السبت، 31 أكتوبر 2026، تنتهي رسميًا مهمة بعثة الأمم المتحدة الانتقالية للمساعدة في الصومال (UNTMIS)، بعد عملية انتقال استمرت عامين، لتُختتم بذلك مرحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود من عمل البعثات الأممية في الصومال، منذ إنشاء مكتب الأمم المتحدة السياسي للصومال (UNPOS) عام 1995، عقب انسحاب قوات حفظ السلام الدولية.
ووفقًا لخارطة الطريق الخاصة بالانتقال، التي اتفقت عليها الحكومة الفيدرالية الصومالية والأمم المتحدة بصورة مشتركة، نُقلت المهام الموكلة إلى البعثة إلى المؤسسات الصومالية ووكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها، بما يعكس التزام الصومال بتعزيز الملكية الوطنية لأجندته المتعلقة ببناء السلام والدولة، حسب بيان أممي صدر الإثنين.
يأتي إغلاق البعثة في مرحلة لا تزال فيها الدولة الصومالية تواجه تحديات تتعلق باستكمال بناء مؤسساتها الفيدرالية، والخلافات بين الحكومة المركزية والولايات، والنزاع بشأن الترتيبات الانتخابية ومدد الولايات الدستورية، فضلاً عن استمرار تهديد حركة الشباب، وتراجع الأوضاع الإنسانية في ظل الجفاف والفيضانات.
وبينما تصف الحكومة الصومالية هذه الخطوة بأنها تعبير عن تطور قدرتها على إدارة شؤونها، ثمة تساؤلات بشأن مستقبل الوساطة الدولية، ومدى قدرة المؤسسات الوطنية على احتواء الخلافات السياسية دون وجود بعثة أممية متخصصة في هذا المجال.
تأسيسًا على ما سبق؛ يتناول المقال جذور الوجود الأممي في الصومال، وطبيعة الأدوار التي اضطلعت بها البعثات الأممية المتعاقبة، وحصيلة عملها، والأسباب التي دفعت مقديشو إلى طلب إنهاء مهمتها، وكذا التداعيات المحتملة والبدائل المتاحة في المرحلة التالية.
المحتويات
جذور البعثات الأممية في الصومال
ترجع جذور الوجود الأممي في الصومال إلى انهيار مؤسسات الدولة المركزية عام 1991، عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد سياد بري، ودخول البلاد في حرب أهلية بين الفصائل المسلحة المتنافسة على أساس الانتماءات العشائرية.
ومع تفاقم المجاعة وتدهور الأوضاع الإنسانية، أنشأ مجلس الأمن بعثة الأمم المتحدة الأولى في الصومال (UNOSOM I) في أبريل 1992، لمراقبة وقف إطلاق النار في مقديشو، وتأمين موظفي الأمم المتحدة وإمدادات الإغاثة، ومرافقة قوافل المساعدات الإنسانية.
وفي ديسمبر من العام نفسه، أطلقت الولايات المتحدة عملية “استعادة الأمل” (Restore Hope)، ضمن قوة متعددة الجنسيات عُرفت باسم “القوة الموحدة” (UNITAF)؛ بهدف تأمين وصول المساعدات الإنسانية، قبل أن تحل بعثة الأمم المتحدة الثانية في الصومال (UNOSOM II) محل الترتيبات السابقة في مارس 1993، مع توسيع نطاق تفويضها ليشمل تهيئة بيئة آمنة للمساعدات، ونزع سلاح الفصائل، ودعم المصالحة واستعادة النظام.
لكن التجربة واجهت صعوبات كبيرة في ظل استمرار المواجهات المسلحة وغياب تسوية سياسية بين القوى الصومالية، ففي أكتوبر 1993 شهدت العاصمة مقديشو معركة سقوط مروحية “بلاك هوك” الأمريكية الشهيرة، والتي قُتل خلالها 18 جنديًا أمريكيًا، وأسهمت في تسريع الانسحاب الأمريكي من البلاد.
وفي مارس 1995، غادرت قوات الأمم المتحدة الصومال دون التوصل إلى تسوية سياسية دائمة أو إعادة تأسيس حكومة مركزية فاعلة.
غير أن الانسحاب العسكري لم يعني انتهاء الدور الأممي؛ إذ أنشأت الأمم المتحدة في 15 أبريل 1995 مكتب الأمم المتحدة السياسي للصومال (UNPOS)، الذي انتقل من التدخل العسكري وحفظ السلام إلى العمل السياسي والدبلوماسي، عبر دعم المصالحة والحوار بين الأطراف الصومالية والتنسيق مع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية.
