مقدمة:
الإعلام الجديد ظاهرة عابرة للحدود والمجتمعات، بتأثيره الاجتماعي والسياسي والاقتصادي على الدول، ولا سيما تلك المغلقة أو التي تشهد أنظمة ديكتاتورية، فقد شهدنا لأول مرّة انتقال الرسائل الإعلامية في الدول الشمولية من أسفل إلى أعلى، أي من الجمهور إلى صانع القرار، وباتت وسائل الإعلام الجديد تقدّم بديلاً مؤثراً في صياغة الرأي العام وتشكيل التيار السائد، وصياغة مطالب واهتمامات الجماهير، بل عملت بعض الدول أيضاً على استقاء اتجاهات الرأي العام عن طريق وسائل الإعلام الجديد، نظراً لقدرتها على الوصول غير المحدود والحشد والتنظيم؛ ولا سيما في دول إفريقيا جنوب الصحراء، التي تشهد ظروفاً اقتصادية قد تحول دون وصول وسائل الإعلام التقليدي إلى أرجاء البلاد كافة، ومن ثَمّ كان للإعلام الجديد تأثيره في التنظيم الاجتماعي والسياسي، والحراك الشعبي، وفي الحشد الجماهيري وراء القضايا المهمة للمواطنين.
وبعد أن كانت مصالح النخب هي التي يتم مراعاتها في وسائل الإعلام التقليدية بالتبرير لسياساتها، بات الإعلام الجديد يمثّل صوت المواطن الذي أرغم صانع القرار على الإنصات له، حتى في الدول الشمولية التي استطاعت على مدى عقود أن تقطع الروابط الاجتماعية والحشد الجماهيري، عن طريق تقييد وسائل الإعلام التقليدية، أو احتواء عمل الأحزاب والنقابات وتدجينها.
إن وسائل الإعلام الجديد استطاعت أن تغير الواقع في عددٍ من الدول، وأن تقدّم وسيطاً جديداً يبرز فيه ما اصطلح على تسميتهم «المؤثرون» Influencers، الذين بات متابعوهم بالملايين، بل تخطت مشاهداتهم مشاهدات نظرائهم في الإعلام التقليدي، الذي عزف عنه الناس في كثيرٍ من الأحوال، نظراً لنمطية أساليبهم وتدجينها من قِبَل الأنظمة الشمولية، ورعايتهم لمصالح النخب الحاكمة والنخب المتحالفة معها، وتحولها من وسائل إعلام إلى وسائل دعاية لغسيل العقول.
وللإعلام الجديد تأثيره الفعال في كلٍّ من الدول الديمقراطية والشمولية على حدٍّ سواء، فإلى جانب تقديمه لرؤى بديلة للأطروحات التي يقدّمها الإعلام التقليدي؛ فإنه بات لديه قدرة هائلة على الحشد والتجييش والتعبئة الجماهيرية، وتنظيم النشطاء لصفوفهم، وطرح القضايا الأكثر أهمية على الرأي العام، إلى جانب التأثير في ديناميكيات الحركة الانتخابية برمّتها؛ بدءاً من الدعاية الانتخابية وحشد المواطنين، وصياغة السياسات الأَوْلى بالرعاية، وحتى إجبار المترشحين على تبنّيها، إن الإعلام الجديد استطاع كذلك أن يحرك الجموع، وأعطى صوتاً للمهمشين دون تكلفةٍ تُذكر لتقديم رؤاهم البديلة ووجهات نظرهم في مختلف القضايا المحلية.
وفي هذه الدراسة؛ سنحاول رصد تأثير ذلك الإعلام الجديد في المشاركة السياسية، خاصة فيما يتعلق بالعملية الانتخابية في إفريقيا، عن طريق الإجابة عن السؤال الرئيس الآتي: ما دور الإعلام الجديد في التأثير في السياسات الانتخابية في إفريقيا؟ حيث سيتم استخدام المنهج الوصفي التحليلي وطرق البحث الكمية من أجل الإجابة عن تلك الأسئلة البحثية، وكذلك تقديم خاتمة واستنتاجات.
وتنطلق هذه الدراسة من الفرضية القائلة: الإعلام الجديد تحرر من سطوة السلطة وقيودها، وأصبح أكثر وصولاً للمستهدفين وأقوى تأثيراً فيهم، وانعكس هذا بتأثيره في المشاركة السياسية.
وقد تم تقسيم هذه الورقة إلى أقسام رئيسية:
الأول: مدخل نظري يحدد المفهومين الرئيسيين للدراسة، وهما: الإعلام الجديد، والسياسة الانتخابية.
الثاني: الإعلام الجديد والوصول إلى إفريقيا.
الثالث: يشرح الأدوار الفعلية لوسائل التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بالسياسات الانتخابية.
أولاً: مدخل نظري ومفاهيمي:
1- الإعلام الجديد:
يُعدّ مفهوم الإعلام الجديد مصطلحاً حديثاً تم صكه في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين مع ظهور الثورة المعلوماتية على شبكة الإنترنت، وما تفرع عنها من وسائل للتواصل الاجتماعي، والقدرة الفائقة واللحظية للوصول إلى المواطن / المستخدم، والذي وصل تعداده إلى 5 مليارات مستخدم لشبكة الإنترنت حول العالم[1]، ويتم مقارنته بما يمكن تسميته بالإعلام القديم أو «الإعلام التقليدي»، والذي باتت أهم سماته أنه إعلام غير تفاعلي.
فالإعلام الجديد يتميز بدمج وسائل الإعلام التقليدية بالوسائط المتعددة؛ مثل الفيديو والصور المتحركة والموسيقى، مع القدرة التفاعلية للمستخدم، كما يتميز بتخطيه للحواجز الجغرافية والحواجز التقليدية، مثل عوائق النشر والتوزيع والطباعة وخلافها، بما أحدث تغييراً بنيوياً في الكم والكيف، وبات الإعلام الجديد اسماً جامعاً لكل ما ينطوي تحت مسمى الإعلام الرقمي، كما يمكن وصفه كذلك بالإعلام الإلكتروني والإعلام الشبكي والإعلام السيبراني.
وكذلك يمكن التفرقة بين الإعلام الجديد وبين الصحافة الإلكترونية، باعتبار أن الأخيرة هي فرع من الإعلام الجديد، والذي انتقلت فيه الصحافة التقليدية إلى المجال الإلكتروني. ويمكن وصف الإعلام الجديد بصورة عامة بأنه: «الإعلام الذي يُستخدم فيه الوسائل الرقمية التفاعلية ثنائية الاتجاه، والمدمج فيه كافة أوجه الإعلام التقليدي»[2]، كما يمكن وصفه بأنه: الإعلام الذي يجمع بين مختلف تقنيات الاتصال والبث الرقمي المدعوم حاسوبياً[3].
ولأن العملية الإعلامية تحتاج إلى مرسل ومستقبل ووسط للتبادل؛ فإن فعالية التأثير للإعلام الرقمي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأجهزة الاستقبال، والتي تعتمد على كلٍّ من بنية تحتية لشبكة الإنترنت، وكذلك أجهزة رقمية تستقبل الإعلام الرقمي، وبالنظر إلى الخطة الإفريقية الطموحة للتحول الرقمي للقارة السمراء في «أجندة 2063»؛ فإن التحول الرقمي بات هدفاً رئيسياً ليس فقط على المستوى الإعلامي، ولكن كذلك على مستوى تحويل الأموال وحجم الوظائف المرتبطة به وتحسين جودة الأعمال وخلق بيئة إفريقية تنافسية، وكل ذلك يعتمد على تطوير البنى التحتية التقنية للقارة السمراء في العقود القليلة القادمة.
كما يُعدّ التحول الرقمي أحد أهم منتجات العولمة التي أدت إلى تقارب المسافات وسرعة وصول المعلومات وتحوّل العالم إلى قرية كونية صغيرة، حيث أدى ذلك الانتشار الإعلامي الرقمي إلى سهولة التسويق والترويج للبضائع والأفكار على حدٍّ سواء، ومن ثَمّ يمكن اعتبار انتشار البنى التحتية الرقمية أحد أهم أهداف بسط هيمنة العولمة على الشعوب بما تحمله من منتجات اقتصادية وقيمية معاً، وساهم ذلك في انتشار تسويق البضائع والسلع ومضاعفة أرباح الشركات العالمية العابرة للحدود الإقليمية، وقد ساهم الإعلام الجديد بدورٍ فعّال في نشر العولمة ومنتجاتها الثقافية والسلعية، وتُعدّ الطفرة الرقمية أحد أدوات وإفرازات العولمة على حدٍّ سواء[4].
