قراءات إفريقية
Eng  |  Fr
لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج
دعاية مجلة قراءات إفريقية
  • المجلة
    • العدد الحالي
    • الأعداد السابقة
    • إرشيف المجلة (إنجليزي)
  • الموسوعة الإفريقية
  • تحليلات
    • جميع المواد
    • اجتماعية
    • اقتصادية
    • سياسية
    التعاونيات كركيزة أساسية في إستراتيجيات التنمية المحلية بإفريقيا

    التعاونيات كركيزة أساسية في إستراتيجيات التنمية المحلية بإفريقيا

    شبح الحرب الأهلية يخيم على إثيوبيا بعد اشتباكات تيغراي (تايم لاين)

    شبح الحرب الأهلية يخيم على إثيوبيا بعد اشتباكات تيغراي (تايم لاين)

    8 نقاط تشرح قرارات قمة كمبالا بشأن “بعثة أوصوم” في الصومال؟

    8 نقاط تشرح قرارات قمة كمبالا بشأن “بعثة أوصوم” في الصومال؟

    الدولة والكذب في الساحل

    رؤية نقدية: “الانقلاب الأخلاقي للدولة” في الساحل الإفريقي

    العدالة التاريخية في مواجهة الإرث الاستعماري: تداعيات الحكم البلجيكي على العلاقات الأوروبية الإفريقية

    العدالة التاريخية في مواجهة الإرث الاستعماري: تداعيات الحكم البلجيكي على العلاقات الأوروبية الإفريقية

    إطلاق العملة الموحدة “إيكو” في 2027.. “إيكواس” تمضي قدمًا دون انتظار

    إطلاق العملة الموحدة “إيكو” في 2027.. “إيكواس” تمضي قدمًا دون انتظار

    القلق الاقتصادي يهيمن على أولويات الشعوب الإفريقية

    القلق الاقتصادي يهيمن على أولويات الشعوب الإفريقية

    الرئيس الغيني يحظر تصدير الذهب الخام ويُلزم بالتكرير المحلي

    الذهب خارج السيطرة: كيف يهدد التهريب اقتصادات إفريقيا؟

    كارلوس-فيلا-نوفا،-رئيس-ساو-تومي-وبرينسيبي-

    الانتخابات الرئاسية في ساوتومي وبرينسيبي واختبار صلابة المؤسسات الديمقراطية

    • سياسية
    • اقتصادية
    • اجتماعية
  • تقدير موقف
    • جميع المواد
    • اجتماعي
    • اقتصادي
    • سياسي
    مالي- جنود

    كيف تعيد التكنولوجيا العسكرية رسم التحالفات الأمنية في مالي؟

    الكونغو الديمقراطية عند مفترق طرق: هل يزيد “قانون الاستفتاء” أزماتها تعقيدًا؟

    الكونغو الديمقراطية عند مفترق طرق: هل يزيد “قانون الاستفتاء” أزماتها تعقيدًا؟

    حزب كيراي وإعادة هندسة المشهد السياسي في السنغال

    حزب كيراي وإعادة هندسة المشهد السياسي في السنغال

    أمريكا أولاً.. فهم خطة ترامب لتأمين المعادن الحرجة في إفريقيا

    أمريكا أولاً.. فهم خطة ترامب لتأمين المعادن الحرجة في إفريقيا

    تقاطعات سياسات تراوري مع التيار الكيميتي: قراءة في خطاب واهيغويا

    تقاطعات سياسات تراوري مع التيار الكيميتي: قراءة في خطاب واهيغويا

    أوصوم

    أوصوم: مستقبل بعثة السلام في الصومال بعد وقف التمويل الأمريكي

    قمة غانا تدفع نحو خطوات عملية لتعويضات العبودية

    عقد التعويضات: من يتحمل العبء الحقيقي للتعويضات عن العبودية؟

    إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)

    إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)

    آبي أحمد - إثيوبيا

    وسط تحديات داخلية وإقليمية: إثيوبيا على عتبة ولاية جديدة لآبي أحمد

  • دراسات
    • جميع المواد
    • دراسة اجتماعية
    • دراسة اقتصادية
    • دراسة سياسية
    العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

    العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

    بنك الذهب الإفريقي والبحث عن السيادة النقدية للقارة الإفريقية

    علاقة الذهب بالصراعات المسلحة والاقتصادات الموازية في إفريقيا (2000–2026)

    بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

    بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

    النفايات الإلكترونية

    إدارة النفايات الإلكترونية في غانا ودورها في دعم مسار الاقتصاد الأخضر في إفريقيا

    الشباب الافريقي

    الدور السياسي للشباب في إفريقيا

    مدارس- السنغال

    المدرسة في السنغال: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل

    متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

    متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

    المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية في خدمة اللغة العربية في نيجيريا

    اللغة العربية في نيجيريا ودور “المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية”

    القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

    القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

    • دراسة سياسية
    • دراسة اجتماعية
    • دراسة اقتصادية
  • ترجمات
    • جميع المواد
    • اجتماعية
    • اقتصادية
    • سياسية
    الأسواق الافريقية

    كيف يمكن تحويل الأسواق الإفريقية إلى أداة لتخفيف حدة الأزمات؟

    مشاريع الطاقة في السنغال

    تحوُّل طاقي عادل في السنغال.. تغيير السياسات بدلاً من دوّامة الديون

    التعدين

    انعدام الحوكمة في أنشطة استغلال الذهب بوسط إفريقيا

    وكالات التصنيف

    وكالات التصنيف الثلاث: أرقام أم تحيّز في تقييم دول إفريقيا؟

    مواد غذائية

    لماذا تمثل السيادة الغذائية أولوية مصيرية لإفريقيا؟

    الرقيق المسلمون الأفارقة

    القرآن والكتابة العربية: كيف قاوم المسلمون الأفارقة الاسترقاق في أمريكا؟

    التبرع والدعم

    لماذا تحتل 6 دول إفريقية قائمة الدول الأكثر سخاءً في العالم؟

    ظاهرة النينيو

    ظاهرة النينيو تكشف هشاشة الزراعة الإفريقية بثلاثية مدمرة

    احتجاجات جنوب افريقيا

    التحامل على المهاجرين يطمس الأسباب الحقيقية للأزمة الاقتصادية في جنوب إفريقيا

  • المزيد
    • إفريقيا في المؤشرات
    • الحالة الدينية
    • الملف الإفريقي
    • الصحافة الإفريقية
    • المجتمع الإفريقي
    • ثقافة وأدب
    • حوارات وتحقيقات
    • شخصيات
    • قراءات تاريخية
    • متابعات
    • منظمات وهيئات
    • كتاب قراءات إفريقية
  • المجلة
    • العدد الحالي
    • الأعداد السابقة
    • إرشيف المجلة (إنجليزي)
  • الموسوعة الإفريقية
  • تحليلات
    • جميع المواد
    • اجتماعية
    • اقتصادية
    • سياسية
    التعاونيات كركيزة أساسية في إستراتيجيات التنمية المحلية بإفريقيا

    التعاونيات كركيزة أساسية في إستراتيجيات التنمية المحلية بإفريقيا

    شبح الحرب الأهلية يخيم على إثيوبيا بعد اشتباكات تيغراي (تايم لاين)

    شبح الحرب الأهلية يخيم على إثيوبيا بعد اشتباكات تيغراي (تايم لاين)

    8 نقاط تشرح قرارات قمة كمبالا بشأن “بعثة أوصوم” في الصومال؟

    8 نقاط تشرح قرارات قمة كمبالا بشأن “بعثة أوصوم” في الصومال؟

    الدولة والكذب في الساحل

    رؤية نقدية: “الانقلاب الأخلاقي للدولة” في الساحل الإفريقي

    العدالة التاريخية في مواجهة الإرث الاستعماري: تداعيات الحكم البلجيكي على العلاقات الأوروبية الإفريقية

    العدالة التاريخية في مواجهة الإرث الاستعماري: تداعيات الحكم البلجيكي على العلاقات الأوروبية الإفريقية

    إطلاق العملة الموحدة “إيكو” في 2027.. “إيكواس” تمضي قدمًا دون انتظار

    إطلاق العملة الموحدة “إيكو” في 2027.. “إيكواس” تمضي قدمًا دون انتظار

    القلق الاقتصادي يهيمن على أولويات الشعوب الإفريقية

    القلق الاقتصادي يهيمن على أولويات الشعوب الإفريقية

    الرئيس الغيني يحظر تصدير الذهب الخام ويُلزم بالتكرير المحلي

    الذهب خارج السيطرة: كيف يهدد التهريب اقتصادات إفريقيا؟

    كارلوس-فيلا-نوفا،-رئيس-ساو-تومي-وبرينسيبي-

    الانتخابات الرئاسية في ساوتومي وبرينسيبي واختبار صلابة المؤسسات الديمقراطية

    • سياسية
    • اقتصادية
    • اجتماعية
  • تقدير موقف
    • جميع المواد
    • اجتماعي
    • اقتصادي
    • سياسي
    مالي- جنود

