نشر مركز «كفاءات السلام والأمن – إفريقيا»، ومقره داكار، التابع لمؤسسة «فريدريش إيبرت»* FES الألمانية، موجز سياسات بقلم «هانا راي أرمسترونج» Hannah Rae Armstrong – زميلة زائرة في برنامج إفريقيا التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ومستشارة سياسات السلام والأمن في منطقة الساحل وغرب إفريقيا- بعنوان «النهج المتجدد للاتحاد الأوروبي في منطقة الساحل: تطبيق البراجماتية المبدئية على أرض الواقع: قراءات من منطقة الساحل وغرب إفريقيا».
بقلم: هانا راي أرمسترونج
ترجمة: شيرين ماهر – ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
مقدمة:
في نوفمبر 2025م، تبنّى الاتحاد الأوروبي نهجاً جديداً في منطقة الساحل للحفاظ على انخراطه مع كلٍّ من مالي والنيجر وبوركينا فاسو[1]. وجاء انهيار هذه الشراكة بعد ما يقرب من عقد من التعاون الأمني والتنموي بقيادة الاتحاد الأوروبي، وهي فترة شابتها زيادة حادة في انعدام الأمن وعقبات مستمرة أمام آفاق التنمية[2]. وقد صعدت الدول التي انضمت الآن إلى «تحالف دول الساحل» AES حكاماً عسكريين إلى السلطة؛ حيث انسحب هؤلاء من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إيكواس ECOWAS واتجهوا نحو داعمين أجانب آخرين، ولا سيما روسيا.
وفي أواخر أبريل 2026م، كشف هجومٌ مدوٍّ شنه متمردون في مالي عن أن الدعم الروسي لم يُرجّح كفة ميزان القوى لصالح مالي. ولا تزال القوات الأمنية التي استولت على السلطة في وسط الساحل تكافح للدفاع عن أراضيها في مواجهة حركات التمرد التي تتسرب الآن، بوتيرة سريعة، عبر الحدود إلى دول الساحل المطلة على المحيط (دول الواجهة البحرية). وفي الوقت نفسه، تدهورت مؤشرات أخرى تدهوراً ملحوظاً؛ إذ تتآكل الديمقراطية، وتُعاد صياغة الحدود المؤسسية والجيوسياسية بشكل غير مستقر، كما تشهد حالة المجتمع المدني والحقوق والحريات المدنية تراجعاً غير مسبوق.
ونظراً لعدم استعداد أوروبا للانسحاب من منطقة ذات عمق إستراتيجي بالنسبة لمصالحها، فمن الحكمة أن تعيد توجيه نهجها مع التغيرات الراهنة. إذ يمكن لإعادة ضبط العلاقات بطريقة مدروسة أن تخلق مزيداً من الانسجام مع مصالح وقيم الطرفين. ويطرح هذا الموجز السياسي- الذي يستند إلى سلسلة من جلسات الحوار التي نظمها «مركز كفاءة السلام والأمن» التابع لمؤسسة «فريدريش إيبرت» FES خلال عامي 2025م و2026م، بحضور قادة المجتمع المدني وصُناع السياسات والدبلوماسيين في كلٍّ من لومي وكوتونو وداكار وأبوجا- توصياتٍ تهدف إلى بلورة مبادئ الانخراط الأوروبي الجديد مع دول الساحل الثلاث (دول الساحل الوسطى) ودول الساحل المطلة على المحيط، سواء تلك المتأثرة بالفعل بتبعات الأزمات العابرة للحدود أو المُعرَّضة للخطر.
الأفكار الرئيسية:
ثمة حاجة ملحة لتعزيز التعاون الأمني- ولا سيما بين دول منطقة الساحل الوسطى ودول الساحل المطلة على المحيط- وذلك بهدف احتواء تمدد الجماعات المسلحة عبر الحدود. بينما تعرّض هذا التعاون لعقبات كبيرة، تشمل انسحاب دول «تحالف الساحل» من مجموعة «إيكواس»، والنزاعات الثنائية بين دول الجوار، وكثرة المؤسسات المتداخلة التي تهدف إلى تعزيز التعاون.
