً من قبول عروض العمل من روسيا. وهكذا، من المرجّح أن تصل معركة بوتين لكسب قلوب وعقول شعوب إفريقيا إلى نهايتها عندما يكشف الواقع عن حقيقة مختلفة.
ـــــــــــــــــ
[1] -Antje Diekhans, Waffen gegen Rohstoffe, tagesschau.de, 2.5.2023.
[2] Im Gespräch mit der Autorin am 19.2.2026.
[3] Guido Lanfranchi und Kars de Bruijne, The Russians are coming! The Russians are coming? Russia’s growing presence in Africa and its implication for European policy, clingendael.org, Juni 2022.
[4] Im Gespräch mit dem Autor am 5.2.2026.
[5] Stephan Ahlf, Russland in Afrika. Motive, Strategien & Effekte, pure.giga-hamburg.de.
[6] Russia’s growing influence in Africa calls for more balanced partnerships, issafrica.org, 26.6.2024. Vgl. auch: Simone Schlindwein, Russland und Afrika: Alte Freunde, neue Absatzmärkte, in: »Blätter«, 9/2023, S. 37-40.
[7] Durchführungsverordnung (EU) 2025/1278 des Rates, eur-lex.europa.eu, 26.6.2025.
[8] What makes one a fan of RT France? cedarus.io, November 2025.
[9] Vgl. Simone Schlindwein, Queer in Uganda: Backlash für die Menschenrechte, in: »Blätter«, 7/2023, S. 33-36.
[10] Vgl. Stephan Ahlf, Russland in Afrika, a.a.O.
رابط التقرير:
https://www.blaetter.de/ausgabe/2026/juli/russland-scheinriese-in-afrika










