    كيف تعيد التكنولوجيا العسكرية رسم التحالفات الأمنية في مالي؟

    الكونغو الديمقراطية عند مفترق طرق: هل يزيد “قانون الاستفتاء” أزماتها تعقيدًا؟

    الكونغو الديمقراطية عند مفترق طرق: هل يزيد “قانون الاستفتاء” أزماتها تعقيدًا؟

    حزب كيراي وإعادة هندسة المشهد السياسي في السنغال

    حزب كيراي وإعادة هندسة المشهد السياسي في السنغال

    أمريكا أولاً.. فهم خطة ترامب لتأمين المعادن الحرجة في إفريقيا

    أمريكا أولاً.. فهم خطة ترامب لتأمين المعادن الحرجة في إفريقيا

    تقاطعات سياسات تراوري مع التيار الكيميتي: قراءة في خطاب واهيغويا

    تقاطعات سياسات تراوري مع التيار الكيميتي: قراءة في خطاب واهيغويا

    أوصوم

    أوصوم: مستقبل بعثة السلام في الصومال بعد وقف التمويل الأمريكي

    قمة غانا تدفع نحو خطوات عملية لتعويضات العبودية

    عقد التعويضات: من يتحمل العبء الحقيقي للتعويضات عن العبودية؟

    إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)

    إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)

    آبي أحمد - إثيوبيا

    وسط تحديات داخلية وإقليمية: إثيوبيا على عتبة ولاية جديدة لآبي أحمد

  • دراسات
    • جميع المواد
    • دراسة اجتماعية
    • دراسة اقتصادية
    • دراسة سياسية
    العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

    العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

    بنك الذهب الإفريقي والبحث عن السيادة النقدية للقارة الإفريقية

    علاقة الذهب بالصراعات المسلحة والاقتصادات الموازية في إفريقيا (2000–2026)

    بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

    بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

    النفايات الإلكترونية

    إدارة النفايات الإلكترونية في غانا ودورها في دعم مسار الاقتصاد الأخضر في إفريقيا

    الشباب الافريقي

    الدور السياسي للشباب في إفريقيا

    مدارس- السنغال

    المدرسة في السنغال: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل

    متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

    متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

    المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية في خدمة اللغة العربية في نيجيريا

    اللغة العربية في نيجيريا ودور “المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية”

    القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

    القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

    • دراسة سياسية
    • دراسة اجتماعية
    • دراسة اقتصادية
  • ترجمات
    • جميع المواد
    • اجتماعية
    • اقتصادية
    • سياسية
    الأسواق الافريقية

    كيف يمكن تحويل الأسواق الإفريقية إلى أداة لتخفيف حدة الأزمات؟

    مشاريع الطاقة في السنغال

    تحوُّل طاقي عادل في السنغال.. تغيير السياسات بدلاً من دوّامة الديون

    التعدين

    انعدام الحوكمة في أنشطة استغلال الذهب بوسط إفريقيا

    وكالات التصنيف

    وكالات التصنيف الثلاث: أرقام أم تحيّز في تقييم دول إفريقيا؟

    مواد غذائية

    لماذا تمثل السيادة الغذائية أولوية مصيرية لإفريقيا؟

    الرقيق المسلمون الأفارقة

    القرآن والكتابة العربية: كيف قاوم المسلمون الأفارقة الاسترقاق في أمريكا؟

    التبرع والدعم

    لماذا تحتل 6 دول إفريقية قائمة الدول الأكثر سخاءً في العالم؟

    ظاهرة النينيو

    ظاهرة النينيو تكشف هشاشة الزراعة الإفريقية بثلاثية مدمرة

    احتجاجات جنوب افريقيا

    التحامل على المهاجرين يطمس الأسباب الحقيقية للأزمة الاقتصادية في جنوب إفريقيا

  • المزيد
    • إفريقيا في المؤشرات
    • الحالة الدينية
    • الملف الإفريقي
    • الصحافة الإفريقية
    • المجتمع الإفريقي
    • ثقافة وأدب
    • حوارات وتحقيقات
    • شخصيات
    • قراءات تاريخية
    • متابعات
    • منظمات وهيئات
    • كتاب قراءات إفريقية
لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج
قراءات إفريقية
Eng  |  Fr
لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج

العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

أغسطس 3, 2026
في دراسات وبحوث, دراسة اجتماعية
A A
العلوم التطبيقية في إفريقيا القديمة: نظرة في الأثر والمؤثرات

آدَمَ بَـمبا

أكاديمية الدراسات الإسلامية، جامعة مالايا، ماليزيا.

مقدمة:

إذا كانت إفريقيا توصف بأنها مهد الحضارات، وهي كذلك، فإن هذه المقولة لا تتكامل حلقاتها إلا بالنظرة الشمولية في جميع أفرع العلوم والفنون والمعارف الإنسانية، وتحديد الإسهام الإفريقي في تلك المجالات.

إن هذه المعادلة الشمولية في تأكيد منبع الحضارات بإفريقيا تكاد تكون غائبةً في الدراسات المعاصرة، خاصةً تلك التي تنزع إلى حَكْر جانبٍ من العلوم والمعارف على الغرب، وجَعْل سائر الشعوب عالةً على أوروبا، مدينةً لها في الإنجازات العلمية الحديثة التي تنعم بها البشرية اليوم.

والحقيقة؛ أن المعرفة العلمية، بأي شكل من أشكالها، وبأي تعريف أو سياق ثقافي يمكن أن توجد في إطاره المعرفة، موجودة في جميع المجتمعات، فلكل مجتمعٍ طريقته الخاصة في تصنيف أشكال المعرفة وتسميتها[1]. عليه؛ فإن المؤكد أن إفريقيا غنية بموروثها في مجال العلوم التطبيقية في علم الطب، والفلك، والرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والبيولوجيا، والزراعة… إلخ، وهي في ذلك لا تختلف عن سائر الثقافات البشرية.

غير أن من الإشكالات في هذا المجال محاولة بَخس حق إفريقيا التاريخي في الإسهام في الحضارة الإنسانية، أو محاولة إرجاع ما يُكتشف بإفريقيا من مظاهر حضارية إلى شعوبٍ وحضاراتٍ أخرى، فعالِم الفلك الاستعماري هيرشبيرغ (Hirschberg, 1929) وفون سيكارد (von Sicard, 1966) مثلاً، يزعمان أن المعارف الفلكية لدى شعوب إفريقيا جنوب الصحراء إنما هي مأخوذةٌ من شعوب البحر المتوسط[2].

علاوةً على هذا الإشكال في محاولة تجريد إفريقيا، أو غيرها من المجتمعات التي توصف بأنها غير كتابية Non-Literate Societies، من الإنجازات العلمية، يظهر إشكالٌ آخر، وهو قلة الدراسات في مجال تاريخ العلوم التطبيقية بإفريقيا، وفي الوقت نفسه استغراقهم في البحوث المتشعبة حول الأشكال الثقافية والدينية والفنية بإفريقيا القديمة والحديثة[3].

ومن امتدادات هذا الفتور لدى الباحثين في مجال تاريخ العلوم التطبيقية بإفريقيا، ضعف حماسهم- أبناء إفريقيا وغيرهم- لاستكشاف المصادر (المخطوطات خاصة) التي يُحتمَل اكتشاف عناصر كثيرة فيها تؤكد الإسهام الحضاري الإفريقي للبشرية.

ففي حدود القرنَين السادس عشر والسابع عشر الميلادي؛ كانت مدينة تمبكتو تُعدّ حاضرةً تجارية وثقافية مرموقة بامتياز؛ حيث انتشر تداول البضائع والمخطوطات من حواضر العالَم الإسلامي آنذاك، وخاصةً من شمال إفريقيا، وبلغت الحركة العلمية المحلية أوجَها بمؤلفاتٍ وعلماء أفذاذ في المجالات المختلفة: في العلوم الإسلامية، والأدب، والطب، وعلم الفلك، والرياضيات، والجغرافيا.

فهذا الموروث الضخم من العلوم، المودَع في المخطوطات، بأرجاء إفريقيا (الغربية خاصة)، يفتقر إلى مستكشفين وباحثين يخرجون كنوزه.