وفي هذا السياق، قد تساهم عملية حشد موارد دول المنطقة- فيما يتعلق بالمشتريات والقدرات العملياتية- في سد الثغرة الناجمة عن الخصومات السياسية، فضلاً عن تعزيز القدرات بطريقة أكثر تنافسية. وإلى جانب مساعي الاحتواء، لا تزال جهود تسوية النزاع عبر الحوار السياسي مع المتمردين- وإن كانت قد تراجعت شعبيتها لدى الأنظمة العسكرية- تستحق اهتماماً متواصلاً ومواكباً من جانب الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في ظل الدعم الذي تحظى به هذه الجهود من تحالفات محلية تشمل المؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني والمجتمعات الريفية. كما شهدت أجندة «المرأة والأمن والسلام» تراجعاً ملحوظاً منذ توتر العلاقات مع أوروبا؛ لذا يتعين على الاتحاد الأوروبي النظر في استئناف العمل من أجل تعزيز مشاركة المرأة، والذي توقف بشكل مفاجئ.
يدرك الاتحاد الأوروبي، عن ظهر قلب، أن التزامه بتعزيز نظام عالمي قائم على القواعد، والديمقراطية، والقيم العالمية يمثل أفضلية تنافسية تُحسَب له. لكن سياساته الأخيرة قد قوضت هذه القيم، في حين تطرح جهات فاعلة خارجية متعددة عروضاً تنافسية. ولتقديم أداء أفضل، يتعين على الاتحاد الأوروبي توضيح نهجه الدبلوماسي وتعزيزه.
كما يمكنه تشجيع التقارب بين دول «تحالف الساحل» ودول مجموعة «إيكواس» بشكل غير مباشر، وذلك من خلال دعم مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود. وتستحق الدول القليلة التي تتمتع بالديمقراطية والاستقرار التقدير والدعم، نظراً لدورها التحفيزي لدول التحالف كي تتجنب الانقلابات. كما يجب على الاتحاد الأوروبي مُطالبة صندوق النقد الدولي بإعفاء دولة مثل السنغال من ديونها.
علاوةً على ذلك، يتحتم على الاتحاد الأوروبي مواصلة العمل على تعزيز القيم الديمقراطية وترسيخ مبادئ الحكم الشامل من خلال منظمات المجتمع المدني في جميع أنحاء المنطقة. ويمكنه تعزيز المؤسسات الإفريقية عبر دعم نشر الأطر والمعايير القانونية التي- رغم قلة الإلمام بها- تنطوي على إمكانات كبيرة.
وينبغي إيلاء الدعم لصالح المنظمات الريفية، مع إمكانية الحد من الإجراءات البيروقراطية لتسهيل التعامل معها.
وأخيراً، من الضروري أن يولي الاتحاد الأوروبي اهتماماً خاصاً لآلية «سيادة البيانات» باعتبارها غايةً ملحة تتماشى مع تطلعات دول التحالف، وأن يجري تقديم برامج تدريبية وبناء قدرات المجتمع المدني والمؤسسات على عدة أصعدة.
أولاً: على الصعيد الأمني:
▪ التعاون الأمني العملي في بيئة منقسمة:
على الصعيد الأمني، هناك معضلة تتمثل في كثرة المؤسسات مقابل هشاشة التعاون. وتتمثل إحدى سبل معالجة هذا الوضع في اعتماد آلية تعاون مرنة لحشد الموارد؛ إذ يُعدّ حشد الموارد حافزاً للتعاون الأمني، حيث يسهم في خفض النفقات وتعزيز القدرات التشغيلية ومستويات التعاون بين الشركاء[3]. وقد تشمل الأمثلة على ذلك عمليات الشراء المشترك للمعدات- مثل طائرات المراقبة المسيرة أو المركبات ذات الدفع الرباعي- وترتيبات تقاسم القدرات اللازمة لعمليات مثل الإخلاء الطبي وإجلاء المصابين. ويمكن أن تشمل هذه العمليات دولتين شريكتين أو أكثر، سواء كانت تتشارك في الحدود أم لا.
