رفعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الجمعة، العقوبات المفروضة على إريتريا، تحديدًا قوات الدفاع وكيانات أخرى في البلاد، في خطوة قد تفتح الباب أمام تحسن العلاقات بين واشنطن وأسمرة، في ظل تزايد الاهتمام الأمريكي بأمن الملاحة في البحر الأحمر وموقع إريتريا الاستراتيجي على أحد أهم طرق التجارة العالمية.
رفع العقوبات عن إريتريا
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية القرار في إشعار نشرته على موقعها الإلكتروني، في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا انعكس على حركة الملاحة وإمدادات الطاقة، وأعاد التركيز إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب باعتبارهما ممرين رئيسيين بين آسيا وأوروبا.
وكانت إدارة الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن قد فرضت عام 2021 عقوبات على الحزب الحاكم والجيش الإريتري ومسؤولين كبار، على خلفية مشاركة القوات الإريترية في الحرب التي اندلعت في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، ودعمها القوات الإثيوبية في مواجهة السلطات المحلية هناك.
في هذا التقرير
البحر الأحمر والحسابات الأمريكية
يتزامن القرار مع تصاعد أهمية البحر الأحمر في الحسابات الأمنية الأمريكية، مع التهديدات التي تواجه حركة السفن في المنطقة والتوترات المرتبطة بالممرات البحرية في الشرق الأوسط.
وتقع إريتريا على الساحل الغربي للبحر الأحمر، مقابل السعودية، وتمتد سواحلها لمسافة طويلة على واحد من أهم الممرات البحرية الدولية.
وتربط منطقة البحر الأحمر بين البحر المتوسط وآسيا عبر قناة السويس، بينما يمثل مضيق باب المندب نقطة العبور الرئيسية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
وقد أدى اضطراب حركة الملاحة في المنطقة خلال الآونة الأخيرة إلى زيادة الاهتمام الدولي بالدول المطلة على هذه الممرات.
وحسب مراقبين، دفع إغلاق مضيق هرمز إلى جعل البحر الأحمر منطقة أكثر أهمية، مما يعزز التوجه الأمريكي الجديدة نحو زيادة الاهتمام بدول المنطقة.
وتواجه منطقة القرن الإفريقي في الوقت ذاته مجموعة من الأزمات، بينها الحرب في السودان، والتوترات السياسية والأمنية في الصومال، والخلافات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا، علاوة على تزايد الأزمات السياسية والأمنية داخل إثيوبيا، ومساعيها في الوصول البحري؛ ما يجعل أي تغير في العلاقات بين واشنطن وأسمرة مرتبطًا بهذا السياق الإقليمي المعقد والمتشابك.
رسالة إلى إثيوبيا
لا يقتصر القرار الأمريكي على البعد البحري، إذ يتصل أيضًا بالعلاقات المتوترة بين إريتريا وإثيوبيا؛ فقد خاض البلدان قرابة العقدين من حالة “اللاحرب واللا سلم” قبل التوصل إلى اتفاق سلام عام 2018، لكن العلاقات شهدت توترًا جديدًا بعد انتهاء الحرب في تيغراي (2020: 2022).
وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في مناسبات عدة أن بلاده، باعتبارها دولة حبيسة، تحتاج إلى الوصول إلى البحر، وقد أثارت هذه التصريحات مخاوف في أسمرة ودول الجوار الإثيوبي وقوى إقليمية أخرى، التي اعتبرتها تهديدًا لأمن وسيادة دول المنطقة، كان على رأسها امتلاك إريتريا منيائي عصب ومصوع الاستراتيجيين على البحر الأحمر.
ووفق مذكرة حكومية أمريكية، أبلغت واشنطن إثيوبيا مرارًا بمعارضتها أي محاولة للاستحواذ على منفذ بحري بالقوة، كما حذرت أديس أبابا وأسمرة من الأدوار التي يمكن أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في أراضي الطرف الآخر.
وبناء على ذلك، يمكن النظر إلى رفع العقوبات الأمريكية على إريتريا باعتباره يحمل رسالة إلى إثيوبيا مفادها أن الولايات المتحدة لا تؤيد استخدام القوة لتأمين الوصول إلى البحر، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى الحد من احتمالات اندلاع مواجهة جديدة بين البلدين.
اتصالات أمريكية مع أسمرة
تشير المعطيات المرتبطة بالقرار الأمريكي الجديد، إلى وجود اتصالات أمريكية متزايدة مع الحكومة الإريترية، تعززها تقارير بأن المبعوث الأمريكي إلى إفريقيا مسعد بولس عقد لقاءات مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ووزير الخارجية عثمان صالح محمد، في إطار اتصالات شاركت مصر في تسهيلها.
ويأتي الانفتاح الأمريكي المحتمل على أسمرة في ظل حاجة واشنطن إلى التعامل مع واقع أمني متغير في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث تتقاطع المصالح المتعلقة بالملاحة والتجارة والأمن الإقليمي.
