الملخص:
تبحث هذه الدراسة في التحولات التي طرأت على المجال العفري في القرن الإفريقي، من خلال مقاربة تجمع بين التحليل الجغرافي–السياسي والتوثيق الكمي للديموغرافيا والموارد والنزاع. وتنطلق الدراسة من اعتبار العفر جماعة إثنية–لغوية عابرة للحدود تمتد مجالات وجودها التاريخية والاجتماعية بين إثيوبيا وجيبوتي وإريتريا، مع التأكيد على أن البيانات السكانية المتاحة لا تسمح باعتماد رقم إجمالي موحد وحديث لحجم الجماعة في الدول الثلاث، نظراً إلى اختلاف سنوات التعداد ومناهج التقدير وطبيعة البيانات المتاحة. وتركز الدراسة بصورة خاصة على إقليم عفار الإثيوبي، الذي بلغ عدد سكانه 1,106,383 نسمة عام 1994، و1,390,273 نسمة في تعداد 2007، من بينهم 1,251,622 نسمة سجلوا انتماءهم الإثني إلى العفر، بينما تشير الإسقاطات السكانية الرسمية إلى نحو 2.16 مليون نسمة عام 2025. كما تبلغ مساحة الإقليم نحو 72,053 كم²، بما يجعل كثافته السكانية وفق إسقاط 2025 نحو 29.4 نسمة لكل كيلومتر مربع.
ولا تتبنى الدراسة بصورة مسبقة فرضية وجود مشروع موحد ومستمر يستهدف «تفكيك القومية العفرية»، وإنما تختبرها في مقابل تفسير يقوم على تفاعل عوامل تاريخية واستعمارية ودولية ومحلية، تشمل ترسيم الحدود السياسية، والفيدرالية الإثنية الإثيوبية بعد عام 1991، والتحولات في استخدام الأرض، والضغوط البيئية على الموارد الرعوية، والنزاعات المحلية والإقليمية. كما تتناول الدراسة التداعيات الديموغرافية والأمنية للنزاع الذي امتد إلى أجزاء من إقليم عفار بعد عام 2020، إلى جانب الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية للموقع العفري في ظل التحولات المرتبطة بالبحر الأحمر وشبكات التجارة والمنافذ البحرية.
وتخلص الدراسة إلى أن المجال العفري تعرض بالفعل لإعادة تشكيل تاريخية وسياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، إلا أن الأدلة الكمية والوثائقية المتاحة لا تكفي لإثبات وجود مشروع واحد ومتكامل لتفكيك القومية العفرية. كما أن الادعاء بحدوث اقتطاع منهجي لأراضٍ عفرية لصالح تيغراي يحتاج إلى مقارنة جغرافية وديموغرافية مستقلة قبل الانتقال من مستوى الرواية السياسية إلى مستوى الاستنتاج العلمي. وفي المقابل، تكشف التحولات الجيوسياسية المتصلة بالبحر الأحمر عن أهمية متزايدة للمجال العفري، بما يستدعي متابعة مستقلة لتأثير التنافس الإقليمي على أمن الإقليم وتماسك مجاله الاجتماعي والجغرافي.
الإطار المنهجي والتحليلي:
مشكلة الدراسة:
تكمن خصوصية الحالة العفرية في أن الحدود السياسية الحديثة قطعت، بدرجات مختلفة، مساحات كانت تؤدي وظائف اجتماعية واقتصادية متصلة، خصوصاً في الرعي والتجارة والوصول إلى المياه، لجماعة يتجاوز امتدادها التاريخي حدود الدول الثلاث التي توزعت بينها. وتتمثل المشكلة البحثية في التمييز بين النتيجة التاريخية المتمثلة في تفتت هذا المجال، والقصد السياسي الذي يُفترض أحياناً وراء هذا التفتت دون دليلٍ كافٍ، وهو ما يستدعي اختباراً منهجياً صريحاً بدلاً من التسليم بأيٍّ من الطرحين.
سؤال الدراسة الرئيسي والأسئلة الفرعية:
تطرح الدراسة السؤال الرئيسي الآتي: كيف أعادت التحولات السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية، منذ الحقبة الاستعمارية وحتى أزمة البحر الأحمر الراهنة في 2025–2026م، تشكيل المجال العفري في القرن الإفريقي، وما مدى صحة فرضية أن هذه التحولات مثّلت مشروعاً متعمداً لتفكيك القومية العفرية؟
▪ كيف أدى الاستعمار الأوروبي إلى إعادة تعريف المجال العفري جغرافياً وإدارياً؟
▪ كيف تعاملت إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي مع المناطق العفرية الواقعة داخل حدودها؟
▪ هل أدى النظام الفيدرالي الإثيوبي بعد 1991م إلى تعزيز التمثيل السياسي العفري أم إلى إنتاج حدود جديدة داخل المجال الاجتماعي نفسه؟
▪ ما الحجم الفعلي، الموثَّق كمياً، للنزوح والخسائر البشرية الناتجة عن نزاع عفار–تيغراي؟
▪ هل يمكن إثبات تغيّر ديموغرافي متعمد في المناطق المتنازع عليها استناداً إلى بيانات التعداد؟
▪ ما مدى ارتباط القضية العفرية بالموارد (الملح خاصة) والمياه والمراعي وطرق التجارة والبحر الأحمر، وكيف يمكن قياس هذا الارتباط كمياً؟
▪ هل تحوّل المجال العفري، منذ خريف 2025م، إلى ساحة فعلية لصراع بالوكالة بين إثيوبيا وإريتريا حول ميناء عصب، وما مؤشرات ذلك الكمية؟
فرضية الدراسة والمتغيرات الوسيطة:
تنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مؤداها أن المجال العفري تعرض، منذ تشكّل الحدود الحديثة، لعملية إعادة تشكيل تراكمية شاركت فيها عوامل استعمارية ودولية ومحلية وإدارية واقتصادية وأمنية، وأدت إلى تقليص درجة الاتصال السياسي والاجتماعي بين أجزاء هذا المجال؛ إلا أن ذلك لا يُثبت بذاته وجود مشروع واحد ومتكامل هدفه تفكيك القومية العفرية. وتحدد الدراسة خمسة متغيرات وسيطة تفترض أنها تتوسط العلاقة بين نشأة الحدود الحديثة والنتيجة المرصودة (تراجع التماسك المجالي العفري): (1) إعادة الترسيم الإداري الناتج عن الفيدرالية الإثنية بعد 1991م؛ (2) الضغط البيئي والمؤسسي على الموارد الرعوية؛ (3) التحول في نظم ملكية الأرض واستخدامها الاقتصادي؛ (4) تصاعد النزاع المسلح على الحدود الداخلية الإثيوبية؛ (5) تصاعد التنافس الإثيوبي–الإريتري على الوصول إلى البحر الأحمر منذ 2025م وتوظيف فاعلين عفريين مسلحين فيه. وتفترض الدراسة أن هذه المتغيرات الخمسة، مجتمعة لا منفردة، هي ما يفسر معظم التباين المرصود في درجة تفكك المجال العفري بين الحالات الثلاث.
الإطار النظري:
تستند الدراسة إلى ثلاثة أطر نظرية متكاملة. الإطار الأول مستمد من أدبيات الحدود السياسية Political Border Studies، التي تميز بين «الحد» boundary بوصفه خطاً قانونياً حاسماً و«التخم» أو «الهامش» frontier/margin بوصفه منطقة انتقالية متداخلة الوظائف؛ وهو تمييز يفسر لماذا لا يتطابق المجال الاجتماعي العفري مع الحدود الإدارية اللاحقة. والإطار الثاني مستمد من أدبيات الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا، التي تناقش الأثر المزدوج للاعتراف الدستوري بالإثنية: تعزيز التمثيل السياسي من جهة، وتحويل الهوية نفسها إلى حد إداري قابل للتسييس والنزاع من جهةٍ أخرى. أما الإطار الثالث فمستمد من الإيكولوجيا السياسية للرعي Political Ecology of Pastoralism، التي تربط تراجع النظم الرعوية التقليدية بتضافر عوامل بيئية (الجفاف وتدهور المراعي) ومؤسسية (تغير حقوق الملكية) واقتصادية (توسع الزراعة الاستثمارية)، لا بعامل سياسي منفرد. وتضيف هذه النسخة إطاراً رابعاً مكمّلاً مستمداً من أدبيات «الحروب بالوكالة» Proxy Warfare في العلاقات الدولية، لفهم توظيف الفاعلين العفريين المسلحين (مثل RSADO) من قِبل دولة إقليمية في مواجهة أخرى، دون اختزال ذلك في نزاع إثني–محلي بحت.
الإطار المفاهيمي وتعريف المتغيرات إجرائياً:
تعتمد الدراسة تعريفات إجرائية قابلة للقياس لمفاهيمها المحورية: يُقاس «التماسك المجالي العفري» بثلاثة مؤشرات مركّبة هي عدد ممرات الحركة الرعوية المفتوحة عبر الحدود الإدارية، ونسبة السكان الرعويين إلى مجموع سكان الإقليم، ومعدل تكرار النزاعات المسجلة على الحدود الداخلية خلال فترة زمنية محددة. ويُقاس «الضغط على الموارد» بمعدلات تراجع الغطاء النباتي للمراعي، وحجم الإنتاج الرعوي مقارنةً بالعقود السابقة، وحصة الأراضي المحوّلة من الرعي إلى الزراعة الاستثمارية. أما «الأثر الديموغرافي للنزاع» فيُقاس بعدد النازحين المسجلين في تقييمات مصفوفة تتبع النزوح DTM، ونسبتهم إلى إجمالي سكان المنطقة المتأثرة، وعدد الإصابات المدنية الموثقة. ويُقاس «مؤشر الحرب بالوكالة» إجرائياً بعدد الجماعات المسلحة العفرية أو المرتبطة بعفار العاملة من أراضي دولة ضد أخرى، وتواتر بياناتها الرسمية، وحجم أي عمليات عسكرية مباشرة (كالغارات بالطائرات المسيّرة) تقع داخل الإقليم. هذا التحديد الإجرائي يتيح لاحقاً اختبار الفرضيات الفرعية اختباراً قابلاً للتكرار بدلاً من الاكتفاء بالروايات السياسية المتنافسة.
