تمهيد:
الاقتصاد المعرفي المبني على التعليم والابتكار، والعمل المؤسسي، وتعزيز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وخلق حوافز اقتصادية، تُسجِّل فيه القارة الإفريقية تخلفاً كبيراً مقارنةً بالمناطق الأخرى حول العالم[1]، هذا في حدّ ذاته يمثل تحدياً لممارسة الأعمال التجارية في القارة، ويقلل إلى حدٍّ كبير من احتمالات اللحاق بركب التطور الاقتصادي وتحقيق الرفاهية الاقتصادية.
تؤكدّ أدبيات التنمية المعاصرة على أن الازدهار الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين يرتكز إلى حدٍّ كبير على الاقتصادات القائمة على المعرفة، ومن ثَمّ يتطلب الأمر قدرة الدول على توليد المعرفة بشكلٍ فعّال، ونشرها على النحو الأمثل للتطورات الاقتصادية والبشرية في سياق العولمة الاقتصادية[2].
ولأهمية اقتصاد المعرفة، وتأثيره المتزايد على ممارسة الأعمال التجارية في القارة، وبخاصة الاستثمارات الأجنبية والتجارة الدولية بين دول القارة وبقية دول العالم[3]، ستتناول الدراسة موضوع «بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا» من خلال تلخيص ومناقشة ما طُرح حتى الآن من التدابير التي يمكن للدول الإفريقية اتباعها لتسريع سيرها نحو الاقتصاد المعرفي، وستحاول الدراسة بذلك المساهمة في سدّ الفجوة القائمة في أدبيات بناء اقتصاد معرفي خاص بقارة إفريقيا.
ومن هذا المنطلق؛ تهدف هذه الورقة إلى تزويد صانعي السياسات ومتخذي القرارات الاقتصادية في إفريقيا بالتدابير الضرورية لعملية بناء اقتصادات المعرفة، وذلك بالإجابة عن السؤال الآتي: ما السياسات والإستراتيجيات التي يمكن من خلالها تعزيز التقدُّم نحو الاقتصادات القائمة على المعرفة في إفريقيا؟
وبناءً عليه، قُسّمت هذه الورقة إلى ثلاثة محاور رئيسة، فالمحور الأول عبارة عن مدخل مفاهيمي لتوضيح المصطلحات والمفاهيم الأساسية التي يرى الباحث ضرورة شرحها ورفع اللّبْس المحتمل عنها. بينما المحور الثاني يطرح سياسات بناء اقتصاد المعرفة وإستراتيجياتها للقارة الإفريقية، ويسلط الضوء على أسس بناء اقتصادات المعرفة، وركائز أساسية لماهية المعرفة الاقتصادية، مثل: التعليم وتكوين المواطنين المهرة، والحوافز الاقتصادية، والنظام المؤسسي. ويتبعه بتحذير من الوقوع في فخ الاستعمار المعرفي. والمحور الثالث يلخص الدراسة، ويقدم توصيات، ويختم بآفاق البحث المستقبلي.
المحور الأول: مدخل مفاهيمي:
سيركز هذا المبحث في توضيح خمس نقاط مهمّة، وهي: (1) تعريف اقتصاد المعرفة؛ (2) أمثلة على اقتصادات المعرفة؛ (3) الفرق بين الموارد المادية ورأس المال البشري كمورد في اقتصاد المعرفة؛ (4) حجم اقتصاد المعرفة والدول التي لديها أكبر اقتصاد معرفي؛ (5) أكثر المهارات قيمة في اقتصاد المعرفة.
أولاً: تعريف اقتصاد المعرفة:
اقتصاد المعرفة: هو «نظام استهلاك وإنتاج يقوم على رأس المال الفكري، ويشير إلى القدرة على الاستفادة من الاكتشافات العلمية والبحوث التطبيقية وتوظيفها في تعزيز النمو الاقتصادي»[4]، فالعنصر الأساسي للقيمة هو زيادة الاعتماد على رأس المال البشري والملكية الفكرية كمصدر للأفكار والمعلومات والممارسات المبتكرة[5]. ويمثل اقتصاد المعرفة حصة كبيرة من النشاط في معظم اقتصادات العالم المتقدمة، وبناءً عليه؛ يتمتع اقتصاد المعرفة بخصائص جمّة، أهمّها:
– يصف اقتصاد المعرفة التسويق التجاري المعاصر للعلوم والمنح الأكاديمية.
– في اقتصاد المعرفة؛ يُسَلَّعُ الابتكار القائم على البحث عبر براءات الاختراع، وأشكال الملكية الفكرية الأخرى.
– يتقاطع اقتصاد المعرفة مع ريادة الأعمال الخاصة والأوساط الأكاديمية والأبحاث التي ترعاها الحكومة.
– يعتمد اقتصاد المعرفة على العمالة الماهرة والتعليم، وشبكات الاتصالات القوية، والهياكل المؤسسية التي تحفز الابتكار.
حسب واقع اقتصادات العالم الحالية؛ تميل الاقتصادات النامية إلى التركيز على الزراعة والتصنيع بشكلٍ كبير، بينما تمتلك الاقتصادات المتقدمة حصة أكبر من الأنشطة المتعلقة بالخدمات التي تشمل الأنشطة الاقتصادية القائمة على المعرفة، مثل البحث والدعم الفني والاستشارات.
فاقتصاد المعرفة هو سوق إنتاج وبيع الاكتشافات العلمية والهندسية، ويمكن تحويل هذه المعرفة إلى سلع في شكل براءات اختراع، أو غيرها من حماية الملكية الفكرية. ويُعدّ منتجو هذه المعلومات، مثل: الخبراء العلميين ومختبرات البحث، جزءاً من اقتصاد المعرفة.
تاريخياً؛ كان قانون Bayh-Dole لعام 1980م نقطة تحوُّل رئيسة في معالجة الملكية الفكرية في الولايات المتحدة؛ لأنه سمح للجامعات بالاحتفاظ بملكية الاختراعات أو الاكتشافات التي أجريت بتمويل فيدرالي للبحث والتطوير، والتفاوض على التراخيص الحصرية[6].
ونتيجةً للعولمة؛ أصبح الاقتصاد العالمي أكثر اعتماداً على المعرفة، وجلب معه أفضل الممارسات من اقتصاد كلّ بلد. كما يمكن للعوامل القائمة على المعرفة أن تخلق اقتصاداً مترابطاً وعالميّاً؛ حيث تُعتبر الخبرة البشرية والأسرار التجارية موارد اقتصادية مهمّة.
ثانياً: أمثلة على اقتصادات المعرفة:
تُعدّ المؤسسات الأكاديمية، والشركات المشاركة في البحث والتطوير، والمبرمجين الذين يطورون برامج جديدة ومحركات بحث للبيانات، والعاملين الصحيين الذين يستخدمون البيانات الرقمية لتحسين العلاجات، لَبِنات مُؤسِّسَة لاقتصاد المعرفة، حيث ينقل وسطاء الاقتصاد نتائج أبحاثهم إلى العاملين في المجالات التقليدية، مثل المزارعين الذين يستخدمون تطبيقات البرامج والحلول الرقمية لإدارة محاصيلهم بشكل أفضل، والإجراءات الطبية المتقدمة القائمة على التكنولوجيا، مثل العمليات الجراحية بمساعدة الروبوت، أو المدارس التي توفّر الوسائل التعليمية الرقمية والدورات عبر الإنترنت للطلاب، هذه أمثلة بسيطة لاقتصادات المعرفة.
ثالثاً: الفرق بين الموارد المادية ورأس المال البشري كمورد في اقتصاد المعرفة:
يجيب مفهوم اقتصاد المعرفة عن سؤال: كيف يمكن أن يعمل التعليم والمعرفة- أي رأس المال البشري- كأصل إنتاجي أو منتج تجاري يُباعُ ويُصَدَّر لتحقيق أرباح للأفراد والشركات والاقتصاد بصفة عامة؟. وإجابة هذا السؤال تتلخص في أن هذا المكون من الاقتصاد يعتمد بشكلٍ كبير على القدرات البشرية الفكرية بدلاً من الموارد الطبيعية أو المساهمات المادية، ففي اقتصاد المعرفة؛ تعمل المنتجات والخدمات القائمة على الخبرة البشرية الفكرية على تطوير المجالات التقنية والعلمية، وتشجيع الابتكار في الاقتصاد ككل، ومن ثَمّ فهي تمثل رأس المال في اقتصاد المعرفة له خصائصه المميزة له عن الموارد المادية.