كما يجب كذلك من الناحية المفاهيمية التفرقة بين «الإعلام الجديد» وبين «وسائل التواصل الاجتماعي»؛ حيث إن الأخيرة تُعدّ وسيطاً حاملاً وناشراً للأولى ومروّجاً لها، كأداة للإشارة إلى صفحات الإعلام الجديد المتفرقة، والتي تحويها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما الصفحات الخاصة لرواد الإعلام الجديد.
ولا يمكن وصف الصفحات الشخصية التي تقدّم أخباراً أو معلومات غير موثقة بأنها تندرج تحت مسمى الإعلام الجديد؛ فالإعلام الجديد يجب أن يتحلى بنفس معايير الإعلام التقليدي فيما يتعلق بالمصداقية والعزو والإشارة إلى المصادر الأصلية لمواده المنشورة، وكذلك يجب أن يكون مقدمو البرامج فيها من أصحاب الخبرات والتخصص في المجال الذي يطرحونه، وإلا فإن ذلك لا يُعدّ إعلاماً جديداً وإنما صفحات ترفيهية حتى لو كانت تقدّم معلومات، فهي بالأساس تعتمد على الإثارة في عناوينها دون أن يكون لديها مضمونٌ موثق.
2- المشاركة السياسية:
أول تعريفات «المشاركة السياسية» هو ذاك الذي اقترحه صامويل هنتنجتون Samuel Huntington وجورج دومنجيز Dominguez George في دراستهما عن التنمية السياسية، ويذهبان فيها إلى القول بأن «المشاركة السياسية ما هي إلا نوعٌ من النشاط يقوم به المواطنون العاديون بهدف التأثير في عملية صنع القرار الحكومي».
ويرى نورمان ناي Norman Nie وسدني فيربا Verba Sidney أن المشاركة السياسية هي تلك الأنشطة المشروعة التي يمارسها المواطنون العاديون بهدف التأثير في عملية اختيار أشخاص الحكام وما يتخذونه من قرارات[5].
المشاركة السياسية مفهوم يشمل مجموعة متنوعة من الأنشطة، ويمكن تعريفه باعتباره تصرفات المواطن للتأثير في اختيار أو الإجراءات التي يتخذها السياسيون.
بعبارة أخرى؛ يمكن فهم المشاركة السياسية على أنها تشير إلى: الآليات المختلفة التي يعبّر الجمهور من خلالها عن آرائه السياسية وبالتالي يمارس نفوذه في العملية السياسية.
وتشمل: التصويت- الذي يُعدّ أكثر أشكال العمل السياسي شيوعاً بل يُعدّ هو أساس المشاركة في العملية الانتخابية، ومشاركة المواطنين في الحملات الانتخابية أو حضور الاجتماعات، أو محاولة الوصول إلى معلومات حول الأحزاب السياسية المختلفة. ومن صور المشاركة السياسية: مشاركة المواطنين في السياسة الشعبية داخل مجتمعاتهم المحلية، من خلال حضور التجمعات المجتمعية والتفاعل مع ممثليهم السياسيين المحليين.
وتشمل أيضاً عدداً من الممارسات، مثل حضور الاحتجاجات المدنية، أو توقيع الالتماسات حول قضايا مختلفة، والانضمام إلى مجموعات المصالح التي تشارك في الضغط أو المناصرة السياسية[6].
لكن أهم صورة من صور المشاركة السياسية هي العملية الانتخابية، لذلك عندما نتحدث عن المشاركة السياسية، من المهم أن نلاحظ أنه في مجال دراسات العلوم السياسية تُعدّ الانتخابات هي أول دليل على التفاعل بين السياسيين والمواطنين[7].
ثانياً: الإعلام الجديد والوصول إلى إفريقيا:
مع ظهور 2.0 Web[8] ووسائل التواصل الاجتماعي توفرت إمكانيات أكبر، مثل التفاعل، وقابلية التكرار، وقابلية التوسع والبحث، بالإضافة إلى مجموعة متنوعة من المنصات الاجتماعية التي مكنت لمشاركة المحتوى والدردشة بسهولةٍ أكبر.
حيث تعمل الأدوات المستندة إلى الويب 2.0 Web الآن على تسهيل الاتصال الاجتماعي الذي يمكّن المستخدمين من الإنتاج والتفاعل ومشاركة المحتوى عبر الإنترنت، وهكذا تطور مستخدمو الإنترنت من مستهلكين للمحتوى المستند إلى الويب إلى «مستهلكين» ينتجون المحتوى أيضاً، أدى هذا التحول إلى تطوير العديد من الأشكال المختلفة لمنصات التواصل الاجتماعي. وتتضمن هذه الأدوات المستندة إلى الويب: منتديات الإنترنت ومدونات الويب والمدونات الاجتماعية والمدونات الصغيرة وويكي والبودكاست والصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو والتصنيف والإشارات المرجعية الاجتماعية.
هناك فئات مختلفة من منصات التواصل الاجتماعي:
- المشاريع التعاونية (مثل ويكيبيديا).
- المدونات، والمدونات الصغيرة، مثل Twitter، شبكات المعلومات.
- مجتمعات محتوى الفيديو، مثل YouTube.
- مواقع التواصل الاجتماعي، مثل Facebook.
- عوالم الألعاب الافتراضية، مثل Warcraft of World، والعوالم الاجتماعية الافتراضية مثل SecondLife.
- مواقع مشاركة الصور، مثل Flickr.
وهناك زيادة كبيرة في استيعاب بعض هذه المنصات والمشاركة فيها من قِبَل المواطنين الأفارقة، ولا سيما في مجال الهاتف المحمول. وقد تم اعتماد موقع التواصل الاجتماعي Facebook على نطاق واسع كأداة تواصل عبر القارة[9].
- منصات المحادثة: واتساب.whatsapp
وقد ارتفع عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في إفريقيا بشكلٍ مستمر، حيث وصل إلى أكثر من 384 مليوناً منذ عام 2022م، كما كان انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أعلى بكثير في شمال وجنوب إفريقيا منه في المناطق الأخرى؛ فمنذ فبراير 2022م استخدم حوالي 56% من السكان في شمال إفريقيا وسائل التواصل الاجتماعي، بينما كانت النسبة 45% في إفريقيا جنوب الصحراء، وجاءت منطقة وسط إفريقيا في مرتبة متأخرة بشكلٍ كبير، حيث بلغت حصتها 8% فقط، في غانا وكينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، فقد فضل مستخدموها برنامج التواصل الاجتماعي WhatsApp.
رسم بياني يوضح عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بالملايين
خلال عام 2022م حسب الأقاليم الإفريقية:

المصدر:
https://www.statista.com/statistics/1326446/number-of-facebook-users-in-africa/
من ناحيةٍ أخرى؛ فضل المستخدمون المصريون والمغاربة موقع Facebook فيسبوك، الذي يهيمن على السوق الإفريقية، وهو منصة التواصل الاجتماعي الرائدة في القارة السمراء من حيث الحصة السوقية[10].
ومنذ يناير 2021م حافظ Facebook على قدرات توليد حركة المرور لأكثر من 50%، تلاه موقعا يوتيوب وتويتر بحصة تبلغ حوالي 9.4% و3.8% على التوالي، اعتباراً من مايو 2022م. بالأرقام المطلقة؛ كان هناك 271 مليون مستخدم للفيسبوك في إفريقيا في عام 2022م، وهو رقم يتوقع أن يصل إلى أكثر من 377 مليوناً بحلول عام 2025م.
علاوةً على ذلك؛ كان لدى YouTube حوالي 180 مليون مستخدم إفريقي، بينما بلغت قاعدة مستخدمي Twitter حوالي 24 مليوناً في العام نفسه. كما بلغت قاعدة مستخدمي الشبكة الاجتماعية الصاعدة TikTok المستوى نفسه، وبلغ الوصول الإعلاني المحتمل لـ TikTok في شمال إفريقيا ما يقرب من 28 مليون، وأعلى من 7.5 ملايين في جنوب إفريقيا.
يوجد سكان شمال إفريقيا والرجال بشكلٍ أكبر على الشبكات الاجتماعية، وكان لشمال إفريقيا أكبر عدد من المستخدمين على جميع منصات وسائل التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال: كان هناك ما يقرب من 104 ملايين مستخدم للفيسبوك في أقصى شمال القارة في عام 2022م، تلاها غرب إفريقيا بحوالي 58 مليوناً.