منهج الدراسة وأدواتها التحليلية:
تعتمد الدراسة منهجاً تاريخياً–جغرافياً–سياسياً مدعوماً بالتحليل الكمي، يجمع بين دراسة الحدود، وتحليل الصراعات، ودراسة الحالة المقارنة، وتحليل الاقتصاد السياسي للموارد، ورصد التطورات الأمنية الآنية.
ويقوم المنهج على خمسة مستويات: تحليل نشأة الحدود الدولية والإدارية التي قسمت المجال العفري؛ دراسة العلاقة بين الحدود والهوية مع التركيز على حالة الحدود العفرية–التيغراوية بوصفها حالة اختبار حرجة critical case لفرضية «الاقتطاع المتعمد»؛ تحليل العلاقة بين الأرض والمياه والمراعي والموارد الاقتصادية عبر بيانات إنتاجية وسكانية موثقة؛ تحليل التطورات الأمنية الراهنة (2025–2026م) المرتبطة بأزمة البحر الأحمر؛ وأخيراً تقدير إمكانية انتقال القضية العفرية من نزاعات محلية إلى عنصر من عناصر الأمن الإقليمي. ويبرر اختيار الحدود العفرية–التيغراوية تحديداً كحالة اختبار حرجة كونها الحالة الوحيدة التي تتوافر بشأنها بيانات ميدانية إثنوغرافية محكّمة (دراسة Lenaerts وزملائه) وبيانات نزوح كمية موثقة (مصفوفة تتبع النزوح للمنظمة الدولية للهجرة)، بخلاف الحدود العفرية–العيسية في جيبوتي أو المجال العفري في إريتريا، حيث تندر الدراسات الميدانية المماثلة.
وتستخدم الدراسة ثلاثة مستويات من الأدلة، مرتبة تصاعدياً بحسب قوة الإثبات: المصادر الأولية والرسمية (الخرائط الحكومية، البيانات الجغرافية، تقارير مصفوفة تتبع النزوح)؛ المصادر الأكاديمية المحكّمة (الدراسات الإثنوغرافية والميدانية)؛ ثم مصادر مراكز الأبحاث الدولية المتخصصة في الأمن الإقليمي (كمجموعة الأزمات الدولية) والمصادر السياسية والإعلامية، التي تُستخدم لتحليل الروايات المتنافسة والتطورات الآنية لا لإثبات الادعاءات التاريخية بصورة نهائية. وهذا الترتيب التصاعدي ضروري بصورة خاصة عند التعامل مع ادعاءات مثل «الاقتطاع» أو «التغيير الديموغرافي المتعمد» أو وجود مشروع سياسي سري، حيث يجب أن يُبنى أي استنتاج على المستويين الأول والثاني قبل الاستعانة بالمستوى الثالث.
حدود الدراسة:
جغرافياً: تنحصر الدراسة في المجال الذي يقطنه العفر داخل إثيوبيا (إقليم عفار وأطرافه الحدودية مع تيغراي وأمهرا)، وإقليم دنكاليا في إريتريا، والمناطق الشمالية والوسطى من جيبوتي؛ ولا تتناول بالتفصيل مناطق الشتات العفري خارج هذا النطاق.
زمنياً: تغطي الدراسة الفترة من أواخر القرن التاسع عشر (بدايات الترسيم الاستعماري) حتى منتصف سبتمبر 2026م، مع تركيز تحليلي أعمق على الفترة اللاحقة لعام 1991م، وعلى التطورات المتسارعة منذ سبتمبر 2025م المرتبطة بأزمة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، بوصفهما نقطتي التحول الأكثر أهمية في إعادة تشكيل المجال العفري إدارياً وسياسياً وأمنياً.
1) المجال العفري قبل الحدود الحديثة وأثر الاستعمار:
كان المجال العفري التاريخي يتجاوز الحدود السياسية التي استقرت لاحقاً بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، دون أن يعني ذلك أنه كان وحدة سياسية مركزية موحدة وفق مفهوم الدولة الحديثة؛ فقد كان فضاءً اجتماعياً واقتصادياً تتفاعل داخله الجماعات والقيادات المحلية وشبكات التجارة والرعي. وتشير دراسة ياسين إلى أن العفر يمثلون حالة واضحة لتقسيم جماعة إثنية ولغوية عبر حدود دولية متعددة، وأن هذا التقسيم أثّر في نظمهم التقليدية وفي تطور مطالبهم السياسية لاحقاً[1].
ويصف نيكول وأوتولانا المجال العفري بأنه ليس «مثلثاً» متجانساً بالمعنى الجغرافي البسيط، وإنما مجموعة من الهوامش المتداخلة والمتنازع عليها، تتقاطع فيها السلطة السياسية والهوية الإقليمية والبيئة وأنماط الحركة الرعوية[2].
وكان القرن التاسع عشر مرحلة حاسمة في إعادة تشكيل القرن الإفريقي، إذ تزامن التنافس الأوروبي على السواحل والموانئ والطرق التجارية مع توسع الدولة الإثيوبية وتنامي أهمية البحر الأحمر، فتشكلت في هذا السياق الحدود التي قسمت الجماعات المحلية إلى وحدات سياسية مختلفة. ومن المهم منهجياً ألا تتحول هذه النتيجة إلى استنتاج بأن القوى الاستعمارية كانت تستهدف القومية العفرية تحديداً؛ فالأدق هو القول إن حدوداً نشأت لأسباب إستراتيجية واستعمارية انتهت إلى نتائج قومية واجتماعية عميقة، وهو فرق جوهري بين إثبات الضرر بالوحدة الاجتماعية وإثبات أن الهدف المباشر من الترسيم كان تفكيك تلك الوحدة.
2) المجال العفري في إثيوبيا: من الرعي إلى الفيدرالية الإثنية – قراءة ديموغرافية:
يُمثل الجزء الإثيوبي من المجال العفري أكبر أجزائه من حيث عدد السكان والمساحة. فوفق أحدث البيانات الرسمية، تبلغ مساحة إقليم عفار 72,053 كم² (وتشير مصادر سابقة إلى تقدير مغاير قدره نحو 96,707 كم² استناداً إلى ترسيم إداري أقدم يعود إلى عام 2005م)، بكثافة سكانية ارتفعت من نحو 14 نسمة في الكيلومتر المربع عام 2005م إلى نحو 29.4 نسمة في الكيلومتر المربع في تقديرات 2025م- أي أكثر من الضعف خلال عقدين، وهو مؤشر كمي على تسارع الاستقرار العمراني داخل إقليم ظل تاريخياً الأكثر اعتماداً على الرعي المتنقل في إثيوبيا[3].
وتوضح بيانات التعداد الرسمي نمواً سكانياً متسارعاً: من 1,106,383 نسمة في تعداد 1994م، إلى 1,390,273 نسمة في تعداد 2007م (بمعدل نمو يقارب 67٪ خلال 13 عاماً)، ثم إلى 2,033,002 نسمة في تقديرات 2022م وفق قاعدة بيانات[4] Data Commons، وإلى ما يتراوح بين 2.03 و2.16 مليون نسمة في تقديرات 2022–2025م الرسمية الأخرى. ويكشف تفصيل بيانات 2025م أن نحو 1.63 مليون من السكان لا يزالون يُصنَّفون رعاة، مقابل نحو 528 آلاف من سكان الحضر فقط- أي أن الرعي لا يزال يمثل نمط معيشة الأغلبية الساحقة رغم اتساع الفيدرالية الإدارية وبرامج التوطين. ويُسجّل إقليم عفار كذلك أدنى مؤشر تنمية بشرية دون وطني بين أقاليم إثيوبيا الأحد عشر (0.440 عام 2021م)، وهو ما يضع «الهامشية التنموية» في صلب أي تفسير لتحولات المجال العفري، إلى جانب عاملَي الحدود والهوية.
وتشير دراسة «شميت وبيرسون» إلى أن الرعي العفري تعرض لضغوط متزايدة نتيجة الجفاف والرعي الجائر والتعرية وتغيرات السياسات الحكومية المتعلقة بالأرض، إضافةً إلى ضعف مؤسسات إدارة الموارد التقليدية، وهو ما يعني أن الضغط على المجال العفري لا يمكن تفسيره بالحدود أو بالسياسة الإثنية وحدها؛ فحتى في غياب نزاع حدودي، يمكن لتغير استخدام الأرض أن يقلّص المجال الرعوي ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية[5].
3) إريتريا ودنكاليا والبحر الأحمر:
تمثل دنكاليا أحد أهم أجزاء المجال العفري في إريتريا، نظراً إلى موقعها على البحر الأحمر واتصالها بمناطق الحركة الرعوية والتجارية، وهو موقع جعل العلاقة بين السكان والدولة ذات طبيعة أمنية وإستراتيجية أيضاً. ولا تسمح الأدلة المتاحة بالقول إن الدولة الإريترية نفذت سياسة ديموغرافية متعمدة هدفها تغيير التركيبة العفرية بصورة منهجية؛ والأدق هو أنها أعادت تنظيم المجال المحلي في إطار بناء دولة مركزية وأمنية، وهو ما أثّر في العلاقة بين المؤسسات التقليدية والمجال الحدودي. غير أن هذه العلاقة شهدت، كما توضح الدراسة لاحقاً، تصعيداً أمنياً لافتاً منذ خريف 2025م جعل من دنكاليا نفسها بؤرة تنافس إقليمي مباشر.
وتتضح أهمية الموقع أكثر عند النظر إلى الحدود الإريترية–الجيبوتية؛ إذ تناولت دراسة حديثة إشكالية تطبيق المعاهدات الحدودية الاستعمارية على النزاع بين البلدين، بما يعكس استمرار أثر الحدود التاريخية في السياسة الإقليمية حتى اليوم[6].