رابعاً: حجم اقتصاد المعرفة والدول التي لديها أكبر اقتصاد معرفي:
تُقاس عوامل اقتصاد المعرفة من خلال مؤشر المعرفة العالمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والذي حلّ محل مؤشر اقتصاد المعرفة التابع للبنك الدولي بعد عام 2012م، ويرصد هذا المقياس كلّ بلد على أساس «العوامل التمكينية» لاقتصاد المعرفة، مثل مستويات التعليم، التدريب التقني والمهني، والابتكار، وتكنولوجيا الاتصالات.
ووفقاً للإصدار الأخير لهذا المؤشر؛ تحتل سويسرا المرتبة الأولى في اقتصاد المعرفة مع مجموع نقاط (71.9%). الدولتان التاليتان هما: السويد (70%)، والولايات المتحدة (69.9%)[7].
وعلى المستوى الإفريقي؛ تحتل كينيا المقدمة بحصدها مجموع نقاط بلغ (41%)، تليها: مصر وليسوتو وغانا لكلٍّ منها (40.7%)، و(40.3%)، و(40%) نقطة على التوالي، وتتربع تشاد في ذيل القائمة مسجلةً (23.5) نقطة مئوية[8].
ومع ذلك؛ يصعب تحديد حجم اقتصاد المعرفة العالمي أو الإقليمي بشكلٍ أدقّ؛ لأن معالم هذا القطاع غير محددة بوضوح، مثل قطاع الصناعة. ومع ذلك؛ فإنه من الممكن الحصول على تقدير تقريبي لبعض الدول المتقدمة، من خلال قياس بعض المكونات الرئيسة لاقتصاد المعرفة، ففي الولايات المتحدة- مثلاً- يبلغ إجمالي سوق الملكية الفكرية 6.6 تريليونات دولار- وفقاً لغرفة التجارة الأمريكية[9]، وتشكل الصناعات كثيفة الملكية الفكرية أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل حجم السوق لمؤسسات التعليم العالي في البلاد 568 مليار دولار إضافية[10].
خامساً: أكثر المهارات قيمة في اقتصاد المعرفة:
وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية؛ يُعدّ «التواصل» و«العمل الجماعي» مهارتين أساسيتين للاقتصاد القائم على المعرفة، إلى جانب «التعليم العالي» و«التدريب الفني»، اللذين يُعدّان الأصول الواضحة لاقتصاد المعرفة. ونظراً لأنه من غير المحتمل أن يتمكن أيّ عامل من عوامل المعرفة من إنتاج ابتكارات رائدة بمفرده؛ فإنّ «الكفاءات الشخصية» و«كفاءات مكان العمل»، بوصفها عوامل مؤثرة أيضاً في الابتكار، ضرورية لبقاء البيئة المنتجة للعمل القائم على المعرفة[11].
المحور الثاني: سياسات بناء اقتصاد المعرفة وإستراتيجياتها في إفريقيا، والتحذير من الاستعمار المعرفي:
سيتناول هذا المحور الأسس التي يقوم عليها بناء اقتصاد المعرفة، وذلك بدراسة ثلاث ركائز أساسية من ركائز مؤشر اقتصاد المعرفة الأربعة، التي وضعها البنك الدولي لبناء اقتصادات معرفة متينة، ومن ثَمّ سيتم مناقشتها في السياق الإفريقي، ثم تنتقل الدراسة إلى التحذير من الوقوع في فخّ الاستعمار المعرفي في أثناء بناء اقتصادات المعرفة في إفريقيا.
الركائز الأساسية في مؤشر اقتصاد المعرفة التي وضعها البنك الدولي:
حدّد البنك الدولي أربعة متطلبات أساسية لبناء اقتصادات المعرفة، وهي بمنزلة أركان رئيسة ينبغي للدولة مراعاتها حتى تكون قادرة على المشاركة الكاملة في اقتصاد المعرفة[12]، وهي:
1- التعليم والتدريب: يشير هذا الركن إلى الحاجة إلى مجموعة سكانية متعلمة وماهرة لخلق المعرفة وتبادلها واستخدامها.
2- البنية التحتية للمعلومات: ويشير هذا الركن إلى الحاجة إلى بنية أساسية ديناميكية للمعلومات (من الراديو إلى الإنترنت)؛ لتسهيل الاتصال الفعّال للمعلومات ونشرها ومعالجتها.
3- نظام الحوافز الاقتصادية والمؤسسية: إن البيئة التنظيمية والاقتصادية التي تتيح التدفق الحر للمعرفة، وتدعم الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتشجع ريادة الأعمال، هي أمر أساسي لاقتصاد المعرفة.
4- أنظمة الابتكار: من الضروري وجود شبكة من مراكز البحث، والجامعات، ومراكز الفكر، والمؤسسات الخاصة، والجماعات المجتمعية، للاستفادة من المخزون المتزايد من المعرفة العالمية واستيعابها، وتكييفها مع الاحتياجات المحلية، وخلق معرفة جديدة.
إلى جانب تلك الأسس الأربعة؛ وضع البنك الدولي محددات لاقتصاديات المعرفة، والتي تُعتبر خريطة طريق لواضعي السياسات ومتخذي القرارات الاقتصادية، وهي:
أ- الهياكل المؤسسية التي توفّر حوافز لريادة الأعمال واستخدام المعرفة.
ب- وجود نظام تعليمي جيد، وتوفر العمالة الماهرة.
ج- الوصول إلى البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
د- وجود بيئة ابتكارية نابضة بالحياة تشمل الأوساط الأكاديمية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني.
وفي هذه الدراسة؛ سيتم تسليط الضوء على ثلاثة من متطلّبات بناء اقتصادات المعرفة حسب الركائز التي وضعها البنك الدولي، وهي: (أ) التعليم وتكوين المواطنين المهرة؛ (ب) تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ (ج) الحوافز الاقتصادية والنظام المؤسسي.
الركيزة الأولى: التعليم وتكوين المواطنين المهرة:
يهتم اقتصاد المعرفة بقدرة المواطنين المتعلمين والمهرة على إنشاء المعرفة ونشرها واستخدامها بكفاءة. في السياق الإفريقي؛ يُلْحَظ نقصٌ في الاستثمار التعليمي، وتزايد هجرة الأدمغة، ما يمثل المخاوف الرئيسة التي تحدّ من التوجه نحو التعليم الأساسي في إفريقيا[13]، حيث تتفق الأدبيات الأساسية عادةً على مجموعة من المؤثرات السلبية في هذا المجال، وهي ضعف البنية التحتية للمعرفة، وهجرة الأدمغة اللامعة، ومحدودية البحث والتطوير Research & Development، والمناهج القديمة، والعلاقات الجامدة التي تُعتبر قيوداً بين الصناعة والعلوم.
في واقع الأمر؛ مع أن الاقتصادات الإفريقية تسير في مسار المعرفة الاقتصادية، إلا أنها يمكن أن تفقد بشكلٍ كبير الدافع الجديد نحو بناء اقتصادات المعرفة؛ ما لم تُتّخذ سياسات جريئة لإعادة دعم التكنولوجيا والعلوم والتعليم العالي والابتكار[14].
وفي هذا البُعد (التعليم وتكوين المواطنين المهرة)؛ تحتاج الاقتصادات في إفريقيا إلى اتخاذ تدابير سياسية طموحة نحو زيادة التعليم الفني الذي يتفوق بشكلٍ كبير على التعليم العام، والإنفاق على البحث والتطوير، ولابد أن يتم هذا بالمزامنة مع أمورٍ أخرى، مثل الالتحاق الجيد بالتعليم الأساسي والمتوسط والثانوي.
فضلاً عن ذلك؛ هناك حاجة إلى ثقافة التعلُّم مدى الحياة، حتى يُدرَّب العمّال على التكيف مع الظروف التكنولوجية الصعبة والمتطورة. ويحتاج صانعو السياسات إلى إنشاء آليات لتوفير التدريب المهني والتقني أثناء العمل، في الوقت نفسه يجب أن تتحرك مثل هذه السياسات جنباً إلى جنب مع حوافز التدريب في مكان العمل من قِبَل الشركات. كما يجب أن تعتمد البلدان على استيراد تكنولوجيا باهظة الثمن لا تستطيع وحداتها البحثية تحمُّل تكاليفها، ويجب أن تكون منصات البحث والتطوير الخاصة بها أكثر توجهاً إلى البيئة المحليّة، ومصممة لتلبية احتياجاتها، مثل: الأمن الغذائي، والاكتفاء الذاتي الغذائي[15].