بالإضافة إلى ذلك؛ في أربع من أصل خمس مناطق في القارة؛ كان هناك المزيد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من الذكور، حيث يقاربون نسبة 60% من إجمالي المستخدمين. فقط الجنوب الإفريقي كان لديه نسبة أعلى قليلاً من النساء على وسائل التواصل الاجتماعي.
وعلى الرغم من النمو السريع للإنترنت في القارة السمراء؛ فإن الاتصال بالإنترنت في إفريقيا أقل مقارنةً بمناطق العالم الأخرى؛ حيث إنه في عام 2022م كان من المتوقع أن يصل انتشار الإنترنت في إفريقيا إلى 47%، بعد أن كان 9% فقط في عام 2010م. وبحلول نهاية عام 2021م كان انتشار الإنترنت في إفريقيا أقل من المتوسط العالمي بمقدار 23.1 نقطة مئوية[11].
رسم يوضح نسبة مستخدمي كل منصة من منصات وسائل التواصل الاجتماعي في إفريقيا خلال الفترة من يناير 2021م وحتى مايو 2022م:

المصدر:
https://www.statista.com/statistics/1315895/social-media-market-share-by-platform-in-africa/
وتجدر الإشارة إلى أن جنوب وشمال إفريقيا تفوقت بشكلٍ كبير على المناطق الأخرى في القارة من حيث نسبة الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت بنسبة 66% و63% على التوالي. من ناحيةٍ أخرى؛ كان معدل انتشار الإنترنت في شرق ووسط إفريقيا هو الأدنى. كانت الأجهزة المحمولة مسؤولة عن أكثر من 73% من حركة مرور الويب في القارة اعتباراً من عام 2022م. في عام 2020م شكل الأفراد المتصلون بالإنترنت عبر الهاتف المحمول 28% من سكان إفريقيا جنوب الصحراء. في الوقت نفسه كان للمنطقة ثاني أكبر نسبة من الناس الذين يعيشون في مناطق تغطيها شبكة النطاق العريض Broadband للهاتف المحمول، ولكن لا يستخدمون الإنترنت عبر الهاتف المحمول. علاوةً على ذلك؛ يعيش حوالي 19% من سكان إفريقيا جنوب الصحراء في مكان لا توجد فيه شبكة للهاتف المحمول[12].
جدول يوضح نمو استخدام الإنترنت في إفريقيا وأعداد مشتركي الفيس بوك مقارنة بالسكان:





المصدر:
https://www.internetworldstats.com/stats1.htm
المناطق الأكثر استخداماً للإنترنت في إفريقيا جنوب الصحراء هي: غرب وجنوب القارة، مقارنة بوسطها وشرقها، إذا استثنينا شمالها من ذلك الإحصاء، وهي ذاتها المناطق التي تشهد نشاطاً ديمقراطياً وسياسات انتخابية تنافسية، ومن ثَمّ فإن انتشار الإنترنت وبنيته التحتية ووسائل الإعلام الجديد يتناسب طردياً مع الانفتاح السياسي والتحول الديمقراطي في القارة السمراء، فعلى سبيل المثال: تحدثت الصحفية بجريدة ريبابليكن الناميبية، رونيلا ماتيلدا رادماير، عن تقدّم بلادها، الواقعة بأقصى جنوب القارة، في حرية الإعلام، حيث تأتي في المرتبة الثانية بقارة إفريقيا، والـ18 على مستوى العالم في حرية الإعلام، أنه «في مرحلة التحول الرقمي في البلاد؛ الإعلام التقليدي دخل في مرحلة جمود ويقل من مدخوله، ويقل عدد العاملين فيه، ما يجعل الصحفيين المتمرسين يعزفون عن العمل الصحفي، في حين تظهر التقارير حصار الإعلام الرقمي للإعلام التقليدي»[13].
بين الإعلام الجديد والإعلام التقليدي:
وعلى الرغم من ذلك؛ لا تزال الإذاعة والراديو هي المنافس الأول للإعلام الجديد اليوم، بالنظر إلى قدرتها على الوصول إلى المناطق النائية، وكذلك وصولها إلى المواطنين في مختلف الأماكن، والتي لا تحتاج إلى وسائل استقبال معقدة مثل القنوات الفضائية، كما يمكن متابعتها في وسائل المواصلات والعمل والمنزل على حدٍّ سواء. ولكن تتفوق عليها وسائل الإعلام الجديد بقلة تكلفة بثها مقارنة حتى بقنوات الراديو، وكذلك قدرتها على الوصول إلى مختلف المناطق فقط عن طريق وصلة إنترنت، وليس تجهيزات مثل أبراج البث لموجات الراديو في حالة الإذاعة، ومن ثَمّ فإن وجود الإنترنت في المنازل ومناطق العمل وعلى الهواتف النقالة يجعل الإعلام الجديد أكثر قدرة على الوصول، خاصةً في أوساط الشباب وبين الطبقات المتوسطة والغنية في كلٍّ من غرب وجنوب إفريقيا على حدٍّ سواء، مع وصول محدود في بقية مناطق القارة في الوسط والشرق.
أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام الجديد قدرتها ليس فقط على الوصول والتأثير، ولكن كذلك على الحشد.
ولم يقتصر الأمر على الحشد في الاحتجاجات، ولكنه تخطى ذلك أيضاً ليصل إلى السياسات الانتخابية؛ حيث إن وسائل الإعلام الجديد حازت قصب السبق في التغطيات الإعلامية وكذلك الاعتمادية فيما يخص تلقي المعلومات والمؤشرات وكذلك الحملات السياسية والانتخابية، والأمر ذاته ينطبق على القارة السمراء، والتي أعطتها وسائل الإعلام الجديد نافذة جديدة لتحدي الأنماط السائدة من السلطوية التي ورثتها إفريقيا في حقبة ما بعد الاستعمار، سواء في البلدان التي تشهد انقلابات عسكرية بصورة مضطردة، أو تلك التي لا تزال وسائل إعلامها التقليدية رهينة بأيدي رجال الأعمال والطبقات المرتبطة بالاستعمار وتحالفه مع الديكتاتورية السياسية.
فعلى الرغم من تمتع عدد من الدول الإفريقية بأجواء ديمقراطية؛ فإن سيطرة النخب على وسائل الإعلام، التقليدي منها والجديد، يؤدي إلى عرقلة عملية التحول الديمقراطي واتباع سياسات تعتمد على التخلص من الفقر وتخدم الطبقات الوسطى والفقيرة، حيث لا يزال تحالف النخب السياسية يسيطر على وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، ومن ثَمّ يعمل على تحقيق تحالفهم السياسي.
فعلى سبيل المثال: تتمتع دولة جنوب إفريقيا بحرية واسعة لوسائل الإعلام؛ حيث تأتي في المرتبة 32 في مؤشر الحرية العالمي، بعد المملكة المتحدة مباشرة، إلا أن أباطرة الإعلام، مثل كوس بيكر مالك شركة ناسبرز العملاقة، والتي تمتلك إمبراطورية رقمية ومطبوعة تقدّر قيمتها بحوالي 22 مليار دولار، تسيطر على مجال الإعلام التقليدي بصورة شبه كاملة، كما أن لشركته مصالح خارجية تمتد إلى الصين، حيث تمتلك 29% من شركة تن سينت القابضة، بما يمثل تحالفاً سياسياً اقتصادياً تخدمه وسائل الإعلام، وتمثل ظهيراً لتلك النخبة أمام مطالبات المحاسبة والشفافية[14].
كما تأتي كلٌّ من ناميبيا وكاب فيردي وغانا في درجة أعلى من جنوب إفريقيا، حيث تتمتع تلك البلدان بدرجة حرية أفضل من العديد من معاقل الديمقراطية الغربية في أوروبا، وهي من بين الدول الأكثر استخداماً لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد.
وفي تنزانيا؛ تمتلك مجموعة «آي بي بي ميديا»، التي أسسها رجل الأعمال التنزاني الراحل ريجينالد مينجي، ثلاث محطات تلفزيونية وتسع صحف، أربع منها ناطقة باللغة الإنجليزية. وفي نيجيريا؛ نجد الأمير ناكودا أوبايبينا هو الرئيس المؤسس لمجموعة «ذس داي ميديا» وقناة «أرايز نيوز».