ويُنظر إلى موقع إريتريا الجغرافي باعتباره أحد عناصر الاهتمام الأمريكي، إذ تشرف البلاد على جزء واسع من الساحل الغربي للبحر الأحمر، بالقرب من باب المندب ومسارات الملاحة المتجهة من المحيط الهندي إلى قناة السويس.
لكن رفع العقوبات لا يعني بالضرورة تحولاً شاملاً في السياسة الأمريكية تجاه الحكومة الإريترية، إذ ظلت قضايا حقوق الإنسان والحريات السياسية من الملفات التي تؤثر على العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية.

إرث العقوبات وحقوق الإنسان
كانت إدارة الرئيس بايدن قد فرضت عقوبات عام 2021 على قوات الدفاع الإريترية والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، الحزب السياسي الحاكم، إلى جانب رئيس مكتب الأمن القومي الإريتري ومسؤولين آخرين، بسبب الدور الذي لعبته إريتريا في حرب تيغراي.
وأنكرت الحكومة الإريترية في البداية وجود قواتها داخل الإقليم، قبل أن تقر لاحقًا بوجودها مع رفض تحميلها مسؤولية الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الإريترية خلال الحرب.
وأسفرت الحرب الإثيوبية، التي استمرت من 2020 إلى 2022، عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى ونزوح ملايين الأشخاص.
واتهمت الأمم المتحدة القوات الإريترية بارتكاب انتهاكات خلال الحرب، بينها عمليات إعدام خارج نطاق القضاء واختطاف وإخفاء لاجئين إريتريين في تيغراي، وترفض الحكومة الإريترية بصورة متكررة اتهامات مماثلة.
كما تنتقد منظمات حقوقية دولية نظام الحكم في إريتريا بسبب القيود السياسية والتجنيد العسكري الإلزامي غير محدد المدة، وتقول هذه المنظمات إن البلاد لم تشهد انتخابات وطنية منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993.

انفتاح بلا مقابل واضح!
أثارت احتمالات تطبيع العلاقات الأمريكية الإريترية انتقادات داخل الولايات المتحدة، خصوصًا من جانب مسؤولين وخبراء سابقين في الشأن الإفريقي.
ونقل تقرير سابق لرويترز عن كاميرون هدسون، المسؤول السابق في الاستخبارات ووزارة الخارجية الأمريكية، قوله إن رفع العقوبات عادة ما يرتبط بقيام الدولة المعنية بخطوات تستحق ذلك، معتبرًا أن إريتريا لم تقدم مثل هذه الخطوات.
وأضاف هدسون أن الحكومة الإريترية لا تزال، بحسب تعبيره، على النهج نفسه الذي اتبعته منذ استقلال البلاد، متسائلاً عما يمكن أن تحصل عليه واشنطن في المقابل إذا رفعت العقوبات.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أبدت اهتمامًا بتطوير العلاقات مع إريتريا، إلا أن الموقف الأمريكي شهد نقاشات داخلية بشأن توقيت الخطوة وأولويات السياسة الخارجية، في ظل انشغال الإدارة الأمريكية بملفات إيران وغزة والتطورات الأمنية في الشرق الأوسط.
ويأتي رفع العقوبات في مرحلة تعيد فيها واشنطن ترتيب أولوياتها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بينما تواجه المنطقة توترات متزامنة.
وقد يؤدي الانفتاح على أسمرة إلى إدخال إريتريا مجددًا في الحسابات الدبلوماسية والأمنية الأمريكية، بالتزامن مع استمرار الخلافات الإريترية الإثيوبية بشأن الأمن والوصول إلى البحر.
وبذلك ينهي القرار الأمريكي أحد ملفات العقوبات التي طبعت العلاقات بين واشنطن وأسمرة خلال السنوات الأخيرة، لكنه يأتي من دون أن يضع حدًا للملفات السياسية والأمنية التي كانت وراء فرضها، أو يزيل الخلافات الإقليمية المحيطة بإريتريا وموقعها في البحر الأحمر.
*إفصاح منهجي:
استند هذا التقرير إلى عدد من التقارير الغربية المنشورة ذات الصلة بالموضوع، من بينها:
- “إريتريا: لاعب رئيسي صاعد في الرهان الجيوسياسي في القرن الإفريقي” (Eritrea: An Emerging Key Player in the Geopolitical Gamble at the Horn). متاح على الرابط.
- “الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة ضبط علاقاتها مع دولة إفريقية منعزلة لكنها ذات أهمية استراتيجية” (U.S. Seeks to Reset Ties With Reclusive but Strategically Vital African State). متاح على الرابط.
كما استُخدمت أداة ChatGPT من شركة Open AI في إعداد مسودة أولية للتقرير، قبل أن تخضع المادة للمراجعة والتحقق والتحرير من جانب الباحث، بما يشمل ضبط الصياغة وترتيب المعلومات ومراجعة المحتوى وفق المصادر المعتمدة.











































