ترجمة*: أ.د. عمر عبد الفتاح
أستاذ بقسم اللغات الإفريقية، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة
لا يمكن فهم الأزمة السياسية في إثيوبيا من خلال رصد الصراعات الدائرة بين التنظيمات السياسية المتنافسة فحسب؛ فخلف هذه النزاعات المباشرة تكمن مشكلة أعمق وأكثر رسوخاً، وهي التصور القائل بأن السلطة السياسية، والهوية الوطنية، ومؤسسات الدولة ترتبط- بشكل متكرر- بمصالح وثقافة جماعة عرقية بعينها. وسواء كانت هذه الهيمنة موجودة بالفعل وبشكل مطلق أم لا، فهذا أمر يظل محل جدل تاريخي وسياسي.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن التصورات حول وجود هيمنة ثقافية وسياسية كانت قوية وفاعلة بما يكفي لتشكيل مسارات التعبئة السياسية، والتمرد، وهيكلة المؤسسات، والمحاولات المتكررة لإعادة صياغة وتشكيل الدولة الإثيوبية.
وقد أُطلق على هذه الظاهرة مصطلح «تصور الهيمنة الثقافية المتكررة». ولا يعني هذا المصطلح أن هناك جماعة عرقية بأكملها تسعى جماعياً للسيطرة على إثيوبيا، كما لا يعني أيضاً أن كل فرد ينتمي إلى تلك الجماعة العرقية يستفيد بشكلٍ متساوٍ من السلطة السياسية.
بل إن هذا المصطلح يصف حالة سياسية يُنظر فيها إلى الدولة- سواء كان ذلك عن حق أم لا- على أنها تعكس تاريخ أو لغة أو ثقافة أو مصالح أو طموحات سياسية لجماعة واحدة دون غيرها. وبمجرد أن يتجذر هذا التصور، تتحول المظالم السياسية إلى مظالم عرقية، وتتحول المظالم العرقية إلى حركات سياسية، وقد تتطور هذه الحركات في نهاية المطاف إلى صراعات مسلحة.
المحتويات
من المركزية الإمبراطورية إلى القومية الثورية
خلال عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، اتسمت الدولة الإثيوبية بالمركزية الشديدة، حيث اعتُمدت اللغة الأمهرية لغةً رسميةً للإدارة الإمبراطورية، وعمل النظام السياسي آنذاك على تعزيز مفهوم قوي للوحدة الوطنية الإثيوبية يتمحور حول دولة مركزية. ومع مرور الوقت، بدأ قطاع واسع من السكان يربط هذا النظام السياسي بهيمنة ثقافية وسياسية لقومية «الأمهرا» Amhara.
وفي وقتٍ لاحق، جاء الدستور الإثيوبي لعام 1995م ليُقدّم نموذجاً مختلفاً؛ إذ نصت المادة الخامسة منه على الاعتراف بجميع اللغات الإثيوبية على قدم المساواة من قِبل الدولة، مع الإبقاء على اللغة الأمهرية باعتبارها لغةً للعمل Working Language في الحكومة الفيدرالية.
ومن الأهمية بمكان هنا التمييز بين شخص الإمبراطور وبين هذا التصور العام؛ فالسلالة التي ينتمي إليها هيلا سيلاسي ذات خلفية تاريخية وعرقية معقدة، واختزال النظام الإمبراطوري في مجموعة عرقية واحدة يُعدّ تبسيطاً مخلاً للتاريخ الإثيوبي.
ومع ذلك، ظل الاعتقاد بأن النظام السياسي يخدم مصالح جماعة «الأمهرا» بشكل خاص عنصراً جوهرياً في تشكّل المعارضة ضد الدولة الإمبراطورية. ولم تقتصر النتيجة على مجرد توجيه الانتقادات للإمبراطور؛ فقد تصاعدت في مختلف أنحاء إثيوبيا مطالبُ حركاتٍ سياسيةٍ تدعو إلى اعترافٍ أكبر بالخصوصيات الإقليمية واللغوية والثقافية والسياسية.