وفي عام 1959م؛ أسس آغا خان أكبر مؤسسة إعلامية مستقلة في شرق ووسط إفريقيا، حيث تعمل مجموعة «نايشن ميديا»، التي تتخذ من العاصمة الكينية نيروبي مقراً لها تحت رئيسها الحالي لينوس جيتاهي، في وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية والرقمية، وتستقطب جماهير كبيرة داخل البلاد وفي أوغندا وتنزانيا ورواندا.
كما تُعدّ ملكية وسائل الإعلام في دول مثل غانا وأوغندا وتنزانيا وكينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا دليلاً على أن هذه البلدان تمتلك «متوسط وصول رقمي» أعلى للفرد، بينما يتمتع 20% فقط من سكان القارة البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة بإمكانية الوصول إلى الإنترنت[15].
وقد أثبت الإعلام الجديد دوره الحاسم في حشد وتعبئة الناخبين ودَفْعهم إلى التركيز في قضايا بعينها، يراها ناشطو وسائل الإعلام الجديد أنها الأَولى بالاهتمام، ويجب أن تحظى بتسليط الضوء عليها أمام الرأي العام، بصورةٍ أكثر فاعلية من وسائل الإعلام التقليدية، في السنوات الخمس الماضية[16]. فقد قادت التقنيات الجديدة التي تعتمد عليها وسائل الإعلام الجديد، مثل تقنيات الهاتف الجوال والأجهزة اللوحية، إلى اختراق المناطق النائية في العديد من الدول الإفريقية التي لا تستطيع وسائل الإعلام التقليدية الوصول إليها، تلك الوسائل باتت تُستخدم كأداة للحشد والتعبئة السياسية، وأنها باتت جزءاً مهماً من عملية التحول الديمقراطي في إفريقيا، وبات الأفارقة يستخدمون وسائل الإعلام الجديد والأجهزة التقنية للتفاعل مع القضايا السياسية والاتصال بالبرامج السياسية من أجل مناقشة القضايا المحلية وتقديم الشكاوى بشأن أوضاعهم المعيشية، ولفت أنظار المسؤولين وصناع القرار إلى القضايا ذات الأولوية في محيطهم المحلي[17].
كما استطاعت وسائل الإعلام الجديد تشبيك المواطنين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، وذلك بناءً على قدرة تلك الوسائل على تصنيف الموضوعات وعمل صفحات خاصة لكل قضية على حدة، وكذلك سهولة الوصول إليها عن طريق مجموعات التواصل الاجتماعي، وسهولة حشد المواطنين وراء موضوعات بعينها، والدعوة إلى الخروج للتظاهر أو للمشاركة في الفعاليات السياسية والحزبية والإعداد للانتخابات.
ومن ثَمّ؛ بات ذلك العالم الافتراضي يمثل بديلاً للعالم الحقيقي، إلا أنه أكثر تشبيكاً وقدرة على الحشد والتجميع عن طريق إرسال رسائل فورية لجميع الأشخاص وتذكيرهم بالمواعيد المهمة والحث على الوجود والمشاركة السياسية، وإرسال رسائل ترفع الوعي الانتخابي، وكذلك قيمة المشاركة السياسية وثمن التقاعس عن المشاركة، ومن ثَمّ يؤدي ذلك إلى مزيدٍ من التوعية بشأن المشاركة السياسية للأفراد والجماعات على حدٍّ سواء.
ثالثاً: الإعلام الجديد والسياسات الانتخابية بإفريقيا:
غيرت وسائل الإعلام الجديد المشهد الاتصالي برمّته؛ بما أدى إلى إحداث تغييرات في عملية الاتصال السياسي بالتبعية، فقد أدى انتشار وسائل الإعلام الجديد إلى انحسار دور الحكومات وتأثيرها لعدم قدرتها على التحكم في وسائل الإعلام الجديد، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ومن ثَمّ باتت وسائل التواصل الاجتماعي بديلاً مهماً بل ومغيراً لقواعد اللعبة السياسية برمّتها وطريقة حشد وتصميم الحملات الدعائية الانتخابية، حيث تؤثر وسائل الإعلام الجديد في الحملات الانتخابية بطرقٍ عديدة تفوق الحصر.
فالاتصال السياسي اليوم بات مثل رحلة عبر فترات الانتقال السياسي التي تتميز بالفوضوية بسبب تصاعد الإعلام الرقمي، وحتى الآن لا يستطيع الباحثون حصر تداعياته المحتملة، سواء الإيجابي أو السلبي منها، فالإعلام الجديد اليوم بات يتغير ويتطور بصورة مستمرة بتطور التقنيات الرقمية والتفاعلية ذاتها التي لا سقف لها، وتغيرت نظريات الإعلام مثل نظرية «المجال العام» لهابرماس، الذي أُضيف له «المجال الافتراضي» كمجال عام، والذي يُعدّ مؤثراً في تشكيل ما يُسمّى بالإرادة السياسية العامة، وساهمت وسائل الإعلام الجديد ببناء ما يمكن تسميته «فضاءات عامة جديدة في المجتمع الشبكي»، بما يسمح للجميع في المساهمة في تغيير المشهد العام السياسي والاجتماعي، فلم يعد المواطن اليوم فقط مستهلكاً للإعلام أو متفرجاً سلبياً صامتاً؛ فقد بات مساهماً في إنشاء الوعي والواقع السياسي والاجتماعي في محيطه، ولم يعد الأمر حكراً على الأغنياء أو النخبة أو صفة المجتمع، بل بات المواطن البسيط لديه القدرة على الوصول إلى صانع القرار وإلى المؤسسات السياسية والاجتماعية والتأثير فيها.
ففي إفريقيا؛ باتت وسائل الإعلام التقليدية محكومة بمن يدفع ومن يمول عن طريق الإعلانات وعن طريق مقايضة المصالح السياسية بين النخب، بما يترك مساحة ضئيلة للمواطنين للتواصل من خلالها، ومن ثَمّ بات المواطن الإفريقي اليوم أكثر اعتماداً على وسائل الإعلام البديلة، والتي وفرت مساحة غير مسبوقة لتحدي السياسات، كما انتقلت الإعلانات كذلك من وسائل الإعلام التقليدية إلى وسائل الإعلام الجديدة، لاستهداف المواطن شخصياً، بما أفقر الأولى وأعطى موارد إضافية للأخيرة، بما أدى إلى تغيير المشهد الإعلامي والسياسي في القارة السمراء، بما له من أثرٍ كبير في العملية الانتخابية والدعاية لها[18].
السلوك الانتخابي:
التغييرات في تكنولوجيا الاتصالات تؤدي دوراً مهماً في التأثير على السلوك الانتخابي، فالإعلام الجديد عزز معلومات الناخبين حول المرشحين والانتخابات، مما يحفز بدوره زيادة المشاركة.
تكنولوجيا المعلومات الجديدة، وبخاصة الإنترنت، تسهل مرونة الاتصال، وتسمح للأفراد باختيار المعلومات التي يمكنهم الوصول إليها ومتى يمكنهم الوصول إليها، علاوةً على أنها «تسمح للمستخدمين بتبادل كميات كبيرة من المعلومات بسرعة؛ بغض النظر عن المسافة الجغرافية، مما يمكّن المواطنين من اتخاذ قرارات تصويت مستنيرة»[19].
تؤكد «منير»[20] Munir أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً حاسماً في تشكيل السلوك الانتخابي للناخبين، وتؤكد دراسته أن الناخبين، وبخاصة الشباب، يسعون للحصول على معلومات من الخبراء السياسيين المتشابهين في التفكير على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن الناخبين الواعين سياسيا ًيصبحون أكثر تفاعلا ًمع المرشحين على وسائل التواصل الاجتماعي، ويوجهون الأسئلة إليهم فيما يتعلق ببياناتهم السياسية.
يتجلى هذا التأكيد من قبل «منير» في الانتخابات الرئاسية لعام 2018م في الكاميرون، والتي شهدت أول استخدام رسمي لوسائل التواصل الاجتماعي في العملية الانتخابية. مع مراعاة أن الشباب هم المستخدمون الأوائل لوسائل التواصل الاجتماعي، وعليه؛ يمكن الاستدلال على أن استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي، للحصول على معلومات في مرحلة ما قبل التصويت، يهدف إلى تشكيل تصوراتهم حول المرشحين والعملية الانتخابية ككل[21].
