بدت تصريحات عدد من المشاركين في عملية الحوار الوطني الإثيوبي التي جرت في يوليو- أغسطس في العام الحالي فيما يتعلق بوضع الحوار “أساس لبناء الأمة” كاشفة لمسألة جوهرية للغاية وهي أن الطبيعة الاستعمارية (سواء الداخلية من قبل نخبة الأسرة السليمانية أو قوى الاستعمار الأوروبي الداعمة لها منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى ستينيات القرن الفائت) لتكوين إثيوبيا الحالية لا تزال تطل برأسها في القرن الحادي والعشرون، على الأقل من جهة أن بصماتها لا تزال ماثلة في الأقاليم المهمشة من البلاد سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
والدولة التي تتباهي نخبتها الحاكمة (بتنوع أيديولوجياتها) بكونها نموذجًا أفريقيًا فريدًا في مجابهة الاستعمار وتحديه وتاريخها الممتد كدولة عريقة تجسد الحالة المثلى للدولة الأفريقية “جنوب الصحراء”، يلاحظ أنها لا تزال تبحث عن عملية وضع أسس البناء وتحقيق اندماج وطني حقيقي –هذه المرة ربما- يبدأ للمفارقة بالدعوة لإلغاء المادة 39 من دستور العام 1994 (الذي وصف دومًا بالدستور المؤقت، مما يكشف عمق الأزمة الدستورية الحقيقية في إثيوبيا) التي تتيح لأقاليم الدولة المطالبة بالانفصال بموجب مبدأ حق تقرير المصير للقوميات المكونة للدولة الإثيوبية.
ومع تعرية مطالب الحوار الوطني لحقيقة “الدولة” في إثيوبيا فإنها تعزز في الإجمال سلطات رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد مستقبلًا بطرحها (مجددًا في واقع الأمر) خيار تبني النظام الرئاسي في البلاد لمدة ستة أعوام على أن تكون الحدود القصوى لتولي المنصب فترتين متعاقبتين، وهي الخطوة التي يتوقع أن تتحقق بالفعل في ظل حكومة آبي أحمد الحالية، والتي تنتهي ولايتها في العام 2030، ومن ثم تفتح الباب الملكي أمام صعود آبي أحمد رئيسًا للبلاد بسلطات دستورية شبه مطلقة.
في هذا المقال:
مخرجات الحوار الوطني الإثيوبي: ما الجديد؟
أعلنت مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي (22 أغسطس الجاري) اختتام مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي، الذي بدأ رسميًا في 15 يوليو الفائت، بنجاح بعد أسابيع من المداولات بشأن قضايا وطنية أساسية.
وكان أربعة آلاف مشارك بالحوار قد ناقشوا، حسب إعلان نائب رئيس المفوضية هيروت جوبر سيلاسي الختامي للمؤتمر، ثمانية قضايا وطنية رئيسة “في هذا التجمع التاريخي”، وأن هذه المناقشات اتسمت بالاستفاضة والتوسع، تلتها توصيات استهدفت جميعها معالجة “الاختلافات والتحديات القائمة منذ أمد وكانت تواجه البلاد”، وتم رفع هذه التوصيات للمفوضية. وتوصل المشاركون لاتفاق حول بعض القضايا بشكل يسير نسبيًا حسب ملاحظة سيلاسي، بينما تطلب بعضها مداولات موسعة وحادة.
وبالرغم من الاختلافات في وجهات النظر تم التوصل في نهاية المطاف للإجماع بخصوص أغلب بنود أجندة الحوار. ولفتت سيلاسي، في إشارة مهمة، إلى متابعة المفوضية لهذه المداولات عن كثب مؤكدة أنها جرت في جو من الاستماع والاحترام والتسامح المتبادل.
وتمثلت هذه القضايا الأساسية في:
- بناء الأمة
التي تشمل قضايا الهوية والملكية الوطنية، وسبل تعزيز هوية وقيم وطنية مشتركة، وتناول المسائل المتعلقة باللغة والحفاظ على الثقافة والتاريخ والتراث ومسائل أخرى ذات صلة.
