تشهد نهايات شهر أكتوبر الجاري فعاليات مهمة في التعاون الإفريقي مع دول مهمة مثل روسيا والصين، ويُلاحظ تركيز هذا التعاون على قضايا تنموية مُلِحّة لها أولوية في الدول الإفريقية في المقام الأول، وتلبّي في الوقت ذاته اهتمامات بكين وموسكو بشكلٍ متزايد كبديل عن النموذج التنموي “الغربي”.
يتناول المقال الأول التعاون الصيني-الإفريقي في مجال المناخ ومواجهة تغيُّراته وتحدياته في إفريقيا.
أما المقال الثاني فيتناول توقُّعات القمة الروسية-الإفريقية المقررة في 28 أكتوبر الجاري.
ويتناول المقال الثالث واحدًا من أهم مجالات التعاون الروسي الإفريقي، وهو مجال تصدير القمح الروسي لإفريقيا كرافعة مُهمة في هذا التعاون.
الفصل التالي من التعاون الإفريقي الصيني في مجال المناخ([1]) :
فيما يأخذ التعاون المناخي للصين مع إفريقيا توجهًا استثماريًّا بشكل أكبر، فإن التركيز يصبح متزايدًا على التحول الصناعي. لقد مرت خمسة أعوام تقريبًا على تبنّي إعلان تعاون الصين مع إفريقيا لمكافحة التغيُّر المناخي Declaration on China-Africa Cooperation on Combating Climate Change (2021) خلال أعمال المنتدى الثامن للتعاون الصيني الإفريقي FOCAC8 في العام 2021. وركزت المناقشات منذ ذلك الوقت على مؤشرات بسيطة لتعكس التقدم المنجز؛ على سبيل المثال: عدد المشروعات المعلنة، وحجم الاستثمارات الجديدة، وحجم التزامات الطاقة المتجددة.
ومن الوهلة الأولى يُقدّم ما يُعرَف بـ China- Africa Climate Action Tracker (متتبع العمل المناخي الصيني الإفريقي) الذي تصدره Development Reimagined معلومات حول ذلك. إذ حصر المتتبع 246 عملًا مناخيًّا تم إعلانه بالفعل في 50 دولة إفريقية في الفترة ما بين 2022 والنصف الأول من العام الجاري (2026)، بما فيها نحو 49 جيجاوات من الطاقة المتجددة في خطوط أنابيب التنمية، والتكنولوجيات النظيفة، والنقل النظيف، في المعادن المهمة في الفترة الأخيرة.
على أيّ حال، فإن مثل هذه النتائج مهما كانت ذات أهمية، إلا أنها لا تُقدّم سوى جانب واحد من الشراكة التي تطوّرت بشكل كبير في الأعوام الخمسة الماضية.
وبعيدًا عن الأرقام، يكشف نظام التتبُّع عن ثلاثة تحولات هيكلية طرأت منذ انعقاد الدورة الثامنة لمنتدى التعاون الصيني الإفريقي؛ وهي: تحوُّل التعاون ليصبح مدفوعًا بالاستثمار بشكل أكبر، وارتباط التعاون الوثيق بالتصنيع الأخضر، وتزايد تركيزه على بناء مؤسسات طويلة الأمد. ومع اقتراب الدورة العاشرة للمنتدى في العام المقبل 2027، تحمل مثل هذه التحولات دلالات مهمة حول كيفية تصميم التعاون المستقبلي بين إفريقيا والصين في مجال المناخ وتقييمه.
من تقديم البنية الأساسية إلى الاستثمار بعيد الأجل:
يأتي التغير الأول متمثلًا في الانتقال من التعاون الذي تقوده قطاعات المقاولات إلى شراكات الاستثمار بعيد المدى. ولسنوات طويلة كان التعاون الإفريقي الصيني في قطاع الطاقة مرتبطًا لفترة طويلة بالمشروعات الهندسية والتشييد وقامت الشركات الصينية، التي كانت تخوض مناقصات وتفوز بعمليات توريد مموّلة مِن قِبَل حكومات أو بنوك إفريقية، ببناء محطات الطاقة وخطوط نقلها، والبنية الأساسية الأخرى التي دعمت التطلعات الطاقية للدول الإفريقية. ولا يزال هذا النموذج هامًّا، ويسهم في الانتقال الطاقي الإفريقي.