ويمكن توضيح الإجراءات الأساسية للقيام بذلك كما يأتي:
1) ضرورة رفع جودة التعليم:
من المهم أن تنخرط الدول الإفريقية في خطوات جريئة بهدف تعزيز الالتحاق النوعي بالجامعات، ولكي تكون مثل هذه السياسات فعّالة؛ فإنه يجب أن تُصمّم بالاقتران مع تحسينات كبيرة في البيئات المؤسسية التكميلية، التي تشمل استقلالية مؤسسات التعليم العالي وقدراتها الاستيعابية، إذْ يعزز التعليم قدرة الدولة على اكتساب المعرفة والتكنولوجيا الجديدة، وينتج التعليم أيضاً المعرفة الضمنية للأفراد اللازمة لدعم أجيال التعلم التكنولوجي[16].
وفي هذا الإطار؛ ينبغي للحكومات في إفريقيا تنفيذ التدابير اللازمة بهدف تعزيز تنمية الموارد البشرية الأساسية.
ولتسليط الضوء على السياق الإفريقي؛ ناقشت دراسة أسونغو أودهيامبو (2020)[17] أدبياتٍ دارت موضوعاتها حول أربعة محاور رئيسة لمتطلبات الجودة التعليمية لبناء اقتصادات معرفة قوية وذات قيمة مضافة، وهي: (أ) إطار العدالة الاجتماعية؛ (ب) التعليم القائم على النتائج؛ (ج) التجديد التربوي للتعليم الابتدائي النوعي الشامل؛ (د) تدويل التعليم العالي. ويمكن إيضاحها فيما يلي:
أ- إطار العدالة الاجتماعية:
في هذا الإطار؛ ناقشتْ دراسة تيكلي وباريت (2011) نهجاً قائماً على نظرية القدرات والعدالة الاجتماعية، وتضمّنت الدراسة جودة التعليم في إطار كيفية تحسينه للقدرات الأساسية ذات القيمة للمجتمعات والأفراد والمجتمع ككل. هذا النهج يعتمد على تحليل ثلاثة أبعاد مترابطة لجودة التعليم من منظور العدالة الاجتماعية، وهي:
1- تعزيز قدرات المتعلم: يوضح العنصر الأول العوامل المختلفة التي تزيد من تعزيز قدرات المتعلم (مثل الحد من العقبات المؤسسية والثقافية التي تعيق الفرد عن الحصول على حقه في التعليم المناسب أو تطوير قدراته)، وتعزز عمليات التعلم لدى المجموعات المختلفة.
2- مدى قبول العوامل الخارجية: يركز الجانب الثاني على الدرجة التي تحظى بها العوامل الخارجية في التعليم بتقدير كبير من قِبَل مجتمعاتهم، وبما يتماشى مع أولويات التنمية من منظور عالمي.
3- تطبيق الديمقراطية: يتناول هذا البُعد دور الديمقراطية في أخذ قرارات جودة التعليم، وكذلك طبيعة مشاركة المتعلمين في النقاشات المحلية والوطنية والعالمية الخاصة بالتعليم.
بينما قسّم مايكلوا (2001)[18] تقييم الآليات الأكثر فعالية التي يمكن من خلالها ضمان كفاءات التعلم لعدد كبير من الأطفال، وركز المؤلف على أربعة خيارات سياسية رئيسة لتحقيق الكفاءة، وهي:
1- العمل من أجل معالجة الأوضاع السياقية عبر الدول، وتخفيف القيود التي تواجه الظروف الأولية للأنظمة التعليمية.
2- تحسين مزيج من المدخلات التعليمية، من خلال توافر المزيد من الكتب المدرسية في المنازل، وتوفير الوصول إلى المكتبات العامة، وفتح مكتبات متنقلة في المجتمعات الريفية.
3- تعزيز القدرة على تحويل المدخلات إلى تعلّم فعّال، من خلال عوامل مؤسسية وتحفيزية.
4- إعادة تقييم تكلفة خصائص المدخلات.
ب- التعليم القائم على النتائج:
إنّ نهج التعليم القائم على النتائج هي نظرية في التعليم تقوم على الأهداف أو النتائج التعليمية، حيث يتحول التركيز في العملية التعليمية على تحقيق المخرجات (كيفية تحقيق نتائج التعلم والمهارات)، بدلاً من التركيز فقط على المدخلات (المنهج وكيفية تدريسه، في التعليم التقليدي)، فنتيجة التجربة التعليمية في التعليم القائم على النتائج يجب فيها أن يحقق كلّ طالب هدفاً محدداً (معرفة أو مهارة)، ولا يوجد معيار واحد لهذا الهدف يلزم تطبيقه على جميع مناهج التدريس أو الامتحانات أو الطلاب في نهج التعليم القائم على النتائج، حيث تتنوع معايير الأداء والنتائج بحسب مستويات عناصر العملية التعليمية وأهدافها (المنهج- المعلم- الطالب…).
ووفقاً لفوائد هذه النظرية؛ فإنه يجب أن تمكّن التقييمات والفرص والفصول جميع الطلاب من التكيف مع العملية التعليمية بدلاً من تحقيق أهداف جامدة، فجوهر هذا السرد هو التكيف مع المعلم والمدرب والموجّه والنتائج المستهدفة. ويضمن هذا الأسلوب تحسين جودة العملية التعليمية التي تقدمها مؤسسات التعليم، وتحقيق المستوى المناسب لمتطلبات اقتصاد المعرفة.
ومن النماذج العملية في هذا المجال على المستوى الإفريقي تجربة دولة جنوب إفريقيا، يرى الباحث بوثا[19] Botha, R. J أن نهج التعليم القائم على النتائج هو فلسفة أكاديمية قُدّمتْ في جنوب إفريقيا، في حقبة ما بعد الفصل العنصري، لمعالجة الطلبات على القوى العاملة التي تزداد مهاراتها. ويشتمل التعليم القائم على النتائج على الإصلاحات المتعلقة بالمناهج الدراسية التي أصدرتها حكومة جنوب إفريقيا، بعد الانتخابات الديمقراطية الأولى عام 1994م، من أجل جعل التعليم متاحاً وبسهولة أكبر للجميع، والقضاء على التفاوتات التعليمية التي كانت موجودة في حقبة الفصل العنصري[20]. واعتمد هذا النظام على افتراض أنه سيحسّن جودة التعليم التي يحصل عليها المتعلمون من جنوب إفريقيا في المدرسة، بما يواكب الإصلاحات التعليمية في الدولة.
ج- إطار التجديد التربوي لتعميم التعليم الابتدائي:
في هذا الإطار؛ أوصى ديمبيلي وليفوكا (2007م)[21] بإصلاحات في كلٍّ من تطوير مستويات المعلمين والتجديد التربوي، كوسيلة لتحسين التعليم الابتدائي الشامل في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتُقترح الممارسات المؤسسية المفتوحة وثنائية اللغة باعتبارهما بعض الإستراتيجيات الواعدة. فضلاً عن ذلك؛ فإنّ تحسين التنسيق واللامركزية وخصخصة التعليم، وفقاً لـ Geo-Jaja (2004)، يُعتبر أمراً بالغ الأهمية؛ حيث لم تتحقق إلى الآن أي تطورات تعليمية في بعض دول القارة مثل نيجيريا.
ولكي تتمكن الدول الإفريقية من مواجهة هذا التحدي؛ فإن تطوير سياسات التعليم الأساسي تُعدّ ضرورية لإفريقيا، لإتاحة الفرصة للحاق بركب القارات الأكثر تقدّماً اقتصادياً[22]. وتشير دراسة Asongu, S. A., & Nwachukwu, J. C. (2018م)، إلى أهمية التعليم الابتدائي (مقارنة بالمستويات الأعلى من التعليم) في التنمية الاجتماعية والاقتصادية؛ حيث تُعتبر معارف هذه المرحلة أهم المعارف التي تحتاج إليها الاقتصادات في المراحل الأولى من التصنيع[23].
د- تدويل التعليم العالي (قياس العولمة):
في بعض الأحيان يُطلق على عملية تدويل التعليم العالي «قياس العولمة»، وفي هذا الصدد؛ أكد ألباخ[24] Albach, C. H. على أن التدويل يتضمن ممارسات وسياسات يشارك فيها الأفراد والمؤسسات الأكاديمية من أجل مواجهة التحديات التي تفرضها البيئة الأكاديمية العالمية.