كما عملت الحركات الطلابية وحركات التحرر القائمة على أُسسٍ عرقيةٍ على تقويض شرعية الهيكل السياسي الإمبراطوري. وبحلول أوائل سبعينيات القرن العشرين، واجه النظام الإمبراطوري ضغوطاً اقتصاديةً وسياسيةً واجتماعيةً حادة. غير أن سقوط الحكومة الإمبراطورية لم يُفضِ إلى حل «المسألة القومية» الكامنة، بل أدى، في جوانب كثيرة، إلى نقل الصراع إلى ساحة معركة سياسية جديدة.
نظام «الديرج»: تغيير الحكومة دون حل المشكلة
سعى نظام «الديرج» إلى استبدال الهياكل السياسية الإمبراطورية بدولة اشتراكية ثورية. فألغى الملكية، وأقرَّ شعار «الأرض لمن يزرعها» منهياً بذلك النظام الإقطاعي، كما تبنّى أيديولوجية سياسية مختلفة جذرياً تحت راية الاشتراكية التي رفعت شعار «إثيوبيا تِقْدِم» (إثيوبيا أولاً). ومع ذلك، فإن تغيير أيديولوجية الحكومة لم يضع حدّاً للمسألة القومية في إثيوبيا.
وخلال فترة حكم «الديرج» التي امتدت لسبعة عشر عاماً، استمرت في النمو حركات مسلحة تمثل مكونات عرقية وإقليمية متنوعة. فقد واجهت الحكومة العسكرية تحديات من جهات عدة، تمثلت في حركات مثل «جبهة تحرير شعب تيغراي» TPLF، و«الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا» EPLF، و«جبهة تحرير أورومو» OLF، و«جبهة تحرير الصومال الغربي (أوجادين)» WSLF، وغيرها. وفي نهاية المطاف، انهار نظام «الديرج» عام 1991م، تاركاً المسألة القومية دون حل.
من نظام سياسي مركزي إلى الفيدرالية العرقية/الإثنية
بعد عام 1991م، شهد مركز السلطة السياسية تحولاً جذرياً؛ إذ أصبحت «جبهة تحرير شعب تيغراي» TPLF القوة السياسية المهيمنة داخل «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية» EPRDF- وهو الائتلاف الذي حكم إثيوبيا حتى عام 2018م.
وقد رسخ النظام السياسي الجديد «الفيدرالية العرقية/الإثنية» من خلال دستور عام 1995م، حيث اعترف الإطار الدستوري بـ«الأمم والقوميات والشعوب» باعتبارها كياناتٍ سياسيةً فاعلة، ومنحها حقوقاً واسعةً في الحكم الذاتي، شملت حقوقاً تتعلق باللغة والثقافة والتمثيل النيابي وتقرير المصير.
وقد مثّل هذا الأمر تحولاً جوهرياً في الدولة الإثيوبية، لكنه أوجد في الوقت ذاته مفارقة؛ إذ إن نظاماً صُمّم- جزئياً- لمعالجة الهيمنة التاريخية لجماعة معينة وتوفير الحكم الذاتي، انتهى به المطاف ليصبح مرتبطاً بشكل آخر من أشكال الهيمنة العرقية والسياسية.
فقد كان التحالف الحاكم تحت اسم «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية» EPRDF يتألف رسمياً من أحزاب متعددة، لكن «جبهة تحرير شعب تيغراي» TPLF هي التي قادته فعلياً طوال معظم فترة وجوده في السلطة. وهكذا، عمل النظام الفيدرالي في آنٍ واحد على توسيع الاعتراف بالمكونات العرقية، وترسيخ العرقية كركيزة أساسية تنظم التنافس السياسي.
ونتيجةً لذلك، تغيرت طبيعة التصور السائد حول الهيمنة، فلم تعد المظلمة السياسية المركزية تقتصر على كون الدولة الإثيوبية تُعبّر عن الثقافة الأمهرية فحسب، بل بدأ المحللون يجادلون بأن النظام السياسي أصبح خاضعاً- بشكل غير متناسب- لسيطرة مؤسسة سياسية يقودها التيغراي.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المكون العرقي والنخبة السياسية، فملايين التيغراي لم يكونوا أعضاء في «جبهة تحرير شعب تيغراي»، ولم يسيطروا على الحكومة، ولم يستفيدوا بالضرورة بشكلٍ متساوٍ من النظام السياسي. ومع ذلك، ارتبطت السلطة السياسية ارتباطاً وثيقاً بـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» وقيادات من التيغراي، لدرجة أن الحدود الفاصلة بين التنظيم السياسي والمكون العرقي تلاشت تدريجياً في الخطاب العام؛ وهو تلاشٍ كان بحد ذاته أمراً خطيراً.
