تمثل الصلة بين النضالين العربي والإفريقي، ورؤيتهما للاستعمار وقضايا الوحدة الإفريقية في مراحلها التنظيمية التأسيسية (ولا سيما قبيل الحرب العالمية الثانية مباشرة)، قضيةً مهمة للغاية على أكثر من مستوى؛ إذ ربما تمثل إعادة النظر في تلك الصلة بعيداً عن السردية التقليدية (بتكون هذه الصلة في مؤتمر الدول الإفريقية المستقلة- أكرا 1958م) فرصةً لفهم أعمق للتطور التاريخي لارتباطات العروبة والأفريقانية، ووضعها في سياق معرفي أوضح، وقطيعة باتت ضرورية عن تبني سردية واحدة تقوم على رؤى شخصية/سياسية، ربما قامت على قراءات مبتسرة للتاريخ.
كما يحيل تفكيك السردية «التاريخية التقليدية» لتلك الصلة، على نحو موضوعي وواسع الرؤية، إلى فهمٍ أعمق لمسار الأفريقانية وقياداتها ورؤية بعضهم لقضايا الارتباط بين العروبة والأفريقانية، على نحوٍ دالٍّ كونه يكشف بشكل أعمق عن تعدد توجهات الأفريقانية بين أفارقة الشتات (بخلفياتهم التاريخية والسياسية والمجتمعية المغايرة)، وقادة حركة التحرر داخل إفريقيا، والوعي الشعبي الإفريقي-العربي المعني بهذه القضية، وهي مسألة أخرى لا يتسع لها المقام الحالي.
ويسعى المقال إلى تقديم طرحٍ أَوَّلِي حول ارتباطات العروبة والأفريقانية في عالم الحرب العالمية الثانية، كمرحلة تمهيدية مباشرة لتحولات هذه الارتباطات بعد أزمة السويس في مصر وانعقاد مؤتمر أكرا المذكور (1958م)، ومن ثَمّ تفنيد سردية تقليدية ترى في التطورين الأخيرين (السويس، وأكرا) حوادث طارئة على مسار العلاقات العربية الإفريقية (في مسألة ارتباطات العروبة والأفريقانية تحديداً بطبيعة الحال هنا).
في هذا المقال:
إفريقيا المنقسمة في رؤية هيجل
رأى هيجل في مقدمة «فلسفة التاريخ» أن إفريقيا قارة منغلقة على نفسها جغرافياً، وأن تلك السمة لا تزال سائدة بها (في الربع الأول من القرن الـ19 عند صدور الكتاب)، وأن التباينات في تضاريسها الجغرافية تبدو عميقة للغاية لدرجة أن الاختلافات في شخصيتها الروحية (وهو اهتمام عام رئيسي لهيجل تجلى في عمله المهم لفهم عقله وتفسيراته للتاريخ: The Spirit of Christianity and its Fate (1798)) تظل معلقة بخصائصها الطبيعية.
وأكد أنه «يمكن القول إن إفريقيا تتكون من ثلاث قارات منفصلة تماماً عن بعضها البعض، ولا يوجد فيما بينها أي اتصال يُذكر». وقسّم هيجل هذه «القارات الثلاث» إلى إفريقيا الحقة Africa proper الواقعة جنوب الصحراء (الكبرى)، وتتكون من أراض مرتفعة غير مستكشفة بالكامل تقريباً (حسب رؤية المركزية الأوروبية الواضحة، والتي لا تزال ملهمة لأفكار كثير من المعنيين بشؤون القارة الإفريقية) وذات القطاعات الساحلية الضيقة على سواحلها.
أما (القارة) الثانية، فتتمثل في الأراضي الواقعة شمال الصحراء، وهو الإقليم الساحلي الذي يمكن وصفه بإفريقيا الأوروبية European Africa. والثالثة إقليم (وادي) النيل، وهو أرض الوديان الوحيدة في إفريقيا ووثيق الصلة بآسيا[1]، حسب تفسير هيجل. وألحق هيجل الشمال الإفريقي من المغرب حتى حواف وادي النيل في وحدة واحدة مع إسبانيا؛ كونه «لا ينتمي بحق لإفريقيا»، وأنهما ينتميان لنفس الحوض (البحر المتوسط)، وأن هذا الجزء، كما الشرق الأدنى، يُولّي وجهه شطر أوروبا، ومن ثَمّ «يجب إخضاعه لمجال النفوذ الأوروبي، كما حاول الفرنسيون بنجاح مؤخراً».