وتستلزم بعض دوافع التدويل تعزيز المناهج الدراسية بمحتوى دولي، واكتساب المعرفة واللغات الجديدة، والمزايا التجارية، حيث إن الجهود المكرسة لضمان الجودة ومراقبة المبادرات الدولية هي جزء لا يتجزأ من البيئة العالمية للتعليم.
وعلى الرغم من أنّ تدويل التعليم العالي يبشر بتحسين جودة المناهج وبرامج الطلاب والمرافق والموظفين في أنظمة التعليم العالي؛ فإن أويول[25] يرى أنه في بعض المناطق الإفريقية، حيث لا توجد قنوات تنظيمية مناسبة، يمكن أن يتعرض التعليم العالي للتهديد من خلال التدويل عبر أنشطة المتعلمين المشكوك فيهم والمقدمين الأجانب.
2) موازنة التعليم العام مع التعليم الفني:
هناك إجماع في الأدبيات على أن التعليم العام يفوق بشكلٍ كبير التدريب الفني في الدول الإفريقية[26]. وقد تبنَّى الاتحاد الإفريقي في عام 2016م ضرورة تحقيق التوازن بين التعليم الفني والتعليم العام كجزء من سياسات الاتحاد[27].
ووفقاً لهذا النهج فإنّ التعليم الفني والمهني، والذي يهتم في معظمه بإعداد المواطنين لسوق العمل، هو مجال التعليم الذي يجب التأكيد عليه في إفريقيا من أجل معالجة المخاوف المتزايدة من البطالة والفقر في التنمية المستدامة وجدول أعمال التنمية.
هذا الوصف؛ مدعوم بالأدبيات الحديثة حول الحاجة إلى المهارات التقنية في ريادة الأعمال. وعلى وجه الخصوص؛ لاحظ مينسا وبينديكت[28] نتائج إيجابية في الحد من الفقر على المدى الطويل للتدريب على ريادة الأعمال بدلاً من المنح الحكومية. بينما أشار جيربا Gerba, D. T. في دراسته[29] إلى العلاقة الإيجابية بين دروس ريادة الأعمال في المدارس وبين ممارسة الأعمال التجارية.
تتفق المعطيات السابقة مع الموقف القائل بأن اقتصاد المعرفة في القرن الحادي والعشرين يتميز بمتطلبات سوق العمل المتغيرة، التي تتطلب التعليم والتدريب التقني والمهني، للتكيف بانتظام مع احتياجات الطلاب لتأمين العمل المستقبلي.
أما من الناحية النظرية؛ فإنّ التعليم والتدريب التقني والمهني، الذي يجب أن يكون جزءاً أساسياً من تعليم الجميع، هو آلية يتم من خلالها تمكين الأفراد في كلٍّ من المناطق الريفية والحضرية للتحكم في حياتهم. ويتضمن برنامج التعليم والتدريب التقني والمهني المستدام نظاماً سليماً للتعليم العام، وتدريباً تقنياً متخصصاً، ونظاماً يُفْضي إلى التعليم الفني التمهيدي والعام.
3) تعزيز البحث والتطوير:
كما هو مقترح في أدبيات اقتصادات المعرفة الإفريقية الحديثة[30]؛ فإنه من المهم أن تعتمد الدول على استيراد تكنولوجيا باهظة الثمن ومكلفة للغاية بالنسبة لوحداتها البحثية، لاستيعاب وتكييف برامجها البحثية نحو البحوث التي تركّز على المواطنين الأصليين بأسعار معقولة، مثل الاكتفاء الغذائي الذاتي والأمن.
وتتضمن بعض توصيات السياسة العامة لزيادة البحث والتطوير في إفريقيا أربعة محاور رئيسة، مثل: حوافز للبحث العلمي الموجّه للمواطنين (السكان الأصليين)، وتدابير ضد هجرة الأدمغة، وتشجيع البحث والتطوير التعاوني الإقليمي، وأخيراً: تحسين قنوات الاتصال بين الخبراء وصانعي السياسات.
ويمكن شرح ذلك فيما يلي:
أ- حوافز للبحث العلمي الموجّه للمواطنين الأصليين:
على الرغم من التوصل إلى توافق في الآراء في الأدبيات حول أهمية البحث المصمم محليّاً في تعزيز القدرات الاستيعابية المحلية والوطنية[31]؛ فإنّ وضع معايير البحث يُعتبر أمراً بالغ الأهمية للبحوث الموجهة محليّاً، وأن النتيجة تثبت مدى ملاءمة البحث المدعوم بالاهتمام المحلي والتنفيذ.
فضلاً عن ذلك؛ يمكن زيادة العلاقة بين البحث والتطوير الصناعي من خلال تشجيع الباحثين على مراجعة ونشر نتائجهم العلمية، وفي بعض الأحيان يستلزم الأمر فعل ذلك في المجلات ذات المستوى الأعلى مع رسوم إضافية، لذلك يجب تقديم حوافز كبيرة للباحثين الراغبين في الإسهام في تعزيز المعرفة في الأوساط الأكاديمية في المجالات التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنمية الصناعية، ويشير هذا إلى أن المعدل المنخفض للبحوث المنشورة عن إفريقيا يمكن إرجاعه بشكلٍ أساسي إلى نقص التمويل والإغراءات غير الكافية.
ب- تدابير ضد هجرة العقول والأدمغة:
فمن منظور هجرة العقول والأدمغة، ومن أجل زيادة البحث والتطوير على المستويين المحلي والوطني، يحتاج الباحثون المقيمون في الخارج إلى التعاون والتواصل مع أقرانهم العاملين في بلدانهم الأصلية. ويمكن أن تشمل هذه الشراكات ذات الطبيعة الدولية: إرشاد الشباب في البحث، وإلقاء نظرة ثاقبة على القنوات التي يمكن من خلالها ربط نتائج البحث بتطوير الصناعة المحلية أو الوطنية.
ومن المهم أن تتخذ الحكومات في القارة تدابير أساسية للتأكد من أن العلماء المؤهلين، الذين يغادرون أوطانهم بحثاً عن ظروف عمل أفضل، يظلون على اتصال دائم بالجامعات الوطنية والمحلية. هذا المقياس مهم بشكلٍ خاص؛ لأنه مع تزايد التوحيد القياسي للدبلومات والشهادات الجامعية، نادراً ما يعود معظم الباحثين في الدول الأقل نموّاً، الذين يتلقون التدريب البحثي ذي الصلة في الخارج، إلى بلدانهم أو جامعاتهم الأصلية للإسهام في المعرفة عن طريق البحث والتطوير.
ولا ينبغي للجهود الحقيقية المكرسة لوقف هذا المدّ من هجرة العقول والأدمغة أن تكون خاصةً بكل بلدٍ على حدة؛ بل يجب أن تُفصَّل من خلال مبادرات السياسة الدولية والإقليمية على حدٍّ سواء.
ج- تشجيع البحث والتطوير التعاوني الإقليمي:
من أجل تمكين الدول المتأخرة من اللحاق بنظيراتها الحدودية، من حيث البحث والتطوير، فإنّ تعزيز البحث والابتكار الإقليمي يُعدّ أمراً بالغ الأهمية. ويمكن أن يركز مثل هذا المشروع الترويجي على المصادقة على الأنشطة التي تركّز على المبادرات المحلية والإقليمية في الترويج للأعمال التجارية الجديدة وتشجيعها. كما يمكن أن تستلزم المشاريع أيضاً إنشاء بيئات جذابة عابرة للحدود للتعاون في البحث والتطوير. وقد تتحد الشبكات المقابلة حول أفكار مختلفة، مثل: التعاون من بيئة انتقالية بغرض تسهيل اللحاق بالعلوم والبحث والتطوير، وتوجيه برامج البحث والتطوير لإشراك صانعي السياسات الإقليميين والفاعلين المحليين، والتكامل والتركيز على الدول في القارة التي حقّقت مزيداً من التنمية، مثل: خفض الفقر وجودة الدخل، من خلال تعزيز البحث والتطوير.
د- تحسين قنوات الاتصال بين الخبراء وصانعي السياسات:
يمكن تعزيز مبادرات السياسات عبر الدول في الفئات الثلاث المذكورة أعلاه، في ظل وجود وسائل معلومات واتصالات كافية بين الباحثين والصناعات وصانعي السياسات. إن بناء منصات وشبكات اتصال تكميلية أو مشتركة هو وسيلة لتعزيز مثل هذه المراسلات بين مختلف أصحاب المصلحة.