ويُتوج هذا بإشكالٍ آخر، وهو كما أوضحه الباحث أحمد كاني: سوء فهم بعض الباحثين أو سوء تعاملهم مع آثار علماء بلاد السودان. فعلى الرغم من أنها تحوي دراساتٍ جادة في الزراعة، والطب، والفلك، والرياضيات؛ فإن الباحثين والمؤرخين يصنفون تلك الآثار عادةً في الرُّوحانيّات[4] mysticism.

بناءً على ما مضى؛ فإن المقال الحالي يحاول الإسهام في موضوع تاريخ العلوم التطبيقية بإفريقيا، باستعراض بعض شواهدها الأثرية، وبعض أشكالها وممارساتها لدى المجتمعات الإفريقية، وذكر بعض المؤثرات الإسلامية فيها، ويكفي هنا- من باب التمثيل- استعراض نماذج من علمَي الفلك والرياضيات، على أمل أن تُستَكمَل حلقات هذا الموضوع في مقالاتٍ لاحقة[5].

 

المحور الأول: علم الفلك الإثني بإفريقيا:

لقد بدأ الاهتمام يزداد بعلم الفلك في إطار المجتمعات التقليدية فيما يُعرف بعلم الفلك الثقافي Cultural Astronomy، ويُقصَد به دراسة استخدامات المعارف والمعتقدات والنظريات الفلكية، وما تُحدِثُه تلك المعارف في الأشكال الاجتماعية والأيديولوجيات، أو في أي مظهرٍ من مظاهر سلوك الإنسان، ويشمل علم الفلك الثقافي أيضاً الحقل العلمي الحديث المعروف بعلم الفلك الإثني[6] Ethnoastronomy.

أما في السياق الإفريقي تحديداً؛ أي علم الفلك الإثني الإفريقي African Ethnoastronomy، فإن هذا الحقل العلمي الحديث قد نال اهتمام بعض الباحثين، وإن كان هذا الاهتمام لا يوازي واقع هذا العلم في المجتمعات الإفريقية كمّاً وكيفاً.

إن علم الفلك بإفريقيا قد وُجِد في الثقافات الإفريقية منذ زمنٍ بعيد، وتنقل شفاهيّاً من جيلٍ لآخر، وذلك للحاجة إلى توظيفه في مجالاتٍ كثيرةٍ في الحياة، كتحديد مواسم الحرث والبذر، وفترات إقامة الطقوس والأعياد الدينية والاجتماعية، والتكهن بالمستقبل، وفي التقاويم وتسجيل الأحداث والتواريخ، وفي الأسفار البرية والبحرية، وفي تخطيط المواقع السكنية، والطب الشعبي وتشخيص الأمراض ووصف الأدوية، وغيرها من المناشط اليومية في كل مجتمع.

ولا يزال هذا التوظيف سارياً في كثيرٍ من المجتمعات الإفريقية، ولو بأشكال حديثة، ففي كل مجتمعٍ بإفريقيا نجد شكلاً من المعارف والممارسات الفلكية، وهي في بعض صُوَرها دقيقةٌ و«متطورة» تصدم المواقف المسبقة (السلبية) التي تكونت لدى الكثير منا حول إفريقيا وماضيها وشعوبها. فقد وُجدت في بعض الكهوف بإفريقيا رسوماتٌ فنية للسماء والأفلاك وغيرها، وعُثر على مخطوطات فَلَكية قديمة في مكتبات إفريقيا بالعربية، والأمهرية، وهَوسا، وسواحيلي، بالإضافة إلى مخزونٍ ثرٍّ من الروايات الشفاهية لدى كل مجموعة إثنية في إفريقيا حول النجوم والأفلاك، ويمكن التدليل على بعض ذلك بالكشوفات الأثرية، والهندسة المعمارية الإثنية، وبعض الأنشطة الاجتماعية والعادات.

أولاً: مواقع أركيولوجية فلكية ومنشآت سكنية:

بإفريقيا مواقع أثرية كثيرةٌ تعود لآلاف السنين، وفيها كثيرٌ مما خطَّته يد الإنسان من رسوماتٍ أو شيّده من مبانٍ ذات علاقةٍ مباشرة بالاستخدامات الفلكية، وتمثيل حركات الأجرام السماوية على الأرض، وهنا يذكر الباحثون الأثريون منشآتٍ صخرية عدة بإفريقيا، أشهرها صخور ناموراتُونْغا.

1- صخور ناموراتُونْغا في كينيا:

توجد صخور ناموراتونغا بمنطقة بحيرة توركانا في الشمال الغربي من جمهورية كينيا، وتعني Namuratunga الصخور الراقصة، وهي دائرة صخور بازلتية مكونة من تسعة عشر عموداً موجهةً نحو مجموعة النجوم السبعة في برج الثور، يعود تاريخها لأكثر من ألفي عامٍ قبل الميلاد، وهي بذلك تُعدّ من أقدَم المنشآت الفلكية في التاريخ البشري. هذا، وقد اكتشف الباحثان الأثريان  (Lynch & Robbins, 1978)، أن صخور ناموراتونغا- من المحتمل أن تكون- مُرَتّبة ترتيباً فلكيّاً دقيقاً، وأنها وُضِعت لربط حساب التقويم السنوي القمري بهذه المجموعة النجمية وحركة الشمس والقمر.

بالإضافة إلى صخور ناموراتُونْغا؛ توجد مجموعةٌ من الرسومات والنقوش على الصخور في عددٍ من المواقع الأركيولوجية في أرجاء إفريقيا، وفيها تصاوير لبعض الأجرام السماوية كالشمس والقمر، وظواهر فلكية كالكسوف[7].

2- بناء البيوت وهندستها:

تمثل المنشآت السكنية أيضاً مادةً غنية من المصادر الفلكية بإفريقيا، إنها تُبرز مقدار ما بَلَغته الثقافات الإفريقية من حِذْقٍ بعلم الفلك، ومراقبة الأجرام السماوية، كما تُبرز جانباً واسعاً وعميقاً من تصوُّر العالَم لدى الأفارقة من خلال الربط الدقيق بين تلك المنشآت السكنية وبين بعض الأجرام السماوية وحركتها، وأيضاً بين ذلك كله وبين كثيرٍ من عاداتها وتقاليدها ونُظُمها الاجتماعية.

على سبيل المثال: تتجه أبواب البيوت لدى مجموعات زُونْغا Zonga، في مَمْبروسي Mamprusi شمالَي غانا الحديثة، نحو الغرب؛ لتنفذ منها أشعة شمس الغروب، والهدف من ذلك أن يراقب كبار السن عن كثبٍ مساقط أشعة الشمس المختلفة على الجدار لقياس مواسم الزراعة، ونتاج الدواجن وسائر الحيوانات، وغيرها من المناشط المهمة في المجتمع.

بالمثل؛ فإنَّ مجموعات باتاماليبا Batammaliba، في بنين وتوغو، تُوجِّه بيوتها ومخازن الحبوب وسط الدور نحو مسار الشمس، ويقوم البناة بطقوسٍ دينية بعد تشييد البيوت استرضاءً لإله السماء كويي Kuiye عندهم، كما كانت تراعَى مواجهة الغرب في بناء مدافن الأجداد.

ونجد دقةً في بناء البيوت لدى مجموعات سوتو بزيمبابوي الكبرى في جنوب إفريقيا، بمنطقة تُسمّى Nstuanatstsi، وتعني شروق الشمس، ويبنون بيوتهم بحيث تكون متجهة نحو الشرق[8].

كما درس الباحثون شكل خزينة الحبوب لدى دوغون وغيرهم من المجموعات الإثنية؛ فوجدوا أنها تُبنى بحسب طريقة رياضية دقيقة بقاعدتها المربعة (الجهات الأربع الأساسية)، وشكلها الدائري، وسقفها على شكل سَلّة مقلوبة، وسلالمها العشرة، ورمزية كل ذلك للأجرام السماوية[9].