النقاشات السياسية:
أدت وسائل الإعلام الجديد إلى حدوث نقلة نوعية وتغيراً جذرياً في طبيعة النقاشات المجتمعية والسياسية في فترات الانتخابات وغيرها، حيث وفرت منصات حرة وحيوية وبلا قيود لتبادل وجهات النظر والمعلومات، بحيث باتت أداةً لمواجهة الديكتاتورية، وحجب المعلومات، والتلاعب بالعقول، وتمرير الرسائل الدعائية التي تغيّب الجمهور، وتحاول أن تصنع تياراً سائداً مطيعاً وموافقاً للسياسات الحكومية حتى لو كانت ضد مصالح السواد الأعظم من الناخبين. كما بات الناخبون يتناقلون وسائل التحايل على القيود المجتمعية، وينقلون خبراتهم بعضهم لبعض حتى لو كانوا في دولٍ أخرى، وكذلك باتوا يتناقلون تكتيكات مقاومة الرقابة والتنصت من أجل الوصول إلى مناخ أكثر حرية من الناحيتين السياسية والاجتماعية[22].
تتيح المداولات العامة على وسائل التواصل الاجتماعي للمواطنين المشاركة في البيئة السياسية لبلادهم من خلال تقديم المستخدمين لآرائهم فيما يتعلق بالقرارات السياسة، لكنها لا تخلو في الوقت ذاته من التأثير السلبي نتيجة الآراء المتباينة الناشئة عن الميول الحزبية والتكوين الاجتماعي[23]، مما يؤثر سلباً على طبيعة المناقشات السياسية، لذلك لا ينبغي التسليم بما يتم طرحه من آراء.
لذلك، وللتقليل من هذه الآثار السلبية، تم التفكير في انشاء مراكز لتتبع ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترات الانتخابات، مثلما أُنشئ مركز SMTC في غانا لتتبع وسائل التواصل الاجتماعي، وهو نظام للرصد والرد في الوقت ذاته على التقارير الصادرة من منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل Twitter و Facebook، خلال انتخابات غانا الرئاسية لعام 2012م والانتخابات البرلمانية[24].
على الرغم من أن الفضاءات في وسائل التواصل الاجتماعي مفتوحة؛ فمراقبة النقاشات التي تدور على صفحات هذه المنصات تؤكد الحرص على دعم المواقف بالأدلة والحجج، فخلال الصراع بين المعارض الأوغندي «بوبي واين» مع رئيس البلاد أظهرت النقاشات تمكُّن المواطنين الأوغنديين من التعبير عن اهتماماتهم ومواقفهم باحترام على وسائل التواصل الاجتماعي، وتقديم تبريرات مناسبة لمناقشاتهم في محاولةٍ للحصول على توافق في الآراء، مما يثبت أهمية وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للتداول السياسي وأداة لتعزيز المداولات السياسية العامة، وكأداة فعّالة للتعبئة والمشاركة أثناء الانتخابات، والتهديد الذي تشكله على حملات التعبئة المادية أو التقليدية في أي بيئة سياسية ديمقراطية[25].
المساعدة على التفاعل بين السياسيين والمواطنين:
التحول الجيلي من 1.0 Web إلى الويب 2.0 Web، الذي سبق الإشارة إليه، ساهم بشكلٍ جذري في تغيير الطريقة التي يتواصل بها السياسيون مع ناخبيهم.
ويجادل رودوتا (1999) بأن التواصل السياسي عبر مواقع الشبكات الاجتماعية؛ بينما يسمح للسياسيين باستخدام الفلاتر وتكتيكات التحويل فإنه يعرضهم بشكلٍ كبير للجمهور. لكن الأهم في استخدام مواقع الشبكات الاجتماعية هو إمكانية أن يكون المواطنون على اتصالٍ مباشر ومستمر مع السياسيين، وهذا يغيّر هوية وشكل الأحزاب السياسية بشكلٍ عميق[26].
في أوغندا، وخلال الانتخابات الرئاسية عام 2016م، يمكن ملاحظة أن الحسابات الفردية لمرشحي الرئاسة كانت أكثر بروزاً بكثير من حسابات الأحزاب[27]. وقد استخدم رئيس الوزراء السابق «جون باتريك أماما مبابازي» منصات وسائل التواصل الاجتماعي للإعلان عن محاولته الترشح للرئاسة، وأيضاً للتواصل مع الجمهور عبر حملة على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل: AskAmama#.
بحلول الفترة السابقة لانتخابات لعام 2016م؛ كان لدى الرئيس موسيفيني ومرشح المعارضة أماما مبابازي أفضل عشرة ملفات شخصية على تويتر في أوغندا، مع ما مجموعه أكثر من 300000 متابع[28].
كشفت الانتخابات الرئاسية الأوغندية 2016م عن أهمية وسائل التواصل الاجتماعي، حيث وفرت الأنشطة المكثفة على هذه المنصات قنوات للوصول بسرعة إلى الجمهور؛ بشكل أكثر تحديداً للداعمين والناخبين المحتملين[29].
الاحتجاجات السياسية:
إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى شهدت في عام 2008م حوالي 800 احتجاج- في عام 2018م كان هناك ما يقارب من 4000 احتجاج، ويمكن أن يُعزى جزء من هذا التصعيد إلى الزيادة في استخدام الهواتف المحمولة وزيادة مستخدمي الإنترنت[30].
أدّت وسائل الإعلام الجديد دوراً متصاعداً في الاحتجاجات السياسية، بما دفع الحكومات إلى إغلاق بعضها بصورة مستمرة، أو حجب الوصول إليها في فترات الانتخابات والاضطرابات السياسية، بما يؤكد قدرتها وفعاليتها كأداة للتغيير، حيث قامت تشاد بحظر منصات التواصل الاجتماعي عدة مرات لفتراتٍ تصل إلى عام، على الرغم من قلة انتشار الإنترنت في البلاد، ففي عام 2016م تم حظر وسائل التواصل الاجتماعي في فترة إعادة انتخاب الرئيس إدريس ديبي المتنازع عليها، وفي عام 2018م تم إغلاقها أيضاً. وفي الجابون تم إغلاق وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في أعقاب أعمال العنف خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016م، كما أغلقت الحكومة الجامبية الإنترنت عشية انتخابات عام 2016م، وفي عام 2017م أغلقت الكاميرون الإنترنت في المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية بسبب الاضطرابات السياسية في تلك المناطق، كما تشمل قائمة الدول الأخرى التي حظرت وسائل التواصل الاجتماعي قبل الانتخابات أو خلالها كلّاً من أوغندا وبوروندي ومالي والكونغو وإثيوبيا[31].
في نيجيريا؛ قامت وزارة التنمية الدولية DFID بتوثيق تأثير الإعلام الجديد (وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي) على الحقوق المدنية والنشاط الديمقراطي. ووفقاً لوزارة التنمية الدولية؛ فإن الاحتجاجات التي انطلقت في يناير 2012م ضد إعلان الحكومة عن إلغاء دعم الوقود في نيجيريا- مما أدى إلى زيادة بنسبة 120% في سعر كل لتر من البنزين، من خلال الإعلان عن سلسلة من المظاهرات في جميع أنحاء البلاد باستخدام هاشتاغ OccupyNigeria#، والذي كان له دور رئيس في الحشد لهذه المظاهرات، مما دفع حكومة جوناثان إلى إعادة الدعم[32].
وفي أوغندا؛ فاز المغني والنائب في البرلمان الأوغندي (بوبي واين) عام 2017م في دخول البرلمان الأوغندي، وأدت الأحداث اللاحقة- والتي تضمنت هجوماً بالحجارة على موكب الرئاسة اعتراضاً على تعديل القوانين ليستمر الرئيس في الرئاسة- إلى حبس واين، مما أدى لتفاعل رواد التواصل الاجتماعي مع الحدث، وشنوا هجوماً غاضباً على حكومة، وأصبح FreeBobiWine# هو الترنيمة في جميع أنحاء البلاد وتمت الدعوة للتظاهر.
شهدت كمبالا مظاهرات كبيرة، استخدمت الشرطة خلالها الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع، واعتقلت أعداداً كبيرة من المتظاهرين. ردا ًعلى ذلك؛ استخدم الرئيس موسيفيني مدونته الخاصة لتقديم سرد للأحداث وتبرير تصرفات الحكومة من أجل «حماية» المواطنين العاديين، وخلال ثلاثة منشورات منفصلة، وجّه أصابع الاتهام إلى «بوبي واين» لتحريضه على احتجاجات «غير قانونية»، وأشاد بالسلطات الأمنية على رد فعلها.
