يقع نحو 6 ملايين شخص تحت وطأة الجوع في الصومال، يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، في وقت لا يمتلك فيه برنامج الأغذية العالمي سوى عُشر الموارد التي كانت متاحة له عام 2022، عندما ساهم في تجنب مجاعة في الدولة الواقعة بشرق إفريقيا والتي تعاني الجفاف والصراع، وفقًا لما قاله رئيس الوكالة الأممية.
وفي تقرير مطول لوكالة أسوشيتد برس الأمريكية، قال القائم بأعمال المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو، خلال زيارة إلى مركز للتغذية في أطراف العاصمة مقديشو، يوم الأربعاء “لا يمكننا سوى تقديم الحد الأدنى. نحن لا نقدم الإمدادات الغذائية إلا للأطفال الذين تضرروا بشدة”.
وأوضح سكاو أن انخفاض التمويل، نتيجة خفض المانحين للمساعدات الدولية وتحويل الموارد إلى أزمات إنسانية أخرى، يعني أن برنامج الأغذية العالمي غير قادر على توسيع نطاق مساعداته في الصومال.
في هذا التقرير
وطأة الجوع في الصومال
يتوقع برنامج الأغذية العالمي أن يعاني 1.9 مليون طفل دون سن الخامسة في الصومال من سوء التغذية الحاد هذا العام، بينهم نحو 500 ألف طفل سيحتاجون إلى علاج عاجل من سوء التغذية الحاد الشديد.
وبوجه عام، يواجه نحو 30% من سكان البلاد مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي، وفقًا للأمم المتحدة.
وقال المسؤول الأممي سكاو، في إشارة إلى أزمة الجوع عام 2022 التي نجمت عن جفاف طويل الأمد: “كانت لدينا موارد أكثر بعشر مرات مما لدينا الآن. تمكنا من التدخل، ومنعنا حدوث مجاعة هنا في الصومال”، مشددًا على أن البرنامج الأممي “يعرف يحدث، ولديه القدرة والخبرة للتعامل مع ذلك. نحتاج فقط إلى الموارد الآن للقيام بذلك”.

الجفاف والصراع والنزوح يفاقمون الأزمة
وتظهر تداعيات النقص الحالي في الغذاء، الناجم أيضًا عن الجفاف والصراع ونزوح السكان، في مركز فينوس الصحي بمنطقة كحدا في مقديشو، إذ تنتظر عشرات النساء، وهن يحملن أطفالهن، تحت شجرة كبيرة أو يتجمعن على طول شرفة المنشأة المصنوعة من ألواح الصفيح، طلبًا للمساعدة.
في الداخل، يضع العاملون الصحيون الأطفال في حمالة زرقاء لوزنهم، ويفحصونهم للكشف عن سوء التغذية، ويوزعون عليهم الأغذية العلاجية.
تروي حليمة محمد حسن، وهي أم لستة أطفال، أنها قطعت مسافة تقارب 3 كيلومترات سيرًا على الأقدام، وهي تحمل طفلها البالغ من العمر 4 سنوات والذي يعاني سوء التغذية. وقالت إنها حامل، لكنها لم تتناول الطعام منذ يومين، وكانت آخر وجبة لها عبارة عن أرز أبيض.
وعالج العاملون الصحيون طفلها باستخدام غذاء خاص غني بالعناصر الغذائية، فيما قالت حسن إن أطفالها الآخرين يعانون أيضًا سوء التغذية، لكنها لم تتمكن من إحضارهم إلى المركز، مضيفة: “لم أستطع حملهم جميعًا”.
فرّت السيدة الصومالية من منطقة شبيلي السفلى، في جنوب الصومال، قبل أربعة أشهر، بعد وفاة زوجها جراء سوء التغذية، وقول إن الغذاء والمياه أصبحا نادرين، فيما جعل الصراع بقاء الأسرة في المنطقة أكثر خطورة.
لمدة أربع ليالٍ، سارت حليمة هي وأطفالها قبل أن يصلوا إلى مخيم للنازحين داخليًا في أطراف مقديشو، وتعيش حاليًا في مأوى مؤقت مع والدتها الأرملة وأطفال والدتها الأربعة الآخرين، وتبحث المرأتان عن أعمال مؤقتة في غسل الملابس بالأحياء المجاورة لتوفير الطعام لأفراد الأسرة البالغ عددهم 12 شخصًا.