وعندما يتحدث هيجل عن «إفريقيا جنوب الصحراء»، أو «القارة الثالثة» وهي إفريقيا الحقة، فإنه يصفها بأنها «غير ذات تاريخ يستحق الذكر في سياق تاريخ العالم» الذي تناول تفسيره، ويبرر ذلك بقوله: «لأننا نجد سكانها يعيشون في بربرية ووحشية، في أرض لم تزودهم بأية مقومات للثقافة»؛ قبل أن يشير إلى أن «إفريقيا ظلت، منذ أقدم العصور، منقطعة عن جميع الصلات مع بقية العالم… وأن عزلتها ليست نتيجة لطبيعتها الاستوائية فحسب، بل نتيجة جوهرية لشخصيتها الجغرافية». واستكمل هيجل تصوره بأن القارة لا تزال غير مكتشفة بعد، وليست لها أية صلات بأوروبا.
إعادة النظر في الصلة بين العروبة والأفريقانية بعيدًا عن السردية التقليدية تمثل فرصةً لفهمٍ أعمق للتطور التاريخي لارتباطاتهما، وقطيعةٍ ضرورية مع روايةٍ واحدةٍ قامت على قراءاتٍ مبتسرة للتاريخ
وقَصْد هيجل- على الأرجح- هو أن عزلة القارة وتخلفها يعود إلى عدم تمدد النفوذ الأوروبي في مناطقها الداخلية (وفق الحالة في عصره)، لأنه يعود في موضع آخر ليؤكد أن سواحل إفريقيا ظلت لقرون موئلاً للأوروبيين (التجار، والمستوطنين)، لكنهم لم ينجحوا في الوصول لمناطقها الداخلية حتى نحو 15 عاماً خلت (نهاية القرن الثامن عشر).
وما يعنينا هنا أن سردية هيجل تلك عن إفريقيا المنقسمة (حضارياً وسكانياً وارتباطاً جغرافياً، حسب تفسيره المرتبط برؤية إثنية ودينية غربية) هي سردية وجدت طريقها نحو كثير من أدبيات الشأن الإفريقي العربية منذ خمسينيات القرن الماضي، مثل اختزال نص «فلسفة الثورة» لجمال عبد الناصر (1954م) رؤيته للقارة الإفريقية بأنها «القارة العذراء» التي تحتاج للدور المصري لتحريرها من الاستعمار (الاستيطاني)، أو نَصّه الآخر عن الثورة المصرية Foreign Affairs, January 1955 والذي نبه فيه الولايات المتحدة إلى مخاطر التغلغل الشيوعي في إفريقيا، ووجوب عمل الأولى بكل جهد ممكن لمنع هذا التغلغل وحماية «العالم الحر»، أو لضمان عدم وقوع إفريقيا في براثن «الكتلة الشيوعية».
وقد جاء دور مصر في تعزيز ارتباطات العروبة بالأفريقانية بالغ الأهمية وبمستويات غير مسبوقة ربما، لكن السياقات التاريخية لهذه الارتباطات تكشف عن وجود جذور سابقة على العام 1952م، أو العام 1956م بطبيعة الحال. وكانت باريس مسرحاً لتفاعلات الارتباطات العربية الإفريقية في مجال مناهضة الاستعمار قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية والمرحلة التالية لها، كما سنوضح مثالاً على ذلك فيما يلي.

الارتباط بين العروبة والأفريقانية: نموذج الدفاع عن إثيوبيا (1935-1936م)
أثار الغزو الإيطالي لإثيوبيا في العام 1935م[2] حماسةً وطنية وغضباً كبيرين في أوساط الأفارقة في القارة وفي الشتات، وكانت الدوائر العربية الوطنية في أوروبا منخرطة في الجهود المبذولة لإدانة هذا الغزو والتحرك لمواجهته.
وفي يناير 1936م، حسبما يسرد المؤرخ حكيم آدي في مؤلفه عن الأفريقانية (2018م)[3]، دعت اللجنة الدولية للدفاع عن الشعب الإثيوبي إلى عقد «مؤتمر دولي للسود والعرب» (في أوروبا)، أملاً في الاستفادة من الدعم المتزايد وسط الدوائر الوطنية العربية والإفريقية تجاه إثيوبيا، ولم يقتصر هدف المؤتمر المزمع على تعميق الدعم لإثيوبيا فحسب، ولكن– وهو ما يهمنا في السياق الحالي- التأكيد على أن القضية الأكبر التي تشمل المناضلين من أجل بلدانهم هي مكافحة الاستعمار، وتقوية التحركات الدولية المختلفة (في ظل إرهاصات حرب عالمية كاسحة حينذاك) الداعية للاستقلال.
ولعب اتحاد العمال الزنوج في باريس دوراً بارزاً في استعدادات المؤتمر، والذي عُقد بالفعل في مدينة باريس، وأرسى هذا المؤتمر تواصلاً ملموساً بين كافة المنظمات والهيئات الإفريقية العاملة في الشتات الأوروبي وفي فرنسا تحديداً، ودمَجَ أنشطة المنظمات العربية والكاريبية والإفريقية العاملة هناك لدعم مواجهة الاستعمار الإيطالي للحبشة.