على أيّ حال، فإن مؤشر العمل المناخي بين الصين وإفريقيا يشير إلى التطور الملحوظ في الشراكة بين الجانبين؛ فالمشاريع القائمة على الاستثمار ورأس المال، ومشاريع الهندسة والمشتريات والإنشاءات، ونقل التكنولوجيا، تزداد أهميةً، بينما تتراجع حصة مشاريع الهندسة والمشتريات والإنشاءات التقليدية. وعلى الرغم من مواصلة الشركات الصينية المملوكة للدولة، مثل Power China، وشركة Energy China، لعب أدوار مهيمنة في تنفيذ المشاريع في إفريقيا؛ فإن عددًا متزايدًا من الشركات الصينية الخاصة تُوسّع نطاق وجودها من خلال الاستثمار في التصنيع المحلي وقدرات الإنتاج المحلية.
وعلى سبيل المثال، أعلنت شركة صينية عن مشروعات لتصنيع بطاريات الليثيوم في زامبيا في العام 2024 باستثمارات تقترب من 30 مليون دولار. ويعمل المصنع الواقع في منطقة التعاون الاقتصادي والفني الدولي “جيانجشي الزامبي الصيني” Zambia-China Jiangxi International Economic and Technical Cooperation Zone, حاليًا بكامل قدرته.
التعاون في مجال المناخ يصبح أجندة صناعية خضراء:
أما التحول الثاني فإنه أكثر إثارةً للاهتمام؛ إذ بدأ التعاون المناخي بين إفريقيا والصين يتجاوز نطاق مشاريع الطاقة المتجددة المفردة، ليتجه نحو تطوير سلاسل قيمة صناعية خضراء متكاملة. كما يُلاحظ أنه بالرغم من استمرار هيمنة البنية التحتية للطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية على التعاون المناخي بين إفريقيا والصين؛ إلا أن نظام التتبُّع يكشف أيضًا عن بروز سريع للمعادن الهامة كعنصر جوهري في هذا التعاون.
وقد بدأت مؤسسة Development Reimagined، على سبيل المثال، في العام 2025، برصد مشاريع المعادن الحيوية بين إفريقيا والصين بشكل منهجي؛ حيث حددت حتى الآن قرابة 20 مشروعًا تتعلق بالليثيوم، والجرافيت، والعناصر الأرضية النادرة، وغيرها من الموارد الإستراتيجية. والأهم من ذلك، أن لثمانية دول من الدول التسع التي تستضيف هذه المشاريع الخاصة بالمعادن الحيوية، مشاريع في مجال الطاقة المتجددة. ويشير هذا التداخل إلى وجود فرص تستغلها الشركات الصينية والإفريقية لتوسيع نطاق التعاون، بحيث لا يقتصر على استخراج المعادن فحسب.
التطلع لمنتدى التعاون الصيني-الإفريقي العاشر:
في المحصلة إذن، ما الذي تشير إليه هذه الاتجاهات الثلاثة (بما فيها التوجه نحو مشروعات جماعية) بالنسبة للمرحلة المقبلة من التعاون المناخي بين إفريقيا والصين؟ وتشير مؤسسة Development Reimagined إلى أنه على الرغم من أن عدد مجموع الميجاوات (المنتجة) سيظل مقياسًا مهمًّا للتقدم – لا سيما في سياق هدف الوصول إلى 300 جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، وهو الهدف الذي أعلنه القادة الأفارقة في “إعلان نيروبي” لعام 2023؛ فإن المرحلة التالية من التعاون المناخي بين إفريقيا والصين تتيح فرصة أمام النسخة العاشرة من منتدى التعاون الصيني الإفريقي لتتجاوز مجرد الإعلان عن جيل جديد من المشاريع؛ إلى إسهام المنتدى في تهيئة الظروف التي تضمن تحقيق هذه المشاريع لقيمةٍ مستدامة.
هل يمكن أن تُحوّل موسكو صلاتها السياسية مع إفريقيا إلى نموّ تجاري واستثماري واقتصادي؟([2])
تُعدّ روسيا وإفريقيا حاليًّا لقمة روسيا-إفريقيا الثالثة التي يتوقع أن تزيد بقوة من الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي الثنائي. كما يجري العمل على قدم وساق، بالتنسيق مع المكتب التنفيذي لرئيس الاتحاد الروسي، لتحقيق تعاون وثيق مع الشركاء الأفارقة، بدافع من المصالح المشتركة من أجل نجاح هذا الاجتماع المرتقب رفيع المستوى.