أزمة (2015–2018م).. حين بلغ النظام حدوده القصوى
بدءاً من عام 2015م، دخلت إثيوبيا مرحلة جديدة من الاضطرابات السياسية التي أشعل فتيلها «المخطط الرئيسي» Master Plan الذي تم تصميمه لمدينة أديس أبابا، حيث اندلعت احتجاجات في إقليم أوروميا، ثم امتدت لاحقاً لتشمل أنحاء البلاد كافةً. وقد عكست هذه الاضطرابات شكاوى ومظالم تتعلق بالأراضي، والحوكمة، والحقوق، وتوزيع السلطة، كما أدت هذه الانتفاضة إلى نشوء انقسامات حادة داخل الائتلاف الحاكم «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية» EPRDF.
وقد أسهمت هذه الاحتجاجات في إحداث تحول سياسي أوصل آبي أحمد إلى منصب رئيس الوزراء في عام 2018م. وقد بادرت حكومته في بداياتها بإطلاق سراح السجناء السياسيين، ورفع حالة الطوارئ، وتقنين حركات معارضة كانت محظورة سابقاً، والسعي نحو فتح المجال أمام النظام السياسي. وبالنسبة للكثير من الإثيوبيين، بدا عام 2018م وكأنه يمثل فرصة ذهبية لكسر الحلقة التاريخية التي تُستبدل فيها مجموعة سياسية بأخرى. لكن هذا التحول سرعان ما اصطدم بالسؤال الهيكلي ذاته الذي ظل بلا حل: من يملك الدولة الإثيوبية؟
مساعي الأورومو والمفهوم الجديد للهيمنة الثقافية
مثّل صعود آبي أحمد تحولاً تاريخياً في المشهد السياسي الإثيوبي، فقد أصبح أول رئيس وزراء للبلاد من قومية الأورومو، وجاء من رحم حركة سياسية اكتسبت زخماً هائلاً من خلال احتجاجات الأورومو.
ومع ذلك، فإن هذه السابقة لا تلغي وجود تفسيرات متضاربة للنظام السياسي الجديد. فقد رأى بعض المحللين أنه خلال عهد آبي أحمد أصبح المركز السياسي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالمصالح والمؤسسات والشبكات السياسية الخاصة بالأورومو. وفي المقابل، يرفض آخرون هذا الطرح، مشيرين إلى أن مشروع الحكومة المعلن يرمي إلى تجاوز السياسات القائمة على العرق، لصالح هوية وطنية إثيوبية جامعة. وتكتسب هذه التفسيرات المتعارضة أهميتها من كونها تُظهر كيف يمكن لتصورات الهيمنة أن تستمر، حتى إن تغيرت هوية القيادة الحاكمة.
لقد قُدِّم المشروع السياسي للحكومة الجديدة باعتباره مسعًى لتجاوز السياسات العرقية، بينما فسّر المعارضون تركز السلطة حول المركز الفيدرالي بطريقة مختلفة. لذا، فإن السؤال التحليلي الجوهري ليس أي التفسيرين هو الأدق، بل لماذا يُنظر إلى السلطة السياسية في إثيوبيا- بكل سهولة- من خلال عدسة عرقية؟
المشكلة الحقيقية أكبر من أي عرق بعينه
وهنا تكمن الحاجة الضرورية إلى النقاش حول إثيوبيا بقدر أكبر من النضج، وذلك لأنه إذا اكتفت إثيوبيا باستبدال جماعة كانت تُعتبر مهيمنة بأخرى، فإنها تخاطر بالبقاء حبيسة الدورة السياسية ذاتها، حيث تتحول الثقافة التي كانت تُعدّ مهيمنة بالأمس إلى ضحية اليوم، وتتحول ضحية اليوم إلى مؤسسة سياسية حاكمة غداً، لتقوم هذه المؤسسة الجديدة بدورها بخلق معارضين لها، سرعان ما يحشدون صفوفهم حول هوية أخرى.