4) جيبوتي والتوازن العفري–العيسي: الاعتماد الاقتصادي المتبادل بالأرقام:
تختلف الحالة الجيبوتية عن الإثيوبية والإريترية بسبب صغر مساحة الدولة وارتفاع القيمة الإستراتيجية لموقعها عند مدخل البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما جعلها مركزاً للموانئ والقواعد العسكرية واللوجستيات الدولية. وفي الوقت نفسه شكّل التفاعل بين العفر والعيسيين أحد عناصر الحياة السياسية للدولة منذ الاستقلال.
وتُظهر بيانات التجارة الحديثة حجم الترابط البنيوي بين جيبوتي وإثيوبيا: فممر أديس أبابا–جيبوتي يستوعب أكثر من 95٪ من تجارة إثيوبيا للاستيراد والتصدير من حيث الحجم، بينما استحوذت إثيوبيا وحدها على 85.74٪ من إجمالي صادرات جيبوتي في عام 2022، بقيمة بلغت نحو 3.951 مليار دولار، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنسبة 3.20٪، ثم الصين بنسبة 2.91٪.[7] وهذا الاعتماد المتبادل الشديد يعني أن أي اضطراب في الممرات البرية العابرة للمجال العفري- سواء داخل إثيوبيا أو عند الحدود الجيبوتية- يمس مباشرةً أحد أهم الشرايين الاقتصادية والتجارية لإثيوبيا وجيبوتي، وهو ما يجعل الاستقرار في المجال العفري الجيبوتي مسألة ذات أهمية بالغة للأمن الاقتصادي الإقليمي، وليس مجرد شأن داخلي[8].
وتشير الأدبيات السياسية إلى أن التنافس بين المكونات الاجتماعية ارتبط بالتطور السياسي بعد الاستقلال وبالصراع المسلح في بداية التسعينيات، لكن من الخطأ تفسير كل التطورات السياسية في جيبوتي باعتبارها نتيجة للصراع الإثني وحده؛ فالموقع الإستراتيجي والعلاقات الدولية والموانئ والوجود العسكري الأجنبي كلها عناصر تؤثر في بنية الدولة، ما يستدعي تحليل القضية العفرية في جيبوتي داخل اقتصاد سياسي للبحر الأحمر، لا داخل إطار التنافس الإثني فقط[9].
5) عام 1991م وإعادة بناء الدولة الإثيوبية فيدرالياً:
يُمثل عام 1991م نقطة تحول أساسية في الجغرافيا السياسية الداخلية لإثيوبيا؛ إذ انتقلت الدولة من نموذج مركزي إلى نظام فيدرالي يقوم بدرجة كبيرة على الاعتراف بالجماعات الإثنية والوحدات الإقليمية، ونشأ في هذا السياق إقليم عفار باعتباره إطاراً سياسياً وإدارياً للهوية العفرية. ومن منظور بناء المؤسسات، مثّل هذا تحولاً مهماً إذ أصبحت الهوية العفرية ممثلة داخل النظام الإقليمي للدولة؛ لكن المشكلة أن المجال الاجتماعي والرعوي للعفر لم يتطابق بالكامل مع الحدود الإدارية للإقليم. وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الفيدرالية الإثيوبية: قد يعزز الاعتراف بالإثنية تمثيلها السياسي، لكنه قد يحوّل الهوية نفسها إلى حدود إدارية قابلة للنزاع.
6) الجدول الجغرافي المقارن قبل وبعد 1991م حتى 2026م:
توضح البيانات الجغرافية الرسمية الحالية أن إقليم عفار أصبح وحدة إدارية محددة داخل النظام الإثيوبي، وتوفر قاعدة البيانات الوطنية الزراعية الإثيوبية ملفات GIS وKML وGeoJSON وحدوداً إدارية للإقليم تسمح باستخدامها في المقارنة الجغرافية[10]، غير أن المقارنة العلمية لا ينبغي أن تقتصر على خريطة حديثة وأخرى قديمة، بل يجب أن تدرس خمسة مستويات: الحدود الإدارية، وتوزيع السكان، والمجال الرعوي، والسيطرة على الموارد، والانتشار العسكري المستجد.

ويخلص الجدول إلى أن المجال العفري تغيّر فعلاً بعد 1991م إدارياً وسكانياً وأمنياً، إذ نشأ إقليم عفار ونما سكانه نمواً كبيراً، وشهدت حدوده مع تيغراي نزاعاً مسلحاً ونزوحاً واحتكاكاً متجدداً، وظهر تمركز عسكري متقدم قرب محور عصب منذ 2025م؛ غير أن هذه الوقائع الموثقة لا تكفي لإثبات أن أراضي عفرية قد اقتُطعت أو أن ثمة مشروعاً متعمداً لتفكيك المجال، لأن الحدود الإدارية لا تطابق المجال الرعوي والاجتماعي الذي يتحرك فيه العفر (كما في أبالا وبيرهالي)، ولأن بعض المناطق المتداولة في الخطاب السياسي (رايا وألاماتا وألاجي) داخلة في نزاع مستقل بين تيغراي وأمهرا، ولأن الموارد كالملح في أفديرا والتنافس الإثيوبي–الإريتري على البحر الأحمر يفسران جانباً من التحول بمعزل عن مسألة الاقتطاع. ومن ثم يبقى ملف الاقتطاع غير محسوم إلى حين إجراء مقارنة خرائطية وديموغرافية مستقلة، ويظل الأرجح أن ما حدث إعادة تشكيل تراكمية متعددة العوامل لا مشروعاً واحداً مقصوداً.
وتكتسب الحدود العفرية–التيغراوية أهمية خاصة؛ إذ أظهرت دراسة «لينايرتس وزملائها» أن الحدود الإقليمية التي نشأت بعد 1991م لم تكن مجرد خطوط ثابتة منذ البداية، وأنها ارتبطت بتفاعلات محلية حول الأرض والرعي والسلطة، وتوصلت الدراسة إلى انخفاض النزاعات في المنطقة التي بحثتها ميدانياً خلافاً لبعض التوقعات التي ربطت الفيدرالية الإثنية تلقائياً بتصاعد النزاع[11].
7) هل حدث اقتطاع لأراضٍ عفرية لصالح تيغراي؟:
يُمثل هذا السؤال جوهر الجدل السياسي حول الحدود العفرية–التيغراوية. ومن الناحية العلمية، يجب التفريق بين ثلاثة مفاهيم متمايزة: المجال التاريخي، والمجال الرعوي، والحدود الإدارية والقانونية؛ فقد تستخدم جماعة رعوية أرضاً منذ أجيال دون أن يعني ذلك أنها تمثل وحدة إدارية مستقلة، كما أن إدراج الأرض في وحدة إدارية معينة لا يلغي بالضرورة حقوق الاستخدام التاريخية للجماعات التي تعتمد عليها.
ومن هنا فإن إثبات «اقتطاع» أراضٍ عفرية لصالح تيغراي يتطلب مقارنة أربعة أنواع من الأدلة: الخريطة الإدارية السابقة لعام 1991م؛ والقرار الإداري الذي أعاد رسم الحدود؛ والتركيب السكاني التاريخي واللاحق؛ وخرائط الرعي واستخدام الموارد- مع إدخال شهادات المجتمعات المحلية شريطة مقارنتها بمصادر مستقلة. ويجب بصورة خاصة تجنب وضع مناطق مثل Raya وAlamata وAlaje في قائمة «الأراضي العفرية المصادرة» دون إثبات مستقل، لأن بعض هذه المناطق يرتبط تاريخياً وإدارياً بنزاعات أخرى، وفي مقدمتها النزاع بين تيغراي وأمهرا.
اختبار الفرضية:
الأدلة الداعمة: إعادة الترسيم الفيدرالي بعد 1991م أنتجت بالفعل حدوداً إدارية جديدة تختلف عن الترتيبات السابقة؛ وبعض الشهادات المحلية العفرية توثق شعوراً بفقدان الوصول إلى مراعٍ كانت مستخدمة تاريخياً.
الأدلة المضادة/المحدِّدة: الدراسة الإثنوغرافية الميدانية الوحيدة المتاحة عن هذا القطاع الحدودي (لينايرتس وزملائها) تسجل انخفاضاً في النزاعات بعد 1991م مع زيادة تدخل الدولة، لا تصاعداً؛ ولا تتوافر بيانات تعداد سكاني مقارنة (قبل/بعد) للمناطق المتنازع عليها تحديداً تسمح بقياس تغيّر ديموغرافي فعلي؛ كما أن بعض المناطق المدرَجة في الخطاب السياسي Raya وAlamata لها تاريخ نزاع منفصل مع أمهرا لا علاقة مباشرة له بالعفر[12].
ومن هنا نستطيع أن نقول: إن الفرضية الفرعية القائلة بحدوث اقتطاع منهجي متعمد لأراضٍ عفرية لصالح تيغراي غير مثبتة في ضوء الأدلة المتاحة حالياً (مستوى إثبات: غير محسوم)، وتحتاج إلى مقارنة جغرافية وديموغرافية ووثائقية مستقلة قبل اعتمادها بوصفها نتيجة نهائية.
8) الحرب في تيغراي وتداعياتها الديموغرافية والأمنية على المجال العفري:
أعادت الحرب في تيغراي (نوفمبر 2020م–نوفمبر 2022م) وما تلاها من احتكاك مباشر بين قوات عفار الخاصة وقوات التيغراي طَرْحَ الحدود والمجالات المتداخلة على نحوٍ أكثر حساسية، وأنتجت أول موجة نزوح موثقة كمياً بالحجم الكافي لاختبار فرضيات «التغيير الديموغرافي»[13]. وقد رصدت مجموعة الأزمات الدولية بالفعل، في وقت مبكر من الحرب (يوليو 2021م)، نزوح عشرات الآلاف من سكان عفار عقب توغل قوات تيغراوية في الإقليم، ثم قدّرت في تقرير لاحق أن الهجوم التيغراوي اقتلع ما لا يقل عن 450 ألف شخص من إقليمي عفار وأمهرا معاً[14]– وهو ما يوفر تقديراً مستقلاً يتقاطع مع أرقام مصفوفة تتبُّع النزوح الأممية المفصَّلة أدناه.
