الملخص:
يشهد نشاط تنظيم الدولة في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل تحولات تتجاوز التغير في أعداد الهجمات، لتشمل اتساع بعض مسارات الانتشار، ومحاولات تعزيز الروابط بين مسارح العمليات، واستغلال الفجوات الأمنية والاجتماعية في المناطق الطرفية. وتبرز أهمية هذه التحولات في ضوء نشاط ولاية تنظيم الدولة في غرب إفريقيا، التي تتركز تاريخياً في شمال شرق نيجيريا وحوض بحيرة تشاد، ونشاط ولاية تنظيم الدولة في الساحل في أجزاء من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، مع مؤشرات حديثة على تفاعل أكبر بين شبكات التنظيم في المنطقتين.
تنطلق المقالة من فرضية مفادها أن قدرة التنظيم على الاستمرار لا ترتبط بالقوة العسكرية وحدها، بل تتصل كذلك بقدرته على استغلال النزاعات المحلية، والموارد غير المشروعة، وضعف الحضور المؤسسي، والتفاوت في التنسيق الأمني بين الدول. وتبحث المقالة في خريطة النشاط، والعوامل المفسرة للاستمرار والانتشار، والتحولات في أساليب العمل، والتداعيات الإقليمية، ثم تعرض سيناريوهات مشروطة وبدائل استجابة تجمع بين الأمن والحوكمة وحماية المدنيين.
مقدمة:
لم يعد نشاط تنظيم الدولة في غرب إفريقيا مجرد امتداد محلي لظاهرة العنف المرتبطة ببوكو حرام، بل غدا جزءاً من مشهد أمني تتداخل فيه التنظيمات المسلحة المحلية مع شبكات مسلحة عابرة للحدود، وتتفاعل فيه الصراعات الداخلية مع التحولات السياسية والعسكرية في منطقة الساحل.
وقد أتاح استمرار النزاعات المسلحة في أجزاء من نيجيريا والنيجر ومالي وبوركينا فاسو فرصاً للتنظيمات المسلحة كي تعيد بناء قدراتها، وتستغل الفجوات التي تنشأ حين تتراجع قدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات بصورة مستدامة. وتكتسب الظاهرة أهمية إضافية بسبب التداخل الجغرافي بين حوض بحيرة تشاد ومنطقة الساحل؛ فالمسارات الاقتصادية والاجتماعية لا تتوقف عند الحدود السياسية، كما أن صعوبة مراقبة بعض المناطق الريفية والحدودية تتيح للجماعات المسلحة فرصاً للحركة وإعادة الانتشار[1].
ومن هنا نستطيع أن نقول إن التهديد لا يتمثل فقط في الهجمات داخل مناطق النفوذ التقليدية، بل أيضاً في قدرة التنظيمات على بناء روابط دعم وتجنيد وإمداد عبر مسارح متباعدة[2].
ويقدم تحليل نشره معهد الدراسات الأمنية الإفريقي في 27 يوليو 2026م مؤشرات على تحركات عابرة للأقاليم، شملت تقارير عن نية ولاية تنظيم الدولة في غرب إفريقيا إرسال مقاتلين لدعم ولاية التنظيم في الساحل بمنطقة ميناكا Ménaka في مالي، إلى جانب مؤشرات على عبور عناصر من الساحل إلى مناطق في شمال غرب نيجيريا.
ويستند بعض هذا التقدير إلى إفادات من منشقين ومصادر ميدانية؛ لذلك ينبغي التعامل معه بوصفه مؤشراً تحليلياً مهماً لا دليلاً قاطعاً على اندماج كامل بين القيادتين أو توحيد جميع عملياتهما[3].
وتستلزم دراسة هذه التطورات التمييز بين مسارين تنظيميين وميدانيين مختلفين نسبياً. يتمثل الأول في ولاية تنظيم الدولة في غرب إفريقيا، التي ارتبطت رسمياً بتنظيم الدولة عام 2015م وشهدت انقساماً داخلياً واضحاً عام 2016م، وتتركز عملياتها في شمال شرقي نيجيريا وحوض بحيرة تشاد[4].
أما الثاني فهو ولاية تنظيم الدولة في الساحل، التي تطورت من تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى ورُفعت إلى فرع رسمي ضمن الهيكل التنظيمي للتنظيم عام 2022م[5]. وعلى الرغم من ارتباط المسارين بالمشروع التنظيمي الأوسع، فإن لكل منهما بيئته المحلية وشبكاته وحساباته الميدانية.