- بناء الدولة وشكل الحكم والنظام السياسي والتمثيل السياسي والنظم الانتخابية
وتركز هذه الركيزة على قضايا بناء الدولة وشكلها، أنماط بناء الدولة ونظام الحكم System of Governance، وحق تقرير المصير.
- أوضاع المدن الفيدرالية
وتتعلق بطرق عمل أديس أبابا ودير داوا باتعبارهما المدينتين الفيدراليتين في إثيوبيا.
- الشؤون الدينية والشكاوى التاريخية والمصالحة
وتركز بالأساس على مسألتي العلمانية والحرية الدينية، وما تصفه الأجندة “بالحفاظ على توازن صحي بين العلمانية وحرية (اعتناق) الأديان”، والحرية الدينية وقيودها الدستورية.
- البناء المؤسساتي وحكم القانون وحقوق الإنسان
وتتناول هذه الركيزة مسائل حقوق الإنسان، والأطر الدستورية والقانونية اللازمة لحماية هذه الحقوق.
- القضايا السوسيو-اقتصادية وقضايا الفلاحين والرعاة
التي تركز على إدارة الموارد والتوزيع العادل للسلطة، وملكية الأراضي الزراعية، والإجماع الوطني والتمثيل والحكومة الشاملة.
- الفساد والحكم الرشيد
وتُعنى بتحديات الحكم الرشيد؛ وبناء نظم مناهضة للفساد.
- بناء السلام
التي تعالج الأسباب الجذرية للصراع وسبل التسوية؛ والقضايا المتعلقة بالصراعات والفاعلين/ المجموعات المسلحة، وأسس السلام المستدام، وديناميات تسوية الصراعات التقليدية.
وأبرزها الاعتراف بالمشكلة، وتقوية سبل حلها والتكامل مع النظم الحديثة.؛ ومسائل المصالحة والعفو؛ وافتاقات وقف إطلاق النار والسلام، والعدالة الانتقالية، ودور المؤسسات الدينية في عملية بناء السلام.
- نظام الحكم
وكان الاتفاق الأبرز الذي أشارت له سيلاسي، وحظي في الوقت نفسه بأكبر اهتمام إعلامي محلي ودولي، متمثلًا جوهريًا في القضية الثانية المتصلة ببناء الدولة وشكل الحكم، حيث أجمع المشاركون على فكرة التحول للنظام الرئاسي على أن تكون مدة الرئيس المنتخب ستة أعوام قابلة للتمديد مرة واحدة فقط (12 عامًا متصلة).
- إلغاء حق تقرير المصير
وكذلك إلغاء فكرة “حق تقرير المصير” للأقاليم الإثيوبية مستقبلًا، وتعزيز مسار التخلي عن الفيدرالية تدريجيًا لصالح تعزيز عمل حكومة مركزية تمد سلطات كاملة على كافة أقاليم إثيوبيا.

نحو (إعادة) بناء أمة إثيوبية؟
لكن على أهمية هذه المخرجات، وما تعنيه لمستقبل إثيوبيا وإقليم القرن الأفريقي بأكمله، فإن سيلاسي أشارت إلى أن الحوار الوطني برمته “يخلق فرصة للإثيوبيين من مختلف الخلفيات والرؤى المتنوعة للاستماع على بعضهم البعض، وتبادل الأفكار، وبناء العلاقات وتطوير فهم أكبر لتحديات البلاد والسبل الممكنة للمضي قدمًا إلى الأمام”، وأنه فصل هام في تاريخ إثيوبيا ويظهر قدرتها على مواجهة الاختلافات والقضايا الوطنية الممتدة عبر الحوار.
وتكشف هذه الخلاصة، ومضون الحوار نفسه، عن وضع يثير التساؤلات عن جدية تماسك الدولة الإثيوبية نفسها بالأساس، واضطراب سرديتها التاريخية بالفرادة والتميز في العالم الأفريقي.
لاسيما عندما نضيف لها ادعاءات ومطالب راهنة لاستعادة “الموانئ التي اقتطعت من إثيوبيا” (في إشارة مباشرة لإريتريا التي استقلت عن إثيوبيا في العام 1993).