واستمر المكتب حتى يونيو 2013، عندما أُنشئت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (UNSOM)، في أعقاب تشكيل الحكومة الفيدرالية الجديدة عام 2012، وبدء مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وإرساء النظام الفيدرالي.
| الفترة | طبيعة المهمة الأممية | اسم البعثة/ المهمة |
| 1992: 1995 | تدخل عسكري وإنساني | عمليات الإغاثة وحفظ السلام – UNOSOM I UNOSOM II |
| 1995: 2013 | وساطة سياسية ومصالحة | مكتب الأمم المتحدة السياسي للصومال (UNPOS) |
| 2013: 2024 | دعم سياسي ومؤسسي | بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في الصومال (UNSOM) |
| 2024: 2026 | انتقال تدريجي وإنهاء البعثة | بعثة الأمم المتحدة الانتقالية (UNTMIS) |
الحضور الأممي في الصومال خلال نحو 3 عقود.
UNSOMطبيعة المهمة ومجالات العمل
أُنشئت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (UNSOM) بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2102 الصادر في 2 مايو 2013، وبدأت عملياتها رسميًا في 3 يونيو من العام نفسه، لتكون أول بعثة سياسية أممية متكاملة تعمل داخل البلاد بعد سنوات من الاعتماد على مكتب سياسي محدود الوجود.
وجاء تأسيسها استجابة للحاجة إلى تنسيق الدعم الدولي للحكومة الفيدرالية الصومالية، ومساندة عملية الانتقال من مرحلة الحكومات الانتقالية إلى بناء مؤسسات وطنية دائمة.
وتضمن تفويضها تقديم المشورة السياسية للحكومة والاتحاد الإفريقي بشأن بناء السلام والدولة، وإصلاح قطاع الأمن، وسيادة القانون، وتطوير النظام الفيدرالي الصومالي، ومراجعة الدستور، والتحضير للانتخابات، فضلاً عن تنسيق المساعدات الدولية.
ويمكن تقسيم عمل البعثة إلى خمسة مسارات رئيسية:
- بناء النظام الفيدرالي والمؤسسات السياسية
عملت البعثة على دعم عملية تشكيل الولايات الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي الصومالي، وتطوير مؤسساتها الإدارية والسياسية، وتحسين العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات.
كما شاركت في تيسير الحوار بين مقديشو والإدارات الإقليمية، ودعم التوافق بشأن توزيع الصلاحيات والمسؤوليات، وهي واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في مسار إعادة بناء الدولة الصومالية.
- دعم الانتخابات والعملية الدستورية
قدمت البعثة مساعدة فنية للمؤسسات الانتخابية، وساهمت في دعم الأطر القانونية والسياسية المرتبطة بالانتخابات، فضلًا عن تشجيع مشاركة النساء والشباب في العملية السياسية.
وشمل عملها دعم الاستعدادات للانتقالات السياسية المتعاقبة، ومحاولات التوصل إلى توافق بشأن النماذج الانتخابية، في ظل استمرار الخلافات حول الانتقال من نظام الانتخابات غير المباشرة إلى الاقتراع المباشر.
- إصلاح قطاع الأمن وسيادة القانون
عملت البعثة مع السلطات الصومالية والشركاء الدوليين على دعم إصلاح قطاع الأمن، وتطوير الشرطة، ومؤسسات العدالة والسجون، وتعزيز المساءلة في إدارة المؤسسات الأمنية.
كما دعمت برامج تحقيق الاستقرار، وتسريح المقاتلين المنشقين وإعادة إدماجهم، إلى جانب أنشطة مكافحة الألغام.
- حقوق الإنسان وحماية المدنيين
تضمنت ولايتها رصد انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وإعداد التقارير بشأنها، ودعم تطوير الأطر الوطنية لحماية الحقوق، إلى جانب حماية الأطفال والنساء والناجين من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات.
وشملت جهودها دعم مشاركة المرأة في الحياة السياسية والعامة، والمساهمة في تطوير المؤسسات الوطنية المعنية بحقوق الإنسان.
- الوساطة والتنسيق الدولي
اضطلعت البعثة بدور في تيسير الحوار بين الحكومة الفيدرالية والولايات والمعارضة، وتنسيق جهود الشركاء الدوليين، وربط المسارات السياسية والأمنية والإنسانية والتنموية.