وتسعى المقالة إلى الإجابة عن سؤال رئيس: كيف تطور نشاط تنظيم الدولة في غرب إفريقيا والساحل، وما العوامل التي تفسر قدرته على الاستمرار والانتشار، وما انعكاسات ذلك على الأمن الإقليمي، وما السياسات التي يمكن أن تحد من قدرته على إعادة إنتاج التهديد؟
وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مع المقارنة بين مسرحي بحيرة تشاد والساحل، وتحليل تفاعل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية، والاستناد إلى تقارير مؤسسية وبحثية منشورة. ويُراعى التمييز بين الوقائع الموثقة والتقديرات التحليلية والمعلومات التي لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل.
أولاً: خريطة النشاط التنظيمي وحدود الانتشار الجغرافي:
يمثل حوض بحيرة تشاد أحد المراكز الرئيسية للنشاط المسلح المرتبط بتنظيم الدولة في القارة الإفريقية. وتتركز أهمية هذا المجال في شمال شرقي نيجيريا، ولا سيما ولاية بورنو، إلى جانب المناطق المتاخمة للحدود مع النيجر وتشاد والكاميرون. وقد أتاح امتداد البيئة الجغرافية عبر أربع دول، إلى جانب صعوبة مراقبة بعض المناطق الريفية والمائية، للجماعات المسلحة فرصاً للحركة والاختباء وإعادة تنظيم صفوفها[6].
وأسهم الانقسام الذي شهدته بوكو حرام عام 2016م في ترسيخ مسارين مسلحين رئيسين: ولاية تنظيم الدولة في غرب إفريقيا، والفصيل الذي واصل نشاطه تحت قيادة أبو بكر شيكاو. ولم يؤدِّ هذا الانقسام إلى إنهاء التهديد، بل أوجد بيئة تنافسية بين فصائل مسلحة تتباين في قياداتها وأولوياتها وأساليب تعاملها مع السكان المحليين. ويتعين لذلك تجنب استخدام تسمية «بوكو حرام» باعتبارها وصفاً جامعاً ودقيقاً لكل الفصائل النشطة في المنطقة[7].
وتجمع ولاية تنظيم الدولة في غرب إفريقيا بين استهداف القوات الحكومية، والضغط على بعض التجمعات السكانية، واستغلال الموارد المحلية وشبكات الإمداد غير المشروعة[8]. ولا يعني ذلك أنها تمتلك سيطرة مستقرة ومتجانسة على جميع المناطق التي تنشط فيها؛ إذ تتغير مستويات نفوذها تبعاً للعمليات العسكرية، والصراع مع الفصائل المنافسة، وقدرة السلطات على الاحتفاظ بالمواقع التي تستعيدها. ومن ثَمّ، فإن قياس النشاط لا ينبغي أن يعتمد على عدد الهجمات وحده، بل يجب أن يشمل قدرة التنظيم على إعادة الانتشار، والحفاظ على شبكات الدعم، وتهديد طرق الحركة والإمداد.
أما في منطقة الساحل، فقد ترسخ نشاط ولاية تنظيم الدولة في الساحل في أجزاء من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خصوصاً في المناطق الحدودية المعروفة بمنطقة ليبتاكو-غورما[9]. ويشير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026م إلى ارتفاع ملحوظ في نشاط تنظيم الدولة في النيجر خلال 2025م؛ إذ سجل التقرير 33 هجوماً منسوباً إلى التنظيم أوقعت 416 قتيلاً، مقارنةً بـ12 هجوماً و108 قتلى في 2024م[10].
وهذه أرقام منسوبة وفق منهجية التقرير، ولا ينبغي الخلط بينها وبين إجمالي حوادث الإرهاب في البلاد أو اعتبارها مقياساً منفرداً لكل أبعاد التهديد.
وتكشف بيانات المؤشر عن أهمية المناطق الحدودية في استمرار العنف المسلح، وعن امتداد نشاط التنظيم نحو أقاليم مجاورة في النيجر ونحو شمال غرب نيجيريا[11]. غير أن وجود التنظيم في منطقةٍ ما، وقدرته على تنفيذ هجمات فيها، وامتلاكه نفوذاً مستمراً أو سيطرة فعلية على أرض، مؤشرات مختلفة ينبغي عدم الخلط بينها. فقد تنفذ الجماعة هجوماً في منطقة لا تمتلك فيها بنية تنظيمية مستقرة، وقد تحتفظ بشبكات دعم في مناطق لا تظهر فيها عمليات معلنة بصورة متكررة[12].