جديرٌ بالذكر أن لمجموعات دوغون، وموطنها مرتفعات جبال بانجاغارا شمالَي مالي وبوركينافاسو، شُهرةً واسعة في علم النجوم، فقد كشفت دراسات غريول وديترلين حول هذه المجموعة عن معرفة عميقة لأفرادها بعلم النجوم، وأكثر ما أثار استغراب الباحثين حتى الآن: إشارة دوغون إلى أن الشِّعرَى نجمان، فكيف اهتدوا إلى ذلك مع أن الشِّعرَى الأخرى لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة[10]؟

ثانياً: أنشطة اجتماعية:

لكثيرٍ من الأنشطة الاجتماعية بإفريقيا تناغمٌ دقيقٌ بحركة النجوم والأفلاك، مثلاً طقوس الختان (وهي جماعية)، وما يتبعها من تأهيل الشباب لمرحلة الرجولة، يُرتب لها لتقام عند ظهور نجوم معيّنة، فهي مثلاً بمجتمع سونْغا Tsonga في موزامبيق، تُقام عند ظهور نجم ngongomela، أي: الزُّهرة[11]. كما تكون هذه الفترة- أي التأهيل عند الختان- فرصةً لتلقين الشباب أهم المعارف الفلكية لدى المجموعة.

وبما أن كثيراً من السلالات الملَكية بإفريقيا كانت تدَّعِي وجود علاقة عضوية بينها وبين الأفلاك كالشمس والقمر؛ فإنها كانت تتخير مواقع معيّنةً للسُّكنى بها، وتتخير أوقاتاً دقيقةً لمزاولة الطقوس الملكية، فتتويج الملك الجديد بمملكة شامْبا Shambaa في تنزانيا كان يتم تبعاً لمنازل معيّنة للقمر، فلكل ملكٍ منزلةٌ خاصة لا يمكن تتويجه إلا فيها. وكان ملوك بوغنْدا، في يوغندا الحديثة، يُشبّهون أنفسهم بالهلال الذي يبدأ صغيراً فيكبر ثم يختفي ليظهر هلالٌ جديد. عليه؛ اختاروا هضبة Bakka Namwezi مسكناً لهم؛ رابطين إياه بالقمر[12].

ثالثاً: علم الفلك الإفريقي والمؤثرات الإسلامية:

لعلم الفلك بإفريقيا ارتباطٌ مباشر بالإسلام، ولا تختلف شعوب إفريقيا المسلمة في ذلك عن سائر الشعوب المسلمة؛ حيث إن هذا العلم يُوظَّف للمنافع الدينية والدنيوية: في الأسفار، ومعرفة التواريخ، وتحديد مواقيت الصلاة والحج، واتجاه القبلة.

ومصدر هذا العلم- كما يزعم صاحب كتاب (هرمس الهرامسة في الحكم عند طلوع الشعرى اليمانية)- هو: «مما علَّمَه الله تبارك وتعالى وأبداه من العلوم السماوية، كما علمه الأمين جبريل عن الله عز وجل من حسن المعرفة» (مخطوط، ورقة 1). وعن علم الطب (القديم)؛ يذكر العلامة أحمد الرقادي التنبكتي أن: «مبدأ بعضه بالوحي إلى الأنبياء كسليمان، وسائره بالتجارب، وهو فرض كفاية.. إن تخلَّصت النية فيه كان من أعظم العبادات» (مخطوط، ورقة 23).

وقد تأثر علم الفلك الإفريقي بعلم الفلك الإسلامي، سواء في مباحثه أو في وظائفه وأهدافه، ويظهر ذلك مثلاً في توظيف علم الفلك لتحديد اتجاه القبلة، ومواقيت الصلوات الخمس، والشعائر الإسلامية، وفي المصطلحات العربية لعلم الفلك التي اقترضتها اللغات الإفريقية.

1- تحديد اتجاه القبلة:

إن تحديد القبلة بدقة في تخطيط المساجد، وفي الصلوات الخمس خلال الرحلات الطويلة في إفريقيا، كان من الدوافع الدينية القوية في تطوير معارف الشعوب المسلمة بالنجوم ومواقعها؛ حيث فطن المسلمون إلى وسائل دقيقة لتحديد القبلة، كمراقبة النجوم، واتجاه طيران أسراب بعض الطيور، وأخذ حفنة من التراب وذرّها لتحديد اتجاه الريح، ومن ثَمّ يعرفون اتجاه القبلة. والرعاة الصوماليون- مثلاً- يرصدون نجم القطب الشمالي، ويسمونه Hhiddigo، أي: نجم الصلاة، وبه يحددون اتجاه القبلة في تنقلاتهم أثناء الرعي[13].

2- تحديد المواقيت السنوية:

من المؤثرات الإسلامية البارزة في علم الفلك الإفريقي تحوّل المجموعات المسلمة من التقويم السنوي الشمسي، الذي كان مرتبطاً بالمناشط الاجتماعية من زراعة وتجارة، وأعياد تقليدية وطقوس دينية قديمة، إلى التقويم القمري، فقد اعتمد المسلمون الأفارقة النظام القمري في التقويم المتمحور حول الشعائر الدينية الإسلامية والمعروف بالتقويم الهجري. مثلاً؛ في الثقافات الإفريقية قبل الإسلام كان الأسبوع يتألف عادةً من أربعة أيام فما فوقها[14]، وعند دوغونْ من خمسة أيام، والسنة من (13) شهراً، لكلٍّ منها (28) يوماً، ومجموع أيام السنة (364)[15].

أيضاً؛ من المؤثرات الإسلامية في هذا المستوى انتقال المسلمين الأفارقة إلى ربط تقاويمهم السنوية بالشعائر الإسلامية، ومن قبلُ كانت فترات السنة تُربط بالأحداث، وبأبرز الأنشطة الاجتماعية أو الظواهر المناخية المصاحبة للفترة المعنية، كأن يقولوا: «أشهر الحرارة»، و«أشهر المطر»، و«شهر البذر أو الحصاد»، و«أشهر الصيد»[16].

ويُشار إلى الشهر العاشر في تقويم مجموعات شونا بـ Nyamavhuvhu وإلى الشهر الحادي عشر بـ Mbudzi، ومعناهما الحرفي «شهر الرياح»، و«شهر المعز»، وعند مجموعات سوسا Xhosa في جنوب إفريقيا؛ حيث يطلقون على شهر يناير: Eyomqungu، أي شهر الأعشاب الطويلة، وعلى شهر فبراير: EyomDumba، ويعني حرفيّاً: شهر إنبات الحبوب[17].

إن تحول المجتمعات الإفريقية من هذا النظام إلى الشعائر الإسلامية يعني انسلاخهم من كثيرٍ من المعتقدات الدينية والعادات والطقوس الاجتماعية المصاحبة، إنه تحولٌ جذريٌّ في تصُّور العالم عند الأفارقة بتأثير الإسلام.

مثلاً؛ نجد عند السواحيلي تبنّي التقويم الهجري، بالإضافة إلى أن العام يُختتم عندهم بشهر رمضان، ويبدأ العد بشوال، ويُطلقون عليه mfunguo mosi أي: الشهر الأول، وعلى ذي القعدة mfunguo pili، الشهر الثاني، وهكذا.. ويقترضون التسمية العربية للأشهر الثلاثة الأخيرة في تقويمهم، وهي: rajabu, shaabani, ramadhani. ولعل اعتبار رمضان خاتمة السنة عند السواحيلي مرده الاعتبار الكبير الذي يولونه لهذا الشهر، وللشعائر الإسلامية الأخرى.

3- في المُقترَضات الشرعية والعربية:

نتيجةً للتلاقي الإيجابيّ المطول والنشط بين اللغة العربية ولغات المسلمين بإفريقيا؛ فإن كمّاً كبيراً من مفردات العربية قد اندمج في لغات إفريقيا في مجالات الدين والتجارة والسياسة والفن والمعمار وغيرها.

وتدل المفردات الفلكية المقترضة في لغات إفريقيا على هذا التلاقي النشط بينها وبين اللغة العربية؛ حيث تكاد جل أسماء البروج والكواكب تكون مقترضةً من العربيّة في لغة فولاني وهَوسا وماندينغ مثلاً؛ مما حدا بالباحث هيسكت إلى الدعوة بالمبادرة بتسجيل البقية الباقية من المفردات الفلكية باللغات الإفريقية قبل أن تندثر تحت وطأة اقتراض المفردات من العربية[18].

ومن المعلوم أن المجموعات اللغوية كانت تستخدم أسماءً غير عربية في تسمية الأيام والشهور وبعض أجزاء الزمن؛ لكن التأثير الإسلامي أدى بأولئك إلى اقتراض المفردات العربية في التقسيمات الفلكية للزمن، ودوران تلك المفردات حول شعائر إسلامية. والاقتراض هنا إما حرفي للمفردة العربية، وإما ترجمة معنوية للشعيرة الإسلامية المصاحبة.

على سبيل المثال: يُعبّر ماندينغ عن أوقات اليوم على النحو الآتي:

 Suba = الصبح.

waliha-tele = الضحى.

Sali-fana = الظُّهر.

La`ansara = العصر.