مركز صحي يحاول تقديم ما يستطيع
يستقبل مركز فينوس الصحي ما بين 250 و350 مريضًا يوميًا، معظمهم من النساء والأطفال النازحين من مناطق خارج مقديشو، وفقًا لعبد الرحمن برقاد، مدير البرامج في منظمة “يوث لينك الصومال” التي تدير المركز، الذي كشف عن أن نحو 10 مراكز صحة وتغذية قريبة أغلقت بسبب انخفاض التمويل الإنساني، ما أدى إلى زيادة الضغط على المراكز التي لا تزال تعمل.
وأضاف: “شهدنا أطفالاً ينهارون، لأن أسرهم لا تملك ما يكفي من الطعام”، كما وصف مفوض الوكالة الصومالية لإدارة الكوارث، محمود معلم عبد الله، وضع الغذاء في البلاد بأنه “مقلق للغاية”، وقال إن نحو 1.85 مليون طفل يعانون سوء التغذية، بينما يتأثر نحو 6 ملايين شخص بالجفاف، ويحتاج مليونا شخص بشكل عاجل إلى المساعدة.
المسؤول الأممي سكاو، بدوره، قال إن الأمهات اللاتي التقى بهن هذا الأسبوع في بلدة برهكبا وصفن الجفاف وانعدام الأمن وارتفاع أسعار الغذاء بأنها الأسباب الرئيسية للأزمة، موضحًا أن بعضهن فقدن محاصيلهن واضطررن إلى مغادرة منازلهن، بينما سارت أخريات لمدة ثلاث أو أربع ساعات للوصول إلى المنشآت الصحية، بسبب عدم قدرة عمال الإغاثة على الوصول إليهن.
وقال “تحدثت مع نساء لديهن ثمانية إلى عشرة أطفال. إنهن لا يعرفن من أين ستأتي الوجبة التالية”، كما يزيد انعدام الأمن، في ظل خوض الصومال مواجهة مع تمرد حركة الشباب المستمر منذ 20 عامًا، من تكلفة العمليات الإنسانية.
وأوضح سكاو أن برنامج الأغذية العالمي يضطر إلى استخدام الطائرات في المناطق التي لا يستطيع فيها الموظفون والإمدادات التحرك بأمان عبر الطرق، فيما يتعذر الوصول إلى بعض المجتمعات، مشيرًا إلى أن الصراع في الشرق الأوسط يزيد الضغوط، من خلال رفع أسعار الوقود والغذاء، والحد من الإمدادات الزراعية، وتحويل التمويل إلى حالات طوارئ أخرى.

الصومال بين الصراع السياسي وأزمة البقاء
يكشف تقرير أسوشيتد برس عن دخول الأزمة الصومالية مرحلة أكثر تعقيدًا مع تداخل المسارات السياسية والأمنية والإنسانية، بحيث لم يعد الصراع على شكل الدولة وتوزيع السلطة بين الحكومة الفيدرالية والولايات مجرد أزمة سياسية، بل أصبح عاملاً مباشرًا في إضعاف قدرة الدولة على التعامل مع الضغوط المعيشية المتفاقمة.
على سبيل المثال، تأتي التطورات الأخيرة في بيدوا، وما رافقها من مواجهات بين القوات الفيدرالية والقوى المرتبطة بالقيادة السابقة لولاية جنوب غرب، لتؤكد استمرار هشاشة التوافق الداخلي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قدر أكبر من الاستقرار لتوجيه الموارد نحو مواجهة الجفاف والجوع والنزوح.
المؤشرات الإنسانية تكشف أيضًا عن حجم التداعيات الاجتماعية لهذا المسار؛ إذ تشير بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 6 ملايين صومالي يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم قرابة مليوني شخص عند مستوى الطوارئ، مع وجود خطر مجاعة في منطقة بورهكبا.
ويربط التقييم الأممي التدهور بتراكم سنوات الجفاف، وانخفاض الإنتاج الزراعي، والنزاع، إلى جانب تداعيات الأزمات الإقليمية والدولية، كما يزداد الأمر خطورة مع تراجع التمويل الإنساني؛ فبرنامج الأغذية العالمي يعمل بموارد أقل بكثير مما كان متاحًا خلال أزمة 2022، بينما تتسع الاحتياجات.
هذه المعطيات تشير إلى بدورها أن الجوع في الصومال لا يمكن التعامل معه باعتباره نتيجة منفصلة للجفاف، وإنما باعتباره مخرجًا مباشرًا لتفاعل عوامل عديدة تدور حول هشاشة الدولة، واستمرار النزاع، وتراجع القدرة الدولية على تمويل الاستجابة الإنسانية أو حتى مستقبل عملية حفظ السلام نفسها في الصومال.
في المحصلة، معالجة أزمة الجوع تتطلب، إلى جانب المساعدات العاجلة، خفض مستويات الصراع السياسي والأمني بما يسمح بإعادة توجيه موارد الدولة نحو الأمن الغذائي والخدمات الأساسية، وتحسين وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، ومنع تحول الأزمة الإنسانية إلى عامل إضافي لتوسيع دائرة عدم الاستقرار.
يناقش الفيديو التالي مشكلة عمالة الأطفال في إفريقيا جنوب الصحراء، ويبين كيف أن الفقر وتغير المناخ والنزاعات المسلحة هي العوامل الرئيسية التي تدفع الأطفال للعمل.
تقرير أسوشيتد برس متاح على الرابط










