وبإمكان الاتحاد الأوروبي- الذي يمتلك خبرة واسعة في مجال حشد الموارد- دعم عقد اجتماع (ربما تستضيفه مفوضية الاتحاد الإفريقي) يجمع دولاً إقليمية ومؤسسات أمنية؛ وذلك لاستعراض خبرات الاتحاد الأوروبي ومناقشة فرص التعاون المحتملة.
كما يمكن للتكتل توفير تمويل يغطي ما بين 10٪ و20٪ من ميزانيات المبادرات الثنائية أو متعددة الأطراف. ومن شأن ذلك أن يمهد الطريق لتعاون أفضل بين دول «تحالف الساحل» ودول مجموعة «إيكواس»، بالتزامن مع تعزيز قدرات إدارة الحدود لدى الدول الأعضاء في إيكواس.
والجدير بالذكر أن التعاون الأمني الثنائي العابر للتكتلات قائم بالفعل في مناطق مثل الحدود بين السنغال ومالي، والحدود بين غانا وبوركينا فاسو؛ لذا سوف يحقق تعزيز هذه الجهود ميزة إضافية تتمثل في تحفيز أطراف أخرى على الاقتداء بهم.
▪ الحوار السياسي مع المتمردين:
يمكن تعزيز هدف الاتحاد الأوروبي المتمثل في «زيادة دعم مبادرات الحوار في جميع أنحاء منطقة الساحل والمنطقة الأوسع»[4] من خلال بلورة رؤية أوضح لأنماط الحوار الضرورية بهدف تسوية النزاعات، إذ لا بد أن تفسح نماذج مكافحة الإرهاب، التي يغلب عليها استخدام القوة، المجال أمام الحوار السياسي مع المتمردين، وينبغي للاتحاد الأوروبي العمل على إبقاء هذه المسألة قائمةً على جدول الأعمال.
وفي دول «تحالف الساحل»، يتعارض رفض السلطات الرسمي للانخراط في حوار مع المتمردين مع الدعوات المستمرة التي تطلقها منظمات المجتمع المدني، والقيادات الدينية والتقليدية، ومبادرات الحوار الوطني- مثل «مؤتمر الحوار الوطني» Assises Nationales في مالي[5].
والواقع أن عملية «رسم خرائط للجهات الفاعلة» تُسهم في تحديد الأطراف التي تستحق الدعم، وتحديد مسارات تنفيذ أجنداتها في ظل ظروف حساسة تسعى فيها الدول إلى استيعاب هذه الجهود أو إنكارها. كما تستحق المنظمات الدولية غير الحكومية التي دأبت على الدعوة إلى الحوار- مثل «مركز الحوار الإنساني» أو «مجموعة الأزمات الدولية»- الحصول على دعم مستمر أو مُعزز.
▪ المرأة والسلام والأمن:
حتى عام 2021م، كان الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في طليعة الجهات الداعمة لأجندة «المرأة والسلام والأمن» في منطقة وسط الساحل. وبفضل مبادرات عديدة- ولا سيما المُقدَمة من النرويج والسويد والدنمارك- تمكنت النساء من التقدم في صفوف القوات الأمنية وفي مشاريع الوساطة.
غير أن هذه المشاريع توقفت فجأةً[6] تزامناً مع تحوّل منطقة وسط الساحل نحو روسيا وتشكيل «تحالف دول الساحل»[7]، ونتيجةً لذلك؛ واجهت الشريكات من النساء تخلياً مفاجئاً عنهن. ومنذ ذلك الحين، تراجعت أجندة «المرأة والسلام والأمن» تراجعاً ملحوظاً، لتغيب عن دائرة الاهتمام في منطقة وسط الساحل.
والواقع أن تقلص الحيز المدني في ظل هذه الأنظمة بالمنطقة يتسم بطابع «جندري» جوهري، إذ تغلق سياسات هذه الأنظمة كل النوافذ التي تتيح للنساء والشباب أداء أدوار مؤثرة في المجال العام[8].