وتشير تقارير معهد الدراسات الأمنية ISS إلى أن التفاعل بين مسرحي بحيرة تشاد والساحل لم يعد مجرد احتمال نظري؛ فقد نقل التقرير الصادر في 27 يوليو 2026م معلومات عن تحركات مقاتلين وروابط دعم بين الولايتين، وعن نشاط عناصر مرتبطة بالساحل في ولايتي سوكوتو وكيبي شمال غرب نيجيريا. ومع ذلك، فإن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات أن الولايتين تعملان بقيادة عملياتية موحدة أو أن كل تحرك ميداني يجري بتوجيه مركزي مباشر[13]. وتتمثل الدلالة الاستراتيجية لهذه التطورات في احتمال تزايد الترابط بين مسارح النشاط، بما يفرض على الدول المعنية تطوير آليات تنسيق تتجاوز حدود العمليات الوطنية المنفصلة. فالمشكلة لا تقتصر على ملاحقة جماعة داخل إقليم محدد، وإنما تشمل فهم العلاقات المحتملة بين شبكات متعددة، ومراقبة تحولات الانتشار، وتبادل المعلومات بشأن المخاطر العابرة للحدود.
ثانياً: العوامل المفسرة لاستمرار النشاط والتوسع:
لا يمكن تفسير استمرار التنظيم دون النظر إلى الفجوة القائمة في بعض المناطق بين الحدود القانونية للدولة وقدرتها الفعلية على توفير الأمن والخدمات وتسوية النزاعات. ففي المناطق التي يضعف فيها حضور المؤسسات العامة أو يتسم بالانقطاع، تتسع الفرص أمام الجماعات المسلحة لاستغلال المظالم المحلية أو فرض نفوذها[14].
ولا يعني ذلك أن ضعف الدولة يؤدي تلقائياً إلى التطرف؛ إذ تتوقف النتائج على طبيعة العلاقات الاجتماعية، وقدرة المؤسسات المحلية، ووجود بدائل اقتصادية، ومدى قبول السكان لسلطة الجماعات المسلحة أو رفضهم لها.
وقد وصف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن أنشطة مكتب الأمم المتحدة لغرب إفريقيا والساحل، الذي يغطي الفترة من 29 نوفمبر 2025م إلى 30 يونيو 2026م، البيئة الأمنية بأنها تتسم بتداخل التوترات بين الدول والهجمات الإرهابية والجريمة المنظمة العابرة للحدود. وأشار التقرير إلى استغلال الجماعات المسلحة فجوات الحوكمة والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والحدود المسامية لتعزيز الهجمات ومحاولة توسيع السيطرة على المجال والموارد. ويؤكد ذلك أن التهديد الأمني لا ينفصل عن قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات وإدارة النزاعات بصورة موثوقة[15].
ويمثل التنافس بين تنظيم الدولة والجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة عاملاً رئيسياً في تشكيل خريطة العنف المسلح. ففي منطقة الساحل، ينشط تنظيم الدولة في الساحل إلى جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة، بينما تتسم البيئة النيجيرية بتعدد الفصائل المنبثقة عن بوكو حرام وتداخلها مع أشكال أخرى من العنف المسلح[16]. ولا يقتصر التنافس على الخلافات الأيديولوجية، بل يتصل أيضاً بالنفوذ المحلي، والسيطرة على الموارد، وطرق التجارة، والقدرة على استقطاب المقاتلين، وتحديد طبيعة العلاقة مع المجتمعات الريفية.
وقد يؤدي هذا التنافس إلى زيادة العنف ضد المدنيين، خاصةً عندما تتهم جماعة ما السكان بالتعاون مع منافسيها أو مع القوات الحكومية. وفي المقابل، قد يدفع الجماعات إلى تعديل سلوكها الميداني أو تغيير مناطق نشاطها أو محاولة توسيع شبكاتها خارج مناطق نفوذها التقليدية. لكن العلاقات بين الجماعات ليست ثابتة؛ فقد تتصاعد المواجهات في منطقة بينما تتغير أنماط الحركة والضغط في منطقة أخرى. ولذلك يتطلب فهم التهديد تحليل العلاقات المتغيرة بين الجماعات بدلاً من افتراض وجود جبهة متجانسة تجمعها مصالح واحدة.