فضلاً عن ذلك؛ يجب توصيل الدروس المستفادة من المشاريع المنفذة بنجاح، وتوثيقها بشكل صحيح، لتكون بمنزلة نماذج يُحتذى بها لشبكات البحث والتطوير الأخرى. كما يجب أن يشتمل هذا الاتصال والتوثيق على بيانات واضحة ومؤشرات إحصائية يمكن للشبكات التعاونية القائمة والمحتملة الاستفادة منها من أجل تعزيز البحث والتطوير.
وكمثال على مبادرة تعاونية تهدف إلى مكافحة هجرة الأدمغة، وتعزيز البحث وتدابير السياسة عبر الدول، نذكر برنامج «دعم المغتربين الأفارقة للجامعات الإفريقية» الذي صممه مجلس تنمية أبحاث العلوم الاجتماعية في إفريقيا CODESRIA (كودسريا 2014م)[32]. تهدف المبادرة إلى حشد الباحثين الأفارقة في الشتات للمساهمة في تعزيز الجامعات الإفريقية، وتنشيط العلوم الاجتماعية، وسدّ الفجوات في التدريس، وتعزيز برامج الدكتوراه، وتوجيه الباحثين الشباب في العلوم الاجتماعية. وبشكلٍ عام: يهدف مخطط كودسريا إلى تعزيز العلاقات بين الجامعات الإفريقية والأكاديميين الأفارقة في الشتات ومؤسساتهم.
بناءً عليه؛ تُعتبر منصات البحث والتطوير ضرورية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة؛ لأنه في حين أن دولة نموذجية، مثل كوريا الجنوبية تستورد قدراً كبيراً من تقنيتها من الدول الأكثر تقدّماً، فقد خصّصت حوالي 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي لأغراض البحث والتطوير[33].
4) التعلم المستمر (مدى الحياة):
في عملية بناء اقتصاديات المعرفة الإفريقية؛ تُعدّ ثقافة التعلم مدى الحياة أمراً حيوياً للعمال بشكلٍ خاص، وللمجتمع بشكلٍ عام؛ من أجل التكيف باستمرار مع الظروف المتطورة والصعبة لسوق العمل، وسيكون من المهم لواضعي السياسات توفير القنوات التي تمكّن من التدريب المهني والتقني أثناء العمل، ويجب أن تكون هذه التدابير مصممة جنباً إلى جنب مع حوافز للتدريب في مكان العمل.
ولكي يتكيف العمال مع الظروف التكنولوجية المتطورة؛ ستحتاج الحكومات في إفريقيا إلى توفير التدريب المهني والتقني، وكذلك اتخاذ الخطوات اللازمة نحو تشجيع التدريب في أماكن العمل. والدافع وراء هذه الإستراتيجية الأساسية هو أنه مع تطوّر الدول ستصبح الكفاءة التكنولوجية أكثر أهميةً للحفاظ على هذا التقدُّم الاقتصادي. ومن أجل تنفيذ مثل هذه التدابير بنجاح؛ من المناسب لواضعي السياسات رعاية العلماء والمهندسين ذوي الكفاءات العالية، والقادرين على إدارة الازدهار في مجال العلوم والتكنولوجيا.
ومن الأمثلة على ذلك: التجربة الكورية، التي يتم فيها استكمال التعليم والتصنيع من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية واستدامتها، ومن ثَمّ نتج التعلم التكنولوجي والتصنيع عن التعليم من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى أدى التصنيع بدوره إلى زيادة العائد على الاستثمار التعليمي، مما أدى إلى زيادة الطلب على التعليم[34].
وقد وُضِّحَت إستراتيجية التعلم مدى الحياة هذه على نطاق واسع في الخطة التعليمية للاتحاد الإفريقي لعام 2006م سابقة الذكر، من أجل إعادة مواءمة أنظمة التعليم في الدول الأعضاء، حيث يُزوّد الشباب بالتعليم الأساسي الإلزامي الذي يُضفي الكفاءات والمهارات والمواقف العامة الرئيسية التي تؤدي إلى ثقافة التعلم مدى الحياة وريادة الأعمال، من أجل تمكين الأفراد من العيش في سلام ووئام، والانخراط في عالم العمل، والتخفيف من حدة الفقر، والسعي لمزيد من التعلم[35].
الركيزة الثانية: تعزيز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات:
أكدّ منتدى الشراكة الإفريقية لعام 2008م[36] على العديد من الفوائد من تغلغل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، وقد يشمل ذلك حقيقة أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تُسهّل الإنشاء الفعّال للمعرفة ونشرها ومعالجتها.
وتتجلى الأهمية الاقتصادية لهذه الفوائد بشكلٍ أكبر عند مقارنة تغلغل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إفريقيا ببقية العالم[37]، فمقارنةً بمناطق أخرى حول العالم؛ هناك إمكانية انتشار أعلى لآليات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إفريقيا؛ ففي حين تشهد الدول المتقدمة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية حالياً نقاط تشبُّع في نمو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ فإن هناك مجالاً كبيراً لتوطيدها في إفريقيا.
في ضوء ما سبق؛ سجّلت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مؤخّراً إسهامات كبيرة في التنمية البشرية المستدامة والشاملة في جوانب متعددة وقطاعات مختلفة، مثل: تعزيز الشمول المالي، والحصول على الرعاية الصحية للمواطنين في الطبقات الاجتماعية والاقتصادية المنخفضة، وتخفيف الفجوة التنموية بين المناطق الحضرية والريفية، والتخلص الآمن من النفايات الزراعية، وكذلك إصلاح القيود أو عدم التوازن في جانبي العرض والطلب، وتعزيز فرص العمل خاصةً للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وتنمية القطاع المالي غير الرسمي، وتعزيز كفاءة إدارة الأسرة، وتعزيز التنمية البشرية الشاملة المناهضة لعدم المساواة[38].
وعلى الرغم من الآثار التنموية الإيجابية الموثقة بشكلٍ كبير لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ فقد حذر بعض الباحثين من أنه لا ينبغي تفسير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على أنها انطلاقة فريدة للتنمية الاقتصادية[39]، وهذا يعني أن السياسات الأخرى ذات الصلة تحتاج أيضاً إلى أن تكون مكملة ومصممة بعناية فائقة للاستفادة من إمكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ولا سيّما في قطاعات التنمية التي أثبتت نجاحها.
الركيزة الثالثة: الحوافز الاقتصادية والنظام المؤسسي:
تُعدّ الحوافز الاقتصادية والأنظمة المؤسسية من الاهتمامات الرئيسة في بناء اقتصاد المعرفة[40]، فالمؤسسات الجيدة ضرورية لتنمية الاقتصادات الإفريقية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ هذا الركن من اقتصاد المعرفة مكمل للإصلاحات المؤسسية اللازمة لتشجيع ريادة الأعمال والاستخدام الفعّال للمعرفة الحالية والجديدة في البلدان الإفريقية.
وقد تتضمن هذه الإصلاحات مبادرات للحد من سوء الإدارة (وبخاصة الناتج عن الفساد) في تعزيز حقوق الملكية الفكرية، والسيولة الزائدة في المؤسسات المصرفية الإفريقية التي تحد من الوصول إلى التمويل.
وفيما يلي سنتناول الحوافز الاقتصادية والنظام المؤسسي بشيءٍ من التفصيل:
1- الحوافز الاقتصادية:
وفقاً لما طُرح أعلاه؛ فإنه من شأن إستراتيجيات التنمية الشاملة (التي تقودها الصادرات) أن تُعرّض الاقتصادات الإفريقية إلى المزيد من المنافسة، في حين أن الإستراتيجية التي تتطلع إلى الخارج يمكن أن تحفز برامج مكثفة في البحث والتطوير، ومن ثَمّ؛ فالحوافز المالية من الحكومات المحلية مهمّة لنجاح مثل هذه الإستراتيجيات. وعلى المنوال نفسه؛ ينبغي تقليص التدابير الوقائية- التي معظمها ذات صلة بالحماية من المنافسة- في المراحل المتقدمة من التنمية الصناعية بالتوازي مع التنمية الاقتصادية، ويرجع ذلك أساساً إلى أن الرضا عن الابتكار غالباً ما يكون نتيجةً عدم التعرض للقوى التنافسية.