في ضوء ذلك، يسعى النهج المتجدد للاتحاد الأوروبي إلى الحفاظ على إطار عمل فعّال، مع ضمان مشاركة المرأة. ويدعم هذا النهج، تحديداً، الجهود الرامية إلى إشراك النساء في مستويات ومجالات أوسع وأعلى تتعلق بالتخطيط الإستراتيجي والتنفيذ في الشؤون السياسية والأمنية.
▪ التوقف عن التعامل مع الهجرة باعتبارها قضية أمنية:
على مدى أكثر من عقد مضى، تعاملت أوروبا مع الهجرة في غرب إفريقيا باعتبارها إشكالية أمنية، الأمر الذي يتعارض مع القوانين والأعراف الإقليمية التي ترجح بالأكثر كل المكاسب الاقتصادية والإنسانية للتنقل عبر الحدود[9]. وعلاوةً على ذلك، أدت السياسات الأوروبية، التي تضفي طابعاً أمنياً على الهجرة في أنحاء إفريقيا، إلى تقويض الاستقرار والتعامل مع ملف الهجرة بصورة أشد صرامة.
ففي النيجر، أدى الضغط الأوروبي للحد من الهجرة إلى زعزعة استقرار الاقتصاد في المناطق الشمالية في توقيت حساس، كما قوض قوانين مجموعة إيكواس التي تحمي حرية التنقل عبر الحدود.
وفي السنغال، استُخدمت قوات أمنية– تم تدريبها من قِبل الاتحاد الأوروبي على إدارة الحدود- لقمع الاحتجاجات الداخلية؛ كما أن مساعي الاتحاد الأوروبي للحد من عمليات العبور عبر البحر المتوسط أدت إلى «تضخيم» اقتصاد الابتزاز في ليبيا؛ وفي الوقت نفسه، يتعرض المهاجرون- الذين يُجبرون على سلوك طرق أطول وأكثر خطورة نتيجة لهذه السياسات- إلى مخاطر الوفاة[10]. لذلك، يجب ألّا تجري مناقشة ملف الهجرة من منظور أمني فحسب؛ إذ إن أوروبا بحاجة إلى خطاب جديد بشأن الهجرة قوامه الاعتراف بالحاجة إلى الأيدي العاملة، بما يتماشى مع التصريحات والسياسات الإسبانية الأخيرة الرامية إلى تسوية أوضاع 500 ألف مهاجر.
ثانياً: على الصعيد السياسي:
▪ تعزيز نهج الاتحاد الأوروبي في عصر التعددية القطبية:
أولاً: يتعين على الاتحاد الأوروبي تهيئة دولة عضو واحدة أو أكثر لتولي زمام قيادة السياسة الأوروبية تجاه منطقة الساحل بدلاً من فرنسا. فعلى الرغم من الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها المنطقة والتراجع الحاد في النفوذ الفرنسي فيها، حافظ الاتحاد الأوروبي على مصداقيته وقيمته كشريك مرغوب فيه. إلا أن تدهور العلاقات بين فرنسا ودول «تحالف الساحل»، فضلاً عن ماضيها الاستعماري العنيف في معظم أنحاء المنطقة، يلقي بظلاله السلبية على العلاقات بين التكتل الأوروبي وتلك الدول.
والواقع، كان عدم تعاون الجانب الفرنسي- بحسب تقارير- سبباً في تأخير إطلاق «النهج المتجدد» للاتحاد الأوروبي[11] على مدار عدة أشهر. وتُعدّ كلٌّ من ألمانيا وهولندا خيارين ذوَي أفضلية؛ إذ تتمتع الدولتان بفهم عميق للقضايا المحلية الجوهرية، وطوّرتا علاقات ثنائية قوية مع دول الساحل في السنوات الأخيرة، كما أرستا أنماطاً للتعاون القائم على التكافؤ، وهي أنماط تتوافق بشكل أفضل مع تركيز دول «تحالف الساحل» على مبدأ السيادة.