وتضاف الأسماء نفسها إلى أوقات الليل، فيقال:

su Sali-fana = أي: ظُهر الليل، مراداً به: منتصف الليل.

su la`ansara = عصر الليل، مراداً به: آخر الليل.

ومثل ذلك في أسماء الأشهر، فشهر شعبان مثلاً عند ماندينغ هو: Sunkalo-makono، أي شهر انتظار الصوم، ورمضان هو: sunkalo، وشهر ذو القعدة هو: Donkyi-makono أي: شهر انتظار العيد الأكبر. وجميع أسماء الأشهر عند فولاني تدور حول شهر محرم، ورمضان، وذي الحجة بإضافة (قبل/ بعد). كذلك؛ فإن أسماء الأيام عند ماندينغ مقترضةٌ من العربية.

أما عند سواحيلي؛ فيتمَحوَر الأسبوع حول يوم الجمعة، وأسماء الأيام عندهم بدءاً بالسبت[19]: Juma mosi, Juma pili, Juma tatu, jumaane, juma tano, alhamisi, ijumaa. وما عدا الخميس الذي اقترضوه من العربية؛ فإن تسمية سائر الأيام تنطلق من إضافة الجمعة إليها.

4- التأليف في علم النجوم بإفريقيا:

تقوم المؤلفات الفلكية شاهدةً على تنامي علم الفلك في الأوساط الإفريقية، وكان ظهورها ابتداءً من القرن الثامن الهجري (= الرابع عشر الميلادي)، سواء في ذلك المؤلفات الوافدة إلى بلاد السودان، والمؤلفات التي كانت من صُنع العلماء المحليين أنفسهم. إن الجزء اليسير الذي تمت فهرسته من محتوى مكتبات تمبكتو، وغيرها من المكتبات المحلية ببلاد غرب إفريقيا، يضم ما لا بأس به من كتب علم الفلك ذات الأهمية في هذا الموضوع.

من المؤلفات المحلية كتاب (كشف الغمة في نفع الأمة) لناصر الدين أبي العباس أحمد بن الحاج الأمين التواتي الغلاوي (ت. ١١٧٥هـ)، وهو كتابٌ تعليميٌّ وُضع للطلبة لتعليم كيفية حساب فصول السنة ومطالع الأشهر، ورصد حركة النجوم والبروج. ومنها كتاب: (الدر المنظوم) للعلامة محمد بن محمد الفولاني الكَشْنَوي (ت. 1165هـ/1741م)، ومن المؤلفات المتأخرة كتاب (قنطرة الحساب) للشيخ بكر بن عثمان الفولاني. وكتاب (القنطرة) وفيه تقويمٌ سنويٌّ لرصد مواسم الزراعة، ومباحث فلكية مهمة[20]، وهو من تأليف الشيخ تشرنو سعدُ دالنْ الفوتي (ت. 1855م)، وكان ضليعاً بعلم المواريث.

أما المؤلفات الوافدة؛ فمنها مخطوطة في علم الفلك لمحمد بن سعيد بن يحيى بن أحمد بن داود بن أبي بكر يعزى السوسي، وهو ممن سكن تمبكتو في حدود (1723م) فترة تأليف كتابه المذكور، وفيه بدأ بتعريف علم الفلك وتحديد منافعه، ثم عقد فصولاً في توضيح حسابات الأشهر ومطالعها، وكيفيات رصد الأهلة، ومعرفة السنوات الكبيسة والبسيطة. ومن الكتب التي كانت متداولةً في محاضر بلاد السودان (كتاب الفلك) لعبد الحق المغرب. ومنها مخطوطة تُوفي مؤلفها المجهول عام (949هـ/1572م)، وفيها شرحٌ ورسومات بيانية لاتجاه القبلة. أيضاً كتاب: (الهاشمية في التنجيم مع شرحها)، ذكر العلامة أحمد بابا التمبكتي أنه قرأه على يد شيخ شيوخ تمبكتو العلامة محمد بغَيُغُ (ت. 1002هـ/1594م).

وقد نَـمَت حركة التأليف المحلي لتشمل مؤلفات فلكية بلغات المسلمين في غرب إفريقيا كالفولانية وهَوسا، من ذلك أرجوزة تعليمية للشيخ العلامة عبد الله بن محمد غُوَانْدو في (63) بيتاً مقسمة على خمسة فصول، شرح فيها نظام البروج، وحركة النجوم، ومنازل القمر، والتقويم القمري، وطرق موافقته بالتقويم الشمسي، وما يُصاحب كل فترةٍ من المواسم والأنشطة الزراعية، والتغيرات المناخية[21].

هذا، وبتأكيد السلطان محمد بيللو (ت. ١٨٣٧م) في تاريخه؛ فإن علم الفلك والتنجيم كان متداوَلاً بين علماء بلاد السودان، خاصة علماء منطقة «باغِرْم»، وأن منهم من ألَّفَ فيه. وذكر الرحالة الإنجليزي كلابيرتون (Hugh Clapperton, d.1827)، حين زار بلاد هَوسا، أنه فوجئ بالمعرفة الواسعة لدى السلطان بيللو نفسه بالنجوم، وبعض الكواكب، وأنه يعرفها بأسمائها العربية[22].

وتدل تراجم كثير من العلماء ببلاد السودان على أنهم قد درسوا هذه الكتب المذكورة وغيرها على أيدي مشايخهم. كما نجد مؤلفاتٍ ورسائل في غرب إفريقيا حاولت ترشيد علم الفلك، والحد من ممارسات علماء التنجيم، التي حادت عن أصول الإسلام الصحيحة، وبلغت حد الإفراط فخرجت به عن مجال العلم النافع، إلى الانزلاق في الممارسات والطقوس السحرية (علم الأسرار)، من تلك المؤلفات قصيدة: للشيخ أحمد الوالي الفلاني (ت. 1688م)، وهي في النهي عن تعلُّم التنجيم وممارسته، ورسالة للشيخ العلامة رمضان بن أحمد بعنوان (الجوهرة في ذم علم النجوم)[23].

5- استحداث معارف إسلامية فلكية مطورة:

اقرأ أيضا

علاقة الذهب بالصراعات المسلحة والاقتصادات الموازية في إفريقيا (2000–2026)

بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا: السياسات والإستراتيجيات اللازمة

إدارة النفايات الإلكترونية في غانا ودورها في دعم مسار الاقتصاد الأخضر في إفريقيا

لقد أفضت الخبرة الفلكية لدى مسلمي إفريقيا إلى تطويرهم لمعارف فلكية جديدة متمحورة حول الشعائر الإسلامية، ولعل أجلى ما أفادنا به في هذا المجال الشيخ الحسن كوناتيهْ (2017م)- وهو من بقايا حُذّاق علم الفلك المعاصرين ببلادنا- استنباطهم لطريقة ثابتة في تحديد بدايات الأشهر القمرية عن طريق رصد مواقع القمر وقت الفجر، ووصولهم إلى قاعدةٍ ثابتة لتحديد بدايات شهر رمضان، ويوم الأضحى.

والقاعدة في ذلك: أن اليوم الرابع من رجب، والأول من رمضان، والعاشر من ذي الحجة، جميعها يومٌ واحد، فإذا كان الرابع من رجب يوم الخميس مثلاً؛ كانت غُرّة رمضان والعاشر من ذي الحجة كذلك خميساً.

وقد اختبرنا صحة هذه القاعدة بالرجوع إلى كتاب: (جدول السنين الهجرية)[24]؛ فلم تشذ- ولو- سنةٌ واحدةٌ عن هذه القاعدة؛ على امتداد حوالي خمسمائة سنة التي شملها بحثنا الاستكشافي الأوّلي في هذا المجال.

خلاصة لما سبق: إن علم الفلَك قديمٌ بالمجتمعات الإفريقية، يشهد بذلك المكتشفات الأثرية، كما تترجمها الهندسة المعمارية التقليدية، وكثيرٌ من الأنشطة والمظاهر الاجتماعية بإفريقيا. ومع التحول الدؤوب لكثيرٍ من الشعوب الإفريقية إلى الإسلام؛ فإن علم الفلك الإثني قد تطور وتوسع لدى تلك الشعوب؛ لعلاقته المباشرة بالشعائر الإسلامية.

 

المحور الثاني: الرياضيات الإثنية بإفريقيا:

الرياضيات الإثنية Ethnomathematics كما عرّفها المربي الرياضي دامْبروسيو Ubiratan d’Ambrosio أولُ واضعٍ لهذا المصطلح (١٩٧٧م): هي التي تُطبق داخل مجموعات ثقافية معيّنة، مثل المجموعات القبلية، والمهنية، والأطفال في سن معيّنة أو غيرها[25].