وتُعدّ الحوافز والتدابير الائتمانية (الخاصة بمكافحة السيولة الزائدة) ضرورية لمعالجة المخاوف المؤكدة من فائض السيولة، وسيتطلب ذلك توحيد مكاتب تبادل المعلومات أو مكاتب الائتمان المطلوبة للتخفيف من عدم تناسق المعلومات بين المقرضين والمقترضين في الصناعة المصرفية الإفريقية. كما أنّ معالجة القلق بشأن فائض السيولة من شأنه أن يحفز القطاع الخاص، ويعالج المخاوف في الأدبيات المتطورة حول الحاجة إلى الاستثمار، والمزيد من الوصول المالي، على مستوى القارة.
وعليه؛ فإنه يجب على الحكومات التي تتبنى إستراتيجيات نمو واسعة النطاق أن تُقدّم في نفس الوقت الحوافز المختلفة، مثل: الحوافز المالية، وبرامج البحث والتطوير المدعومة، والتي يمكن بواسطتها حماية الصناعات الإفريقية من المنافسة الأجنبية على المدى القصير، حيث يُرحَّب بالتدابير الوقائية أو الحمائية في المراحل الأولى من التصنيع؛ مثلما استخدمت الدول الصناعية سياسات حمائية في المراحل الأولى من تصنيعها؛ بينما يعزز النموذج الاقتصادي النيوليبرالي- الذي حدده «برنامج إجماع واشنطن»- الرأسمالية الخاصة ومنافسة السوق الحرة.
ويمكن أن نخلص إلى أنه في الوقت الذي يُرى فيه أن السياسات الحمائية ضرورية في إفريقيا في هذه المرحلة المبكرة من التصنيع؛ فإنه ينبغي في نهاية المطاف تقليصها من أجل التخفيف من الرضا عن الابتكار.
وتتمثل إحدى وسائل تقديم الحوافز للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تتميز بمتطلبات ومخاطر رأس مال أكبر، في استخدام معاهد البحوث التي تديرها الحكومة للبحث والتطوير التعاوني.
2- النظام المؤسسي:
من الأسباب الأساسية للتخلف في إفريقيا ضعف جودة المؤسسات. وتُعدّ المؤسسات التي تركّز على السوق ضرورية في القارة كإستراتيجية تنمية من أجل تحرير القوى التنافسية بشكل كبير، وبخاصة المؤسسات ذات الصلة الدافعة نحو الاقتصادات القائمة على المعرفة. ونظراً لأن الإستراتيجية الموجهة نحو السوق تحتاج إلى قوى تنافسية؛ فمن المحتمل أيضاً تحسين ظروف اقتصادات المعرفة.
لذلك؛ فإنّ عوامل مثل: مسائلة الحكومة، وتكافؤ الفرص لجميع المشاركين في السوق، والتجارة المحررة، وأنظمة الاستثمار الأجنبي، ضرورية لبناء اقتصادات المعرفة.
ويمكن للاقتصادات الإفريقية تعزيز أنظمتها المؤسسية من خلال تصميم سياسات تدعم المؤسسات في تأكيد المصداقية الوطنية أثناء الأزمات، واستمالة النخب الفاسدة للاستثمار في مشاريع التنمية طويلة المدى، وتعريض الشركات الإفريقية للمنافسة الدولية عندما تنضج، وتعزيز السبل التي تحرر القوى التنافسية التي لا غنى عنها في الاقتصادات القائمة على المعرفة.
هروب رأس المال يُعدّ من القضايا الشائكة في إفريقيا، وتتمثل أهداف إحدى نداءات تطوير أنظمة مؤسسية ذات مصداقية في أنها تخفف من هروب رأس المال، وتعزز الاستثمار الأجنبي. على سبيل المثال: في تجربة كوريا الجنوبية، بعد أزمة عام 1997م، كانت السياسات التي نفذتها الحكومة ناجحةً في الغالب لأن الحكومة لديها مؤسسات محلية ودولية موثوقة. يمكن للحكومات في إفريقيا الاستفادة من مثل هذه الدروس، ولا سيّما الاعتراف بالحكمة المالية طويلة المدى من قِبَل حكومة كوريا الجنوبية، والتي مكنتها من وضع إصلاحات كافية بعد عام 1997م. وشملت الإجراءات: إلغاء القروض المتعثرة، وإعادة رسملة المؤسسات المالية، وتوفير الدعم المالي للأسر ذات الدخل المنخفض، والبرامج الاجتماعية المرتبطة بالبطالة. وبفضل الأنظمة المؤسسية السليمة، والحصافة المالية، والمصداقية المالية، تمكنت الحكومة الكورية الجنوبية من إصدار سندات جديدة من أجل جمع الأموال اللازمة لتمويل الإصلاحات.
وفي ضوء ما سبق؛ تحتاج الحكومات الإفريقية إلى النظر في حقيقة أن قدرتها على إدارة الأزمات المالية والاقتصادية بنجاح يتوقف على قدر من الموثوقية المؤسسية.
قضية مؤسسية أخرى ذات صلة بهذه النقطة في إفريقيا، وهي النخب السياسية الفاسدة. ولا تزال الرواية الكورية الجنوبية مُثلى في هذه القضية؛ فبدلاً من قمع النُّخبة الفاسدة في كوريا الجنوبية، كما اقترحت لها الولايات المتحدة، تبنتْ كوريا آنذاك نهجاً يُعتبر عملياً أكثر، وهو مصادرة أسهم النُّخبة الفاسدة في البنوك، وإلزامها بالاستثمار في الصناعات التي فضلت استبدال الواردات[41].
هذه الإستراتيجية للتعامل مع الفساد وثيقة الصلة بشكلٍ خاص بالدول الإفريقية، التي تفقد في المتوسط حوالي 25 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي بسبب الفساد الإداري.
وبناءً عليه؛ فإنّ ما ذُكر أعلاه للنهج الكوري يتماشى مع المنظور القائل بأن وجود حكومة ذات مصداقية أمرٌ ضروري للتنفيذ الناجح لإستراتيجيات اقتصاديات المعرفة، حيث كان الدور المحوري للحكومة الكورية ملحوظاً بشكلٍ واضح، وكانت الحكومة ذات رؤية في ضمان القيادة الفعّالة التي أتاحت بيئة اقتصادية كلية مواتية لاقتصاد معرفي مبني على مبادرات البحث والتطوير المحلية، والوصول إلى البنية التحتية الحديثة، وتدريب المواطنين، وتعزيز التعليم الجماعي، واستيعاب التقنيات الأجنبية.
▪ اقتصادات المعرفة وفخّ الاستعمار المعرفي:
الطريق إلى بناء اقتصادات المعرفة ليس دائماً مفروشاً بالورد، وليس كلّ ما يُطرح من أفكار وآراء صالحاً للتطبيق النمطي، وخاصةً في القارة الإفريقية. ومن ثَمّ، وجب تنبيه صانعي السياسات ومتخذي القرار، وبالأخص الباحثين، على توخي الحذر من الفِخاخ المرتبطة بـ«استعمار المعرفة» كجزء من عملية بناء المعرفة الاقتصادية.
وفي هذا المضمار؛ يرى اسكوبار واندلوفو[42] أن استعمار المعرفة يعالج الأسئلة المعرفية للاستعمار الجديد المعاصر، عندما يتعلق الأمر بالتدخل في الأنماط الإفريقية للرؤية والمعرفة، وإنتاج المعرفة، وصُنع المعنى الاجتماعي، والتخيل.
وغالباً ما يُنظر إلى نظرية المعرفة الأوروبية على أنها معرفة موضوعية وعالمية ومحايدة وعلمية ومتفوقة، ولكن في واقع الأمر، كما هو موثق في Quijano (2000)، منذ عصر التنوير الأوروبي وعصر النهضة، عمل المفكرون الغربيون بلا كلل لجعل الثقافات الأخرى تفهم أنّ معرفتهم هي المعرفة العالمية والصادقة الوحيدة، وبذلك استحوذوا على المعرفة الإفريقية الحالية وحلّت محلها المعرفة الأوروبية.
ومن ثَمّ؛ فإنّ عملية بناء اقتصادات قائمة على المعرفة، والتي لا غنى عنها للتنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، ينبغي للعلماء الأفارقة المعنيين بالأمر وصانعي السياسات تنفيذ سياسات خاصة بها، تعتمد على المعرفة من خلال تكييفها مع الحقائق والثقافات ونظريات المعرفة المحلية. وتمثل هذه الرؤى نقطة انطلاق للبحث في المستقبل؛ ولكن ينبغي تجَنُّب الترويج لنماذج الهيمنة والبنى الهرمية «للمعرفة الأعلى والأدنى، وبالتالي؛ للأشخاص المتفوقين والأدنى في جميع أنحاء العالم»[43].