فوفق تقييمات مصفوفة تتبُّع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد النازحين داخلياً في إقليم عفار الناجمين عن نزاع الحدود مع تيغراي نحو 149,329 نازحاً (27,782 أسرة) في الجولة الثامنة (أغسطس–أكتوبر 2021م)[15]، وارتفع إلى نحو 175,264 نازحاً موزعين على 83 موقعاً في الجولة التاسعة (يناير–فبراير 2022م)، ثم بلغ ذروته عند 336,582 نازحاً وفق تحديث مايو 2022م لتحليل الحماية الأممي- أي ما يعادل نحو 16–17٪ من إجمالي سكان الإقليم المقدَّر آنذاك، وهي نسبة تفوق كثيراً متوسط معدلات النزوح الداخلي في نزاعات إقليمية مماثلة[16].
كما وثّق التحليل الأممي نفسه أكثر من 1,070 إصابة مدنية، من بينها 387 حالة وفاة، نتيجة الغارات الجوية وضربات الطائرات المسيّرة في تيغراي وعفار منذ يونيو 2021م، وشكّل الأطفال نحو 15٪ من القتلى و12٪ من الجرحى. وأفاد التقرير أن 90٪ من النازحين في عفار من النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، وهو ما يعكس نمطاً نزوحياً يمسّ البنية الاجتماعية للمجتمعات الرعوية بصورة غير متناسبة، إذ يترك غياب الرجال البالغين المعتمدين على الرعي فجوة إنتاجية واقتصادية تفوق أثر النزوح العددي المجرد[17].
غير أن هذا الحجم الكبير من النزوح لا يكفي وحده لإثبات «تغيير ديموغرافي متعمد» بالمعنى الذي يفترضه الخطاب السياسي؛ فالنزوح الناتج عن نزاع مسلح نشط ظاهرة مسجَّلة في كل مناطق الحرب الإثيوبية الشمالية الثلاث (تيغراي وأمهرا وعفار)، وقد اقترن في الحالتين الأخريين أيضاً بأرقام نزوح مقارنة أو أكبر، مما يشير إلى أن محرك النزوح الأساسي كان الحرب ذاتها لا سياسة استهداف ديموغرافي عفرية–تيغراوية حصرية. وكما يوضح القسم التالي، فإن هذا الاحتكاك العسكري بين عفار وتيغراي لم ينته فعلياً باتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2022م، بل تجدد في صور جديدة خلال 2025–2026م مرتبطة هذه المرة بأزمة البحر الأحمر لا بالنزاع الداخلي وحده.
9) عفار في مواجهة البحر الأحمر: ساحة صراع بالوكالة بين إثيوبيا وإريتريا (2025–2026م):
تُمثل هذه النسخة المُحدَّثة من الدراسة إضافة منهجية مهمة تتجاوز إطار الحدود الداخلية الإثيوبية إلى إطار الأمن الإقليمي المباشر.
فقد تحوّل جزء من المجال العفري، منذ سبتمبر 2025م، إلى ساحة فعلية لتصعيد إثيوبي إريتري حول منفذ إثيوبيا البحري، بعد أن كان محصوراً في الأدبيات السابقة بوصفه أثراً جانبياً لحرب تيغراي فحسب.
(9.1) من الخطاب إلى التعبئة: تصريحات أديس أبابا وردود أسمرة:
أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في الأول من سبتمبر 2025م أن فقدان إثيوبيا منفذها إلى البحر الأحمر عقب استقلال إريتريا عام 1993م كان «خطأً تاريخياً» يتعين تصحيحه، ودعا إلى وساطة دولية بشأن الوصول الساحلي، مع تلميحه إلى احتمال اللجوء إلى القوة للسيطرة على ميناء عصب الإريتري إن تعذر ذلك عبر التفاوض[18]. وفي مارس 2025م كان آبي قد نفى، في تصريح سابق لهذا التصعيد، أي نية للدخول في نزاع مسلح مع إريتريا من أجل الوصول إلى البحر، مؤكداً تفضيله المسار الدبلوماسي[19]، غير أن حدة الخطاب تصاعدت لاحقاً مع تجدد الحديث عن «انتهاكات سيادية» متبادلة. ففي فبراير 2026م وجّه وزير الخارجية الإثيوبي رسالة رسمية لنظيره الإريتري تتهم أسمرة بارتكاب «توغل واضح» في منطقة تيغراي بالتنسيق مع جماعات مسلحة، مع تعبير إثيوبي متزامن عن استعداد للتفاوض الشامل حول قضايا الشأن البحري والوصول إلى ميناء عصب. وقد وثّقت عمليات تحقق مستقلة أن الرسالة لم تتضمن مطالبة مباشرة بانسحاب القوات الإريترية أو ادعاءً إثيوبياً رسمياً بالسيادة على عصب، خلافاً لما تداولته بعض المنصات[20].
(9.2) عودة الفاعلين العفريين المسلحين المناهضين لأسمرة:
في هذا السياق، استأنفت «الجبهة الديمقراطية لعفر البحر الأحمر» Red Sea Afar Democratic Organisation– RSADO، وهي تنظيم عفري إريتري المنشأ تأسس عام 1999م ومقره التاريخي في إقليم عفار الإثيوبي، كفاحها المسلح ضد الحكومة الإريترية في يوليو 2025م بعد سنوات من الجمود[21]، ثم أعلنت في أكتوبر 2025م تخريج دفعة جديدة من مقاتليها بعد برنامج تدريب استمر ثلاثة أشهر، مع تصريحات من قياداتها تتجاوز هدف «توحيد العفر» إلى طموحات بحرية تتقاطع مع أهداف أديس أبابا في الوصول إلى البحر الأحمر[22]. ويأتي هذا التطور امتداداً لتاريخ أطول من التمرد العفري المناهض لأسمرة، الذي شهد في التسعينيات نشاط «الجبهة الديمقراطية الثورية لوحدة العفر» ARDUF، والتي واجهت حملات قمع واسعة شكّلت جزءاً من الذاكرة السياسية العفرية[23]. وتشير تقارير متعددة إلى أن أديس أبابا تستضيف اليوم، إلى جانب RSADO، تنظيمات إريترية معارضة أخرى مثل «لواء نحاميدو» و«الجبهة الوطنية الإريترية للخلاص»، وتسعى إلى تسهيل تنسيق مشترك بينها رغم خلافاتها الداخلية لتشكيل جبهة موحدة ضاغطة على أسمرة[24].
(9.3) الدمج المؤسسي للنخبة العفرية في الدولة الإثيوبية:
بالتوازي مع توظيف الفاعلين المسلحين، عمدت الحكومة الإثيوبية إلى تعميق اندماج النخبة السياسية العفرية داخل مؤسسات الدولة الاتحادية: فقد اندمج «الحزب الديمقراطي الوطني العفري» ANDP، الذي كان مهمَّشاً نسبياً، في حزب الازدهار الحاكم، وتولت وزيرة من إقليم عفار (عائشة محمد) حقيبة الدفاع الاتحادية[25]، فيما عزز إشراك «قوات عفار الخاصة» في عمليات حرب تيغراي الثقة المتبادلة بين القيادات الفيدرالية والإقليمية، بما ينسجم مع هدف آبي أحمد الإستراتيجي المعلن بتأمين منفذ بحري[26].
(9.4) تجدد الاحتكاك المسلح واستهداف عفار مباشرة:
في مطلع نوفمبر 2025م نفذت قوات جبهة تحرير تيغراي الشعبية غارة داخل إقليم عفار أسفرت عن سيطرتها على ست قرى حدودية، في أول توسع موثق لنشاط الجبهة خارج حدود تيغراي منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2022م[27]. وفي فبراير 2026م وثّقت مجموعة الأزمات الدولية انتشاراً إثيوبياً متقدماً بالأسلحة الثقيلة والوحدات الآلية في إقليم عفار على مقربة من الحدود الإريترية، على مسافة قريبة من مدى الضرب باتجاه ميناء عصب، مقابل تعبئة عسكرية إريترية موازية على أعلى درجات التأهب[28]. كما رصد التقرير نفسه نشاط «قوات سلام تيغراي» TPF، وهي مجموعة مسلحة منشقة عن قوات دفاع تيغراي وناشطة في الأراضي الواصلة بين تيغراي وعفار، إضافةً إلى استضافة إثيوبيا لتنظيم عفري مسلح يطالب صراحة بأجزاء من جنوب إريتريا بما فيها عصب[29]. وفي مايو 2026م، وثّقت مجموعة الأزمات الدولية أول اشتباك مباشر منذ حرب 2020–2022م، حين نفذ الجيش الفيدرالي الإثيوبي ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت وحدات تيغراوية زعم أنها توغلت داخل إقليم عفار، في مؤشر واضح على أن الإقليم بات ساحة اشتباك فعلية لا مجرد منطقة عبور[30].
(9.5) تدويل الأزمة: القواعد والموانئ والتحالفات الخارجية:
اكتسبت أزمة عصب بُعداً دولياً إضافياً مع إعلان مصر، في ديسمبر 2025م، توقيع اتفاق لتطوير ميناء عصب الإريتري وتوسيع طاقته الاستيعابية لرسو سفن حربية (مدمرات وغواصات وسفن نقل جنود ومروحيات)، إلى جانب اتفاق مماثل مع جيبوتي لتوسيع ميناء دوراليه، في سياق التقارب المصري–الإريتري المتصاعد على خلفية نزاع سد النهضة مع إثيوبيا؛ وهو ما يمنح فاعلين خارجيين (مصر والسعودية والإمارات) مصلحة مباشرة في مآلات الأزمة داخل المجال العفري وحوله[31].