أو هي إجمالاً: دراسة العلاقة بين الثقافة وبين الرياضيات. أي كيف تُوظف الرياضيات داخل مجتمع معيّن، وكيف تؤثر في ثقافة المجتمع وتتأثر بها؟ وطريقة العد والحساب عند كل مجموعة ثقافية، وعلاقة ذلك برؤيتها للعالم، وما المجالات الرياضية التي تميل إليها كل مجموعةٍ ثقافية؟

بهذا المفهوم؛ فإن الرياضيات موجودةٌ في كل مجتمع، وأحياناً بأشكالٍ دقيقة عميقة مُندمجة مع سائر الأشكال الثقافية في المجتمع، أو كما أوضَحَه الباحث غيردس عن الرياضيات بإفريقيا، فإن كثيراً من أنشطة الرياضيات بالقارة ليست ظاهرة، وإنما هي مخفية hidden mathematics متداخلة مع الفن، والأحاجي، والألعاب، والنقش وغيرها من صور الفنون الشعبية[26].

ويزيد الباحث نزوكْ Njock هذه الفكرة جلاءً؛ بأن الرياضيات الحقيقية هي فن الاختراع والتخيل، والفن الإفريقي- بهذا المعنى- هو الرياضيات بعينها[27].

وقد كان لهذه النظرة الموسعة للرياضيات، التي فتح بابها دامْبروسيو، الأثر الإيجابي في نماء علم الرياضيات وتعلمها، وخروج الباحثين عن نطاق «الرياضيات الأكاديمية» التي تُدرّس وتُطبّق في المدارس والجامعات، أو الرياضيات بالمفهوم الخاص الذي روّج له الغرب، فقد ندد دامبروسيو بالطرق الميكانيكية المدرسية التي استَبدَلت الطرق الطبيعية لتعلم الرياضيات، وحمّلها مسؤولية إخفاق كثيرٍ من التلاميذ في الرياضيات بالمدارس[28].

أما في السياق الإفريقي تحديداً؛ فإن الدراسات حول الرياضيات قد تنامت بشكلٍ ملحوظٍ، يدل على ذلك مثلاً أن الببليوجرافيا التي أشرف على تحريرها الباحثان غرديس وجبار حول الرياضيات بإفريقيا، منذ حوالي عشرين عاماً، قد ضمّت أكثر من ألف وخمسمائة مرجع من الكتب والبحوث العلمية، وهي بعدُ «لا يمكن وصفها بأنها جامعة» لما نشر في هذا الموضوع[29].

وقد كشفت تلك الدراسات وغيرها عن وجود ثقافة رياضية عريقة وواسعة الانتشار في المجتمعات الإفريقية. ولعلنا نستعرض بعض الكشوفات الأثرية، وبعض الأشكال الفنية، والممارسات الثقافية الدالة على عراقة الرياضيات بالقارة.

أولاً: كشوفات أثرية:

عثر الباحثون الأثريون على مواد قديمة في إفريقيا تُعدّ آلاتٍ حسابية دقيقة، مثل عَظْمة ليبومْبو، وعَظْمة إشانْغو.

أ- عظمة ليبومبو Lebombo bones:

اكتُشِفت هذه العظمة عام (1970م) أثناء الحفريات بمنطقة جبال ليبومبو الواقعة بين جمهورية جنوب إفريقيا ومملكة سوازيلاند، وهي عظمة صغيرة لساق قرد البابونْ، يعود تاريخها لحوالي (35,000) عام قبل الميلاد، وتتكون من ستة جوانب، عليها (29) نقشاً بارزاً. وتُعدّ أقدمَ أداةٍ حسابية مكتشفة حتى الآن؛ إذ هي أقدمُ بكثيرٍ من عظمة الثعلب التشيكوسلوفاكية ذات (57) نقشة، ولا يتجاوز تاريخها تسعة آلاف عامٍ قبل الميلاد[30].

أما استخدامات عظمة ليبومْبو؛ فقد استنتج الباحث ريتشارد م. أنها أداةٌ في غاية الدقة كانت تُستخدم في حساب التوقيت الزمني والتواريخ.

ب- عظمة إشانغو Ishango bones:

إشانْغو عظمةٌ قديمة اكتشفها الباحث الأثري البلجيكي البروفيسور Jean de Heizelin عام (1950م) بالمنطقة الجبلية بوسط إفريقيا عند حوض إدوارد، في الحدود الحالية بين يوغندا وجمهورية كونغو، وتُنسب هذه العظمة لمجموعات إشانْغو البائدة التي استوطنت هذه المنطقة منذ (6-9) آلاف سنة تقريباً قبل الميلاد، وانقرضت بفعل براكين مدمرة دفنت كل كائنٍ بالمنطقة.

وتُعدّ عظمة إشانْغو من أقدَمَ الآلات الحسابية في التاريخ البشري (عمرها حوالي 20000 سنة[31]، وتتألف النقوش على سطح هذه العظمة من خطوط صغيرة متوازية في ثلاثة سطور، (انظر: الشكل 1)، وبدراسة تلك النقوش تبين للباحثين، أمثال (Ron Eglash, 1999)، أنها ليست مجرد خطوط حسابية عادية، وإنما هي آلة دقيقة تقوم على نظام الضرب الثنائي.

شكل (1): عظمة إشانغو:

على سبيل المثال: إن حاصل الجمع للسطر الأول (9+19+21+11)= 60، وهو مثله في السطر الثاني (11+13+17+19)= 60.

والسطر الأول يحوي الأعداد الثابتة حول العدد (10)، إما بزيادة عددٍ واحدٍ على العدد العشري أو بنقصه منها، أي (21=1+20)، والسطر الثاني يشمل الأعداد الأولية بين (10-20).

أما السطر الثالث؛ فيمثل جدول الضرب (5،5،5،10،8،4،6،3)، وقد نبه الباحث إيغْلاسْ على أن هذا النظام هو القاعدة في العد في معظم لغات إفريقيا؛ حيث يُشار إلى العدد الزوجي عادة (4،6،8،10)، بإضافته إلى نفسه، فالعدد (8) مثلاً بلغة Shamba في تنزانيا هو ne na ne، أي: «أربعة وأربعة».

هذا؛ وقد قام الباحث (Alexander Marshack, 1972) بمعاينة ميكروسكوبية لعظمة إشانْغو*، واستنتج أن ثمة علاقة قوية بين أشكال الخطوط والفجوات بينها، وأطوالها وبين منازل القمر، وعليه؛ ذهب إلى أن عظمة إشانْغو كانت تُستخدم أيضاً لحساب الزمن والمواسم والمناسبات الدينية وغيرها من الطقوس الاجتماعية.

بالإضافة إلى هاتَين الأداتَين القديمتَين، توجد أنواعٌ من العيدان تستخدمها مجموعاتٌ إثنية بإفريقيا للحساب أو لرصد الأزمان، من ذلك ما يُعرف بين مجموعات «سانْ» البوشمان في ناميبيا، وهي أيضاً من أقدم الأدوات الحسابية في العالم[32].

ثانياً: مظاهر فنية وممارسات ثقافية:

أ- أنظمة ترقيمية دقيقة:

بالإضافة إلى القطع الأثرية الحسابية المكتشفة في أرجاء إفريقيا؛ فإن أنظمة العد والحساب في كثيرٍ من اللغات الإفريقية، تمد الباحثين بمادة غزيرة حول التراث الحضاري في مجال الرياضيات بالمجتمعات الإفريقية، ومنها دقة نظام الترقيم، ووجود رموزٍ خاصة للأرقام، فقد درس الباحثون كثيراً نُظم العد والحساب في مجتمعاتٍ إفريقية عدة، منها مجموعات إبيبيو ibibio في نيجيريا، وفولاني، وماندينغ، وغيرها، ولعل أول مظاهر الترقيم والعد التي تنبه لها الباحثون في الثقافات الإفريقية، هي دقة نظام الأعداد؛ حيث إن تركيبها يدل على ذهنية رياضية متقدمة لدى أصحابها، من ذلك مثلاً: اعتبار العدد (5) قيمةً محورية. عليه؛ فإنهم يشيرون إلى الأعداد (6، 7، 8، 9) بإضافة العدد (1حتى4) عليه، مثال ذلك في لغة كواياما Kwayama في ناميبيا وأنغولا:

إن هذا النظام مثلاً غير متوفر في اللغات اللاتينية إلا في مستوى ألفاظ العقود، ففي الفرنسية مثلاً العدد 70 هو: soixante-dix، أي: ستون وعشرة.