وتتجاهل حقيقة التكوين الاستعماري للدولة الإثيوبية الحديثة انطلاقًا من الهضبة الحبشية “المعزولة تاريخيًا”، وضمها الأقاليم الحالية في الدولة عبر عمليات استعمارية منهجية كما في حالة مستعمرة إريتريا التركية ثم “الإيطالية”، وصولًا لضم إقليم الأوجادين الصومالي بالمخالفة للترتيبات الدولية وباتفاق خاص مع بريطانيا خارج مظلة الأمم المتحدة في منتصف القرن الماضي).
لتبدو إثيوبيا في الحالة الراهنة دولة لا تزال تبحث عن خريطة حدودها السياسية “النهائية”، كوسيلة لتحقيق وحدة داخلية بالغة الهشاشة بين مكونات لديها تواريخ حافلة من الصراع الأهلي والقمع الذي راح ضحيته ملايين الأفراد على مدار قرنين تقريبًا.
وحسب ملاحظة أحد مسبري الحوار (Addis Standard, August 24) فإن الحوار شهد عرض وجهات نظر متابينة من قبل الحكومة وقوى المعارضة تعبر عن “مصالح جماعاتهم الإثنية”، وأن جماعات منهم تشعر أن مصالحها تلك مهددة (في إشارة ربما للأورومو والأمهرا والتيجراي على وجه الخصوص)، وأنه اتضح خلال الحوار صعوبة الحفاظ على حياد إثني كامل حتى وسط المنتمون للمعسكر الإثيوبياني pan-Ethiopianist camp
كما تغيرت مواقف بعض المشاركين بشكل ملفت كلما تعلقت المسألة بالجوانب الإثنية، كما ظهر التحيز الإثني لدى عدد من المشاركين على خلفية دينية بالأساس.
ومن ثم تظل الإثنية، حسب ملاحظة عضو عملية الحوار، الخط السياسي المهيمن على الحوار الوطني الإثيوبي. اخذًا في الاعتبار حقيقة تُغيب عن الميديا والطرح الحالي بشكل ملفت، ألا وهي مقاطعة الكثير من الجماعات السياسية الكبرى (خارج مظلة حكومة آبي أحمد) لعملية الحوار استنادًا أيضًا للانتماءات الإثنية.
ويكشف جانب ثان عن تعقيد عملية (إعادة) بناء الأمة الإثيوبية، وفي ضوء هشاشة الوضع الإثيوبي الحالي (إرهاصات حرب في التيجراي وامهرا، والأزمة المستحكمة في أكبر أقاليم البلاد أوروميا منذ العام 2015 دون تسوية تذكر على سبيل المثال)، ألا وهو جانب الاهتمام المفرط بالمسألة الدينية في مجريات الحوار، إذ ظهرت المخاوف المتعلقة بالمسألة في جميع قضايا الحوار الثمانية.
وبدا واضحًا وجود حالة مستدامة من التنافس المسيحي الأرثوذوكسي- الإسلامي زادها تعقيدًا الصعود السياسي الملحوظ للجماعات البروتستانتية التي ينتمي لإحداها رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد. وبدا خلال الحوار التداخل المتقطع للجانبين الإثني والديني في المسألة السياسية، وما يعنيه ذلك، إلى جانب عوامل أخرى لا يتسع لها المقام هنا، من تعقيدات عملية (إعادة) بناء الدولة الراهنة والمستقبلية.
الحوار الوطني وصناعة الإمبراطور؟
ثمة ملاحظة أولية هنا حري بنا لفت النظر إليها وهي أن فكرة عقد الحوار الوطني ظلت بندًا محتملًا منذ وصول آبي أحمد لرئاسة حكومة البلاد في العام 2018، وكان الهدف المعلن دائما لهذه الفكرة هي تحقيق الإجماع الوطني على قضايا خلافية.