وتحتاج الجماعات المسلحة إلى موارد تضمن استمرار نشاطها، ولا يتوقف ذلك على الدعم الخارجي. ففي البيئات التي تنتشر فيها الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية، قد تستغل التنظيمات التهريب والابتزاز وفرض الجبايات غير القانونية، وتستفيد من هشاشة الرقابة على بعض طرق التجارة والمناطق الحدودية[17].
ومع ذلك، ينبغي عدم افتراض أن جميع الأنشطة غير المشروعة تقع تحت سيطرة التنظيم أو أن كل حركة تجارية عبر الحدود ترتبط بالإرهاب؛ فالتجارة غير الرسمية تشمل أيضاً أنشطة معيشية يعتمد عليها سكان لا يملكون بدائل كافية. وفي تقديري أن التعامل الفعّال مع هذا البعد يتطلب التمييز بين الاقتصادات المحلية الضرورية للمعيشة وبين أنشطة الابتزاز والتمويل غير المشروع التي تستفيد منها الجماعات المسلحة. كما يتطلب تعزيز الرقابة المالية والتحقيقات الموجهة إلى الشبكات ذات الصلة، بالتوازي مع توفير بدائل اقتصادية تقلل اعتماد السكان على الوسطاء المسلحين.
وأثرت الانقلابات والتحولات في الشراكات الأمنية والعلاقات بين دول الساحل في بنية التعاون الإقليمي. فقد أدت الخلافات السياسية بين بعض الحكومات إلى تعقيد التنسيق بين الدول التي تواجه تهديدات متقاربة، بينما استمرت الجماعات المسلحة في استغلال التفاوت بين قدرات الأجهزة الأمنية واختلاف أولوياتها[18].
وعندما تنفذ دولة عملية في منطقة حدودية دون تبادل معلومات فعّال مع الدولة المجاورة، قد تحقق مكاسب تكتيكية محدودة بينما تحتفظ الجماعات بقدرتها على إعادة الانتشار خارج نطاق الضغط المباشر[19].
ثالثاً: تطور أساليب النشاط والقدرات العملياتية:
لا ينبغي النظر إلى تطور نشاط التنظيم باعتباره انتقالاً خطياً من مرحلة إلى أخرى؛ فقد تتعايش الهجمات على القوات الحكومية، واستهداف البنية الأساسية، والضغط على التجمعات السكانية، ومحاولات فرض النفوذ المحلي. لكن بعض المؤشرات تشير إلى أن التنظيمات المرتبطة بتنظيم الدولة تسعى في مناطق محددة إلى تجاوز الهجمات المتفرقة نحو التأثير المستمر في قدرة الدولة على الحركة والوصول إلى الأطراف[20]. ويظل تنفيذ هجوم كبير مختلفاً عن امتلاك القدرة على الاحتفاظ بالموقع أو فرض إدارة مستقرة عليه.
وقد مثّل الهجوم الذي استهدف مطار «ديوري هاماني» الدولي والقاعدة الجوية 101 في نيامي خلال ليلة 28–29 يناير 2026م مثالاً على اتساع التهديد الذي تواجهه المنشآت الحيوية. وأفادت تقارير صحفية بأن تنظيم الدولة في الساحل أعلن مسؤوليته عن الهجوم، الذي استخدمت فيه أسلحة نارية وطائرات مسيّرة، فيما أعلنت السلطات النيجرية صد الهجوم ومقتل مسلحين واعتقال آخرين[21]. ويستدعي تناول الواقعة التمييز بين ما أعلنته السلطات، وما تبنته الجماعة، وما أمكن التحقق منه بصورة مستقلة.
وتبرز أهمية الطائرات المسيّرة في هذا السياق بوصفها أداةً يمكن أن تُستخدم للاستطلاع أو الإرباك أو الهجوم، دون أن يعني ذلك امتلاك الجماعات المسلحة قدرات جوية متقدمة أو تفوقاً مستداماً. وقد تناول تحليل نشرته «الجزيرة» في فبراير 2026م ازدياد استخدام الجماعات المرتبطة بتنظيم الدولة والقاعدة للطائرات المسيّرة في بعض مناطق الساحل، سواء لجمع المعلومات أو لاستهداف مواقع عسكرية[22]. ومع ذلك، لا يُثبت نجاح عملية منفردة أن التنظيم يمتلك قدرة متكررة على تنفيذ دورة استهداف متكاملة أو أن هذه الأداة وحدها تفسر نتائج الهجوم.