ولا شك في أن هذا النظام إذا ما استُثمِر في تعليم الرياضيات؛ فإنه يسهم بفعالية في سرعة استيعاب العمليات الحسابية.

أيضاً؛ تُخصص الأرقام الزوجية في الثقافات الإفريقية للأنثى، والفردية للذكر؛ لذلك فإن الرقم (4) و(3) يمثلان التناغم الإيجابي بين الرجل والمرأة وينتج عنهما العدد (7)، وهو من الأرقام المحورية في الرياضيات والثقافة الإثنية بإفريقيا[33].

ب – الأشكال الهندسية:

لاحظ الباحثون غلبة الأشكال الهندسية المجردة لدى المجتمعات الإفريقية: على جدران البيوت، وعلى الأقمشة، والأواني الفخارية.

والسؤال: تُرى ما سبب الإصرار على هذه الأشكال الهندسية دون غيرها كتصاوير الحيوانات أو غيرها؟

إن هذا ما أثار انتباه الباحثين لدراسة تلك الأشكال لدى مجموعات ثقافية عدة بإفريقيا، واستنتجوا أنها تستجيب لقواعد دقيقة في الهندسة[34]. من أولئك الباحثين: دونالد كرو[35]  (Donald Crowe, 1975)، ودراساته حول الأشكال المتناظرة Symmetric على ألبسة مجموعة باكوبا في كونغو وبنين. ودراساتٌ أخرى حول النقوش على أقمشة أديري adire لدى مجموعة يوروبا، وأقمشة أدينكرا adinkra لدى مجموعة أشانتي في غانا الحديثة، والنقوش على السلال اليدوية سيباتسي sipatsi في موزامبيق.

وهذا التقليد في الرسم على الأقمشة قديمٌ بإفريقيا، فالقطعة النسيجية التي تم اكتشافها في كهوف تليم Tellem شمالَي بوركينافاسو، وتعود للقرن السادس الميلادي، هي قطعة مطرزة بخيوطٍ متعرجة على شكل حرف[36] Z.

 وسوف نجد التأثير الإسلامي واضحاً في هذه الأشكال الهندسية؛ كما أكدت ذلك الباحثة بروسينْ لابيلْ وغيرها حول الصناعة التقليدية للأقمشة بإفريقيا[37].

ج- ألعاب ذهنية رياضية:

تتوفر بمجتمعات إفريقيا أنواع متعددة من الألعاب الذهنية التي تتطلب مقدرة رياضية كبيرة، كألعاب العد، وترتيب العناصر، والألغاز.

من ذلك: لعبة sey عند دوغُون، و yote في شرقي إفريقيا، وتُعدّ من أقدم الألعاب الذهنية في العالم[38]. ومنها لعبة shisima في كينيا، و achi في غانا، و murabaraba في ليسوتو، و awele في كوت ديفوار، و okwe في نيجيريا، و omweso يوغندا.

فكلٌّ من هذه الألعاب يقوم على العد والحساب، والمقارنة بين القيم، وحل المشكلات.

ثالثاً: مؤثرات إسلامية في الرياضيات بإفريقيا:

نشطت حركة تعلّم الحساب والتأليف في المجتمعات الإفريقية المسلمة، كما في كل مجتمعٍ مسلم؛ لعلاقة الحساب المباشرة ببعض الشرائع والأحكام الإسلامية، مثل: قسمة المواريث، وإدارة الزكاة.

ومن آثار هذه الحركة النشطة: اقتراض مصطلحات رياضية من العربية إلى اللغات الإفريقية، وحركة التعليم والتأليف في الرياضيات.

أ- اقتراض مصطلحات رياضية من العربية:

اقترضت بعض اللغات الإفريقية مفرداتٍ عدة من اللغة العربية للإشارة إلى الأعداد والأرقام وسائر العمليات الحسابية، وكان النشاط التجاري هو القادحَ الأكبر في نماء هذا الاقتراض اللغوي؛ لذلك نجد أن المجموعات الإفريقية، التي نشطت في التجارة المباشرة مع العرب، هي أكثرها اقتراضاً، كمجموعة ماندينغ، ومن مفرداتها: mutqalu أي مثقال، و dorome درهم، و kesemu قسمة، وهو فعلٌ هنا، أي: عد، و darbu، ضرب. وألفاظ العقود (20-90) في لغة هَوسا مقترضةٌ من العربية، وكذلك في لغة سواحيلي.

ب- تأليف الكتب الرياضية وتعلمها:

من كُتُب الحساب التي كانت تدرس بمسجد سنكوري: كتاب (التلخيص في الحساب)، وكذلك شرحه (رفع الحجاب)، للفقيه أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي المعروف بابن البنا (ت. 724هـ/1321م). ومنها كتاب (بغية الفارض من الحساب والفرائض)، لأحمد بن الحسين بن علي بن الخطيب القسطيني (ت. 810هـ). منها أيضاً كتاب (كشف الحجاب للأصفياء الأحباب عن أجنحة الرغاب في معرفة الفرائض والحساب)، للفقيه أحمد بن سليمان الرسموكي، وهو شرح لمنظومة في الحساب وضعها الفقيه سيدي إبراهيم بن أبي القاسم السملالي (ت. 927هـ/1520م). أما كتاب (كشف الحجاب) فهو في تعليم العمليات الحسابية وقواعد الضرب والطرح والقسمة والإضافة، وفيه عرض تاريخي لنشأة علم الرياضيات وتطوره، وكان هذا الكتاب متداولاً في المقرآت التمبوكتية، وشمال إفريقيا.

كما أن معظم الكتب الأصول في الحساب والجبر كانت متداولةً بإفريقيا بفضل رواج   المخطوطات، ففي عام (1826م)، حين أهدى الرحالة الإنجليزي كلابيرتون(Hugh Clapperton, 1788-1827) نسخةً معربة من كتاب إقليدس إلى السلطان محمد بللو، وجد أن السلطان كان يملك نسخةً معربةً من هذا الكتاب قبل ذلك، أتى بها أحد أقاربه من مكة.

هذا بالإضافة إلى كتب كثيرة في المواريث، وضَعَها العلماء المحليون بإفريقيا، وهي تُعدّ ترجمةً حية للحركة العلمية في مجال الرياضيات.

وهناك مشايخ كثيرون اشتهروا ببلاد السودان- وما زالوا- بحذقهم العميق لعلم الفرائض؛ يُلقبون عادةً بفلان «الفرَضي».

بالإجمال؛ فإن علم الرياضيات الإثني عميق الجذور في تاريخ القارة الإفريقية، ولعل عظمة ليبومبو وعظمة إشانْغو اللتين تُعدان من أقدم الأدوات الحسابية في تاريخ البشرية تؤكدان هذه الحقيقة. يُضاف إلى ذلك ما أفرزته الثقافات الإفريقية من مظاهر رياضية دقيقة، كأنظمة العد والترقيم، وألعاب شعبية، ورسومات هندسية متناظرة، وكل تلك المظاهر متأثرة بالإسلام تأثيراً مباشراً وعميقاً.

 

ملحوظة ختامية:

ختاماً لما سبق، حول علم الفلك والرياضيات الإثنية بإفريقيا، يتضح أن للقارة حظاً وافراً في العلوم التطبيقية القديمة، وهي في ذلك لا تختلف عن سائر الثقافات البشرية؛ إذا ما نُظر إلى تلك العلوم نظرةً مغايرة للنظرة الغربية المُضيّقة لمفهوم التاريخ الحضاري لإفريقيا.

هذا، وقد أشرنا إلى ما للحضارة الإسلامية من أثرٍ مباشر وعميق في توسيع الخبرة الإفريقية في العلوم التطبيقية القديمة؛ حيث أخذت المجموعات الإفريقية المسلمة بوعيٍ من سابقيهم في الإسلام (العرب خاصة)، وشاركوا مشاركةً فاعلةً في مواصلة المسيرة الحضارية الإسلامية.

إن هذه المعادلة الشمولية في تأكيد منبع الحضارات بإفريقيا، والمفاهيم الصحيحة عن تاريخ القارة الحضاري، هي التي ينبغي بعثُها وتفعيلها في الوقت الراهن؛ حتى تستعيد الأجيال الإفريقية المعاصرة ثقتها في أنفسها، وتتجه إلى مسارها الطبيعي، وتتبوأ مكانتها المعهودة في بناء الحضارة البشرية، وحيويتها في التنمية، فمن الظلم لهذه القارة أن يغدو مقياس التطور والتنمية بإفريقيا محصوراً في المفهوم الغربي لتاريخ إفريقيا، وبخاصة دراسات وكتابات حقبة ما بعد الغارة الإمبريالية على إفريقيا (حقبة الاستعمار).

