ملخص تنفيذي:
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا من خلال مقاربة تحليلية تاريخية–سوسيولوجية ترصد تطور تدخل المؤسسة العسكرية في المجال السياسي منذ مرحلة الاستقلال وحتى الموجة الراهنة (2020–2025م). وتنطلق الدراسة من فرضية رئيسية مفادها أن عودة الانقلابات في الإقليم لا تمثل حدثاً طارئاً أو انقطاعاً عن المسار السابق، وإنما تعكس امتداداً لبنية تاريخية متجذّرة في طبيعة الدولة الوطنية الهشّة، وتآكل شرعيتها، وتحوّلات البيئة الإقليمية والدولية. وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل العلاقة بين المدنيين والعسكريين في غرب إفريقيا سيظل رهيناً بمدى قدرة الدول على معالجة أزمات الشرعية، وتعزيز الحوكمة، وإعادة بناء عقد اجتماعي يستوعب الفئات المجتمعية المختلفة، فضلاً عن تطوير آليات إقليمية أكثر فعالية للتعامل مع التغييرات غير الدستورية في الحكم. وبغير ذلك، فإن المنطقة قد تظل عرضةً لدورات متكررة من التدخل العسكري، وإن اختلفت مبرراتها وسياقاتها.
مقدمة:
شهدت منطقة غرب إفريقيا خلال العقد الأخير تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الانقلابات العسكرية، بما أعاد الظاهرة إلى صدارة المشهد السياسي بعد مرحلة من الانحسار النسبي أعقبت موجة التحول الديمقراطي في نهاية ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي. وقد كشفت بعضٌ من هذه الانقلابات، كما في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، عن عمق الاختلالات البنيوية التي تعانيها دول الإقليم، سواءٌ على مستوى هشاشة مؤسسات الدولة، أو تراجع الثقة في النخب المدنية، أو تصاعد التهديدات الأمنية العابرة للحدود. كما أعادت هذه التطورات طرح إشكالية العلاقة بين المدني والعسكري، وحدود فاعلية الأطر الإقليمية في حماية النظام الدستوري، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة وتنامي أدوار قوى دولية بديلة.
وانطلاقاً من ذلك؛ تركز هذه الدراسة على منطقة غرب إفريقيا بوصفها إطاراً جغرافياً وتحليلياً مناسباً لفهم ديناميات الانقلابات العسكرية في السياق الإفريقي، نظراً لما تشترك فيه دول الإقليم من خلفيات تاريخية وبنيوية متقاربة. فقد حصلت معظم هذه الدول على استقلالها خلال فترة زمنية متقاربة منذ أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات، بدءاً باستقلال غانا عام 1957م، وصولاً إلى اكتمال موجة التحرر– باستثناء المستعمرات البرتغالية التي استمر وجودها حتى عام 1974م– ووجدت الدول الجديدة نفسها أمام تحديات متشابهة تتعلق ببناء الدولة الوطنية وصياغة هوية جامعة داخل مجتمعات متعددة الأعراق والانتماءات، في ظل اقتصادات يغلب عليها الطابع الريفي وضعف التصنيع، وهو ما انعكس على طبيعة التفاعلات السياسية. ورغم اشتراك الأنظمة السياسية المبكرة في خطاب قومي عام؛ فإنها اختلفت في توجهاتها الأيديولوجية وإستراتيجياتها التنموية؛ إذ تبنّى قادةٌ مثل كوامي نكروما (أول رئيس لغانا) وسيكو توري (أول رئيس لغينيا) مشاريع اشتراكية ورؤى وحدوية إفريقية، في حين فضّل قادة آخرون مثل فيليكس هوفويت بوانيي (أول رئيس لساحل العاج) وتافاوا باليوا (أول رئيس وزراء لنيجيريا) مسارات أكثر براغماتية مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع القوى الاستعمارية السابقة. وفي ضوء هذا السياق، تسعى الدراسة إلى تقديم قراءة سوسيولوجية–سياسية تفسر أسباب عودة الحكم العسكري، وتُقيّم مواقف المنظمات الإقليمية، وعلى رأسها إيكواس، تجاه موجة التغيير غير الدستوري الراهنة.