كما أن التجنيد لا يحدث بطريقة واحدة؛ فقد يعتمد على الإكراه والتهديد، أو الروابط الاجتماعية، أو استغلال المظالم المحلية، أو تقديم حوافز اقتصادية في بيئات تفتقر إلى فرص العمل[23].
ولذلك لا يمكن أن تقتصر مواجهة التجنيد على الاعتقالات والعمليات العسكرية، رغم أهميتها في حالات محددة. بل تتطلب حماية المجتمعات التي تتعرض للابتزاز، وإتاحة مسارات قانونية وآمنة للانشقاق والتسليم وإعادة الإدماج، وتوفير فرص معيشية بديلة.
ومن هنا نستنتج أن المجتمع المحلي ليس مجرد ساحة تتنافس عليها الجماعات المسلحة والدولة، بل عنصراً رئيساً في تحديد فرص نجاح السياسات الأمنية أو تعثرها. فكلما ازدادت ثقة السكان في المؤسسات وقدرتهم على الوصول إلى العدالة والخدمات، تقلصت المساحة المتاحة أمام التنظيمات لاستغلال المظالم، وإن لم يؤد ذلك وحده إلى إنهاء التهديد.
رابعاً: تداعيات النشاط على الأمن الإقليمي:
تتجاوز تداعيات نشاط تنظيم الدولة، وسائر الجماعات المسلحة العاملة في الإقليم، حدود الدول التي تقع فيها الهجمات، بسبب انعكاساته على حركة السكان والتجارة، واستقرار المناطق الحدودية، وقدرة الحكومات على تخصيص الموارد للأمن والتنمية. ويؤدي استمرار العنف إلى تعطيل بعض الأنشطة الاقتصادية، وزيادة المخاطر التي تواجه العاملين في النقل والزراعة والتجارة، فضلاً عن نزوح السكان من المناطق التي تتعرض لهجمات متكررة[24]. كما أن اتساع رقعة النشاط المسلح يفرض ضغوطاً على القوات الحكومية ويوزعها على مساحات واسعة.
وتصبح الاستجابة المنفردة أقل كفاءة عندما تتداخل شبكات الحركة والتمويل والتجنيد بين الدول. وتزداد أهمية التعاون في تبادل المعلومات والتحقيقات المشتركة وتنسيق حماية الحدود، خاصةً في ظل استمرار الخلافات السياسية بين بعض الحكومات. وقد أشار تقرير الأمم المتحدة عن غرب إفريقيا والساحل إلى تداخل الهجمات الإرهابية والجريمة المنظمة والتوترات بين الدول، وهو ما يجعل الأمن الإقليمي قضية مترابطة لا يمكن فصلها إلى ملفات وطنية منعزلة[25].
أما على المستوى الإنساني، فيظل المدنيون هم الأكثر تعرضاً لتبعات العنف، سواء نتيجة الهجمات المباشرة أو النزوح أو تعطيل الخدمات أو القيود التي تفرضها الجماعات المسلحة على الحركة والمعيشة.
ولذلك ينبغي تقييم نجاح السياسات الأمنية من خلال قدرتها على حماية السكان واستعادة الخدمات، وليس فقط عبر عدد العمليات العسكرية أو المواقع التي تعلن السلطات استعادتها. كما ينبغي رصد الانتهاكات التي قد ترتكبها أي جهة مسلحة، وضمان المساءلة وفق القانون[26].
خامساً: سيناريوهات تطور النشاط:
السيناريو الأول: استمرار التوسع المتدرج:
يقوم هذا السيناريو على استمرار التنظيم في استغلال الفجوات الأمنية والاجتماعية، مع توسيع شبكاته في المناطق الحدودية، ومحاولة تعزيز الروابط بين مسرحي الساحل وبحيرة تشاد. ولا يشترط هذا المسار أن يسيطر التنظيم على مدن كبرى، بل قد يظهر في صورة انتشار متقطع وهجمات متباينة ومحاولات لبناء شبكات دعم في مناطق جديدة. وتزداد قابلية هذا السيناريو إذا استمرت الخلافات بين الدول وضعفت آليات تبادل المعلومات ولم تقترن العمليات العسكرية باستعادة الخدمات والحضور المؤسسي.