إن المنهج المعرفي الإفريقي، قبل طغيان المقاربة الغربية للمعرفة، قد نجح في توجيه مجتمعات القارة في جميع مناشط الحياة: الروحيّة والاجتماعية والسياسية والزراعية والاقتصادية والفنية والأدبية، ووفَّى بحاجات المجتمعات الإفريقية في جميع تلك المناشط[39].

……………………….

[1] Gloria E. & Edward S. (eds). 2016. African Indigenous Knowledge and Sciences. Sense Pub. 6.

[2] Helaine Selin. 2000. Astronomy across Cultures, Springer, 467.

[3] Dirk, H. Africa and Mathematics, 9.

[4] A.M. Kani. 1992. «Arithmetic in the Pre-Colonial Central Sudan» in: G. Thomas (ed). Science and Technology in African History, Edwin M. Press, 33-39.

[5] لعل هذا المقال يكمله بحثنا المنشور بعنوان «الطب التقليدي الإثني بإفريقيا»، بمجلة قراءات إفريقية، العدد 48- 1442هـ/2021م.

[6] Shawna, Holbrook. In : J. Holbrook et al (eds). 2007. African Cultural Astronomy: Current Archaeoastronomy and Ethnoastronomy, Research in Africa, Springer, 75.

[7] Felix A. Chami. «Evidence of Ancient African Beliefs in Celestial Bodies», J. Holbrook et al (eds). Op. Cit., 122.

[8] Helaine Selin. 2000. Astronomy across Cultures, 457.

[9] Molefi Kete. Encyclopedia of African Religion, 218.

[10] Germaine Dieterlen. 1999. Les Dogon: Notion de Personne et Mythe de la Creation, l’Harmattan.

[11] Helaine Selin. 2000. Astronomy across Cultures, 467.

[12] Helaine Selin. 2000. Astronomy across Cultures, 466.

[13] Helaine Selin. 2000. Astronomy across Cultures, 467.

[14] Ajayi, Joseph K., 85.

[15] Ajayi, Joseph K., 86.

[16] Helaine Selin (ed), Enc. Of the History of Science, Technology, 285.

[17] Munyaradzi, Mawere. African Belief and Knowledge Systems: A Critical Perspective, 51.

[18] M. Hiskett. 1967. «The Arab Star Calendar and Planetary System in Hausa Verse», Bulletin of the SOAS., Vol (30),1, 158-176(176).

[19] Ajayi, Joseph K. Time in African, 42.

[20] See: Hunwick, ALA, 496-497 and 656.

[21] M. Hiskett. 1967. « The Arab Star Calendar and Planetary System in Hausa Verse », Bulletin of the SOAS., Vol (30),1, 158-176(176).

[22] Travels and Discoveries iv, 1831. London, 93.

[23] إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور، نسخة إلكترونية غير مرقمة، الفصل الثالث: في تراجم بعض علماء باغرم.

[24] كتاب: جدول السنين الهجرية بلياليها وشهورها بما يوافقها من السنين الميلادية بأيامها وشهورها. ف. ويستنفلد (F. Wustenfeld)، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٨٠م.

[25] D’ambrosio U. 1985. Ethnomathematics and its Place in the History, 5.

[26] Mathematics in Sub-Saharan Africa, 356.

[27] Paulus Gerdes. 1994. «On Mathematics in the History of Sub-saharan Africa», Historia Mathematica 21, 345-376, (352).

[28] Carraher et al. 1987. Written and Oral Mathematics, J of Research I Mathematics, 8.

[29] Gerdes Paulus & Ahmed Djebbar (ed). 2004. Mathematics in the African History and Cultures: An Annotated Bibligraphy, Lulu Publishers, 8.

[30] Jonas Bogshi, Kevin Naidoo, John Webb, 1987.

[31] Dirk H. Africa and Mathematics, 140.

[32] www.math.buffalo.edu/mad/ancient-africa

[33] Molefi Kete A. & Ama Mazama. 2009. Encyclopedia of African Religion, SAGE, 610.

[34] Celis G. & Celis Th. 1972. Les Peintures Murals Interieures des Habitations du Migongo Rwanda, African Tervurent, xvii, 2.

[35] Dirk, Huylebrouk. 2006. “Math in (Central) Africa before Colonization”, Anthropological et Praehistorica, 117, 135-162 (145).

[36] Colleen E. Kriger. 2006. Cloth in West African History, AltaMira Press, 73.

[37] L. Prussin. 1986. Hatumere Islamic Design in West Africa, University of California Press, 208.

[38] Bell, R. C., 1988. Board Games around the World, Cambridge, Cambridge University Press.

[39] Gloria E. & Edward S (ed). African Indigenous Knowledge, 7.

كلمات مفتاحية: الحضاراتالعلوم التطبيقيةالفلك
ShareTweetSend

مواد ذات صلة

الشباب الافريقي

الدور السياسي للشباب في إفريقيا

يوليو 21, 2026
مدارس- السنغال

المدرسة في السنغال: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل

يوليو 14, 2026
متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

متلازمة مقديشو: القرار 2719 واختبار استدامة عمليات السلام في الصومال

يوليو 9, 2026
المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية في خدمة اللغة العربية في نيجيريا

اللغة العربية في نيجيريا ودور “المجلس الوطني للدراسات العربية والإسلامية”

يوليو 1, 2026
القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

القطن في إفريقيا: الأهمية الاقتصادية والتحديات الهيكلية وفرص تعظيم القيمة

يونيو 25, 2026
انتخابات غينيا

 دراسة تحليلية للانتخابات التشريعية في غينيا 2026

يونيو 16, 2026

ابحث في الموقع

لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج
يشغل حاليا

تويتر

Follow @qiraatafrican

الأكثر قراءة (أسبوع)

الإفريقي يعرب عن قلقه البالغ إزاء استمرار تمويل الأنشطة الإرهابية في إفريقيا

الاتحاد الإفريقي والشراكات في مجال إصلاح قطاع الأمن

أكتوبر 22, 2024

صمود الأبطال: ثورة الشيمورنجا الأولى ضد الاستعمار البريطاني في زيمبابوي خلال القرن التاسع عشر

أكتوبر 20, 2024

صناعة الطباعة في إفريقيا جنوب الصحراء وعوامل دَفْعها

أكتوبر 6, 2024

الانتخابات التشريعية في السنغال: الرهانات في مبارزة عن بُعْد بين عثمان سونكو وماكي سال

أكتوبر 21, 2024

حظر اتحاد “فيسي” الإيفواري.. واتارا يدهس “بيادق” غباغبو على رقعة الحرم الجامعي!

أكتوبر 22, 2024

أفضل 10 دول إفريقية في 2026 من حيث الاقتصاد وجودة الحياة

مايو 25, 2026

فيسبوك

‎قراءات إفريقية‎
  • قراءات تاريخية
  • متابعات
  • مكتبة الملفات
  • منظمات وهيئات
  • الحالة الدينية
  • حوارات وتحقيقات
  • أخبار
  • الحالة الدينية
  • المجتمع الإفريقي
  • ترجمات
  • تقارير وتحليلات
  • تقدير موقف
  • ثقافة وأدب

الأقسام

  • المجلة
  • كتاب قراءات
  • الموسوعة الإفريقية
  • إفريقيا في المؤشرات
  • دراسات وبحوث
  • نظرة على إفريقيا
  • الصحافة الإفريقية

رئيس التحرير

د. محمد بن عبد الله أحمد

مدير التحرير

بسام المسلماني

سكرتير التحرير

عصام زيدان

© حقوق الطبع محفوظة لدي قراءات إفريقية. تطوير شركة بُنّاج ميديا.

Welcome Back!

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In

Add New Playlist

لا توجد نتيجة
مشاهدة جميع النتائج
  • المجلة
    • العدد الحالي
    • الأعداد السابقة
  • الموسوعة الإفريقية
  • تقارير وتحليلات
  • تقدير موقف
  • دراسات وبحوث
  • ترجمات
  • المزيد
    • إفريقيا في المؤشرات
    • الأخبار
    • الحالة الدينية
    • الصحافة الإفريقية
    • المجتمع الإفريقي
    • ثقافة وأدب
    • حوارات وتحقيقات
    • شخصيات
    • قراءات تاريخية
    • متابعات
    • مكتبة الملفات
    • منظمات وهيئات
    • نظرة على إفريقيا
    • كتاب قراءات إفريقية

© حقوق الطبع محفوظة لدي قراءات إفريقية بواسطة بُنّاج ميديا.