تنظيم الحملات الانتخابية:
يمكن تعريف الحملة الانتخابية بأنها «مجموعة الأنشطة التي يقوم بها الحزب أو المرشح السياسي بهدف إمداد الجمهور والناخبين بالمعلومات عن برنامجه وسياسته وأهدافه، ومحاولة التأثير فيهم بكل الوسائل والأساليب والإمكانات المتوفرة من خلال جميع قنوات الاتصال والإقناع، وذلك بهدف الحصول على أصوات الناخبين وتحقيق الفوز في الانتخابات»[33].
عانت السياسة الإفريقية من ندرة وسائل الإعلام، والتي غالباً ما كانت تسيطر عليها الحكومة، وكان اختراقها محدوداً خارج المراكز الحضرية، وقد اقتصرت الحملات الانتخابية على عددٍ قليل من وسائل الإعلام، فضلاً عن التجمعات المحلية، فالبيئة الإعلامية التي تهيمن عليها وسائل الإعلام المملوكة للدولة يتم احتكارها لصالح الأحزاب الموالية، لكن الزيادة الكبيرة في استخدام الإنترنت عبر الهواتف الذكية أدت إلى تغيير جذري في مشهد الاتصالات السياسية في معظم أنحاء إفريقيا[34].
الحملات الانتخابية تقوم على التواصل بين المرشحين والناخبين، ولا يوجد أفضل من وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق هذا التواصل، خاصةً في ظل النظم العسكرية والاستبدادية، في أوغندا عام 2016م وجدت أحزاب المعارضة وأعضاؤها صعوبة في التنظيم بسبب قانون يمنع الاجتماعات العامة دون إذن رئيس الشرطة، وكان ينُظر إلى المدونين على الإنترنت على نطاقٍ واسع على أنهم يسعون للحصول على معلومات كانت الدولة تود أن تظل سرية.
وفي ذروة الحملات الانتخابية للانتخابات وسعت الأحزاب السياسية أنشطتها على وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ كبير، وبدا الجمهور أيضاً أكثر تقبلا ًلهذه الجهود مما كان عليه قبل بدء الحملات. واستخدمت الأحزاب السياسية المنصات بشكلٍ بناء لإشراك أعضاء الحزب والرد على أي استفسارات بأسرع ما يمكن، وكذلك للتواصل مع عامة الناس كجزء أساسي من الحملة الانتخابية.
ومنذ عام 2015م تعرضت حوالي 12 دولة إفريقية لإغلاق واسع النطاق للإنترنت، غالباً أثناء الانتخابات، حيث يدرك معظم القادة الأفارقة قوة الإنترنت في تغيير أو التأثير في تصور وقرار الناخبين، كان هذا هو الأساس المنطقي وراء الحملة لأن القادة لا يستطيعون مراقبة محتويات الرسالة أو التلاعب بها والتحكم في مستخدمي الإنترنت[35].
ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تنظيم حملات انتخابية أيضاً في مناطق الصراع التي يُخشى فيها على المرشحين، من الأمثلة على ذلك في الانتخابات الرئاسية لعام 2018م في الكاميرون، كانت استراتيجية المرشحين لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي مفيدة بشكلٍ خاص في المنطقتين الناطقتين بالإنجليزية (الشمال الغربي، والجنوب الغربي) اللتين كانتا في أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية خطيرة على مدى السنوات الثلاث الماضية. ومنذ عام 2017م؛ تدهور الصراع إلى معركة مسلحة بين مقاتلين انفصاليين يدافعون عن استقلال ما يسمونه «دولة أمبازونيا»، والجيش الذي يعمل بناءً على تعليمات من رئيس الدولة للحفاظ على البلاد كوحدة واحدة وغير قابلة للتجزئة.
في هذا الصراع؛ مات أكثر من 2000 شخص، ونزح 200000 شخص داخلياً، وأصبح هناك 50.000 لاجئ في نيجيريا المجاورة. دعا الانفصاليون إلى حالة من الإغلاق في جميع المناطق الناطقة باللغة الإنجليزية خلال الحملة الانتخابية والانتخابات، أي في الفترة (من 25 سبتمبر إلى 10 أكتوبر 2018م)، وحذروا جميع الكاميرونيين الناطقين بالإنجليزية من المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 7 أكتوبر، مع تهديدات بالقتل. في ظل هذا الوضع؛ كافح مرشح رئاسي واحد (أكيري مينا) من (الجبهة الشعبية للتنمية) لتنظيم مسيرة في المناطق المضطربة (على وجه التحديد في ليمبي، المنطقة الجنوبية الغربية)، وحضر عدد بسيط هذه المسيرة.
بسبب المخاوف الأمنية؛ لم يتمكن المرشحون من عقد اجتماعات فعلية في مناطق الصراع، فكان البديل هو وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من ضعف مستخدمي الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في هذه المناطق، فقد تم نشر الرسائل السياسية عبر Facebook و Twitter و YouTube و WhatsApp بشكل يومي، وجرت المناقشات في هذه المنصات عبر الإنترنت[36].
مراقبة الانتخابات:
يمكن فهم «مراقبة الانتخابات» على أنها نظام «يمكن فيه لأي فرد تسجيل ملاحظة حول الانتخابات، والتي يتم تجميعها مع ملاحظات الأفراد الآخرين لبناء تصور عام لواقع الانتخابات، يتم عرضه على الجمهور والمسؤولين عن الانتخابات، وبالتالي يمكن لعملية المراقبة تعزيز نزاهة الانتخابات وشفافيتها من خلال إطلاق العنان لقدرات «الجمهور» على مراقبة سوء السلوك والمخالفات أثناء الانتخابات، ومحاسبة المرشحين والهيئات الانتخابية»[37].
وقد ساهم الإعلام الجديد في زيادة الشفافية في العملية الانتخابية في إفريقيا باعتبارها أبرز صور المشاركة السياسية، والتي طالما كانت تشهد حالات انتهاكات واسعة، إلا أن وسائل الإعلام الجديد باتت واحدة من أهم وسائل كشف الانتهاكات ومراقبة سلوك الناخبين والمشرفين على العملية الانتخابية على حدٍّ سواء، وساهمت في فضح التلاعب ونشر المعلومات حول التجاوزات الانتخابية، كما أنها تكون قادرة كذلك على البث الحي لعمليات رصد وعَدّ الأصوات وفرزها في بث حي بتكلفة زهيدة، مقابل وسائل الإعلام التقليدية.
كما استُخدم الإعلام الجديد في إفريقيا لكشف انتهاكات العملية الانتخابية وشراء الأصوات وعمليات التزوير، وكذلك انتهاكات الشرطة ضد الناخبين أو المعارضين، بما مثل نقلة نوعية في عملية التغطية للانتخابات، وساهم في تحسين العملية السياسية ومخرجات الانتخابات في إفريقيا بصورة عامة.
كما تم إنشاء برامج تفاعلية لنشر الانتهاكات على خرائط جوجل، كما في حالة زيمبابوي؛ حيث ساهم برنامج «سوكونال» في وضع خرائط رقمية تبين انتشار العنف والتهديد الانتخابي عبر البلاد[38].
للمنظمات المستقلة في إفريقيا جنوب الصحراء دورٌ مهم في مراقبة الانتخابات من خلال الدعوة للمراقبة الجماعية للانتخابات عبر الإنترنت. وكان نشر تقارير مراقبة الانتخابات الجماعية لأول مرة في كينيا في عام 2007م، تلتها دول مثل نيجيريا وغانا، وهو دورٌ مكمل لمراقبة الانتخابات الدولية التقليدية، ويقدّم شكلاً اًخر من الضوابط والتوازنات[39].
وتُعدّ الحالة الجامبية أيضاً كاشفة في انتخابات ديسمبر 2016م، عندما تم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها «أهم مورد» لإنهاء 22 عاماً من ديكتاتورية الرئيس يحيى جامع، بعد أن صرح بأنه ينوي البقاء في السلطة لمليار سنة! فبعد إغلاق بيئة حرية التعبير عن طريق قمع حرية التعبير، وتكميم أفواه وسائل الإعلام الرئيسية في البلاد، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً لا يمكن السيطرة عليه في أيدي الجماهير، كما قام الجامبيون في الخارج والداخل بالتعاون من أجل إنشاء منتديات عبر الإنترنت لتبادل الأفكار وحشد الأموال والأشخاص بطرق غير مسبوقة، جعلت من المستحيل على النظام القمعي ليحيى جامح السيطرة عليه[40].