على سبيل المثال: ترأس الهادي نويرة (أحد قادة «نجم شمال إفريقيا» ENA، ورئيس وزراء تونس لاحقاً) ما عُرفت بـ«لجنة التنسيق بين المنظمات السوداء والعربية» Comité de Coordination des Associations Arabes et Noires، ومقرها في باريس.
في يناير 1936م، دعت اللجنة الدولية للدفاع عن الشعب الإثيوبي إلى عقد «مؤتمر دولي للسود والعرب» (في أوروبا)، أملاً في الاستفادة من الدعم المتزايد وسط الدوائر الوطنية العربية والإفريقية تجاه إثيوبيا.
المؤرخ حكيم آدي
وجاءت هذه الخطوات تتويجاً لمشاركة الكثير من أبناء شمال إفريقيا (من تونس والجزائر والمغرب) في الاحتجاجات المستمرة لمناهضة الاستعمار في مختلف أرجاء إفريقيا وفي الحبشة؛ ومنهم مصالي الحاج، الزعيم الجزائري البارز في نجم شمال إفريقيا، والذي احتج أيضاً على هذا الاستعمار في جنيف لدى عصبة الأمم؛ وورد تأكيده لأمينها العام فيما نصه: «بالنسبة لنا، كأفارقة، فإن استقلال إثيوبيا كان رمزاً وأملاً حياً لاستقلالنا».
واللافت هنا امتداد هذه الارتباطات المهمة بعد نهاية الحرب الإيطالية في الحبشة، وعلى سبيل المثال وفرت مطبوعة «الأمة» المحظورة والصادرة عن «نجم شمال إفريقيا» مساحةً لدورية «أفريقيا» Afrique الداعية لأفكار الأفريقانية، بينما ساعدت «رابطة الدفاع عن العرق الزنجي» قادة «نجم شمال إفريقيا» في التمويه على بعض أنشطتهم الحركية في فرنسا.

في السردية التقليدية: أكرا 1958م؟
يروي السياسي المصري محمد فايق، أحد صناع سياسات ثورة يوليو 1952م الإفريقية، في كتابه المهم عن «عبد الناصر والثورة الإفريقية» (القاهرة، 1984م)، جانباً من سردية تقليدية دأب عليها من جاؤوا بعده؛ بملاحظته ذهاب الزعيم الغاني كوامي نكروما، الذي دعا لعقد مؤتمر الدول الإفريقية المستقلة (أكرا، أبريل 1958م)، إلى حدٍّ بعيد في دعم الارتباطات العربية-الإفريقية، وأن هذا المؤتمر:
«… (قد) مثل الضربة القاضية لفكرة الفصل بين إفريقيا العربية وإفريقيا السوداء. وسقطت الصحراء كعازل أريد له أن يفصل بين شمال القارة وجنوبها (أو كما رأى فريدريك هيجل قبل أكثر من قرن كامل في مؤلفه حول فلسفة التاريخ). وأخذت الوحدة الإفريقية المفهوم القاري، أو وحدة القارة بجميع أجزائها، وذلك عندما اجتمعت الدول الإفريقية الثماني المستقلة في ذلك الوقت، وكان من بينها خمس دول عربية. وأنقذت بذلك الحركة الإفريقية والوحدة الإفريقية وبصفة نهائية من أن تكون مجرد رد فعل لما يلاقيه الأفارقة من مرارة التفرقة والاضطهاد العنصري».
سردية هيجل عن إفريقيا المنقسمة وجدت طريقها نحو كثير من أدبيات الشأن الإفريقي العربية منذ الخمسينيات، مثل اختزال نص «فلسفة الثورة» لعبد الناصر رؤيته لإفريقيا بأنها «القارة العذراء» التي تحتاج لدور مصري يحررها من الاستعمار
فايق أكد في خطاب استدراكي لا يثبت كثيراً أمام النقد التاريخي (بالنظر إلى كون سياسات مصر التي سيشير لها قد سبقتها مقاربات مصرية وعربية إفريقية مهمة في الشتات لتحقيق الوحدة الإفريقية بمفهومها الأشمل، ووجود تفاعلات إفريقية مهمة مع نضال الشعب الجزائري منذ الربع الأول من القرن العشرين بالفعل):
«وإذا كان لنا أن نُرجع الكثير من الفضل في تحقيق هذه المفاهيم لرئيس غانا الراحل كوامي نكروما الذي وجه الدعوة للدول العربية لحضور أول مؤتمر يأخذ الصفة الرسمية في إفريقيا باعتباره اجتماع حكومات، فلابد لنا أن نفكر أن الجهود التي كانت قد بذلتها مصر لتأكيد وجهها الإفريقي وحركة عبد الناصر الواسعة في المجال الإفريقي هي التي جعلت دعوة نكروما على هذا النحو أمراً ممكناً، ولذلك فقد جاءت نتائج هذا المؤتمر نجاحاً لسياسة عبد الناصر الإفريقية وتتويجاً لجهوده المستمرة في مساعدات حركات التحرير الإفريقية. ولم يكن هذا هو المكسب الوحيد الذي خرجت به مصر والدول العربية من هذا المؤتمر، وإنما كان أعظم ما حققه العرب هو الاهتمام البالغ والتأييد الذي حظيت به الثورة الجزائرية وتبني الأفارقة لها باعتبارها ثورة إفريقية»[4].