(9.6) قراءة تحليلية: هل يتحول العفر إلى «وقود» صراع لا طرف فيه؟:
تكشف وقائع 2025–2026م عن نمط جديد يضاف إلى العوامل الأربعة التي حددتها الدراسة سابقاً لتفسير إعادة تشكيل المجال العفري: توظيف الهوية العفرية والجغرافيا العفرية كأداة في صراع إقليمي أكبر لا يمثل العفر أنفسهم طرفاً مبادراً فيه بالضرورة. فمن جهة، توفر عصب وسواحل دنكاليا لإثيوبيا مبرراً إستراتيجياً لإعادة الانتشار العسكري داخل عفار وتكثيف الاستثمار السياسي في نخبتها؛ ومن جهة أخرى، يمنح تجنيد فصائل عفرية إريترية- RSADO وحلفاؤها- أديس أبابا أداة ضغط على أسمرة دون تحمّل كلفة مواجهة مباشرة فورية. وتحذر مصادر متعددة من أن استمرار هذا النمط قد يحوّل عفار إلى ساحة اقتتال بالوكالة تشبه ما شهدته مناطق حدودية أخرى في القرن الإفريقي، بصرف النظر عن نتيجة أي مواجهة إثيوبية–إريترية مباشرة محتملة.
10) TPLF والقضية العفرية: من الوثيقة الفكرية إلى الفعل السياسي:
تتضمن بعض الروايات السياسية إشارات إلى تصورات تأسيسية لحركة تحرير شعب تيغراي في سبعينيات القرن الماضي تتعلق بحدود تيغراي التاريخية. ومن الناحية المنهجية، فإن وجود تصور حدودي في وثيقة تأسيسية لحركة سياسية لا يكفي لإثبات أنه أصبح سياسة دولة لاحقة؛ ولذلك يجب الفصل بين الوثيقة الفكرية، والبرنامج السياسي، والسياسة الحكومية، والقرار الإداري، والتنفيذ الميداني، مع التحقق من أصل أي وثيقة وسياقها وتاريخها، وعدم الاعتماد على نسخ إلكترونية ثانوية لإثبات سياسات حكومية لاحقة.
وعليه، فإن فرضية وجود «مشروع TPLF لتفكيك القومية العفرية» لا يمكن اعتمادها في صورتها القطعية في هذه الدراسة، وإنما تبقى فرضية تحتاج إلى سلسلة أدلة تربط بين الفكر السياسي والقرار والتنفيذ والنتيجة. وهذه الصياغة لا تنفي احتمال وجود سياسات أثّرت سلباً في المصالح العفرية، وإنما تضع عبء الإثبات في موضعه العلمي الصحيح، خصوصاً في ضوء ما أظهرته أحداث نوفمبر 2025م (القسم 9.4) من استعداد فعلي لدى فصائل تيغراوية للتحرك داخل الأراضي العفرية عسكرياً عند الحاجة، وهو ما يرجّح تفسيراً وظيفياً–ميدانياً أكثر من تفسير المؤامرة المسبقة.
11) الموارد الرعوية والضغط البيئي: قراءة كمية:
تكشف دراسة التحولات الاجتماعية والاقتصادية في عفار أن الضغط على المجال الرعوي لا ينتج عن الحدود وحدها؛ فالجفاف وتدهور المراعي والتعرية وانتشار بعض النباتات الغازية والسياسات الحكومية المتعلقة بالأرض كلها عوامل ضغطت على النظام الرعوي، مع انتقال متزايد من الرعي الخالص إلى أنماط من الرعي–الزراعة، وهو تحول يرتبط بالتغيرات البيئية والمؤسسية والاقتصادية مجتمعة[32].
ويمثل وادي أواش ومناطق الأراضي المنخفضة مثالاً واضحاً على التفاعل بين مشروعات التنمية والمجال الرعوي؛ فحين تتحول مساحة كانت تُستخدم للرعي الموسمي إلى زراعة مستقرة أو مشروع استثماري، كما في مشروع تنداهو للسكر، فإن التأثير لا يقتصر على تغيير استخدام الأرض، بل يمتد إلى تغيير مسارات الحركة وعلاقات الوصول إلى المياه وإعادة توزيع القوة الاقتصادية داخل المجتمعات المحلية. وقد تضمنت التصورات الأصلية لمشروع تنداهو تطوير نحو 54 ألف هكتار لزراعة قصب السكر، مع استهداف إنتاج يصل إلى نحو 600 ألف طن من السكر سنوياً عند اكتمال التشغيل[33].، في حين تشير البيانات الحكومية الأحدث إلى أن مشروع سد وري تنداهو يجهز حالياً نحو 30 ألف هكتار للري[34].
وهذا يقود إلى نتيجة تحليلية مهمة، يمكن اختبارها كمياً: قد يتقلص المجال الاجتماعي العفري حتى من دون تغيير الحدود السياسية، إذا تغيّرت الوظيفة الاقتصادية للأرض، أي أن متغير «تغيّر استخدام الأرض» يعمل بصورة مستقلة عن متغير «إعادة الترسيم الحدودي»، وقد يفسر جزءاً من التراجع في التماسك المجالي العفري لا يُعزى بذاته إلى الفيدرالية الإثنية أو إلى نزاع عفار–تيغراي[35].
12) الملح كمورد إستراتيجي: اقتصاد سياسي كمي:
يُمثل الملح أحد أوضح الأمثلة على العلاقة بين الموارد والسلطة في عفار. فقد درس فييسا الاقتصاد السياسي للملح في إقليم عفار، مركّزاً على بحيرة أفديرا، وأظهر كيف تتحول الموارد الطبيعية إلى مجال للتفاعل بين الدولة والاقتصاد المحلي والمجتمعات العفرية[36]. وتشير التقديرات إلى وجود احتياطي يقارب 290 مليون طن من الملح في بحيرة أفديرا ، بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ نحو 1.2 مليون طن من البحيرة وحدها- أي ما يفوق ثلاثة أضعاف ونصف الطلب المحلي الإثيوبي السنوي المقدَّر بنحو 350 ألف طن- وتغطي هذه البحيرة وحدها ما بين 80٪ و95٪ من إجمالي السوق الوطنية للملح في إثيوبيا وفق مصادر مختلفة.
ويعمل في هذا القطاع في اثيوبيا نحو 750 منقّباً مسجلاً رسمياً يستخرجون في المتوسط نحو 1.3 مليون طن سنوياً اجمالى الكمية المستخرجة في اثيوبيا طبقا لاخر التقديرات، غير أن دراسات حديثة توثّق أن السيطرة الفعلية على سلسلة القيمة في القطاع تركّزت في يد شركتين رئيسيتين SVS Salt Production وشركتها الشقيقة TTR، غالبية رأسمالهما من مستثمرين من خارج الإقليم، بينما ظل المجتمع العفري المحلي مقصوراً إلى حد كبير على مرحلة الاستخراج الأولي بهوامش ربح متراجعة. وقد أسهمت هذه البنية الاحتكارية في ارتفاع أسعار الملح محلياً وفي عرقلة برنامج إثيوبيا الوطني لمعالجة الملح باليود، رغم أن هذا البرنامج نفسه- من الناحية الشكلية- كان يُفترض أن يخدم المصالح الصحية العامة[37].
وتكتسب هذه المسألة أهمية جيوسياسية لأن الموارد لا تعمل فقط بوصفها أدوات اقتصادية، بل يمكن أن تغيّر أهمية المكان بالنسبة للدولة والشركات والمجتمعات المحلية؛ فكلما ازدادت القيمة الاقتصادية الموثقة لمورد ما- كما يظهر بوضوح في حالة ملح أفديرا[38]– ازدادت احتمالات تدخل الدولة أو الفاعلين الاقتصاديين الخارجيين في إدارة المكان، بصورة قد تتناقض مع منطق الحفاظ على الهوية المحلية الذي يفترضه الخطاب السياسي حول «حماية المجال العفري»[39].
13) من «التفكيك» إلى «إعادة التشكيل»: إعادة صياغة نظرية:
من الناحية النظرية، يمثل الانتقال من مفهوم «تفكيك المجال العفري» إلى مفهوم «إعادة تشكيل المجال العفري» أحد أهم تعديلات هذه الدراسة؛ فمفهوم التفكيك يفترض وجود فاعل وهدف واضحين، بينما يصف مفهوم إعادة التشكيل النتيجة التاريخية دون افتراض نية مسبقة. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المجال العفري أُعيد تشكيله بفعل تضافر الحدود الدولية، والدولة المركزية، والفيدرالية الإثنية، والتحولات الاقتصادية، وتغيّر استخدام الأرض، والموارد، والجفاف، والصراعات، وتغيّر أنماط التجارة، وأخيراً التنافس الإقليمي على البحر الأحمر؛ لكن وجود هذه العوامل مجتمعة لا يُثبت أنها كانت جميعاً أجزاء من مشروع واحد. وهذا الاستنتاج أكثر قوة من الناحية العلمية لأنه يفسر الظاهرة من خلال تفاعل عدة متغيرات بدل اختزالها في فاعل واحد.
14) الأهمية الجيوسياسية للمجال العفري والبحر الأحمر:
لا يمكن فهم أهمية المجال العفري من خلال عدد السكان أو المساحة فقط؛ فالموقع الجغرافي يجعله نقطة اتصال بين إثيوبيا الداخلية والبحر الأحمر وخليج عدن وإريتريا وجيبوتي، وتزداد أهميته بسبب اعتماد إثيوبيا شبه الكامل على الممرات البرية العابرة للمجال العفري للوصول إلى ميناء جيبوتي- الذي يستوعب كما سبقت الإشارة أكثر من 95٪ من تجارتها الدولية.
وهكذا، فإن القضية العفرية، التي كانت محلية في بداياتها، أصبحت بحلول 2025–2026م إقليمية بالفعل لا احتمالية فحسب، بعد أن تداخلت بصورة مباشرة مع الصراع الإثيوبي–الإريتري المتجدد حول عصب، والتوترات الداخلية الإثيوبية (تيغراي، أمهرا، أوروميا)، وأمن البحر الأحمر، وحركة التجارة، والتنافس الدولي (المصري والخليجي) على الموانئ والقواعد العسكرية التي تحتضنها جيبوتي وإريتريا.