تشير البيانات إلى: أنه في كلٍّ من نيجيريا وليبيريا تأثر نظام مراقبة الانتخابات بشدة من خلال تنسيق جهود مجموعات المجتمع المدني التي تركز على الديمقراطية، والتي اختارت تبنّي وسائل التواصل الاجتماعي كجزء أساسي من إستراتيجيتها.
يُعدّ مركز LMC في ليبيريا[41] ومنظمة EiE في نيجيريا أمثلة على ذلك، في عام 2011م مارس مركز LMC دوراً رئيسياً في الجهود الرامية إلى ضمان انتخابات شفافة في ليبيريا، وبفضل هذا الجهد كانت الانتخابات سلمية واحتُرمت النتيجة[42].
وقامت منظمة EiE في نيجيريا خلال الانتخابات النيجيرية الأخيرة 2023م بتوعية المواطنين ودفعهم للإدلاء بأصواتهم ومراقبة الانتخابات بعدها، محذرةً من عمليات شراء الأصوات التي تُعدّ جريمة يعاقب عليها القانون، كما قامت بإصدار تقارير بهذا الشأن توضح الأخطاء التي ارتُكبت[43].
كما قامت المنظمة خلال انتخابات عام 2011م بتثقيف مستخدمي Twitter النيجيريين حول أنواع المعلومات التي يجب مشاركتها حول تجربة التصويت الخاصة بهم. كما نظمت حملة «التسجيل- اختر- التصويت- الحماية» RSVP في محاولة لتعبئة الشباب، اعتمدت الحملة بشكلٍ كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وحثت الناخبين الشباب على التحدث بصوتٍ عال ٍعبر الإنترنت أثناء خوضهم العملية[44].
حملات الضغط السياسي:
استخدم الأفارقة وسائل الإعلام الجديد والتواصل الاجتماعي من أجل شن حملات للإفراج عن المعتقلين السياسيين، بما يمثل ضغطاً إضافياً على الحكومات القمعية تعرضها للانتقادات من الداخل والخارج، ولا سيما بعد تحقيق الحشد الاجتماعي المطلوب وصعود «الهاشتاجات» المتعلقة بتلك الحملات إلى أرقام قياسية، فقد قام الناشطون الأفارقة بعمل هاشتاجات مثل:
– #FreeBobiWine في أوغندا.
– #FreeJonesAbiri في نيجيريا.
– #FreeEvanMawarire في زيمبابوي.
وكلها بقيادة مجموعات من الناشطين الأفارقة، الذين عملوا على التشبيك والتواصل وتبادل الخبرات السياسية تحت اسم web citizens (مواطنو الشبكة العنكبوتية)، لإظهار التضامن مع المضطهدين والمقموعين، ولوضع الضغوط على الحكومات ذات الصلة عالمياً.
مساعدة هيئات إدارة الانتخابات:
بدأت العديد من مؤسسات الإدارة الانتخابية في الاستفادة من المزايا التي يوفرها العالم الرقمي، بما في ذلك الاعتراف بالدور المهم الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى الشباب.
كان للمفوضية الانتخابية في غانا خلال انتخابات 2012م موقع إلكتروني، كان يتم تحديثه بانتظام قبل الانتخابات، وكان يُعدّ منصة مفيدة لتوعية الناخبين. أثناء ترقب إعلان النتائج بعد الانتخابات؛ تعطل الموقع عدة مرات، وبعد عدة محاولات فاشلة لإعادة تشغيل الصفحة؛ اضطرت المفوضية الانتخابية لإعلان النتائج النهائية للانتخابات على موقعها على صفحة الفيسبوك نظراً لأن الموقع الرسمي كان لا يزال معطلاً.
يوضح هذا الموقف أهمية وسائل التواصل الاجتماعي لهيئات إدارة الانتخابات لسرعة التواصل مع الجماهير، ولتحقيق مبدأ الشفافية. كان للمفوضية أيضاً قناة على اليوتيوب وحساب على موقع تويتر[45].
وفي جنوب إفريقيا، في الفترة التي سبقت انتخابات 2014م، أطلقت اللجنة الانتخابية المستقلة IEC في جنوب إفريقيا حملة IXSA (أنا أصوت لجنوب إفريقيا) لتشجيع تسجيل الشباب ومشاركتهم. تم إطلاق الحملة على الإنترنت، وشارك فيها مشاهير ومواطنون آخرون يناقشون التزامهم بالتصويت. عينت اللجنة فريقاً من ثلاثة من منشئي المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة التفاعل مع الشباب على Facebook و Mxit و Twitter. ارتفع عدد المستخدمين الذين «أحبوا» صفحة الفيسبوك الخاصة بالهيئة من 1400 إلى 10000 خلال الـ 24 ساعة الأولى من الحملة. وبالمثل؛ جلبت الأيام العشرة الأولى حوالي 16000 متابع جديد إلى حساب المفوضية على تويتر. بحلول (مارس) 2015م اجتذبت اللجنة 220 ألفاً و70 ألف متابع إلى حسابَيها على فيسبوك وتويتر- على التوالي[46].
الخلاصة:
من خلال هذه الدراسة؛ يمكن تأكيد أن وسائل الإعلام الجديد، كوسيلة للمعلومات والوعي السياسي، تقوم بدورٍ مهم في تعزيز الطلب على المساءلة والحوكمة، وفي زيادة الدافع للمشاركة السياسية عبر عدد من الآليات.
لقد أدى التقدم في التقنيات الرقمية إلى خلق واقع افتراضي جديد، بات ينافس الواقع الحقيقي في قدرته على التأثير وتشكيل الرأي العام، وقد انعكس ذلك على المشاركة السياسية، خاصةً خلال العملية الانتخابية، وقد كان لذلك تأثيره الكبير في السياسات الانتخابية، ولا سيما في البيئات المغلقة وغير الديمقراطية. والقارة السمراء تُعدّ مثالاً مهماً على تطبيق تقنيات كسر احتكار السلطة للمجال العام، ومحاولة فرض إرادة الناخبين عليها من أجل تحسين الأحوال المعيشية والسياسية، والقدرة على تغيير السياسات والأفراد على حدٍّ سواء.
وبالتوازي مع التطور الرقمي في إفريقيا، والخطط الطموحة من أجل تحسين البنية التحتية الرقمية تماشياً مع خطة 2063 في إفريقيا، فإن المشهد السياسي الإفريقي مرشح للتغير بصورة جذرية في السنوات القليلة القادمة، فمع ضرورة التحول الرقمي كأداة للتطور الاقتصادي فإن التطور السياسي والاجتماعي سيكون مصاحباً بصورة متوازية، كما ستتطور تقنيات الناشطين في المجالات السياسية بتطور التقنيات الرقمية، وكذلك مع انتشار الهواتف النقالة ورخص أثمانها، سواء عن طريق الصناعات التقنية الصينية التي باتت تغزو إفريقيا، أو عن طريق انتشار سوق الأجهزة المستعملة في القارة السمراء، وكذلك عن طريق إرسال الأفارقة في الاغتراب تلك الأجهزة والتقنيات إلى عائلاتهم من أجل التواصل معهم من الخارج.
ومن ثم؛ فإن كل ذلك التطور، الذي انطلق ولا يمكن إعادة العجلة إلى الوراء، سيلقي بظلاله على المشهد السياسي والانتخابي في إفريقيا بالضرورة، واليوم بات «المجال العام» يتشكل بإضافة «المجال الافتراضي» له، والذي جذب المواطن والقارئ بعيداً عن الإعلام التقليدي، جنباً إلى جنب مع وسائل الدعاية والإعلان، وباتت وسائل الإعلان الرقمية تدفع أموالاً سخية بالدولار إلى الناشطين والمؤثرين والمواقع الإعلامية المشهورة من أجل وضع إعلاناتها في صفحاتهم، بما بات يمثل وسيلة دخل إضافية وسهلة للمواطن الإفريقي المبدع وصانع المحتوى، وبات الإعلام الرقمي يوفر وظائف جديدة ووسائل دخل بالدولار في المناطق الأكثر فقراً واحتياجاً وعَوَزاً في إفريقيا.
وكل ذلك يؤدي إلى تغير المشهد السياسي، والذي كان في السابق حكراً على النخب والفئات المتحالفة معها، والمؤسسات التي تخدمها مثل الإعلام التقليدي، ذلك المشهد الذي شهد دخول المواطن كلاعب رئيس وليس كمتفرج أو مستقبل سلبي للرسائل السياسية والإعلامية التي تهدف إلى تشكيل تيار سائد خامد غير قادر على التغيير والإصلاح والتداخل في السياسات المحلية.