السيناريو الثاني: احتواء النشاط وإضعاف الشبكات:
يفترض هذا السيناريو تحسن التنسيق بين الدول، وتطوير تبادل المعلومات، واستهداف شبكات التمويل والإمداد على أساس الأدلة، إلى جانب حماية المدنيين وتعزيز الحضور الحكومي في المناطق الطرفية. وقد يؤدي ذلك إلى تقليص قدرة التنظيم على الانتقال بين مسارح النشاط ورفع كلفة إعادة الانتشار. غير أن الاحتواء لا يعني القضاء السريع على التنظيم؛ فقد يحتفظ بخلايا محلية أو يعيد تشكيل نشاطه في مناطق أخرى.
السيناريو الثالث: إعادة تشكيل النشاط نتيجة الضغوط العسكرية:
قد تؤدي الضغوط المتزايدة إلى تغيير جغرافية النشاط بدلاً من إنهائه، فتتراجع قدرة التنظيم على العمل في بعض المناطق بينما يحاول نقل جهوده إلى مناطق أقل حماية أو الاعتماد على شبكات أصغر. ويعني ذلك أن انخفاض الهجمات في منطقة محددة لا يكفي وحده للحكم على تراجع التهديد إقليمياً، ما لم يقارن بالتطورات في المناطق المجاورة وبالمؤشرات المتعلقة بالتجنيد والتمويل والحركة.
وهكذا، فإن التمييز بين الاحتواء الحقيقي وإعادة الانتشار يمثل شرطاً أساسياً لتقييم نتائج العمليات العسكرية، ويستلزم اعتماد مؤشرات متعددة بدلاً من الاكتفاء بالبيانات اليومية عن عدد الهجمات أو الخسائر. وتظل السيناريوهات المطروحة احتمالات مشروطة وليست تنبؤات حتمية، إذ تتأثر بمستوى التنسيق السياسي والأمني، وبقدرة المؤسسات على استعادة الثقة والخدمات.
سادساً: بدائل المواجهة ومتطلبات الاستجابة الإقليمية:
تبدأ المواجهة المستدامة من بناء تصور مشترك لطبيعة التهديد يميز بين ولاية تنظيم الدولة في غرب إفريقيا وولاية التنظيم في الساحل، مع رصد الروابط المحتملة بينهما دون افتراض تطابق هياكلهما أو جميع أولوياتهما. ويتطلب ذلك قنوات منتظمة لتبادل المعلومات والتحليل، وآليات اتصال بين الدول المتجاورة، بما يسمح بمتابعة المخاطر العابرة للحدود وفق أطر قانونية واضحة[27].
وعلى المستوى العسكري، ينبغي أن تتكامل حماية الحدود والمنشآت الحيوية مع تطوير قدرات الإنذار المبكر والاستجابة للطوارئ. كما ينبغي أن تقاس النتائج بمدى انخفاض قدرة الجماعات على تكرار الهجمات وإيذاء المدنيين، لا بعدد العمليات المنفذة وحده. وتقتضي المواجهة مراجعة الدروس المستفادة من الهجمات وتحسين حماية المواقع الحساسة، مع مراعاة القيود العملية والمالية التي تواجه الدول المعنية.
أما على المستوى الاستخباراتي والمالي، فتتمثل الأولوية في تحسين تبادل المعلومات القابلة للتحقق بشأن شبكات التمويل والوسطاء والأنشطة غير المشروعة المرتبطة بالجماعات المسلحة. ويجب أن تستند الإجراءات إلى الأدلة والإجراءات القانونية، وأن تتجنب الخلط بين السكان الذين يمارسون أنشطة معيشية غير رسمية وبين المتورطين فعلياً في تمويل الإرهاب أو تسهيله.
وفي المجال السياسي والمؤسسي، لا بد من ربط استعادة الأمن بعودة الخدمات العامة، وتسوية النزاعات المحلية، وتعزيز الوصول إلى العدالة، وتوفير آليات للشكاوى والمساءلة. فاستعادة السيطرة العسكرية دون بناء مؤسسات قادرة على حماية السكان وتسوية النزاعات قد تؤدي إلى نتائج مؤقتة، تسمح بعودة الجماعات المسلحة عندما تتراجع قدرة الدولة على الحضور المستمر[28].
