قضت المحكمة العليا في كينيا بأن الانتخابات العامة المقبلة كان ينبغي أن تُجرى يوم الثلاثاء المقبل، وليس في الموعد المقرر حاليًا في 10 أغسطس 2027.
وفي حكم وُصف بأنه تاريخي، قالت القاضية موغوري ثاندي، إن السنة الخامسة التي تلي الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في 9 أغسطس 2022 بدأت في 9 أغسطس 2026، ما يعني أن الانتخابات الرئاسية المقبلة ينبغي أن تُجرى خلال هذه السنة، وفقًا لما ينص عليه الدستور.
محتويات المقال
دعوى بشأن موعد الانتخابات
جاء الحكم في أعقاب دعوى رفعها ثلاثة كينيين، هم المحامي والناشط أويسو أويسو، والناشط الحقوقي خليف خليفة، وأشيويا بيكو، طالبوا فيها بإجراء الانتخابات الرئاسية في أغسطس الجاري من الموعد المحدد في أغسطس 2027.
وطالب المدعون المحكمة بإصدار حكم يقرر أن المادة 136، الفقرة الثانية، البند “أ” من الدستور، تقتضي إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة في أغسطس 2026.
واستندوا إلى أن الدستور ينص على إجراء الانتخابات الرئاسية في الثلاثاء الثاني من أغسطس من السنة الخامسة التالية للانتخابات العامة السابقة، وليس بعد انتهاء السنة الخامسة.
وبالاستناد إلى طريقة احتساب المدد الزمنية المنصوص عليها في المادة 259 من الدستور، قال المدعون إن السنة الخامسة التالية لانتخابات 9 أغسطس 2022 بدأت في 9 أغسطس 2026.
وبالتالي، فإن الثلاثاء الثاني من أغسطس 2026، الذي وافق 11 أغسطس، يمثل، بحسب تفسيرهم، الموعد الانتخابي الذي حدده الدستور.
المحكمة ترجح تفسير المدّعين
تبنت القاضية موغوري ثاندي هذا التفسير في حكمها، وقررت أن المادة 136 من الدستور، تقتضي إجراء الانتخابات الرئاسية في الثلاثاء الثاني من أغسطس خلال السنة الخامسة التالية للانتخابات العامة السابقة، وليس بعد انتهاء تلك السنة.
وقالت إن التفسير الصحيح للنص الدستوري يعني أن الثلاثاء الثاني من السنة الخامسة بالنسبة إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة هو 11 أغسطس الجاري.
وبناء على ذلك، قررت المحكمة أن إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة في أي موعد آخر غير 11 أغسطس 2026 يتعارض مع الدستور.
كما خلصت إلى أن موعد الانتخابات تحدده أحكام الدستور، وليس خاضعًا لتقدير اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود.
لماذا لم تُجرَ الانتخابات الرئاسية في كينيا يوم الثلاثاء؟
رغم وضوح الحكم بشأن الموعد الدستوري، لم تأمر المحكمة بإجراء الانتخابات في 11 أغسطس الجاري.
وقررت القاضية تعليق أثر الحكم إلى ما بعد الانتخابات العامة المقبلة، بما يسمح للأطراف بالطعن في القرار أمام درجات التقاضي الأعلى، ويجنب البلاد اضطرابًا انتخابيًا واسعًا.
وبررت المحكمة قرارها بأن تطبيق الحكم بصورة فورية سيكون غير عملي، بالنظر إلى أن اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود والمرشحين المحتملين والمواطنين الكينيين كانوا جميعًا يستعدون لإجراء الانتخابات في أغسطس 2027.
وقالت القاضية إن إصدار أمر بإجراء الانتخابات خلال أيام قليلة سيعني إصدار أمر يتعذر تنفيذه لوجستيًا.
وكانت اللجنة الانتخابية قد أدرجت بالفعل الانتخابات العامة المقبلة في خطتها التشغيلية للفترة 2025-2027، وحددت لها موعدًا في 10 أغسطس 2027.
لكن المحكمة رأت أن هذا الموعد يقع بعد السنة الخامسة، وليس داخلها، وهو ما يتعارض مع تفسيرها للنص الدستوري.
اللجنة الانتخابية تعترض
عارضت اللجنة المستقلة للانتخابات، الدعوى، محذرة من أن اعتماد تفسير المدعين سيؤدي إلى نتيجة دستورية غير منطقية تتمثل في تقليص مدة ولاية المسؤولين المنتخبين.
واستندت اللجنة إلى المادة 177، التي تمنح أعضاء مجالس المقاطعات ولاية مدتها خمس سنوات، معتبرة أن تقديم موعد الانتخابات العامة بما يقارب عامًا واحدًا قد يتعارض مع أحكام دستورية أخرى.
كما دفعت اللجنة بأن الدستور يفترض إجراء الانتخابات الخاصة بالمناصب الانتخابية الستة في اليوم نفسه، ضمن دورة انتخابية واضحة ومتوقعة.