ووفقًا لآخر معلومات متوفرة فإن الدول الإفريقية وقادة منظمات التكامل الإقليمي في القارة قد تلقوا دعوات لحضور هذا الاجتماع المقرر في 28 أكتوبر الجاري في مركز معارض جوستيني دفور Gostiny Dvor Exhibition Centre. ويتوقع حضور الاجتماع أكثر من 2000 ضيف للقمة المنعقدة تحت شعار “من أجل السلام والأمن والتنمية”، وأن يركز على الاقتصاد والتجارة والاستثمار. وتشمل أولويات الأجندة الأخرى التعاون في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وتطوير نظم مدفوعات مستقلة، والأمن الغذائي، والتكيف الرقمي- بما في ذلك نشر تقنيات الذكاء الاصطناعي.
كما سيعقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على هامش القمة، لقاءً تقليديًّا (ومتبعًا من القمم السابقة) مع قادة التجمعات الإقليمية الإفريقية، كما أنه من المقرر إجراء محادثات ثنائية مع عدد من القادة الأفارقة.
ومن المقرَّر أن يقيم وزير الخارجية سيرجي لافروف مأدبة إفطار عمل لنظرائه من وزراء خارجية الدول الإفريقية. ويتضمّن برنامج القمة نحو 40 جلسة نقاشية تتناول القضايا الأكثر إلحاحًا في إطار التعاون الروسي-الإفريقي، موزعةً على المحاور الموضوعية التالية:
- السيادة: ركيزة التنمية المستدامة.
- اقتصاد التنمية السيادية.
- التعاون في المجالات الاجتماعية وتنمية رأس المال البشري.
- التكنولوجيا والابتكار من أجل تحسين جودة الحياة.
وتُنظّم وزارة الخارجية الروسية جلستين، هما: “البعد الرقمي: الآفاق والتحديات”، و”من الابتكار إلى العمل: الذكاء الاصطناعي كمُحرّك للتنمية في روسيا وإفريقيا”.
دور وسائل الإعلام في العلاقات الروسية الإفريقية:
تزداد أهمية القارة الإفريقية يومًا بعد آخر في عالم اليوم وفي النظام الدولي. وتضيف العلاقات الروسية الإفريقية بُعدًا إضافيًّا لمثل هذه التطورات، ولا سيما مع الدعم الذي توفّره قنوات الاتصال المتسعة في مجالات متنوّعة من التعاون.
ويمكن لوسائل الإعلام أن تؤدي دورًا حاسمًا في بناء علاقات فعَّالة؛ إذ يتم تصوير إفريقيا في وسائل الإعلام (الروسية والعالمية) على أنها تعاني من صراعات عديدة -سواء كانت بين الدول أو ذات طابع ديني أو عرقي-، وما تشهده من عدم استقرار سياسي واقتصادي، فضلًا عن مجموعة من المشكلات الديموغرافية والاجتماعية. كما أن وسائل الإعلام في القارة الإفريقية لا تخصص سوى مساحة ضئيلة للتعريف بروسيا المعاصرة، ولتسليط الضوء على الخطوات التي تتخذها قيادتها السياسية لمواجهة التحديات العالمية.
ويضاف إلى ذلك أن الدول الإفريقية تواجه تحديات جسيمة؛ إذ يؤدي النمو السكاني المتسارع، والمصحوب بتفاقم أزمة الطاقة، إلى كبح النمو الاقتصادي في القارة. كما أن تحديات من قبيل ضعف البنية التحتية لقطاع النقل، ومحدودية وصول السكان إلى الخدمات الصحية، وتدنّي مستويات التعليم، وانعدام الأمن الغذائي، تُعيق بشكل كبير جهود إفريقيا الرامية إلى تحسين جودة الحياة في المنطقة. ومن الواضح أن معالجة هذه المشكلات تتطلب برنامجًا تنمويًّا واسع النطاق، يستند إلى إستراتيجية تهدف إلى تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وفي هذا السياق، يمكن للتقنيات النووية أن تُشكّل دافعًا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وأن تُقدّم حلًّا شاملًا للمشكلات الهيكلية التي تعاني منها القارة بأكملها (بحسب التصور الروسي الرائج إعلاميًّا).