ولم يقتصر دورها على تقديم المشورة للحكومة، بل شمل أيضًا توفير قناة اتصال بين الأطراف الصومالية المتنافسة، في الأزمات التي تعثرت فيها المفاوضات المباشرة.
وتوضح هذه المجالات أن UNSOM لم تكن قوة عسكرية لمكافحة حركة الشباب، وإنما بعثة سياسية ومدنية كان دورها الأساسي مساندة بناء مؤسسات الدولة وإدارة التفاعلات السياسية والأمنية المرتبطة بذلك.
الأمم المتحدة في الصومال: حصاد ثلاثة عقود
لا يمكن قياس حصيلة الوجود الأممي في الصومال من خلال عدد البعثات أو سنوات عملها فقط، وإنما من خلال التحولات التي شهدتها مؤسسات الدولة، ومدى قدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها.
على المستوى السياسي، ساهمت البعثات الأممية المتعاقبة في تيسير الانتقال من مرحلة الحكومات الانتقالية إلى تأسيس الحكومة الفيدرالية عام 2012، واعتماد الدستور المؤقت، وتشكيل البرلمان الفيدرالي وانتخاب الرئيس.
كما دعمت عملية تأسيس الولايات الفيدرالية وتطوير إداراتها، وساعدت في إدارة بعض الخلافات بين الأطراف الإقليمية.
ومن الأمثلة على ذلك دور البعثة في دعم فريق إقليمي ساعد على تنفيذ اتفاق لوقف إطلاق النار عام 2016 بين قوات بونتلاند وغلمدغ.
وعلى المستوى المؤسسي، ساهمت في تطوير الأطر القانونية والانتخابية، ومؤسسات حقوق الإنسان والعدالة، وتعزيز التنسيق بين الحكومة الصومالية والشركاء الدوليين.
لكن هذه الإنجازات لم تعني استكمال بناء الدولة أو انتهاء الخلافات بشأن طبيعة النظام الفيدرالي؛ فما زالت العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات تتأثر بالنزاعات حول الصلاحيات وتوزيع الموارد والتمثيل السياسي، كما لم تستقر البلاد على نموذج انتخابي يحظى بقبول جميع الأطراف.
وفي المجال الأمني، لم يؤدي تطوير المؤسسات الأمنية إلى إنهاء التهديد الذي تشكله حركة الشباب، التي لا تزال تنفذ هجمات في مقديشو ومناطق أخرى، وتحتفظ بقدرات على السيطرة والتحرك في مناطق ريفية.
وثمة إشارة مهمة، تتمثل في أن دور البعثات السياسية الأممية يختلف عن البعثات الإفريقية الصومال، حيث إن المواجهات العسكرية مع حركة الشباب الإرهابية من اختصاص القوات الصومالية والبعثة الإفريقية وشركاء الصومال الإقليميين، وليس بعثات الأمم المتحدة السياسية، التي انتهى دورها العسكري في تسعينات القرن الماضي.
لماذا طلبت مقديشو إنهاء البعثة؟
في مايو 2024، فاجأت الحكومة الصومالية شركاءها الدوليين بطلب إنهاء ولاية بعثة UNSOM مع انتهاء تفويضها في أكتوبر من العام نفسه.
وفي رسالة مؤرخة آنذاك، قال وزير الخارجية الصومالي أحمد معلم فقي (يشغل منصب وزير الدفاع منذ أبريل 2025) إن القرار جاء بعد دراسة الأولويات الاستراتيجية للبلاد، وإن الحكومة ترى أن الوقت أصبح مناسبًا للانتقال إلى مرحلة جديدة من الشراكة مع الأمم المتحدة.
ووقتها، لم تقدم الرسالة تفسيرًا تفصيليًا للقرار، لكن تصريحات مسؤولين صوماليين وتقييمات محللين أشارت إلى مجموعة من الاعتبارات.
أولها، رغبة الحكومة في تعزيز الملكية الوطنية للملفات السياسية والمؤسسية، وتقليص الاعتماد على بعثة دولية تتولى دورًا في التنسيق وتقديم المشورة والوساطة.
وثانيها، الخلافات المتعلقة بطبيعة دور البعثة وحدود تدخلها في الشؤون الداخلية، خصوصًا في ملفات التعديلات الدستورية والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات والانتخابات.
وفي السياق، قال مراقبون، إن الحكومة الفيدرالية كانت قد اتهمت البعثة بالتدخل في الشؤون الداخلية، وأنها كانت تحاول الموازنة بين توجهات الحكومة المركزية ومطالب الولايات بمزيد من الاستقلالية.