– تتغير الأسماء، لكن الآلية السياسية تظل كما هي:
ولهذا السبب، لا ينبغي في نهاية المطاف تأطير المعضلة الإثيوبية كصراع بين الأمهرا والتيغراي، أو التيغراي والأورومو، أو الأورومو والأمهرا، أو أي توليفة أخرى من الهويات العرقية؛ فمثل هذا الإطار ينطوي على مخاطرة إعادة إنتاج النفسية السياسية التي أسهمت في زعزعة الاستقرار.
إن المشكلة الأعمق تكمن في الربط المتكرر بين سلطة الدولة وسلطة جماعة بعينها. فعندما يعتقد المواطنون أن الوصول إلى السلطة السياسية، أو الفرص الاقتصادية، أو المؤسسات الأمنية، أو الوظائف الحكومية، أو الأراضي، أو الاعتراف باللغة والثقافة، أو حتى المكانة الوطنية، يعتمد على الانتماء إلى جماعة مهيمنة سياسياً؛ فإن العرق يتحول من مجرد «هوية» إلى «إستراتيجية للبقاء».
وعند تلك النقطة، تصبح المنافسة السياسية صراعاً وجودياً. وعندما تصبح المنافسة السياسية مسألة وجودية، يصبح التوصل إلى تسوية أمراً بالغ الصعوبة.
- المأزق السياسي في إثيوبيا:
وهكذا تبدو إثيوبيا عالقة في حلقة سياسية متكررة: تشعر جماعةٌ ما بالإقصاء أو الهيمنة، فتنشأ تعبئة سياسية حول هذه المظلمة، وتسعى هذه التعبئة إلى الحصول على نفوذ أكبر في سلطة الدولة، ثم تكتسب نخبة سياسية جديدة نفوذاً، فيرتبط النظام الجديد بجماعة أو قاعدة اجتماعية معينة، مما يدفع الأطراف المُقصاة إلى التعبئة من جديد؛ وهكذا تستمر الدورة.
وتكمن المسألة الجوهرية فيما إذا كانت إثيوبيا قادرة على كسر هذه الحلقة، أم أنها ستواجه خطر التفكك. ولا يكمن الحل ببساطة في تغيير القيادة، ولا في إعادة توزيع السلطة من نخبة سياسية عرقية إلى أخرى، كما لا يمكن حله بمطالبة المواطنين بالتخلي عن هوياتهم العرقية.
إن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء مؤسسات لا يضطر فيها المواطنون إلى الاستيلاء على الدولة لحماية أنفسهم. وهذا يتطلب نظاماً سياسياً لا تخشى فيه أي جماعة عرقية من الإقصاء السياسي الدائم، ولا تعتقد فيه أي جماعة أن السيطرة على الحكومة الفيدرالية شرطٌ لبقائها.
- تجاوز الثقافة المهيمنة: نحو ملكية سياسية مشتركة:
تحتاج إثيوبيا إلى الانتقال من مفهوم «ملكية الدولة من قِبل جماعة معينة» إلى مفهوم «الملكية المشتركة للدولة». وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء الفيدرالية العرقية بين عشية وضحاها، ولا يعني العودة إلى الدولة شديدة المركزية التي سادت في الماضي؛ فكلا النهجين ينطوي على تبعات تاريخية وسياسية تستوجب نقاشاً صريحاً وعلنياً.
وبدلاً من ذلك، تحتاج إثيوبيا إلى تسوية دستورية وسياسية تجيب عن أسئلة جوهرية عدة، من أهمها:
كيف يمكن للأحزاب السياسية الحقيقية أن تتنافس دون تحويل الهوية العرقية إلى الأداة الرئيسية للتعبئة السياسية؟ وكيف يمكن للمؤسسات الوطنية أن تظل وطنيةً بحق، بدلاً من أن ترتبط بقاعدة سياسية أو اجتماعية بعينها؟ والأهم من ذلك: كيف تضمن إثيوبيا ألّا تعني خسارة الانتخابات فقدان الأمن، أو الحقوق السياسية، أو المستقبل الاقتصادي، أو المكانة الثقافية؟
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية كبيرة تفوق في أهميتها مسألة الخوض في أي الجماعات العرقية كانت تاريخياً الضحية الأكبر أو المستفيد الأكبر.