المحور الثالث: الخلاصة والتوصيات، وآفاق البحث المستقبلي:
أولاً: الخلاصة والتوصيات:
عند المقارنة بمناطق أخرى من العالم؛ نرى تخلّف الدول الإفريقية في سعيها نحو الاقتصادات القائمة على المعرفة بشكلٍ واضح. في هذا المضمار؛ استعرضت هذه الدراسة السياسات والإستراتيجيات التي يمكن لدول القارة الإفريقية اتباعها لتسريع توجهها الحالي نحو الاقتصادات القائمة على المعرفة. وقد نوقش هذا العرض من منظور ثلاث ركائز لمؤشر اقتصاد المعرفة وضعها البنك الدولي، وهي: التعليم والمواطنون المهرة؛ وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ والحوافز الاقتصادية والنظام المؤسسي، بوصفها متطلبات رئيسة لبناء اقتصاد معرفي.
وبالتالي؛ يمكن تلخيص الآثار العملية للبحث في الركائز الثلاث لاقتصاد المعرفة التابعة للبنك الدولي، وتضمينها توصيات، لمن يهمه الأمر، على النحو الآتي:
1) تعزيز جودة التعليم وتحسين ظروف المواطنين المهرة:
من أجل تعزيز جودة التعليم، وتحسين ظروف المواطنين الذين يتزايد عددهم باستمرار، يوصي الباحث بأنه من المجدي للدول الإفريقية أن تتخذ تدابير سياسية طموحة مصممة من أجل تطوير التعليم، من بينها:
- الالتحاق بالتعليم النوعي الجيد؛ التعليم الفني الذي يتفوق بشكلٍ كبير على التعليم العام؛ والإنفاق على البحث والتطوير. بالإضافة إلى ذلك؛ فلا غنى عن ثقافة التعلم مدى الحياة، حتى يتم تدريب العمال على التكيف مع الظروف التكنولوجية الصعبة والمتطورة.
- تشجيع واضعي السياسات على إنشاء آليات لتوفير التدريب المهني والتقني أثناء العمل. ويجب تنفيذ هذه السياسات بالتزامن مع حوافز التدريب في مكان العمل، في الشركات من جميع الأحجام.
- تفضيل استيراد التكنولوجيا باهظة الثمن التي لا تستطيع الوحدات البحثية تطويرها، ويجب أن تكون منصات البحث والتطوير الخاصة بكل دولة أكثر توجهاً محليّاً، ومصممة لتلبية الاحتياجات المحلية، مثل الأمن الغذائي، والاكتفاء الذاتي، وغيرها.
2) دعم وتوطين تكنولوجيا المعلومات والاتصالات:
يوصَى بصياغة وتنفيذ تدابير تسهم في تحسين البنية التحتية المطلوبة، من أجل تعزيز نشر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وآليات الوصول الشامل. فضلاً عن ذلك؛ يمكن للهندسة العكسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات* أن تعزز قاعدة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في القارة، وتقلل من الاعتماد التشغيلي على الخارج، وكذلك تخفف من تكلفة الحصول على التكنولوجيا. وقد صيغت إستراتيجيات تعزيز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات هذه بشكلٍ واضح على طول الأطر التي تنطوي على ثلاثة مجالات للسياسة، وهي:
- السياسة الصناعية: البحث، والتطوير، والموارد البشرية، ورأس المال الاستثماري.
- سياسة تنافسية وتنظيمية: تحرير السوق، والخصخصة.
- سياسة معلومات نشطة: إقامة حكومة إلكترونية، وبناء بنية تحتية متطورة.
3) توصيات متفرقة حول الحوافز الاقتصادية والنظام المؤسسي:
يمكن تقديم بعض التوصيات المختلفة، بهدف توفير المزيد من الحوافز الاقتصادية، وتعزيز الأنظمة المؤسسية، وتهيئة البيئة المناسبة لبناء اقتصادات المعرفة، وهي:
- الحوافز الاقتصادية:
في حين أن السياسات الوقائية ضرورية في إفريقيا في هذه المرحلة المبكرة من التصنيع، فيجب أن تصل في نهاية المطاف إلى تقليص القيود من أجل التخفيف من الرضا عن الابتكار. وتتمثل إحدى وسائل توفير الحوافز للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، التي تتميز بمتطلبات ومخاطر رأس مال أكبر، في استخدام معاهد البحوث التي تديرها الحكومة للبحث والتطوير التعاوني.
- تحسين الأنظمة المؤسسية:
وجود حكومات ذات مصداقية أمر ضروري للتنفيذ الناجح لإستراتيجيات اقتصاد المعرفة. ومن ثَمّ يتعين على الحكومات أن تمتلك رؤية واضحة لضمان القيادة الفعّالة التي تمكّن لبيئة اقتصادية كلية، تعتمد على مبادرات البحث والتطوير المحلي، والوصول إلى البنية التحتية الحديثة، وتدريب المواطنين، وتعزيز التعليم الجماهيري، واستيعاب التقنيات الأجنبية، وغير ذلك.
- الاستفادة من تجارب الآخرين:
إن نجاح تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كوريا الجنوبية يتوقف على الاستثمار الضخم في معدات الإنترنت والوسائط المتعددة وخطوط الهاتف. فقد ساهمت هذه الاستثمارات بشكلٍ كبير في النمو الاقتصادي والتنمية البشرية. وُطِّدت سياسة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كوريا الجنوبية وفقاً لوجهات نظر شملت- كما سبق- ثلاثة مجالات رئيسة للسياسة، هي: السياسة الصناعية، سياسة تنافسية وتنظيمية، سياسة معلومات نشطة.
ثانياً: آفاق البحث المستقبلي:
في نهاية المطاف؛ قدّمت الدراسة بعض توجيهات بشأن السياسة التي يمكن أن تُمكّن الدول الإفريقية التي تعاني من التخلف عن الالتحاق بنظيراتها الأكثر تقدّماً حول العالم، فإنّ الانتقال من الاقتصادات القائمة على المنتج إلى اقتصاد المعرفة، أو الاقتصادات الرقمية، تظل مسؤولية الجميع، هذا يعني أنه لا التكنولوجيا، ولا الحكومات الصادقة والشفافة، ولا الأموال المسخرة، يمكنها وحدها تحقيق التطور الذي تتوق إليه شعوب القارة؛ ولكن يمكن للمواطنين تحقيق ذلك من خلال الإرادة والمشاركة الفعّالة والأنشطة اليومية والخيارات الإستراتيجية، المساعدة في اغتنام الفرص التي تقدمها الاقتصادات القائمة على المعرفة، لخلق فرص العمل، وانتشال الملايين من الفقر.
ولكي يتم فهم هذه الغاية بوضوح من قبل العلماء وصانعي السياسات؛ فمن المفيد أن تركّز الأبحاث المستقبلية على:
- الدراسات التجريبية:
والتي تعني التحقيق التجريبي في: كيفية مساهمة الاقتصادات القائمة على المعرفة في خلق فرص العمل والحد من الفقر. وينبغي أن يكون التركيز في نطاقات ضيقة، تنطلق أفكارها من خصائص كلّ دولة أو منطقة جغرافية محددة.
- الدراسات الديموغرافية:
هذه التوصية البحثية مدفوعة بالإسقاطات التي تشير إلى أن عدد سكان إفريقيا من المقدر أن يتضاعف بحلول عام 2036، وسوف يمثل 20 في المائة من سكان العالم بحلول عام 2050م- حسب تقديرات الأمم المتحدة في 2009م.
- دراسات تركّز على تطوير القطاع الخاص:
إن البطالة المتزايدة في القارة الإفريقية، والناتجة عن التغيير الديموغرافي الأساسي، سوف يستوعبها القطاع الخاص مقابل القطاع العام، الأمر الذي يتطلب توجهات اقتصادية قائمة على المعرفة لتحقيق الكفاءة في التنظيم والإنتاج.
- دراسات الرقمنة والتكنولوجيا:
الاقتصاد المعرفي يعتمد بشكلٍ كبير على الرقمنة والتكنولوجيا المتقدمة، الأمر الذي يتطلب إجراء دراسات معمقة ومختلفة لكيفية امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، وتطويعها لتطوير القطاعات المختلفة داخل كلّ دولة، ومن ثَمّ تطوير القارة الإفريقية ككل.