ثانياً: يتعين على الاتحاد الأوروبي بذل المزيد من الجهود وصولاً إلى آلية تنفيذ أكثر شفافية بشأن أهدافه- القائمة بديهياً على البراجماتية، وأن يتجنب الأسلوب الخطابي أو التوجيهات المتغطرسة. فقد أدت محاولات إجبار الأطراف الفاعلة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا على اختيار شريك دون آخر إلى نتائج عكسية، وهو ما انعكس من خلال عدم تأييد معظم الدول الإفريقية قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تدين الحرب الروسية في أوكرانيا[12]. وجرى تفسير محاولات الاتحاد الأوروبي التوعية بـ«النوايا الروسية الحقيقية» بأنها تستخف بعقول الأفارقة، في حين أنهم يدركون تماماً أن النفوذ الأوروبي قد ينطوي أيضاً على نوايا براجماتية.
▪ اتساق الدبلوماسية والتكامل الإقليمي:
يفرض انسحاب «تحالف دول الساحل» من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) تحديات جديدة على الدبلوماسية الأوروبية، إذ تؤدي عمليات إغلاق الحدود والتوترات القائمة بين دول التحالف ودول المجموعة إلى زيادة الضغوط على المجتمعات الهشة في المناطق الحدودية التي تشهد صراعات، وذلك في وقتٍ يسعى فيه المتطرفون إلى التوسع وتجنيد الأفراد في هذه المناطق تحديداً.
ولا يضطلع الاتحاد الأوروبي بدور مباشر كطرف وسيط لتقريب وجهات النظر فيما يتعلق بالحوار بين المؤسسات أو بين الدول، فهذا أمر يرجع للدول والتكتلات المعنية كي تتولاه بنفسها. لكن الاتحاد الأوروبي يمكنه دعم هذه العملية بشكل غير مباشر من خلال فتح قنوات حوار.
قد تتخذ هذه المشاركة شكل دعم البنية التحتية العابرة للحدود التي تعزز التنقل والربط بين دول «تحالف الساحل» ودول مجموعة «إيكواس». وتتميز مشاريع البنية التحتية- التي تشتد الحاجة إليها خاصةً في المناطق الحدودية الريفية- بميزة خاصة تتمثل في الجمع بين الأطراف الفاعلة وتشجيعهم على استماع بعضهم لبعض. ويُعدّ ممر «كوتونو-نيامي» مثالاً على المناطق ذات الحاجة الملحة للبنية التحتية، إذ يمكن توفير التمويل اللازم لهذه المشاريع من خلال مبادرة «البوابة العالمية» التابعة للاتحاد الأوروبي.
▪ إنقاذ السنغال:
تُعدّ السنغال، التي تُعتبر مثالاً إيجابياً نادراً في المنطقة على الاستقرار الديمقراطي، جسراً له وزنه- سواء من الناحية الدبلوماسية أو من ناحية التحالفات الأمنية- بين دول مجموعة «إيكواس» و«تحالف دول الساحل»[13]. لكن البلاد تكاد لا تنجو من الأزمة بسبب الديون الهائلة[14]. يتعين على الاتحاد الأوروبي التوسط لدى صندوق النقد الدولي لإعفاء السنغال من ديونها. ويمكن أن تكون مفاوضات الصين مع إثيوبيا بشأن الديون مثالاً يُحتذى به. وإلى جانب تحقيق الاستقرار الفوري لشريك رئيسي، تكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر؛ فمساعدة الدول الديمقراطية، مثل السنغال، على النجاح تُشكّل حافزاً إيجابياً وتمارس ضغطاً حميداً على تحالف دول الساحل للانتقال نحو الديمقراطية.
ثالثاً: على صعيد المجتمع المدني والتنمية:
▪ تعزيز المؤسسات الإفريقية:
توفر مجموعة «إيكواس» و«الاتحاد الإفريقي» مجموعة من الأطر التشريعية والمعايير ذات الأهمية البالغة في معالجة بعض أكثر التحديات إلحاحاً التي تواجه المنطقة. ولكن، غالباً ما يتم تجاهل هذه الموارد أو عدم استيعابها بشكلٍ كافٍ، ولا سيما بين الأجيال الشابة. فعلى سبيل المثال، توفر «اتفاقية نيامي» بشأن التعاون العابر للحدود موارد لإدارة الهجرة، إلا أن معدلات التصديق عليها لا تزال منخفضة[15]. وبالإضافة إلى ذلك، تُعدّ اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب-التي تتخذ من جامبيا مقراً لها- مورداً مؤسسياً غير مستغل بالقدر الكافي في مجالي رصد حقوق الإنسان وحمايتها. وفي الوقت نفسه، يتضمن بروتوكول «إيكواس» بشأن الرعي المتنقل أدوات مفيدة لتجنب الصراعات، وذلك في مرحلةٍ تُعدّ فيها أزمة الرعاة محركاً رئيسياً للتمرد المسلح.