ورأت أن إجراء الانتخابات بصورة متزامنة يحقق الاتساق والكفاءة والاستقرار في إدارة شؤون الدولة.
لكن القاضية ثاندي رفضت هذه الحجج، مؤكدة أن الأحكام الدستورية المتعلقة بالانتخابات ينبغي قراءتها كوحدة متكاملة، لأنها تربط انتخابات الرئيس وأعضاء البرلمان والمحافظين وأعضاء مجالس المقاطعات بالدورة الانتخابية نفسها.
موعد الانتخابات ليس تقديريًا
أكدت المحكمة أن موعد الانتخابات الرئاسية لا تملكه اللجنة الانتخابية لتحديده وفق تقديرها، وإنما تحدده القاعدة الدستورية.
ورأت المحكمة أن الخطة التشغيلية للجنة الانتخابية، التي حددت 10 أغسطس 2027 موعدًا للانتخابات العامة، لا يمكن أن تتغلب على النص الدستوري إذا كان تفسيره الصحيح يقتضي إجراء الانتخابات داخل السنة الخامسة.
وبذلك، أقرت المحكمة بأن الموعد الدستوري للانتخابات الرئاسية المقبلة هو 11 أغسطس 2026، وأن أي موعد آخر سيكون مخالفًا للدستور من الناحية القانونية.
لكنها في الوقت نفسه أوقفت تنفيذ هذا الإعلان إلى ما بعد الانتخابات العامة المقبلة.
ماذا عن مدة ولاية الرئيس؟
لم يتوقف الحكم عند تحديد موعد الانتخابات، بل تناول أيضًا مسألة مدة ولاية رئيس الجمهورية.
وقررت المحكمة أن ولاية الرئيس ليست مثبتة دستوريًا بصورة مطلقة عند خمس سنوات، مشيرة إلى أن المادة 142 أو أي نص دستوري آخر لا ينص صراحة على ضمان بقاء الرئيس في منصبه لمدة خمس سنوات كاملة.
ويمثل هذا الجزء من الحكم جانبًا مهمًا في القضية، لأنه يربط بين مدة الولاية الرئاسية والموعد الذي يحدده الدستور للانتخابات.
وبحسب المحكمة، لا يمكن تفسير النصوص الدستورية على أساس أن الرئيس يتمتع تلقائيًا بحق البقاء في منصبه خمس سنوات كاملة، إذا كان ذلك يؤدي إلى تجاوز الموعد الانتخابي الذي حدده الدستور.
حكم قانوني وواقع سياسي مختلف
يضع الحكم كينيا أمام مفارقة واضحة، المحكمة قررت أن الموعد الدستوري للانتخابات هو 11 أغسطس 2026، لكنها لم تطلب إجراء الانتخابات في ذلك الموعد.
فالقرار القضائي يحدد التفسير الذي تعتبره المحكمة صحيحًا للدستور، لكنه لا يؤدي عمليًا إلى إلغاء الترتيبات الانتخابية القائمة أو نقل الانتخابات إلى أغسطس 2026.
وبسبب تعليق أثر الحكم، تستمر الترتيبات الحالية للانتخابات المقررة في أغسطس 2027، إلى حين استكمال مسار الطعون القضائية.
وتكمن أهمية الحكم في أنه قد يعيد فتح النقاش بشأن كيفية احتساب الدورة الانتخابية في كينيا، وحدود مدة الولاية الرئاسية، ودور اللجنة الانتخابية في تحديد مواعيد الاقتراع.
كما يطرح أسئلة دستورية أوسع حول العلاقة بين النصوص التي تحدد مدة ولاية المسؤولين المنتخبين، وتلك التي تحدد الموعد الذي يجب أن تُجرى فيه الانتخابات العامة.
ماذا يعني الحكم؟
لا يعني الحكم أن الكينيين سيذهبون إلى صناديق الاقتراع الثلاثاء المقبل لإجراء انتخابات عامة جديدة.
فالمحكمة علقت أثر قرارها إلى ما بعد الانتخابات العامة المقبلة، بسبب الصعوبات العملية واللوجستية المرتبطة بإجراء انتخابات شاملة خلال أيام، فضلاً عن استعداد المؤسسات والمرشحين والجمهور بالفعل لانتخابات أغسطس 2027.
لكن الحكم يكتسب أهمية سياسية ودستورية كبيرة، لأنه يقرر أن الموعد الصحيح دستوريًا للانتخابات الرئاسية كان 11 أغسطس 2026، وليس أغسطس 2027، كما يرفض اعتبار مدة السنوات الخمس للرئاسة ضمانة دستورية مستقلة عن موعد الانتخابات.
وبذلك، يفتح القرار بابًا جديدًا للجدل القانوني والسياسي في كينيا، في انتظار ما ستسفر عنه الطعون على الحكم، وما إذا كانت المحاكم الأعلى ستؤيد تفسير المحكمة بشأن الموعد الدستوري للانتخابات ومدة الولاية الرئاسية.











