ويمكن هنا ملاحظة اختزال جهود التقارب الإفريقي العربي في شكل العلاقات بين الدول «حديثة الاستقلال»، وتجاهل، غير مقصود ربما، لتاريخ طويل وموثق من هذا التقارب والتفاعل عبر الصحراء الكبرى نفسها وفي داخلها. ومع ملاحظة استهلال فايق فصول كتابه بعبارة مباغتة تماماً تتجاهل تاريخ إفريقيا «السوداء» أو «الزنجية» كان نصها:
«جاءت صلة إفريقيا الأولى بالعالم الخارجي من خلال تجارة الرقيق التي انتهت في القرن التاسع عشر. وامتد النفوذ الأوروبي إلى جميع أجزاء القارة بعد إخضاعها وتحويلها إلى مستعمرات…»[5].
هذا الاختزال يبدو سمتاً مألوفاً تطغى عليه حماسة السياسة وتناقضاتها؛ كما تحيل هذه الجملة غير الدقيقة بالمرة إلى عمق السردية (السياسية) التقليدية وآثارها الممتدة– حتى اللحظة بشكل مؤسف- في رؤية ارتباطات العروبة بالأفريقانية، أو الفهم المتبادل بين هذين التيارين.
ويمكن استنتاج أن صلة «إفريقيا» بالنضال الجزائري– على سبيل المثال- كانت تسبق عقد الخمسينيات بكثير، ودارت إحدى حلقاتها في معقل الاستعمار الفرنسي نفسه، وأن نكروما وغيره من القادة الأفارقة قد نقلوا هذا الاهتمام لمرحلة متقدمة، لكنها لم تكن منقطعة عن سياق تاريخي سابق.
ويعطينا هذا المثال لمحة عما يمكن إعادة تفكيكه وبنائه في تاريخ الارتباطات العربية والإفريقية، وضرورة تجاوز السردية التقليدية إلى قراءة مفصلة وإطلاع أدق يأخذ في حسبانه أن التاريخ عملية مستمرة، وأن مصادره بالغة التنوع ولا تقتصر على أرشيفات أو رواية دولة ما دون غيرها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقضايا عابرة للقوميات، ومهمة في فهم واقع القارة الإفريقية ومستقبلها.
وحول العروبة والإفريقانية، يركز الفيديو التالي على دور الإعلام كرافعة أساسية لنشر اللغة العربية في غرب إفريقيا وتحويلها من الإطار النظري إلى الممارسة الحية.
ـــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] راجع أفكار هيجل حول إفريقيا في:
– Hegel, Georg Wilhelm Friedrich Hegel, Lectures on the Philosophy of World History: Introduction (translated by H. B. Nisbet) Cambridge University Press, Cambridge, 1975, pp.173-190.
[2] راجع في جذور ذلك:
– Mallett, Robert, Mussolini in Ethiopia, 1919-1935: The Origins of Fascist Italy’s African War, Cambridge University Press, New York, 2015.
[3] Adi, Hakim, Pan-Africanism: A History, London, 2018.
[4] محمد فايق: عبد الناصر والثورة الأفريقية، دار الوحدة للطباعة والنشر، بيروت، ص (161-162)، متاح على الرابط.
[5] المرجع السابق، ص12.
أحدث المقالات:
- دمج الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي في كينيا: فُرَص التحوُّل الرقمي وتحديات الحوكمة
- في ارتباطات العروبة والأفريقانية: الخروج من أسر هيجل؟
- الولايات المتحدة تعرقل دعم مهمة حفظ السلام في الصومال
- المعارضة التنزانية تطالب بالتحقيق في وفاة مساعد بارز لقياداتها
- السنغال: الرئيس باشيرو ديوماي فاي يعلن تأسيس حزب سياسي










