وبشكلٍ عام، فإن روسيا تتطلع لتعميق علاقاتها مع الدول الإفريقية في ضوء بعض الحقائق مثل أنه بحلول عام 2050، سيصل إجمالي الناتج المحلي لإفريقيا إلى 29 تريليون دولار، وهو ما يتجاوز مجموع الناتج المحلي للولايات المتحدة ومنطقة اليورو في عام 2025. كما أن إستراتيجيات النمو على المستويين الوطني والقاري، إلى جانب توقُّعات مراكز الفكر العالمية، تبرز بشكل واضح مجالات النمو والمحركات الرئيسية المحتملة لصعود القارة على المدى المتوسط والطويل، وهي: السلع الأساسية، والبنية التحتية (المرافق والطرق) والتصنيع، والتركيبة السكانية، والتعليم، وتوسع الطبقة الوسطى، وتيسير الوصول إلى الخدمات المالية.
روسيا لا تزال مُورّد القمح الأكبر لشرق إفريقيا([3]) :
باتت إفريقيا واحدةً من أهم مقاصد تجارة القمح العالمية؛ والقارة لا تعتمد على مورد واحد للقمح. كما لا تعتمد القارة حتى على ممر إمداد واحد. وتهيمن روسيا على واردات القمح في أجزاء كبيرة من شمال إفريقيا وشرقها. ولا يزال المُصدّرون الغربيون يُوجّهون أغلب إنتاجهم لأسواق شمال إفريقيا وغربها. فقد حققت كندا والولايات المتحدة مراكز هامة في الأسواق التي يطلب فيها المستوردون قمحًا مرتفع البروتين، بينما أصبحت أستراليا والأرجنتين أسواقًا تتيسر فيها المنافسة من جهة السعر والجودة واقتصاديات النقل.
وكانت نتيجة كل ذلك أن سوق القمح في القارة لم يتشكّل بدرجة أقل بعوامل الجغرافيا وحدها، بل بعوامل مثل جودة الحبوب وتكاليف النقل والمشتريات الحكومية وتوفر العملة، ومتطلبات صناعات طحن الحبوب المحلية. ويُوضّح حجم واردات القمح القارية لماذا تؤثر التغيرات في البحر الأسود أو أوروبا أو أمريكا الشمالية بسرعة بالغة على أسواق الغذاء الإفريقية.
ونشرت وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) بيانات في أبريل 2026، وضعت فيها واردات الحبوب الشمال إفريقية عند 33,4 مليون طن للعام 2025- 2026، وواردات إفريقيا جنوب الصحراء عند 31,5 مليون طن، ويبلغان معًا 65 مليون طن. وتمثل شمال إفريقيا وحدها 15% من إجمالي واردات القمح في العالم، بينما استمر الطلب في إفريقيا جنوب الصحراء في الارتفاع حتى خلال الفترات التي تراجعت فيها تجارة القمح العالمية.
وتأتي كلّ من مصر والجزائر والمغرب ونيجيريا بين أكبر المشترين في إفريقيا، بينما تستورد كينيا وجنوب إفريقيا والسودان وإثيوبيا وتنزانيا كميات كبيرة؛ لأن الإنتاج المحلي بها لا يُغطّي الاستهلاك بشكل كامل. ويكون استهلاك القمح في الكثير من هذه الأسواق متوسعًا مع حركة العمران والنمو السكاني والتجزئة الرسمية والفنادق والمطاعم والمخابز وتصنيع الغذاء المُعلّب مما يَخلق طلبًا على الاستيراد الذي لا يمكن تلبيته بسهولة بالإنتاج المحلي على المدى القصير.
وتحتل روسيا الآن مكانة أقوى في سوق إفريقيا لواردات القمح، ولا سيما في شمال إفريقيا وشرقها؛ لأنها تجمع بين الفوائض التصديرية الضخمة، والأسعار التنافسية بشكل واضح، والقرب النسبي من موانئ البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي.
…………………………………
[1] -Yike Fu, The Next Chapter of Africa-China Climate Cooperation, The Diplomat, October 23, 2026 https://thediplomat.com/2026/10/the-next-chapter-of-africa-china-climate-cooperation/
[2] Kester Kenn Klomegah, Russia-Africa Summit: Can Moscow Turn Political Ties Into Trade, Investment and Economic Growth? Modern Diplomacy, October 25, 2026 https://moderndiplomacy.eu/2026/10/25/russia-africa-summit-can-moscow-turn-political-ties-into-trade-investment-and-economic-growth/
[3] Russia Remains East Africa’s Biggest Supplier of Wheat, The Tanzania Times, October 25, 2026 https://tanzaniatimes.net/russia-remains-east-africas-biggest-supplier-of-wheat/










