وتبرز كذلك أهمية برامج الوقاية من التجنيد، وإعادة إدماج من تنطبق عليهم الشروط القانونية بعد مراجعة حالاتهم، وتوفير حماية خاصة للأطفال والضحايا. وينبغي تنفيذ هذه البرامج ضمن ضوابط تضمن عدم الإفلات من المساءلة عن الجرائم الخطيرة، مع إتاحة فرص واقعية للخروج من دوائر العنف. كما يتطلب احتواء التهديد معالجة الانقسامات السياسية التي تعوق التعاون بين الدول، وبناء ترتيبات عملية لتبادل المعلومات حتى في ظل الخلافات السياسية[29].
خاتمة:
يتضح مما سبق أن نشاط تنظيم الدولة في غرب إفريقيا والساحل يتسم بتداخل البعد المحلي مع الروابط العابرة للحدود، وبمحاولات متواصلة لإعادة تشكيل شبكات الانتشار والقدرة على الحركة. ولا يمكن تفسير هذا النشاط بالقدرات العسكرية للتنظيم وحدها؛ إذ تتداخل معه هشاشة الحضور المؤسسي في بعض المناطق، واستمرار النزاعات المحلية، والموارد المرتبطة باقتصادات الصراع، والتنافس بين الجماعات المسلحة، والتحديات التي تواجه التعاون الإقليمي.
وفي تقديري أن المسألة الأكثر أهمية ليست فقط تحديد المناطق التي ينشط فيها التنظيم في الوقت الراهن، بل أيضاً فهم الآليات التي تسمح له بالاستمرار بعد تعرضه للضغط العسكري، والقدرة على إعادة بناء شبكاته أو نقل نشاطه إلى مناطق أخرى. ويقتضي ذلك التمييز بين التراجع العملياتي المؤقت والاحتواء المستدام، وبين الوجود المحدود والسيطرة الفعلية، وبين الروابط التنظيمية المؤكدة والمؤشرات التي لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل.
ولذلك يمكن القول إن المواجهة الأكثر فاعلية تحتاج إلى الجمع بين العمل العسكري المنضبط، والتعاون الاستخباراتي، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وحماية الحدود، وتعزيز المؤسسات المحلية، وتوفير بدائل اقتصادية للسكان، مع مراعاة القانون الدولي وحقوق المدنيين. فالمعالجة الأمنية التي لا تتصل بالحوكمة والتنمية قد تنجح في تعطيل قدرات التنظيم مؤقتاً، لكنها لا تضمن إزالة الظروف التي يستغلها لإعادة بناء نفوذه.
وهكذا، فإن مستقبل نشاط تنظيم الدولة في غرب إفريقيا والساحل سيتأثر بدرجة كبيرة بقدرة الدول المعنية على الانتقال من استجابات وطنية متفرقة إلى تعاون إقليمي مستدام، ومن التركيز على نتائج العمليات المباشرة إلى معالجة البيئة التي تسمح باستمرار العنف. وتبقى حماية المدنيين واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة معيارين أساسيين للحكم على مدى نجاح هذه الجهود في تقليص التهديد الإرهابي على المدى الطويل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
قائمة المراجع النهائية:
أولاً: التقارير والوثائق المؤسسية:
1- Institute for Economics & Peace. Global Terrorism Index 2026: Measuring the Impact of Terrorism. Sydney: Institute for Economics & Peace, March 2026. https://www.visionofhumanity.org/wp-content/uploads/2026/03/Global-Terrorism-Index-2026-Report.pdf.
2- United Nations Secretary-General. Activities of the United Nations Office for West Africa and the Sahel. UN Security Council, S/2026/537, June 30, 2026. https://docs.un.org/en/S/2026/537.
3- U.S. Department of State. “Chapter 5: Foreign Terrorist Organizations—ISIS in the Greater Sahara (ISIS-GS).” In Country Reports on Terrorism 2022. Washington, DC: U.S. Department of State, 2023. https://2021-2025.state.gov/reports/country-reports-on-terrorism-2022/.
ثانياً: الدراسات والتقارير البحثية:
1- Warner, Jason, Ryan O’Farrell, Héni Nsaibia, and Ryan Cummings. “Outlasting the Caliphate: The Evolution of the Islamic State Threat in Africa.” CTC Sentinel 13, no. 11 (November/December 2020). https://ctc.westpoint.edu/outlasting-the-caliphate-the-evolution-of-the-islamic-state-threat-in-africa/.