15) التقدير الإستراتيجي:
يمكن صياغة التقدير الإستراتيجي للدراسة في ستة استنتاجات مركزية:
▪ أولاً: المجال العفري التاريخي أوسع من الحدود السياسية المعاصرة بفارق واضح ديموغرافياً (3.35 ملايين نسمة موزعون على ثلاث دول) ومجالياً.
▪ ثانياً: إعادة تشكيل المجال كانت عملية تراكمية متعددة الفاعلين لا مشروعاً واحداً.
▪ ثالثاً: الحدود العفرية–التيغراوية تمثل حالة موثقة كمياً (نزوح تجاوز 336 ألف شخص، وتقديرات مستقلة بأكثر من 450 ألف نازح من عفار وأمهرا معاً)، لكنها تحتاج إلى تحقيق خرائطي ووثائقي مستقل لإثبات فرضية الاقتطاع.
▪ رابعاً: الضغط على الموارد والرعي- الملح ووادي أواش نموذجاً- لا يقل أهمية عن عامل الهوية في تفسير تراجع التماسك المجالي.
▪ خامساً: منذ سبتمبر 2025م، تحوّل جزء من المجال العفري فعلياً، لا احتمالياً، إلى ساحة صراع بالوكالة مرتبطة بأزمة الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر عبر عصب، بما يشمل تفعيل فصائل عفرية مسلحة مناهضة لإريتريا، وانتشاراً عسكرياً إثيوبياً متقدماً، وضربات بطائرات مسيّرة داخل الإقليم.
▪ سادساً: يمكن أن تتحول القضية العفرية إلى عامل مركزي في الأمن الإقليمي إذا تزامنت النزاعات المحلية مع التنافس العسكري الإثيوبي–الإريتري وتدخل قوى خارجية (مصر، دول الخليج)، نظراً للاعتماد الاقتصادي شبه الكلي لإثيوبيا وجيبوتي على استقرار هذا الممر.
16) السيناريوهات المستقبلية:
تعرض الدراسة، خمسة سيناريوهات محتملة لمسار المجال العفري حتى أفق 2028م، مبنية كمصفوفة محرك–مؤشرات–احتمال–تأثير، بعد إضافة سيناريو مستقل يعكس مسار «الحرب بالوكالة» المرصود فعلياً منذ 2025م.
السيناريوهات المستقبلية:

17) مؤشرات الإنذار المبكر:
▪ التحركات العسكرية في مناطق الحدود بين عفار وتيغراي، وبين عفار وإريتريا (محور بوري–عصب تحديداً).
▪ صدور خرائط أو قرارات إدارية جديدة دون توافق محلي.
▪ تصاعد خطاب «الأراضي التاريخية» وتحوله إلى خطاب قومي أو عسكري، سواء إثيوبي–تيغراوي أو إثيوبي–إريتري.
▪ النزوح الجماعي أو التغيرات السكانية غير المفسَّرة في تقارير مصفوفة تتبع النزوح.
▪ إغلاق طرق الرعي أو التجارة، وخاصةً الممرات المؤدية إلى ميناء جيبوتي.
▪ النزاعات المتكررة حول المياه والمراعي، وتوسّع مشروعات الزراعة الاستثمارية على حساب أراضي الرعي.
▪ ظهور جماعات مسلحة محلية جديدة أو إعادة تنشيط جماعات قائمة (RSADO، ARDUF، TPF، لواء نحاميدو)، وتواتر بياناتها العملياتية.
▪ ارتباط الملف العفري بالتوتر الإثيوبي–الإريتري حول عصب، بما يشمل تصريحات القيادات العليا حول «تصحيح الخطأ التاريخي».
▪ زيادة التدخلات الخارجية (المصرية، الخليجية) في المناطق الساحلية أو الممرات التجارية والقواعد العسكرية.
▪ تسجيل ضربات جوية أو بطائرات مسيّرة داخل إقليم عفار تستهدف فصائل غير إثيوبية رسمياً.
18) مؤشر مقترح لقياس التماسك المجالي العفري:
تقترح الدراسة تطوير «مؤشر التماسك المجالي العفري» Afar Spatial Cohesion Index – ASCI بوصفه أداة قياس مركّبة للاستخدام في الأبحاث اللاحقة والمتابعة الدورية، وليس بوصفه قياساً مطبَّقاً بالفعل في هذه الدراسة. ويتكون المؤشر المقترح، بعد تحديثه في هذه النسخة، من ستة مؤشرات فرعية موزونة:
1- مؤشر عبور الحدود الرعوية: نسبة الممرات الرعوية المفتوحة فعلياً إلى إجمالي الممرات التاريخية الموثقة.
2- مؤشر الاستقرار الديموغرافي: صافي معدل النزوح السنوي في المناطق الحدودية العفرية، مقاساً ببيانات مصفوفة تتبع النزوح.
3- مؤشر الوصول إلى الموارد: نسبة العائد المحلي (الأجور والعقود) العائد إلى المجتمعات العفرية من إجمالي عائد الموارد المستخرجة من أراضيها (الملح نموذجاً).
4- مؤشر تكرار النزاع الحدودي: عدد الحوادث الأمنية الموثقة سنوياً على طول الحدود الإدارية الداخلية العفرية وحدود عفار مع إريتريا.
5- مؤشر التمثيل السياسي: نسبة تمثيل الأقسام العفرية المختلفة (شرق/غرب/ساحل) في مؤسسات الإقليم الرسمية.
6- مؤشر التوظيف بالوكالة: عدد الفصائل العفرية المسلحة العاملة من أراضي دولة ضد أخرى، وحجم عملياتها الموثقة سنوياً (مؤشر جديد مقترح في هذه النسخة).
ويُقترح احتساب المؤشر المركّب سنوياً بمتوسط مرجّح لهذه المؤشرات الستة، على أن يخضع نظام الترجيح لمراجعة الخبراء قبل أي تطبيق ميداني؛ ويتيح هذا الإطار، إذا طُبّق مستقبلاً، تحويل النقاش حول «تفكك المجال العفري» من مستوى الروايات السياسية المتنافسة إلى مستوى قابل للقياس والمقارنة عبر الزمن وعبر الحدود الثلاث، بما في ذلك بُعده الأمني–الإقليمي المستجد.
النتائج الرئيسية:
أولاً: المجال العفري التاريخي والاجتماعي أوسع من المجال السياسي للدول الثلاث التي يتوزع بينها العفر (نحو 3.35 ملايين نسمة)، وساهمت الحدود الاستعمارية بصورة موثقة في تقسيم هذا المجال، دون أن تختزل نتائجها في نظرية مؤامرة واحدة.
ثانياً: أدى قيام النظام الفيدرالي الإثيوبي بعد 1991م إلى اعتراف مؤسسي بالهوية العفرية وتوسّع سكاني وإداري كبير (من 1.1 مليون نسمة عام 1994م إلى نحو 2.53 مليون في تقديرات 2025)، لكنه جعل في الوقت نفسه الحدود بين الأقاليم الإثنية ذات أهمية سياسية أكبر.
ثالثاً: العلاقة بين عفار وتيغراي أكثر تعقيداً من فرضية الصراع الدائم؛ فقد وجدت دراسة ميدانية أن النزاعات انخفضت في المنطقة التي درستها بعد زيادة تدخل الدولة عقب 1991م[40]، في حين أنتجت الحرب اللاحقة (2020–2022م) نزوحاً موثقاً تجاوز 336 ألف شخص (وتقديرات مستقلة تصل إلى 450 ألفاً من عفار وأمهرا معاً) وأكثر من ألف إصابة مدنية، ثم تجدد الاحتكاك المسلح مجدداً في 2025–2026م هذه المرة في سياق أزمة البحر الأحمر لا النزاع الداخلي وحده، وهو ما يعكس تحولاً حاداً مرتبطاً بديناميكيات متغيرة لا استمراراً خطياً لنزاع تاريخي واحد.
رابعاً: تعرّض المجال الرعوي العفري لضغوط قوية نتيجة التغيّر البيئي والسياسات المتعلقة بالأرض والتحولات الاقتصادية، بما فيها توسّع الزراعة الاستثمارية على عشرات آلاف الهكتارات[41].
خامساً: أصبحت الموارد، وخصوصاً الملح (بطاقة إنتاجية تبلغ 1.2 مليون طن سنوياً من بحيرة أفديرا وحدها)، عنصراً مهماً في الاقتصاد السياسي للإقليم، مع بنية احتكارية تُقصي غالبية العائد عن المجتمعات المحلية العفرية نفسها[42].
سادساً: لم تصل الدراسة إلى مستوى الإثبات الذي يسمح باعتماد فرضية حدوث اقتطاع منهجي لأراضٍ عفرية لصالح تيغراي، ولا فرضية وجود مشروع موحد ومستمر لتفكيك القومية العفرية، بوصفهما حقيقتين نهائيتين؛ والأدق علمياً هو الحديث عن عملية إعادة تشكيل للمجال العفري نشأت عن مجموعة من العوامل المتداخلة.
سابعاً: يُمثل الاعتماد الاقتصادي شبه الكامل لإثيوبيا على ممر جيبوتي (أكثر من 95٪ من تجارتها الدولية) واعتماد جيبوتي المقابل على السوق الإثيوبية (61.4٪ من صادراتها) عامل ربط إستراتيجي يجعل أي عدم استقرار واسع في المجال العفري ذا كلفة اقتصادية إقليمية مباشرة، لا محلية فحسب.
ثامناً: تحوّل المجال العفري، بحلول سبتمبر 2026م، إلى ساحة موثقة رصدياً لتنافس إثيوبي–إريتري بالوكالة حول الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب، بمؤشرات كمية ونوعية تشمل استئناف نشاط RSADO المسلح، وانتشاراً عسكرياً إثيوبياً متقدماً في محور بوري، وضربات جوية استهدفت فصائل تيغراوية داخل الإقليم- وهو بُعد أمني– إقليمي يُضاف إلى العوامل الأربعة الأصلية المفسِّرة لإعادة تشكيل المجال العفري، ويستحق متابعة مستقلة منفصلة عن ملف الاقتطاع الحدودي الداخلي.