أولاً: إشكالية الدراسة:
تنبع إشكالية هذه الدراسة من المفارقة بين مسار التحول الديمقراطي الذي شهدته دول غرب إفريقيا منذ نهاية الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، وبين عودة موجة جديدة من الانقلابات العسكرية خلال العقد الأخير، فرغم تبنّي دساتير تقوم على التعددية، وسط تزايد الضغوط الإقليمية والدولية الرافضة للتغييرات غير الدستورية للحكومات الإفريقية، عاد التدخل العسكري للاستيلاء على السلطة والإطاحة بالنخبة الحاكمة، ليتصدر المشهد في عدد من دول القارة، ولا سيما في قسمها الغربي. وفي ظل ذلك، تبرز تساؤلات حول حدود قدرة المنظمات الإقليمية ومدى فاعلية آلياتها على احتواء هذه الظاهرة، على نحوٍ يرسخ من جديد الاستقرار السياسي لدول المنطقة ككل. ومن ثَمّ، يتمثل التساؤل الرئيس للدراسة في: كيف عادت الجيوش إلى سدة الحكم في إقليمٍ بدا وكأنه طوى صفحة الانقلابات منذ عقود، وهل تكشف هذه العودة عن هشاشة الدولة من الداخل أو عجز المنظمات الإقليمية عن كبحها؟
ثانياً: منهجية الدراسة:
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة تحليلية متعددة المستويات تمزج بين البعد السوسيولوجي والبعد السياسي، بهدف تفسير عودة الحكم العسكري في غرب إفريقيا. وفي هذا الإطار، تعتمد الدراسة ابتداءً على المنهج التاريخي لتتبع تطور ظاهرة الانقلابات العسكرية منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، ورصد تحوّلاتها عبر 4 مراحل مختلفة، ثم تحليل أنماطها المعاصرة. وكذلك تستخدم الدراسة المنهج البنائي-الوظيفي، إذ يُستخدم لتحليل كيفية تأثير بنية الدولة الإفريقية على استقرار الأنظمة السياسية، وكيف يمكن أن تؤدي هذه الاختلالات الوظيفية إلى تدخل الجيش كفاعل رئيسي في المشهد السياسي. كما تستند الدراسة إلى مدخل العلاقات المدنية–العسكرية بوصفه إطاراً نظرياً مفسراً لموقع المؤسسة العسكرية داخل بنية الدولة، وطبيعة علاقتها بالنخب المدنية، ومدى تآكل شرعية الأخيرة في سياقات الهشاشة بالإقليم. ويتم ذلك من خلال تحليل نقدي للأدبيات الأكاديمية العربية والأجنبية ذات الصلة بظاهرة الانقلابات والعلاقات المدنية–العسكرية، مع توظيف منظور حضاري إفريقي يراعي خصوصية سياق القارة، ويتجنب إسقاط النماذج التفسيرية الجاهزة دون تمحيص.
ثالثاً: حدود ونطاق الدراسة (الزماني والمكاني):
تنحصر هذه الدراسة جغرافياً في إقليم غرب إفريقيا، وزمنياً في الفترة من 2020م حتى 2025م، مع إحالات تاريخية تفسيرية للمراحل السابقة منذ الاستقلال. كما تركز على الانقلابات العسكرية الصريحة، دون التوسع في أشكال أخرى للتغيير غير الدستوري للاستيلاء على السلطة، أي دون التطرق للمحاولات الانقلابية غير الناجحة، أو تلك التي تكون من خارج المؤسسة العسكرية.
خريطة رقم (1): دول إقليم غرب إفريقيا:

المصدر: بتصرف من:
https://d-maps.com/carte.php?num_car=36688&lang=ar
رابعاً: فرضيات الدراسة:
تنطلق الدراسة من مجموعة من الفرضيات التي تسعى إلى اختبار مدى صحتها، ويتمثل أبرزها في الآتي:
1- تزايد الانقلابات العسكرية يرتبط بتآكل شرعية النظم المدنية.
2- ضعف الحكم الرشيد يمثل محفزاً رئيسياً لتدخل الجيش في السياسة.
3- محدودية فاعلية المنظمات الإقليمية تسهم في استمرار الظاهرة.
وتأسيساً على ما سبق، تحاول هذه الدراسة تقديم قراءة لمسألة الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا، من خلال المحاور الرئيسة الآتية:
▪ المحور الأول: الإطار المفاهيمي والنظري لظاهرة الانقلابات العسكرية.. من المدلول التقليدي إلى التحولات المعاصرة.
▪ المحور الثاني: ديناميات تدخل الجيش في السياسة.. قراءة في السياق التاريخي والسياسي.
▪ المحور الثالث: الأسباب السوسيولوجية لتآكل الشرعية وصعود العسكريين.
▪ المحور الرابع: الجيوش والعودة للحكم.. المحفزات السياسية والأمنية.
▪ المحور الخامس: موقف الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).. بين حماية الشرعية الدستورية وتفكك الإقليم.
▪ المحور السادس: الارتدادات الإقليمية والدولية للموجة الانقلابية في غرب إفريقيا.
▪ المحور السابع: الآفاق والسيناريوهات المستقبلية.
المحور الأول: الإطار المفاهيمي والنظري لظاهرة الانقلابات العسكرية.. من المدلول التقليدي إلى التحولات المعاصرة:
تستوجب دراسة مسألة الانقلابات العسكرية تأصيلاً مفاهيمياً يسهم في ضبط المفهوم وتحديد معالمه النظرية. وعليه، ننطلق أولاً من تتبع ظهور المصطلح في سياقه التاريخي، ثم بيان دلالته اللغوية كما وردت في بعض المعاجم والقواميس الأجنبية. بعد ذلك نتطرق إلى ما جاء بشأنه في عدد من الأدبيات السياسية، من خلال الوقوف على أبرز التعريفات التي صاغها الباحثون لتحديد خصائص الظاهرة وضبطها إجرائياً. ولا ينفصل هذا عن استعراض المداخل النظرية التي فسّرت تدخّل المؤسسة العسكرية في الحكم، سواءٌ تلك التي تركز على بنية المؤسسة العسكرية ودرجة احترافها، أو التي تربط ذلك التدخل باختلالات النظام السياسي وأزمات الشرعية وهشاشة الدولة. وأخيراً، نشير إلى التحولات التي شهدتها الانقلابات العسكرية في السياق المعاصر، بما يتيح فهم تطورها في ضوء المتغيرات السياسية والأمنية الحالية.