وثالثها، الاعتبارات المالية والإدارية؛ إذ نقلت تقارير سابق عن مسؤول صومالي أن تكلفة البعثة السنوية تقدر بنحو 100 مليون دولار، وأن الحكومة لم تعد ترى ضرورة لاستمرار دورها السابق في تنسيق العلاقات مع الشركاء الدوليين.
كما سبق أن أكد الرئيس حسن شيخ محمود، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر 2026 أن الصومال لا تطالب بانسحاب المنظمة، وإنما بإعادة هيكلة دورها، منتقدًا استمرار تدفق جانب كبير من المساعدات عبر هياكل موازية ومشروعات مجزأة وترتيبات خارج الموازنة الوطنية.

طي صفحة الوجود الأممي في الصومال
حين طلبت مقديشو إنهاء عمل البعثة الأممية السياسية، لم يستجب مجلس الأمن للطلب فورًا، بل أقر مسارًا انتقاليًا يستغرق عامين، بهدف نقل مسؤولياتها بصورة تدريجية إلى المؤسسات الصومالية وكيانات الأمم المتحدة الأخرى.
وفي 30 أكتوبر 2024، اعتمد المجلس القرار 2753، الذي غيّر اسم بعثة UNSOM إلى بعثة الأمم المتحدة الانتقالية للمساعدة في الصومال UNTMIS ، وبدأ تنفيذ عملية الانتقال رسميًا في الأول من نوفمبر 2024.
تضمنت المرحلة الأولى، التي تمتد حتى 31 أكتوبر 2025، نقل عدد من المهام وتعزيز قدرات المؤسسات الصومالية، مع استمرار الدعم الأممي في ملفات بناء الدولة والانتخابات وحقوق الإنسان وسيادة القانون والأمن.
أما المرحلة الثانية، فاستهدفت استكمال نقل الوظائف إلى المؤسسات الوطنية وفريق الأمم المتحدة القطري ومكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS)، تمهيدًا لإنهاء ولاية البعثة في 31 أكتوبر 2026.
ويشار إلى أنه في يوليو 2026، أبغت واشنطن، في مذكرة دبلوماسية، الاتحاد الإفريقي أنها لن تدعم بعد نهاية هذا العام 2026 مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS)، الذي تبلغ ميزانيته الإجمالية حوالي 500 مليون دولار، في خطوة قال مسؤولون إنها ستؤدي على الأرجح إلى إنهاء عمليات الولايات المتحدة في الصومال، وسط مؤشرات على تداعيات مباشرة محتملة على عمل بعثة الاتحاد الإفريقي “أوصوم”.
وفي سبتمبر 2026، وافقت الولايات المتحدة على منح الأمم المتحدة عامًا إضافيًا لإنهاء دعمها لقوات بعثة السلام في الصومال، في خطوة تمنح القوة بعض الوقت الإضافي بعدما كانت تخشى خفض الدعم بوتيرة أسرع، لكنها لا تزال تضع مستقبلها أمام مخاطر كبيرة.
وخلال مراسم إغلاق البعثة الأممية السياسية في مقديشو يوم 26 أكتوبر، قال القائم بأعمال رئيسها ريسدون زينينجا إن عملية الانتقال أشرفت عليها لجنة فنية مشتركة بين الحكومة الفيدرالية والأمم المتحدة، استنادًا إلى خريطة طريق متفق عليها بين الطرفين.
وأوضح أن عملية التسليم استهدفت الحفاظ على مكتسبات بناء الدولة وإحلال السلام، وضمان استمرار تطوير القدرات المؤسسية بعد مغادرة البعثة.
وفي 27 أكتوبر، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن المهام الموكلة إلى البعثة نُقلت إلى المؤسسات الصومالية ووكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها، ما يعني أن الإغلاق لم يكن انسحابًا شاملًا للأمم المتحدة، وإنما إنهاءً لهيكل سياسي متخصص، مع استمرار أشكال أخرى من الوجود الأممي.

تداعيات الإنهاء: من يتولى دور الوساطة السياسية؟
يمثل غياب بعثة سياسية أممية متخصصة أحد التحديات المباشرة التي تواجه المشهد الصومالي بعد 31 أكتوبر، إذ يأتي انتهاء مهمتها في ظل خلاف سياسي حاد لم تنجح الجهود الأممية في تسويته قبل مغادرتها.
يتعلق الخلاف الراهن بمدد الولايات الدستورية للرئيس والبرلمان، بعدما أقر البرلمان تعديلات رفعت مدة الولاية من أربع سنوات إلى خمس.