التوصيات الإستراتيجية:
1- إنشاء قاعدة بيانات جغرافية-ديموغرافية تاريخية موحدة:
الجهة المسؤولة عن التنفيذ: مراكز البحث الإقليمية بالتعاون مع الوكالات الإحصائية الوطنية الثلاث (إثيوبيا، إريتريا، جيبوتي) أو من ينوب عنها من هيئات أممية متخصصة.
الآلية: تجميع الخرائط الإدارية لما قبل وبعد 1991م وربطها ببيانات التعداد وبيانات مصفوفة تتبع النزوح في قاعدة بيانات GIS موحدة قابلة للتحديث السنوي.
الإطار الزمني: 12–18 شهراً لبناء النسخة الأولى.
مؤشر النجاح: تغطية 100٪ من المناطق الإدارية المتنازع عليها ببيانات مزدوجة (قبل/بعد 1991) قابلة للتدقيق العلني.
2- إجراء دراسة خرائطية-ديموغرافية مستقلة للحدود عفار–تيغراي:
الجهة المسؤولة: فريق بحثي محايد متعدد الجنسيات يضم خبراء جغرافيا سياسية وإحصاء سكاني، بتفويض من مؤسسة بحثية أو أكاديمية مستقلة عن أطراف النزاع.
الآلية: مقارنة الخرائط الرسمية والوثائق الإدارية وشهادات المجتمعات المحلية وفق منهجية معلنة سلفاً، مع نشر البيانات الأولية.
الإطار الزمني: 9–12 شهراً.
مؤشر النجاح: إصدار تقرير علني قابل للتحكيم الأكاديمي يحسم درجة صحة فرضية «الاقتطاع» على أساس أدلة لا روايات.
3- فصل حقوق المجتمعات الرعوية عن مسألة تعديل الحدود السياسية:
الجهة المسؤولة: الحكومات الإقليمية (عفار وتيغراي) بالتنسيق مع الحكومة الاتحادية الإثيوبية.
الآلية: عقد اتفاقيات عبور رعوي وإدارة مياه مشتركة لا تستلزم تعديل الحدود الإدارية القائمة، على غرار تجارب إدارة المراعي العابرة للحدود في القرن الإفريقي.
الإطار الزمني: مسار تفاوضي مستمر يبدأ خلال 6 أشهر من نشر هذه الدراسة.
مؤشر النجاح: عدد اتفاقيات العبور الرعوي الموقعة وحجم القطعان المستفيدة منها سنوياً.
4- تطوير آلية إقليمية للتعاون العابر للحدود في الرعي والمياه والتجارة:
الجهة المسؤولة: الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد) بمشاركة إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي.
الآلية: منصة تنسيق ثلاثية دائمة لإدارة موارد المياه والمراعي العابرة للحدود، مموَّلة جزئياً من عائدات ممر جيبوتي التجاري نظراً لاعتماد الطرفين المتبادل الموثق عليه.
الإطار الزمني: تأسيس الإطار خلال عامين.
مؤشر النجاح: انخفاض ملموس في عدد حوادث النزاع على المياه والمراعي المسجّلة سنوياً.
5- تبنّي مؤشر التماسك المجالي العفري ASCI للمتابعة الدورية:
الجهة المسؤولة: مركز أون ريسيرش ووحدة الدراسات السياسية، بالشراكة مع مراكز بحثية إقليمية مهتمة بالقرن الإفريقي.
الآلية: احتساب المؤشرات الفرعية الستة المقترحة سنوياً ونشرها في تقرير متابعة موجز.
الإطار الزمني: إصدار النسخة التجريبية الأولى خلال 12 شهراً من هذه الدراسة.
مؤشر النجاح: توافر سلسلة زمنية من 3 سنوات متتالية على الأقل تتيح رصد الاتجاه لا مجرد لقطة لحظية.
6- إنشاء آلية رصد مستقلة لديناميكيات الحرب بالوكالة في عفار (توصية مستجدة):
الجهة المسؤولة: مركز بحثي إقليمي أو دولي محايد، بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني العفرية والإريترية في المهجر.
الآلية: توثيق دوري (فصلي) لأنشطة الفصائل المسلحة العاملة من الإقليم أو ضده (RSADO, ARDUF, TPF وغيرها)، وحركة الانتشار العسكري، وأي ضربات جوية أو استهداف مباشر، اعتماداً على مصادر مفتوحة يمكن التحقق منها.
الإطار الزمني: بدء الرصد الفصلي خلال 3 أشهر من نشر هذه الدراسة.
مؤشر النجاح: إصدار أربعة تقارير رصد سنوياً، تتيح تمييز التصعيد الفعلي عن التصعيد الخطابي.
الخاتمة:
تكشف الدراسة أن القضية العفرية لا يمكن اختزالها في كونها مشكلة أقلية إثنية موزعة بين ثلاث دول؛ فهي في الوقت نفسه قضية حدود وهوية وأرض ومياه ورعي وموارد وتجارة وأمن إقليمي، موثقة كمياً بدرجة تسمح بتجاوز الروايات السياسية المتنافسة نحو تحليل أقرب إلى الدقة العلمية. ومن هنا يمكن القول إن المجال العفري تعرّض فعلاً إلى إعادة تشكيل تاريخية عميقة، بدأت مع تشكّل الحدود الحديثة واستمرت مع بناء الدولة الوطنية والفيدرالية والتحولات الاقتصادية والبيئية والحرب الأخيرة في شمال إثيوبيا، ثم دخلت منذ سبتمبر 2025م طوراً جديداً يتصل بأزمة البحر الأحمر مباشرة.
لكن إعادة تشكيل المجال، كما أظهرت الأدلة الكمية والوثائقية المُجمَّعة في هذه الدراسة، لا تعني بالضرورة وجود مشروع موحد لتفكيكه؛ فوجود نتائج أضرت بدرجة الاتصال بين أجزاء المجال العفري لا يُثبت أن جميع هذه النتائج كانت مقصودة من فاعل واحد.
وفي تقدير الباحث، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث مستقبلاً ليس مجرد استمرار الحدود السياسية، وإنما تحوّل هذه الحدود- الداخلية والدولية على حدٍّ سواء- إلى حدود صراعية مغلقة، تترافق مع عسكرة المجال وتراجع الموارد وارتفاع الخطاب القومي وتوظيف فصائل مسلحة عفرية في صراع لا يملك العفر أنفسهم زمام قراره بالكامل- وهو مسار تشير إليه بوضوح أرقام النزوح والإصابات المدنية المُسجَّلة خلال 2021–2022م، ثم مؤشرات التعبئة العسكرية والتنظيمية المُسجَّلة خلال 2025–2026م.
ولذلك، فإن إدارة القضية العفرية تحتاج إلى مقاربة تتجاوز البعد الإثني إلى إدارة الموارد والتنمية والحدود والأمن الإقليمي معاً؛ فالحفاظ على استقرار القرن الإفريقي لا يتطلب بالضرورة إعادة رسم الخريطة السياسية، وإنما يتطلب تقليص الفجوة بين الحدود السياسية والمجالات الاجتماعية والاقتصادية التي تشكّلت قبلها، ومنع تحوّل الأرض والهوية العفرية إلى أداة في صراع إقليمي أوسع. وتبقى الأولوية العلمية الحقيقية هي الانتقال من الروايات المتنافسة إلى اختبار خرائطي وديموغرافي وأمني ووثائقي قابل للقياس والتكرار، يحدد بدقة ما الذي تغيّر، ومتى تغيّر، ومن اتخذ القرار، وما النتائج الكمية التي ترتبت عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع المختارة:
أولاً: الدوريات العلمية المحكّمة:
1- Dereje Feyissa, “The Political Economy of Salt in the Afar Regional State in Northeast Ethiopia,” Review of African Political Economy 38, No.127 (2011): 7–21.
2- Lutgart Lenaerts, Mark Breusers, Stefaan Dondeyne, Hans Bauer, Mitiku Haile, and Jozef Deckers, “‘This Pasture Is Ours Since Ancient Times’: An Ethnographic Analysis of the Reduction in Conflicts Along the Post-1991 Afar-Tigray Regional Boundary,” The Journal of Modern African Studies 52, No.1 (2014): 25–44.
3- Matthias Schmidt and Olivia Pearson, “Pastoral Livelihoods under Pressure: Ecological, Political and Socioeconomic Transitions in Afar (Ethiopia),” Journal of Arid Environments 124 (2016): 22–30.
4- Peter J. Schraeder, “Ethnic Politics in Djibouti: From ‘Eye of the Hurricane’ to ‘Boiling Cauldron,'” African Affairs 92, No.367 (1993): 203–221.
5- Yasin Mohammed Yasin, “Political History of the Afar in Ethiopia and Eritrea,” Afrika Spectrum 43, no. 1 (2008): 39–65.
6- Lydia M. Zerom, Isaias T. Berhe, and Senai W. Andemariam, “Challenges in Applying Colonial Boundary Treaties to the Resolution of the Djibouti–Eritrea Border Dispute,” Journal of African Law 67, No.2 (2023): 189–204.
ثانياً: الكتب والتقارير البحثية المؤسسية:
7- Abubeker Yasin and Dereje Feyissa, Afar’s Salty Politics: Monopolization and Marginalization in Afdera’s Salt Business (Rift Valley Institute, 2023).
8- Alan Nicol and Mosope Otulana, Contested Margins, Complex Pathways: The Afar Triangle in the Horn of Africa, FAC Working Paper 94 (Brighton: Future Agricultures Consortium, University of Sussex, 2014).
ثالثاً: تقارير المنظمات الدولية والبيانات الحكومية:
9- Ethiopian National Agri Data Hub, Space Science and Geospatial Institute (SSGI), datasets and spatial services, including regional administrative boundaries, updated October 24, 2024.