إن دعم نشر هذه الموارد وتطبيقها سيحقق مكاسب عديدة، إذ يعمل على تعزيز المؤسسات الإقليمية والقارية، ويسهم في ترسيخ المعايير والحقوق في الهيئات الإفريقية. كما سيُحفز ذلك تفاعلاً إيجابياً، ويشجع مشاركة الشباب الذين يهتمون للغاية بتطوير هذه المؤسسات وتحسين أدائها.
قد يشمل ذلك الاستعانة بشركة علاقات عامة إفريقية لتصميم حملة على وسائل التواصل الاجتماعي موجهة للشباب لرفع مستوى الوعي بالأطر القانونية القائمة. وثمة طريقة أخرى تتمثل في توفير التمويل للمنظمات غير الحكومية، ولا سيما في دول الاتحاد الأوروبي، لأنشطة النشر، على أن يتم صرفه من قِبل وفد الاتحاد الأوروبي على المستوى الوطني. ولضمان أثر إيجابي، يُفضَّل تجنب اشتراط وضع شعار الاتحاد الأوروبي بشكل واضح على أي من المراسلات.
▪ المجتمع المدني والتنمية:
في ظل تصاعد الانقلابات والصراعات العنيفة، تتضاءل المساحات الديمقراطية والشمولية باستمرار. ففي دول «تحالف الساحل»، تعمل منظمات المجتمع المدني تحت ضغوط شديدة، بينما يواجه الصحفيون والناشطون والمدافعون عن حقوق الإنسان قيوداً على حرياتهم وترهيباً. حتى في دول ساحلية مثل ساحل العاج، التي لا تشهد صراعات وتُحكم من قِبل سلطات منتخبة، يُعرِب قادة المجتمع المدني عن أن مشاركتهم في صنع القرار الوطني أصبحت أقل، وأنهم أكثر عرضة للشكوك مما كانوا عليه في السنوات السابقة، مع تحول دفة التركيز إلى احتواء التهديدات والتأهب الأمني[16].
ربما يكون دعم المجتمع المدني حساساً سياسياً، ويشير مسؤولون في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، بصورة غير معلنة[17]. بينما يحث قادة المجتمع المدني في غرب إفريقيا الاتحاد الأوروبي على الجرأة في توظيف التعاون الإنمائي كأداة قوة ناعمة إستراتيجية. ويقترحون تحقيق ذلك بواسطة ربط المساعدات التنموية التي تطلبها الدول بشروط، لتصبح حزمة واحدة تشمل البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة والوظائف– وأيضاً دعم المجتمع المدني والإعلام. وفي الوقت الذي تدرس فيه الحكومة في مالي مشروع قانون يقضي بفرض ضريبة بنسبة 10٪ على جميع تمويلات التنمية، قد يدخل المانحون الذين يفرضون شروطهم الخاصة في هذه المفاوضات[18].
يُقرّ النهج المتجدد للاتحاد الأوروبي بأن توفير الخدمات الأساسية، ولا سيما التعليم والصحة والبنية التحتية، يُعدّ محركاً جوهرياً للتنمية يستلزم المزيد من الاستثمارات. ويتعين منح برامج التعاون الإنمائي الأولوية لتوفير الرعاية الصحية والتعليم، ولا سيما في المناطق الريفية. ونظراً لوجود ملايين الأطفال خارج المدارس بسبب النزاعات، ينبغي إعطاء أولوية خاصة للتعليم في حالات الطوارئ، إذ تبذل منظمات المجتمع المدني المحلية قصارى جهدها لتوفير هذا النوع من التعليم، من خلال توظيف معلمين يستخدمون اللغات المحلية لإعادة دمج الطلاب في نظام التعليم الرسمي.