وتقول الحكومة إن التعديلات تسمح للرئيس حسن شيخ محمود والنواب الحاليين بالاستمرار حتى عام 2027، بينما ترفض المعارضة تطبيقها بأثر رجعي على شاغلي المناصب الحاليين، وتعتبر أن ولاياتهم انتهت بالفعل.
وقد شهدت مقديشو في يونيو 2026 اشتباكات عنيفة بين أنصار المعارضة وقوات الأمن، على خلفية احتجاجات مرتبطة بالتعديلات الدستورية ومحاولات تمديد ولاية الرئيس.
وحاول الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، جيمس سوان، التوصل إلى اتفاق انتخابي من خلال اجتماعات منفصلة مع الحكومة والمعارضة والإدارات الإقليمية، لكن المحادثات التي رعتها البعثة في يوليو انتهت دون تسوية الخلاف.
هذه التطورات كشفت، الدور السياسي الذي لعبته البعثة الأممية، في توفير قناة اتصال ووساطة بين الأطراف الصومالية، فضلاً عن قدرتها على حشد اهتمام الشركاء الدوليين بالقضايا السياسية الصومالية.
وفي سبتمبر 2026، طلب مجلس مستقبل الصومال المعارض من مجلس الأمن إنشاء آلية وساطة دولية عقب إغلاق البعثة، مقترحًا عقد جلسة رسمية بشأن الأزمة الدستورية، وتوفير آلية للوساطة والضمانات بمشاركة أعضاء مجلس الأمن والدول المساهمة بقوات في البعثة الإفريقية.
وفي المقابل، دعا الرئيس حسن شيخ محمود، قبل أيام، القادة السياسيين إلى محادثات بشأن الانتخابات خلال الفترة من 14 إلى 18 نوفمبر، لكن المجموعات المعارضة الرئيسية لم تؤكد مشاركتها حتى الآن.
ويعني ذلك أن أول اختبار سياسي مباشر لمرحلة ما بعد البعثة سيكون قدرة الحكومة والمعارضة على إدارة الحوار بشأن الانتخابات دون وجود بعثة أممية متخصصة في الوساطة بينهما.
العلاقة بين الحكومة الصومالية والولايات
يمثل النظام الفيدرالي أحد الملفات التي لم تستقر عليها التسوية السياسية الصومالية بصورة نهائية، فيما يتعلق بتوزيع السلطات والموارد، وحدود صلاحيات الحكومة المركزية والإدارات الإقليمية.
وقد اضطلعت البعثة الأممية بدور في تيسير الحوار بين الطرفين، ومحاولة تقريب وجهات النظر بشأن القضايا الدستورية والانتخابية.
ومع انتهاء مهمتها، من المرجح أن تقع مسؤولية إدارة هذه الخلافات بشكل أكبر على عاتق المؤسسات الصومالية، بما فيها البرلمان والمحكمة الدستورية والمؤسسات الانتخابية، إلى جانب القيادات السياسية والإدارات الإقليمية.
لكن فاعلية هذه المؤسسات ستظل مرتبطة بمدى قبول الأطراف السياسية بقراراتها، وقدرتها على توفير آليات تحكيم وتسوية تحظى بالثقة.
كما تواصل بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (AUSSOM) عملها، بعد أن بدأت مهامها في الأول من يناير 2025، خلفًا لبعثة الاتحاد الإفريقي الانتقالية (ATMIS).
تستهدف هذه البعثة دعم القوات الصومالية في العمليات الأمنية وتحقيق الاستقرار، مع خطة لنقل المسؤوليات الأمنية بصورة تدريجية إلى المؤسسات الصومالية بحلول ديسمبر 2029.
كما يواصل مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS) تقديم الدعم اللوجستي لقوات البعثة الإفريقية، بما يشمل الإمدادات الغذائية والوقود والنقل والخدمات الطبية والإسناد الهندسي والاتصالات، إلى جانب دعم بعض وحدات القوات الصومالية المشاركة في العمليات المشتركة أو المنسقة مع AUSSOM.
وبموجب قرار مجلس الأمن رقم 2809 لعام 2025، يمتد تفويض AUSSOM حتى 31 ديسمبر 2026، مع السماح بنشر ما يصل إلى 12 ألف فرد من العسكريين والشرطة.
تحديات استمرار الدعم الإنساني والتنموي
يواجه الصومال أزمات إنسانية متكررة بسبب الجفاف والفيضانات وانعدام الأمن الغذائي والنزوح، بالتزامن مع تراجع تمويل المساعدات الدولية.