- مخاطر «شخصنة» الدولة الإثيوبية:
ويثير النقاش السياسي الراهن قضية أخرى، وهي تركز السلطة السياسية في يد قيادة فردية. وينبغي النظر إلى منصب رئيس الوزراء- أو أي منصب تنفيذي آخر- باعتباره مسؤولية عامة تخضع للقانون والمؤسسات والمساءلة. إن معالجة المشكلة التاريخية في إثيوبيا لا ينبغي أن تتم عبر استبدال الهيمنة العرقية بهيمنة شخصية. ولا يمكن لبلد يتسم بالتنوع مثل إثيوبيا أن يعتمد بشكل دائم على النوايا الحسنة لزعيمٍ بعينه؛ إذ ينبغي للمؤسسات أن تكون أقوى من الأفراد. فإذا كان استقرار البلاد مرهوناً بكون الزعيم الحالي تصالحياً أو استبدادياً، أو جامعاً أو إقصائياً، أو ميالاً للمركزية أو للامركزية، فإن المشكلة المؤسسية الجوهرية تظل قائمةً دون حل.
وعليه، لا ينبغي أن يكون الهدف هو العثور على الشخص «المناسب» لحكم إثيوبيا، بل بناء نظامٍ لا يملك فيه أي فردٍ بمفرده سلطة تقرير المصير السياسي للبلاد.

إثيوبيا والحاجة لتسوية سياسية جديدة
وفي ضوء ما سبق، فإن إثيوبيا قد تحتاج إلى تسوية سياسية جديدة؛ تسوية تستفيد من دروس الحقبة الإمبراطورية، وفترة «الديرج»، وحقبة «الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية» EPRDF، والمرحلة الانتقالية التي بدأت عام 2018م، دون أن تكتفي بمجرد تكرار أيٍّ منها.
ويمكن لمثل هذه التسوية أن تصون الحقوق الثقافية واللغوية المشروعة، مع تعزيز مبدأ المواطنة المتساوية. كما يمكنها الاعتراف بالأهمية السياسية للقوميات والإثنيات في إثيوبيا، دون جعل الانتماء العرقي السبيل الوحيد للوصول إلى السلطة السياسية. وبإمكانها أيضاً الحفاظ على الحكم الذاتي للأقاليم مع ترسيخ مؤسسات وطنية قوية، ووضع آليات لتسوية النزاعات قبل تحولها إلى صراعات مسلحة.
كذلك لا ينبغي أن يكون الهدف هو فرض تجانس ثقافي، بل تحقيق المساواة السياسية في ظل التنوع الثقافي. إن إثيوبيا لا تحتاج إلى انتصار ثقافة على أخرى، بل تحتاج إلى نظام سياسي تتعايش فيه الثقافات دون تنافس على الهيمنة المطلقة على الدولة.
ولعل هذا أحد أهم الدروس المستفادة من العقود الستة الماضية، فسقوط النظام الإمبراطوري لم يحل «المسألة القومية» في إثيوبيا، وكذلك لم يحلها سقوط نظام «الديرج»، ولا العقود الثلاثة من «الفيدرالية الإثنية»، ولا حتى المرحلة الانتقالية التي بدأت عام 2018م.
لقد تمثل الخطأ المتكرر في تغيير الجهة التي تسيطر على الدولة، دون حسم الكيفية التي ينبغي أن تُدار بها الدولة ذاتها. وما لم تتم معالجة هذه المسألة، فإن إثيوبيا تظل عرضةً للاستمرار في الدوران ضمن الحلقة التاريخية ذاتها، وإن اختلفت المسميات.
وعليه، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في تحديد أيّ الجماعات التي ينبغي أن تهيمن على إثيوبيا، بل يتمثل هذا التحدي في كيفية بناء إثيوبيا باعتبارها دولةً لا تحتاج فيها أي جماعة إلى الهيمنة كي تشعر بالأمان، وبالتمثيل العادل، وبالاحترام الواجب.
* بيانات العمل الأصلي:
– Beyond Ethnic Supremacy: Breaking Ethiopia’s cycle of perceived cultural dominance
– Addis Standard, October 16, 2026: https://addisstandard.com/?p=60301











