وثمة حاجة ملحة أيضاً إلى التواصل مع المجتمعات الريفية وإيصال أصوات الجهات الفاعلة التي تعمل بمفردها على أرض الواقع. ومع ذلك، تواجه العديد من منظمات المجتمع المدني الريفية عقبات تتمثل في المتطلبات المؤسسية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي للشراكة، خاصةً ما يتعلق بإجراءات التسجيل وأنظمة المحاسبة المالية الصارمة؛ لذا قد ينظر الاتحاد الأوروبي في إمكانية تخفيف بعض هذه الأعباء البيروقراطية.
▪ سيادة البيانات:
من المتوقع أن تؤدي عمليات جمع البيانات ودمجها وإدارتها دوراً محورياً في قطاعات رئيسية، تشمل تتبُّع مسار السلع عبر الحدود، وأنظمة الإنذار المبكر، وتقديم خدمات الرعاية الصحية، والضرائب، وبطاقات الهوية وجوازات السفر البيومترية. ولكن، تفتقر المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني إلى الخبرة والقدرات اللازمة، مما يعزز الاعتماد على جهات خارجية. فعلى سبيل المثال، اعتمدت كلٌّ من مالي وبوركينا فاسو على شركة «إيديميا» Idemia الفرنسية لإدارة مراكز البيانات البيومترية بهدف تحديث بطاقات الهوية. وفي عام 2023م، اتهمت السلطات في مالي الشركة برفض نقل البيانات من نظام جوازات السفر الوطني إثر نشوب خلافات بين الطرفين[19]. ومنذ ذلك الحين، تم التعاقد مع شركة «إمبتك» EMPTECH الصينية لتصميم وتوريد جواز السفر الإلكتروني الجديد الخاص بدول تحالف الساحل[20].
يمكن للاتحاد الأوروبي المساعدة في بناء المهارات وتعزيز نقل التكنولوجيا من خلال دعم بناء القدرات المؤسسية وتوفير برامج تدريبية للمجتمع المدني تركز على مفهوم سيادة البيانات. ومن شأن ذلك أن يدعم الدول لمواكبة التحول العالمي الراهن في مجال إدارة البيانات، كما سيدعم جهود دول «تحالف الساحل» من أجل تحقيق الاستقلال الإستراتيجي بصورة ملموسة.
ختاماً:
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى ترسيخ موطئ قدم جديد له في منطقة وسط الساحل في ظل مرحلة تتسم باضطرابات عميقة. ورغم استمرار السلطات والمجتمع المدني في النظر إلى انخراط الاتحاد الأوروبي في المنطقة باعتباره أحد المكاسب التي يجب استغلالها، فإنهم يسعون لإعادة التفاوض بشأن بعض شروط هذا الانخراط، بما يخدم الأهداف السياساتية الإقليمية والأوروبية على حدٍّ سواء.
ـــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
* مؤسسة Friedrich Ebert Stiftung: أقدم مؤسسة سياسية ألمانية غير هادفة للربح، تأسست عام 1925م وتستلهم أهدافها من قيم الديمقراطية الاجتماعية، وتعمل على تشجيع ودعم الوعي الديمقراطي في جميع أنحاء العالم.
[1] في نوفمبر ٢٠٢٥م، صادق عليه مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي.
https://data.consilium.europa.eu/doc/document/ST-14296-2025-INIT/en/pdf
[2] في السنوات الأخيرة، تزايد عدد المؤسسات التي تهدف إلى تحسين التعاون الأمني، بما في ذلك مبادرة أكرا، ومجموعة دول الساحل الخمس، وقوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات، وعملية نواكشوط، واللجنة العملياتية المشتركة للدول الكبرى، ووحدة الاندماج والاتصال، والمركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب، وقوة التدخل السريع التابعة للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، إلا أن هذه المؤسسات لم تحقق سوى نتائج محدودة، وإلى جانب كثرة المبادرات المتداخلة في كثير من الأحيان، قلصت الخلافات السياسية والقصور المالي والتبعية من إمكاناتها بشكل ملحوظ.