ورغم استمرار وكالات الأمم المتحدة الإنسانية والتنموية في البلاد، فإن انتقال بعض المهام من البعثة السياسية إلى فريق الأمم المتحدة القطري يطرح تحديات تتعلق بالتنسيق بين الملفات السياسية والإنسانية والأمنية.
فوجود بعثة سياسية متخصصة كان يتيح ربط التطورات السياسية والأمنية بالعمل التنموي والإنساني، والتواصل مع السلطات والشركاء الدوليين بشأن تداعيات النزاعات على المجتمعات المحلية.
أما في المرحلة التالية، فسيتعين على المؤسسات الصومالية وفريق الأمم المتحدة القطري الحفاظ على هذا التنسيق، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية وتتراجع فيه الموارد المتاحة.
ملامح العلاقة الجديدة بين الصومال والأمم المتحدة
لا يعني انتهاء ولاية UNTMIS أن الصومال سيدخل مرحلة خالية من الحضور الأممي، بل إن طبيعة هذا الحضور ستتغير من بعثة سياسية متكاملة إلى ترتيبات تقوم على توزيع المهام بين المؤسسات الوطنية وكيانات الأمم المتحدة المتخصصة.
ويمكن تحديد أربعة مسارات رئيسية ستشكل ملامح المرحلة المقبلة:
أولاً: انتقال مركز الثقل إلى المؤسسات الصومالية.
ستتحمل الحكومة الفيدرالية والمؤسسات الوطنية مسؤولية أكبر في إدارة ملفات الانتخابات والإصلاح الدستوري والحوكمة وحقوق الإنسان، مع استمرار تقديم الدعم الفني من وكالات الأمم المتحدة.
هذا التصور يضع المؤسسات الصومالية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على إدارة الملفات التي كانت البعثة تقدم بشأنها المشورة والتنسيق، وليس مجرد نقل الاختصاصات إداريًا.
ثانيًا: استمرار الأمم المتحدة من خلال فريقها القطري.
سيواصل فريق الأمم المتحدة القطري، بقيادة المنسق المقيم والمنسق الإنساني جورج كونواي، العمل في الصومال، مع التركيز على الأولويات الوطنية في مجالات التنمية والمساعدات الإنسانية وبناء القدرات وحقوق الإنسان.
وفي حين يضم فريق الأمم المتحدة القطري وكالات وصناديق وبرامج متخصصة، لكنه لا يمثل بالضرورة بديلاً مكافئًا لبعثة سياسية تمتلك تفويضًا مستقلاً للوساطة السياسية والتواصل مع أطراف النزاع في الصومال.
ثالثًا: استمرار الدعم الأمني عبر الترتيبات الإفريقية والأممية.
ستظل AUSSOM ومكتب UNSOS من المكونات الرئيسية للوجود الدولي المرتبط بالأمن في الصومال، إلى جانب الدعم الثنائي الذي تقدمه دول مثل الولايات المتحدة وتركيا وغيرها للقوات الصومالية.
لكن استدامة هذه الترتيبات ستتوقف على التمويل وتنسيق المواقف بين الدول المساهمة، وقدرة القوات الصومالية على تولي مسؤوليات أمنية متزايدة، وهو ما يفسر المخاوف التي فجرها إعلان واشنطن عدم دعمها بعد نهاية 2026 مكتب (UNSOS) الأممي.
رابعًا: احتمال ظهور آليات وساطة بديلة.
في ظل مطالبة المعارضة بوساطة دولية، قد تتجه الأطراف الصومالية إلى الاستعانة بآليات إقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، أو إلى ترتيبات تجمع الدول المعنية بالملف الصومالي.
لكن وجود هذه الآليات لا يعني بالضرورة قدرتها على أداء الدور نفسه الذي كانت تضطلع به البعثة؛ إذ يتطلب ذلك توافق الأطراف الصومالية على الوسيط، وتحديد صلاحياته، وتوفير ضمانات لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.
ختامًا، يبقى السؤال الذي ستجيب عنه التطورات المقبلة: هل ينجح الصومال في تحويل إنهاء البعثة الأممية إلى خطوة فعلية نحو تعزيز استقلالية مؤسساته، أم أن غياب الوساطة السياسية الدولية المتخصصة سيضيف تحديات جديدة إلى أزماته القائمة؟











