كما أدى الإعلام الجديد إلى تفكيك شبكات المصالح المتحالفة مع السلطات القمعية، وعمل على كشف الانتهاكات سواء الأمنية أو الانتخابية، بما أعطى المواطن المحلي صوتاً عالمياً. ومع التشبيك عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الجديد؛ بات هذا الصوت مؤثراً، بل وقادراً على إحراج الحكومات القمعية، والتي كانت تمارس الانتهاكات بلا رقيب سواء داخلياً أو خارجياً.
كما تم استخدام وسائل الإعلام الجديد لتشكيل الحملات الانتخابية، ولأول مرّة بات المواطن الإفريقي قادراً على التأثير في الحملات الانتخابية، بتشكيل الأولويات والقضايا ذات الاهتمام المشترك، والرقابة والتأثير على الإنفاق الحكومي، ورفع مطالبهم المجتمعية إلى صناع القرار بصورة جماعية وبقدرة على الحشد والتأثير وإنشاء حراك رقمي يتخطى قيود البيئات التقليدية، بدمج وسائل الإعلام التقليدي كلها، مثل المجلة والصحيفة والراديو والتلفاز، في مكانٍ واحد، ينشئه مواطنون ويتابعه مواطنون ويتم تمويله بوسائل إعلانية بعيداً عن سيطرة السلطات المحلية، وبات المواطن الإفريقي قادراً على التأثير في محيطه المحلي الضيق، حتى لو كان يمارس نشاطه من على بعد آلاف الأميال خارج نطاق قدرة السلطات المحلية الدكتاتورية على تعقبه والتضييق عليه.
ومع التقدم التقني، الذي بات اليوم بلا حدود في مجالات النشر والاتصال والتواصل التفاعلي، فإن الإعلام الجديد يتقدّم بدوره ويتطور وينتشر إلى مساحات غير مسبوقة، وبات لديه أدوات فورية ومؤثرة للتغيير والتأثير وإنشاء الحراك الاجتماعي والتشبيك وتخطي القيود الموجودة في البيئة التقليدية، وبات الفضاء الرقمي اليوم أحد أهم وسائل التغيير الاجتماعي والتحول الديمقراطي في البيئات المغلقة والديكتاتورية.
………………………………………….
[1] انظر: في عام 2022م ثلث سكان العالم محرومون من الإنترنت، على الرابط:
https://cutt.us/9fIXD
[2] زيان محمد سيد (2012)، الإعلام الجديد، القاهرة، مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع، ص9.
[3] علقم، رجاء خالد أحمد يوسف، ومجذوب بخيت محمد توم (2018)، الإعلام الجديد ودوره في تشكيل ثقافة الشباب الجامعي بالسودان (Doctoral dissertation، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا).
[4] د. انتصار إبراهيم عبد الرازق، ود. صفد حسام الساموك، الإعلام الجديد.. تطور الأداء والوسيلة والوظيفة، سلسلة مكتبة الإعلام والمجتمع، جامعة بغداد، ط1، 2011، ص13.
[5] الإعلام المرئي والمشاركة السياسية تحليل سيميولوجي لخطابات الرئيس بوتفليقة خلال الحملة الانتخابية 2009، ليلى بن برغوث، رسالة دكتوراه، جامعة الحاج لخضر، باتنة. ص (157-158).
[6] Arthur Chatora, Encouraging political participation in Africa the potential of social media platforms, p.3.
[7] Internet and electoral observation in Mozambique: voices and experiences-Dércio TSANDZANA- p.6.
[8] مصطلح يشير الى مجموعة من التقنيات الجديدة والتطبيقات الشبكية التي أدت الى تغيير سلوك الشبكة العالمية (الإنترنت). وعرفها tim oreilly بأنها: الجيل الثاني من مواقع وخدمات الإنترنت، والتي عملت على تحويل الإنترنت إلى منصة تشغيل للعمل بدلاً من كونها مواقع فقط، وتعتمد في تكوينها على الشبكات الاجتماعية، ومن مكوناتها: المدونات والويكي واليوتيوب، وهي الصفحات التي يستطيع زائر الموقع التعديل عليها وتسمح للمستخدمين بالتفاعل فيما بينهم من خلالها.
[9] Arthur Chatora, op. cit., p.2.
[10] Statista, Social media in Africa- statistics & facts, Nov 17, 2022, on: https://bit.ly/3Faznmu.
[11] Ibid.
[12] Ibid.
[13] وكالة الأناضول للأنباء، صحفيون أتراك وأفارقة: الإعلام الرقمي يحاصر نظيره التقليدي، 25 مايو 2022، على الرابط التالي:
https://bit.ly/3L9AxSV
[14] وكالة الأناضول للأنباء، الإعلام في إفريقيا.. من يسيطر على ماذا؟، 2 يونيو 2022، على الرابط الآتي:
https://bit.ly/3ZNLuhL.
[15] المصدر السابق.
[16] Yusuf Kalyango Jr., Ph.D. and Benjamin Adu-Kumi, Impact of Social Media on Political Mobilization, in East and West Africa, Global Media Journal Spring 2013, Paper Presented at the 6th Annual Forum, Saudi Association for Media and Communication, King Saud University– Riyadh, 15–16 April, 2012, pp.1,2.
[17] Ibid.
[18] Ndlela, Martin N., and Winston Mano, eds. Social media and elections in Africa, volume 1: Theoretical perspectives and election campaigns. Springer Nature, 2020, p.61.
[19] Ibid., p.6.
[20] Munir, S. (2018), Social Media and Shaping Voting Behaviour of Youth: The Scottish Referendum 2014 Case. The Journal of Social Media in Society, 7(1), 253–279.
[21] Ndlela, Martin N., and Winston Mano, eds, op. cit., pp.128-129.
[22] Howard, Philip N., and Muzammil M. Hussain, “The upheavals in Egypt and Tunisia: The role of digital media”. Journal of Democracy 22.3 (2011): 35-48.
[23] Ndlela, Martin N., and Winston Mano, eds, op. cit., p.200.
[24] Kwami Ahiabenu, ICTs influence on changing face of elections in Ghana: myth or reality?, p.10.
[25] Ndlela, Martin N., and Winston Mano, eds, op. cit., pp.209-210.
[26] Dércio Tsandzana, Internet and electoral observation in Mozambique: voices and experiences, p.6.
[27] Arthur Chatora, op. cit., p.6-15.
[28] Ndlela, Martin N., and Winston Mano, eds, op. cit., p.197.
[29] Arthur Chatora, op. cit., p.6-15
[30] Dércio Tsandzana, , op. cit., p.7.
[31] Ndlela, Martin N., and Winston Mano, eds, op. cit., p.4.
[32] Internet Revolutions, Democratic Globalization and Elections Outcome in the Twenty-First Century: Echoes from Nigeria, p.18.
[33] الإعلام الجديد وإدارة الحملات الانتخابية، أحمد الشورى أبو زيد، سلسلة أوراق، العدد 17، مكتبة الإسكندرية، ص35.
[34] https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-3-030-30553-6_1
[35] Arthur Chatora, op. cit., p.6-15.
[36] Ndlela, Martin N., and Winston Mano, eds, op. cit., pp.121-122.
[37] Francisca Sassetti, Social Media and Crowdsourced Election Monitoring: Prospects for Election Transparency in Sub-Saharan Africa, p.13.
[38] “Mapping Terror in Zimbabwe: Political Violence & Elections 2008”, Sokwanele, on: http.//www.sokwanele.com/map/electionviolence.
[39] Francisca Sassetti, op. cit., p.8.
[40] Ndlela, Martin N., and Winston Mano, eds, op. cit., p.4.
[41] ليبيريا ميديا سنتر LMC: مركز يعمل في مجالات تطوير وسائل الإعلام، والوصول إلى المعلومات، والشفافية والمساءلة، وبناء السلام في ليبيريا.
[42] Thomas N. Smyth- Michael L. Best, Tweet to Trust: Social Media and Elections in West Africa, p.138.
[43] https://eie.ng/2023-elections-it-is-time-for-honest-conversations/ 2023 Elections: It is time for Honest Conversations.
[44] Thomas N. Smyth- Michael L. Best, op. cit., p.138.
[45] ICTs influence on changing face of elections in Ghana: myth or reality?-Kwami Ahiabenu, p.7.
[46] Youth and Elections، https://aceproject.org/ace-en/topics/yt/yt40/yt410/social-media











