[3] يُعدّ تضافر جهود الدول الإفريقية في شراء مستلزمات مكافحة فيروس كورونا لمواجهة الجائحة- بقيادة الاتحاد الإفريقي- سابقة لها وزنها.
[4] وثيقة مشتركة بين هيئة العمل الخارجي الأوروبي EEAS والمفوضية الأوروبية بعنوان «نهج متجدد للاتحاد الأوروبي تجاه منطقة الساحل».
https://data.consilium.europa.eu/doc/document/ST-14296-2025-INIT/en/pdf
[5] على الرغم من الموقف الرسمي، تفيد التقارير بأن السلطات تتفاوض أحياناً مع الجماعات المتمردة، كما حدث في مالي في مارس 2026م عندما أُطلق سراح أكثر من 100 سجين في إطار اتفاق لوقف الهجمات على قوافل الوقود. انظر: «إطلاق سراح سجناء يؤمن هدنة لقوافل الوقود في مالي»، Africa News، 23 مارس 2026م.
[6] قامت كل من وكالة التنمية الاقتصادية الدنماركية DANEDA، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي PNUD، ومؤسسة هانز-زيدل، ومنظمة فولك برنادوت، والنرويج، وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي MINUSMA، بتنفيذ مشاريع توقفت فجأة.
[7] كان انهيار السياسة الخارجية النسوية في تلك البلدان يحدث في الوقت نفسه.
[8] Ornella Moderan, Virility politics in the Sahel, ISPI, 12 February 2026,
https://www.ispionline.it/en/publication/virility-politics-in-the-sahel-230031
[9] تجمع اللغة المستخدمة في وثيقة «النهج الجديد» بوضوح بين ديناميكيتين مختلفتين تماماً: «إن الاتجاه السائد للهجرة غير النظامية والتشريد القسري للمدنيين، الذي يعزى في الغالب إلى انعدام الأمن، وضعف سيادة القانون، وتغير المناخ، ونقص الفرص الاقتصادية، والتنافس على الموارد، يؤدي إلى عدم الاستقرار ويضع آفاق التنمية تحت الضغط».
[10] See for instance Managing Trafficking in Northern Niger, International Crisis Group, 6 Jan 2020., Andrei Popoviciu and José Bautista, “How an EU-funded security force helped Senegal crush democracy protests”, AJ English, 29 Feb 2024., Wolfram Lacher and Jerome Tubiana, “The extortion state: how the EU helps Libya to turn migrants into cash”, Le Monde diplomatique, September 2025.
[11] Interviews, December 2025.
[12] انظر: الرسم البياني التوضيحي: كيف صوّتت الدول الإفريقية بشأن روسيا وأوكرانيا في الأمم المتحدة؟ (تم التحديث في فبراير 2023م)، على الرابط:
https://developmentreimagined.com/africanvotesonukraine
[13] في فبراير 2025م، أطلقت مالي والسنغال رسمياً دوريات عسكرية مشتركة لتأمين المنطقة الحدودية.
[14] في عام 2025م، قدّرت السنغال أن ديونها بلغت 120% من الناتج المحلي الإجمالي.
“Senegal’s crisis: why debt restructuring may be the least bad option”, The Conversation, 16 March 2026, https://theconversation.com/senegals-crisis-why-debt-restructuring-may-be-the-least-bad-option-276663
[15] اتفاقية الاتحاد الإفريقي بشأن التعاون عبر الحدود (اتفاقية نيامي).
[16] Interviews, 2026.
[17] Interviews, 2025.
[18] Communiqué du conseil des ministres, Republic of Mali, 4 March 2026.
[19] “Mali shifts passport production from France to China’s EMPTECH”, APA News, 17 October 2025.
[20] Ibid.
رابط الموضوع:
https://collections.fes.de/publikationen/content/titleinfo/1974680











