ثالثاً: المقالات الصحفية والتحليلات:
1- Adebayo, Taiwo. “Fragmented Security Allows Terrorists’ Cross-Mobility across Lake Chad and Sahel.” ISS Today, Institute for Security Studies, July 27, 2026. https://issafrica.org/iss-today/fragmented-security-allows-terrorists-cross-mobility-across-lake-chad-and-sahel.
2- Egbejule, Eromo. “Islamic State Claims Attack on International Airport and Airbase in Niger.” The Guardian, January 30, 2026. https://www.theguardian.com/world/2026/jan/30/niger-airport-airbase-attack-islamic-state.
3- Lawal, Shola. “Are Drones, AI Making It Harder to Fight Armed Groups in the Sahel?” Al Jazeera, February 11, 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/2/11/are-drones-ai-making-it-harder-to-fight-armed-groups-in-the-sahel.
ـــــ
الهوامش:
[1] Institute for Economics & Peace, Global Terrorism Index 2026: Measuring the Impact of Terrorism (Sydney: Institute for Economics & Peace, March 2026), 5, https://www.visionofhumanity.org/wp-content/uploads/2026/03/Global-Terrorism-Index-2026-Report.pdf.
[2] Taiwo Adebayo, “Fragmented Security Allows Terrorists’ Cross-Mobility across Lake Chad and Sahel,” ISS Today, Institute for Security Studies, July 27, 2026, https://issafrica.org/iss-today/fragmented-security-allows-terrorists-cross-mobility-across-lake-chad-and-sahel.
[3] Adebayo, op. cit.
[4] Jason Warner, Ryan O’Farrell, Héni Nsaibia, and Ryan Cummings, “Outlasting the Caliphate: The Evolution of the Islamic State Threat in Africa,” CTC Sentinel 13, no. 11 (November/December 2020), https://ctc.westpoint.edu/outlasting-the-caliphate-the-evolution-of-the-islamic-state-threat-in-africa/; Institute for Economics & Peace, op. cit., 24.
[5] U.S. Department of State, “Chapter 5: Foreign Terrorist Organizations—ISIS in the Greater Sahara (ISIS-GS),” in Country Reports on Terrorism 2022 (Washington, DC: U.S. Department of State, 2023), https://2021-2025.state.gov/reports/country-reports-on-terrorism-2022/.
[6] Institute for Economics & Peace, op. cit., 5, 24.
[7] Warner et al., op. cit.
[8] Institute for Economics & Peace, op. cit., 16, 24
[9] Adebayo, op. cit.
[10] Institute for Economics & Peace, op. cit., 16, 23.
[11] Adebayo, op. cit.
[12] Institute for Economics & Peace, op. cit., 5, 16.
[13] Adebayo, op. cit.
[14] Institute for Economics & Peace, op. cit., 3, 5.
[15] United Nations Secretary-General, Activities of the United Nations Office for West Africa and the Sahel, UN Security Council, S/2026/537 (June 30, 2026), 5, para. 26, https://docs.un.org/en/S/2026/537.
[16] Institute for Economics & Peace, op. cit., 24.
[17] Adebayo, op. cit.
[18] United Nations Secretary-General, op. cit., 4–5, 14.
[19] Institute for Economics & Peace, op. cit., 5
[20] Adebayo, op. cit.
[21] Eromo Egbejule, “Islamic State Claims Attack on International Airport and Airbase in Niger,” The Guardian, January 30, 2026, https://www.theguardian.com/world/2026/jan/30/niger-airport-airbase-attack-islamic-state; United Nations Secretary-General, op. cit., 6.
[22] Shola Lawal, “Are Drones, AI Making It Harder to Fight Armed Groups in the Sahel?,” Al Jazeera, February 11, 2026, https://www.aljazeera.com/news/2026/2/11/are-drones-ai-making-it-harder-to-fight-armed-groups-in-the-sahel; United Nations Secretary-General, op. cit., 1.
[23] Institute for Economics & Peace, op. cit., 3, 5
[24] United Nations Secretary-General, op. cit., 8.
[25] Adebayo, op. cit.
[26] United Nations Secretary-General, op. cit., 7–8, 15.
[27] United Nations Secretary-General, op. cit., 14.
[28] United Nations Secretary-General, op. cit., 13, 15.
[29] Ibid.











