وظلت الفكرة مؤجلة عامًا بعد آخر وسط تغول منهجي لسلطة آبي أحمد على كافة مفاصل الدولة. وقد كان مفترضًا إطلاق الحوار الوطني في العام 2025 قبل تأجيله مرة أخرى ليعقد في يوليو- أغسطس 2026، أو بعد أسابيع قليلة من تأمين آبي أحمد وحزب الازدهار الحاكم أغلبية مريحة في انتخابات يونيو 2026.
ليصبح الحوار في حقيقته، في ضوء توقيت عقده وما نص عليه من إلغاء المطالبة بتقرير المصير وتبني النظام الرئاسي، من أهم أدوات تسويغ تمديد حكم آبي أحمد فيما بعد فترة رئاسته الحالية لحكمه.
وبواجه نظام آبي أحمد حاليًا عددًا من المشكلات الداخلية والملفات الخارجية التي لا تخلو من تعقيدات وتهديدات رغم تحالفاته الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات التي تمثل رافعة قوية لاستمراره بغض النظر عن تكلفة سياساته الداخلية والخارجية على دول الجوار، ومن ثم يبدو أن التوجه الحالي لتهيئة دستورية جزئية مخصصة لتولي آبي أحمد رئاسة البلاد بعد العام 2030 هو الغاية الرئيسة للحوار الوطني الإثيوبي.
وعلى سبيل المثال فإن مستويات التصعيد الحالية في إقليم التيجراي (والتي قادت قبل أيام لإلغاء الاحتفالات بعيد مريم العذراء للمرة الأولى منذ نهاية الحرب في الإقليم في العام 2022) تؤشر إلى حرب محتملة بشكل كبير ، ستؤثر بقوة على خطط التعافي السياسي وسلمية موقع إقليم التيجراي في الدولة الإثيوبية.
كما قد تؤدي –حسب تقرير مهم لراديو فرنسا الدولي (14 أغسطس 2026) إلى حرب إقليمية أوسع نطاقًا قد تنخرط فيها السودان وجيبوتي إلى جانب إريتريا. كما صعدت قوات فانو في إقليم المهرة حملتها ضد حكومة آبي أحمد معلنة (The Africa Report, August 21, 2026) أن هدفها الرئيس هو التخلص من نظام آبي أحمد.
الأمر الذي يبلور حجم التحديات ضد نظام آبي أحمد في أهم ثلاثة أقاليم في البلاد من جهة السكان والثقافة والقوة العسكرية والسياسية (أوروميا، الأمهرا، والتيجراي)، ويكشف من وجه آخر عن خطة عمل آبي أحمد لبناء عهده الإمبراطوري، الذي طالما لمح له في أفكار الإثيوبيانية كما يتصورها.
ويبدو من هذه القراءة السريعة أن مخرجات الحوار الوطني الإثيوبي، الذي وصف بالمنصة المبدئية لعملية سياسية مستقبلية في إثيوبيا، لا تعني في المقام الول بتحقيق مصالحة وطنية شاملة، بل في إعادة ترتيب الأوضاع السياسية والاجتماعية في إثيوبيا لتقبل فكرة صعود آبي أحمد في سلم السلطة وإعادة مستترة لنمط الحكم الإمبراطوري التقليدي في إثيوبيا.
ويعزز ذلك أن هدف (إعادة) بناء الأمة الإثيوبية يظل ذو دلالة سلبية على بنية الدولة الحالية وطبيعتها كبناء “كولونيالي” داخلي (على أقل تقدير، وفي ضوء أية قراءة تاريخية موضوعية لتكون هذه الدولة كما قدمها عدد من المؤرخين الإثيوبيين بالفعل في عقود سابقة)، وكاشفًا عن حدود طموح آبي أحمد في صياغة مستقبل دولة كبيرة ومهمة بحجم إثيوبيا وفق متطلبات زعامته ومشروعه الشخصي كفرد يقود أمة، أو رجل إثيوبيا العظيم في القرن الحالي.؛ مما يمكن معه قراءة الحوار الوطني الإثيوبي من زاوية أخرى.










