……………………………………..
[1] Anyanwu, J. C. (2012). Developing knowledge for the economic advancement of Africa. International Journal of Academic Research in Economics and Management Sciences, 1(2), 73–111.
[2] Amavilah, V. H., Asongu, S. A., & Andrés, A. R. (2017). Effects of globalization on peace and stability: implications for governance and the knowledge economy of African countries. Technological Forecasting and Social Change, 122(September), 91–103.
[3] Asongu, S. A., & Odhiambo, N. M. (2019). Basic formal education quality, information technology, and inclusive human development in sub-Saharan Africa. Sustainable Development., 27(3), 419–428. https://doi.org/10.1002/sd.1914.
[4] Powell, W. W., & Snellman, K. (2004). The knowledge economy. Annual review of sociology, 199-220.
[5] World, Bank (2007). Building Knowledge Economies: Advanced Strategies for Development. 1818 H Street, NW,Washington, DC 20433: World Bank Publications. pp.4.
[6] GovTrack: H.R. 6933 (96th): Government Patent Policy Act of 1980.
[7] Global Knowledge Index – knoema.com
[8] المصدر نفسه.
[9] Why is IP Important? | The Global Innovation Policy Center (theglobalipcenter.com)
[10] Colleges & Universities in the US – Market Size | IBISWorld – Market Size 2005–2028.
[11] OECD: Competencies for The Knowledge Economy, (Page 1) 1842070.pdf (oecd.org)
[12] الأركان الأربعة لاقتصاد المعرفة، البنك الدولي:
Knowledge Economy – The Four Pillars of The Knowledge Economy (worldbank.org)
[13] (Ford 2007; Kamara et al. 2007; Amavilah 2009; Chavula 2010; Weber 2011; Anyanwu 2012; Andrés et al. 2015; Tchamyou 2017).
[14] Kamara, A.B., Bourish, L., & Nyende, M. (2007). Growing a knowledge-based economy: evidence from public expenditure on education in Africa. Economic Research Working Paper No.88, Tunis.
[15] Asongu, S.A. (2016). Building Africa’s knowledge economy. Project Syndicate: https://www.projectsyndicate. org/commentary/building-knowledge-economy-africa-by simplice-asongu-2016-08 (شوهد في 02 نوفمبر 2022م).
[16] Tchamyou, S. V. (2017). The role of knowledge economy in African business. Journal of the Knowledge Economy, 8(4), 1189–1228.
[17] الدراسة بعنوان «بناء اقتصادات قائمة على المعرفة في إفريقيا: مراجعة منهجية للسياسات والإستراتيجيات»، ونُشِرت في مجلة (اقتصاد المعرفة)، انظر:
Asongu, S. A., & Odhiambo, N. M. (2020). Building knowledge-based economies in Africa: A systematic review of policies and strategies. Journal of the Knowledge Economy, 11(4), 1538-1555.
[18] Michealowa, K. (2001). Primary education quality in Francophone sub-Saharan Africa: determinants of learning achievement and efficiency considerations. World Development, 29(10), 1699–1716.
[19] Botha, R. J. (2002). Outcomes-based education and educational reform in South Africa. International Journal of Leadership in Education, 5(4), 361–371.
[20] Jansen, J. D. (1998). Curriculum reform in South Africa: a critical analysis of outcomes-based education. Cambridge Journal of Education, 28(3), 321–331.
[21] Dembélé, M., & Lefoka, P. (2007). Pedagogical renewal for quality universal primary education: overview of trends in sub-Saharan Africa. International Review of Education, 53(5), 531–553.
[22] Amavilah, V. H., Asongu, S. A., & Andrés, A. R. (2017). Effects of globalization on peace and stability: implications for governance and the knowledge economy of African countries. Technological Forecasting and Social Change, 122(September), 91–103.
[23] Asongu, S. A., & Nwachukwu, J. C. (2018). PhD by Publication as an argument for innovation and technology transfer: with emphasis on Africa. Higher Education Quarterly, 72(1), 15–28.
[24] Albach, C. H. (2007). The internationalization of higher education: motivations and realities. Journal of Studies in International Education, 11(3-4), 290–305.
[25] Oyewole, O. (2009). Internationalization and its implications for the quality of higher education in Africa. Higher Education Policy, 22(3), 319–329.
[26] Oketch, M. O. (2007). To vocationalise or not to vocationalise? Perspectives on current trends and issues in technical and vocational education and training (TVET) in Africa. International Journal of Educational Development, 27(2), 220–234.
[27] African Union (AU, 2006). Second decade of education for Africa (2006-2015). The African Union Draft Plan of Action (June 2006 version) https://archives.au.int/handle/123456789/245?show=full
[28] Mensah, S. N., & Benedict, E. (2010). Entrepreneurship training and poverty alleviation: empowering the poor in the Eastern Free State of South Africa. African Journal of Economic and Management Studies, 1(2), 138–163.
[29] Gerba, D. T. (2012). Impact of entrepreneurship education on entrepreneurial intentions of business and engineering students in Ethiopia. African Journal of Economic and Management Studies, 3(2), 258–277.
[30] Asongu, S. A. (2017). Knowledge economy gaps, policy syndromes, and catch-up strategies: fresh South Korean lessons to Africa. Journal of the Knowledge Economy, 8 (1), 211–253.
[31] ينظر:
Asongu, S. A., & Nwachukwu, J. C. (2018). PhD by Publication as an argument for innovation and technology transfer: with emphasis on Africa. Higher Education Quarterly, 72(1), 15–28.
[32] CODESRIA (2014). CODESRIA launches a new programme: African diaspora support to African universities. Council for the Development of Social Science Research in Africa. https://codesria.org/codesria-african-diaspora-support-to-african-universities-programme/
[33] Tchamyou, S. V. (2017), مصدر سابق
[34] Suh, Joonghae; Chen, Derek H. C.. 2007. Korea as a Knowledge Economy: Evolutionary Process and Lessons Learned. WBI Development Studies. Washington, DC: World Bank. © World Bank. https://openknowledge.worldbank.org/handle/10986/6755 License: CC BY 3.0 IGO.
[35] ينظر: «إستراتيجية التعلم مدى الحياة» على نطاق واسع في: (الخطة التعليمية للاتحاد الإفريقي لعام 2006م)، ص9:
https://archives.au.int/handle/123456789/245?show=full
[36] Africa Partnership Forum (2008). ICT in Africa: Boosting economic growth and poverty reduction, 10th Meeting of Africa Partnership Forum, Tokyo, Japan (7-8th April).
[37] Penard, T., Poussing, N., Yebe, G. Z., & Ella, P. N. (2012). Comparing the determinants of internet and cell phone use in Africa: evidence from Gabon. Communications & Strategies, 86(2), 65–83.
[38] Mishra, V., & Bisht, S. S. (2013). Mobile banking in a developing economy: a customer-centric model for policy formulation. Telecommunications Policy, 37(6-7), 503–514.
[39] Asongu, S. A., & Nwachukwu, J. C. (2018). Educational quality thresholds in the diffusion of knowledge with mobile phones for inclusive human development in sub-Saharan Africa. Technological Forecasting and Social Change, 129(April), 164–172.
[40] Cogburn, D. (2003). Governing global information and communications policy: Emergent regime formation and the impact on Africa. Telecommunications Policy, 27, 135–153.
[41] Tran, M., (2011). “South Korea: A model of development?”. The Guardian, https://www.theguardian.com/global-development/poverty-matters/2011/nov/28/south-korea-development-model (شوهد في 02 نوقمبر 2022)
[42] Escobar (2007) و Ndlovu-Gatsheni (2013).
[43] Grosfoguel, R. (2007). La descolonizacion de la economía política y los estudios postcoloniales. Transmodernidad, pensamiento fronterizo y colonialidad global. Tareas, (125), 53-74.
* هي إعادة صياغة البيانات أو الأجزاء التصميمية لآلة أو برنامج أو منظومة ما للحصول على تصميم منتج جديد بهدف تحسين الأداء. – قراءات إفريقية.
المصدر: العدد 55 من مجلة قراءات إفريقية (يناير 2023م -جمادى الآخرة 1444هـ)










