10- Ethiopian Statistics Service, “Statistical Report on Population and Housing Census Afar Region 1994.”
11- International Organization for Migration, “Ethiopia—Emergency Site Assessment 8 (27 July–4 October 2021),” Displacement Tracking Matrix.
12- UNHCR, Evaluation of UNHCR’s Response to the L3 Emergency in Ethiopia 2021–2022, 2023.
13- World Bank, “Addis-Djibouti Corridor to Get Major Upgrade That Is Key to Unlocking Connectivity and Trade for Ethiopia and the Horn of Africa,” July 20, 2023.
14- World Bank, World Integrated Trade Solution (WITS), “Djibouti Trade Summary 2022.”
رابعاً: تقارير مراكز الفكر والتحليل السياسي:
15- Atlantic Council, “Ethiopia and Eritrea Are on the Brink of War Again,” May 22, 2026.
16- International Crisis Group, “The Dangerous Expansion of Ethiopia’s Tigray War,” July 30, 2021.
17- International Crisis Group, Ethiopia’s Civil War: Cutting a Deal to Stop the Bloodshed, Africa Briefing 175 (October 26, 2021).
18- International Crisis Group, “Ethiopia and Eritrea Slide Closer to War amid Tigray Upheaval,” 2026.
19- International Crisis Group, Ethiopia, Eritrea and Tigray: A Powder Keg in the Horn of Africa, Africa Briefing 210 (February 18, 2026).
20- International Crisis Group, “Power Struggle in Ethiopia’s Tigray: Averting a Return to War,” May 15, 2026.
21- Muktar Ismail, “Pawn on the Red Sea: Ethiopia’s Afar Gambit,” Ethiopia Insight, November 10, 2025.
22- Sarah Ambrose, “Escalating Tensions Between Ethiopia and Eritrea Over Red Sea Access,” Bloomsbury Intelligence and Security Institute (BISI), December 15, 2025.
خامساً: المقالات الصحفية والإخبارية:
23- Addis Standard, “Eritrea: Ethiopia-Based, Anti-Eritrea Regime Afar Group Holds Conference in Semera, Renews Struggle,” July 15, 2025.
24- AFP Fact Check, “False Claims about Ethiopia’s Pursuit of Red Sea Access Add to Tensions with Eritrea,” 2025.
25- “Ethiopia Rules Out Conflict with Eritrea over Red Sea Access,” Al Jazeera, March 20, 2025.
26- Ethio Monitor, “RSADO Celebrates Graduation of New Fighter Cohort, Reinforcing Commitment to Red Sea Afar People’s Rights,” October 22, 2025.
27- Hamza Hendawi, “Egypt Finalises Deal to Develop Djibouti’s Port in Bid to Pressure Ethiopia over Nile Dam,” The National, December 31, 2025.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
[1] Yasin Mohammed Yasin, Op.cit., pp.39–65.
[2] Alan Nicol and Mosope Otulana, Contested Margins, Complex Pathways: The Afar Triangle in the Horn of Africa, FAC Working Paper 94 (Brighton: Future Agricultures Consortium, University of Sussex, 2014), at:
https://assets.publishing.service.gov.uk/media/57a089d6ed915d3cfd00045c/FAC_Working_Paper_094.pdf.
[3] Ethiopian Statistics Service, Op.cit.
[4] Ibid.
[5] Matthias Schmidt and Olivia Pearson, “Pastoral Livelihoods under Pressure: Ecological, Political and Socioeconomic Transitions in Afar (Ethiopia),” Journal of Arid Environments 124 (2016): 22–30, at: https://doi.org/10.1016/j.jaridenv.2015.07.003.
[6] Lydia M. Zerom, Isaias T. Berhe, and Senai W. Andemariam, “Challenges in Applying Colonial Boundary Treaties to the Resolution of the Djibouti–Eritrea Border Dispute,” Journal of African Law 67, No.2 (2023): 189–204, at:
https://doi.org/10.1017/S0021855323000104.
[7] World Bank, “Addis-Djibouti Corridor to Get Major Upgrade That Is Key to Unlocking Connectivity and Trade for Ethiopia and the Horn of Africa,” July 20, 2023, at:
[8] World Bank, World Integrated Trade Solution (WITS), “Djibouti Trade Summary 2022,” at:
https://wits.worldbank.org/CountryProfile/en/Country/DJI/Year/2022/Summarytext
[9] Peter J. Schraeder, “Ethnic Politics in Djibouti: From ‘Eye of the Hurricane’ to ‘Boiling Cauldron,” African Affairs 92, No.367 (1993): 203–221, at: https://doi.org/10.1093/oxfordjournals.afraf.a098610.
[10] Ethiopian National Agri Data Hub, Space Science and Geospatial Institute (SSGI), datasets and spatial services, including regional administrative boundaries, updated October 24, 2024, at:
https://data.moa.gov.et/organization/space-science-and-geospatia-institute-ssgi.
[11] Lutgart Lenaerts, Mark Breusers, Stefaan Dondeyne, Hans Bauer, Mitiku Haile, and Jozef Deckers, “‘This Pasture Is Ours Since Ancient Times’: An Ethnographic Analysis of the Reduction in Conflicts Along the Post-1991 Afar-Tigray Regional Boundary,” The Journal of Modern African Studies 52, no. 1 (2014): 25–44, at:
https://doi.org/10.1017/S0022278X13000797.
[12] Lutgart Lenaerts et al., Op.cit.
[13] International Crisis Group, “The Dangerous Expansion of Ethiopia’s Tigray War,” July 30, 2021, at:
https://www.crisisgroup.org/qna/africa/ethiopia/dangerous-expansion-ethiopias-tigray-war.
[14] International Crisis Group, Ethiopia’s Civil War: Cutting a Deal to Stop the Bloodshed, Africa Briefing 175 (October 26, 2021), at:
https://www.crisisgroup.org/sites/default/files/b175-ethiopias-civil-war.pdf.
[15] International Organization for Migration, “Ethiopia—Emergency Site Assessment 8 (27 July–4 October 2021),” Displacement Tracking Matrix, at:
https://dtm.iom.int/reports/ethiopia-emergency-site-assessment-8-27-july-4-october-2021
[16] UNHCR, Evaluation of UNHCR’s Response to the L3 Emergency in Ethiopia 2021–2022, 2023, at:
[17] UNHCR, Op.cit.
[18] Sarah Ambrose, “Escalating Tensions Between Ethiopia and Eritrea Over Red Sea Access,” Bloomsbury Intelligence and Security Institute (BISI), December 15, 2025, at:
https://bisi.org.uk/reports/escalating-tensions-between-ethiopia-and-eritrea-over-red-sea-access.
[19] “Ethiopia Rules Out Conflict with Eritrea over Red Sea Access,” Al Jazeera, March 20, 2025, at:
[20] AFP Fact Check, “False Claims about Ethiopia’s Pursuit of Red Sea Access Add to Tensions with Eritrea,” 2025, at:
https://factcheck.afp.com/doc.afp.com.372B8BR.
[21] Addis Standard, “Eritrea: Ethiopia-Based, Anti-Eritrea Regime Afar Group Holds Conference in Semera, Renews Struggle,” July 15, 2025, at:
[22] Ethio Monitor, “RSADO Celebrates Graduation of New Fighter Cohort, Reinforcing Commitment to Red Sea Afar People’s Rights,” October 22, 2025, at:
https://www.ethiomonitor.net/en/18226/.
[23] Yasin Mohammed Yasin, Op.cit.
[24] Muktar Ismail, “Pawn on the Red Sea: Ethiopia’s Afar Gambit,” Ethiopia Insight, November 10, 2025, at:
https://www.ethiopia-insight.com/2025/11/10/pawn-on-the-red-sea-ethiopias-afar-gambit/.
[25] Ibid.
[26] Atlantic Council, “Ethiopia and Eritrea Are on the Brink of War Again,” May 22, 2026, at:
[27] Sarah Ambrose, Op.cit.
[28] International Crisis Group, “Ethiopia and Eritrea Slide Closer to War amid Tigray Upheaval,” 2026, at:
[29] International Crisis Group, Ethiopia, Eritrea and Tigray: A Powder Keg in the Horn of Africa, Africa Briefing 210 (February 18, 2026), at:
[30] International Crisis Group, “Power Struggle in Ethiopia’s Tigray: Averting a Return to War,” May 15, 2026, at:
[31] Hamza Hendawi, “Egypt Finalises Deal to Develop Djibouti’s Port in Bid to Pressure Ethiopia over Nile Dam,” The National, December 31, 2025, at:
[32] Matthias Schmidt and Olivia Pearson, Op.cit.
[33]Chatham House, Peace, Bread and Land: Agricultural Development and the Political Economy of Sudan and Ethiopia, Briefing Paper, 2012،
https://www.chathamhouse.org/sites/default/files/public/Research/Africa/bp0112_mosley.pdf?
[34]Ministry of Irrigation and Lowlands, Ethiopia, “Tendaho Dam and Irrigation Development Project,”
https://mills.gov.et/2023/05/15/tendaho-dam-and-irrigation-development-project/?
[35] Ibid.
[36] Dereje Feyissa, “The Political Economy of Salt in the Afar Regional State in Northeast Ethiopia,” Review of African Political Economy 38, no. 127 (2011): 7–21, at:
https://doi.org/10.1080/03056244.2011.552596.
[37] Abubeker Yasin and Dereje Feyissa, Afar’s Salty Politics: Monopolization and Marginalization in Afdera’s Salt Business (Rift Valley Institute, 2023), at:
https://riftvalley.net/wp-content/uploads/2023/09/Afars-Salty-Politics_Final.pdf.
[38] Abubeker Yasin and Dereje Feyissa, Op.cit.
[39] Dereje Feyissa, Op.cit.
[40] Lutgart Lenaerts et al., Op.cit.
[41] Matthias Schmidt and Olivia Pearson, Op.cit.
[42] Dereje Feyissa, Op.cit.









