أولاً: مصطلح «الانقلاب».. بين الجذور التاريخية والدلالة اللغوية:
بالبحث عن أصل كلمة انقلاب Coup d’état نجد أنها تعود إلى اللغة الفرنسية، إذ يمكن تتبّع جذوره إلى القرن الثامن عشر، عندما أطاح نابليون بونابرت بحكومة في فرنسا عقب الثورة عام 1799م[1]. وفي السنوات اللاحقة، اكتسب مصطلح Coup d’état حضوراً أوسع في الأدبيات السياسية الأوروبية، خاصةً في القرن التاسع عشر، حيث استخدمه كارل ماركس في تحليله لانقلاب لويس نابليون بونابرت عام 1851م في كتابه «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت» The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte (1852م). وقد تناول ماركس الانقلاب بوصفه نموذجاً للاستيلاء المفاجئ على السلطة من داخل مؤسسات الدولة، وهو ما أسهم في ترسيخ المصطلح في الأدبيات السياسية الحديثة لوصف الإطاحة غير الدستورية بالحكومات[2].
وأما دلالة المفهوم؛ ففي اللغة العربية، يوضح قاموس المعاني الجامع أن «الانقلاب» هو مصدر الفعل انقلب، ويعني تحوّل الشيء عن وجهه أو تغيّره من حالة إلى أخرى. ويُستخدم المصطلح في هذا السياق للدلالة على التحوّل المفاجئ، كما في القول: «حدث انقلاب مفاجئ في الطقس»، أي تغيّر من حالة إلى حالة أخرى. ويعكس هذا المعنى اللغوي جوهر الدلالة السياسية للمصطلح، بما يحمله من مفاجأة وقطيعة مع الوضع القائم[3]. أما قاموس كامبريدج، فيذهب إلى أن مصطلح انقلاب Coup يمكن أن يُستخدم للدلالة على «إنجاز ناجح وغير متوقع»، وهو معنى واسع يشمل أي نجاح مفاجئ، وليس بالضرورة في السياق السياسي فقط[4]. وأما قاموس أكسفورد، فيشير إلى الانقلاب باعتباره تغييراً مفاجئاً للحكومة غير قانوني وغالباً ما يكون عنيفاً[5].
ثانياً: الانقلابات العسكرية في ضوء الأدبيات السابقة:
بخصوص الأدبيات الأكاديمية السابقة المعنية بتدخل الجيش في السياسة، نجد أنها قد تناولت ظاهرة الانقلابات العسكرية من زوايا متعددة، سعت في بعضها إلى ضبط المفهوم وتحديد خصائصه والتمييز بينه وبين غيره من أنماط التغيير غير الدستوري للسلطة. وقد تنوّعت هذه المقاربات بين تعريفات تركّز على طبيعة الفاعلين، وأخرى تُعنى بآليات التنفيذ أو بمدة السيطرة على السلطة بوصفها معياراً للحكم على نجاح الانقلاب أو فشله. وفي هذا السياق، يُعدّ تعريف «باول» و«ثاين» Powell and Thyne من بين أكثر التعريفات تداولاً في الأدبيات المعاصرة، إذ يصف الانقلابات العسكرية بأنها: محاولات علنية يقوم بها الجيش أو فاعلون آخرون من النخب داخل الدولة للإطاحة برئيس الدولة باستخدام وسائل غير دستورية. ويضيف الباحثان معياراً إجرائياً للتمييز بين الانقلاب الناجح ومحاولة الانقلاب، مفاده أن احتفاظ القائمين بالانقلاب بالسلطة لمدة لا تقل عن سبعة أيام يُعدّ مؤشراً على نجاحه، بينما يُصنَّف الحدث بوصفه محاولة انقلاب في حال فشلهم في تثبيت سلطتهم خلال هذه المدة[6].
أما «مامداني» Mamdani، فيعرف الانقلاب بأنه: «استيلاء مفاجئ وغير قانوني وخارج الإطار الدستوري على السلطة من قِبَل مجموعة من الأفراد أو قطاع من الجيش، يؤدي إلى إزاحة الحكومة الشرعية وتولي السيطرة على الدولة بدلاً منها»[7].
وبالمثل، يرى «ويلش» Welch الانقلاب بأنه «استيلاء قسري على السلطة من قِبَل فصيل من النخبة الحاكمة أو المؤسسة العسكرية، ويتم تنفيذه بقصد إحداث تغيير في البنية السياسية للدولة أو الإبقاء عليها، من دون مشاركة عامة المواطنين». ويضيف «أوسونتوكون» Osuntokun منظوراً محلياً، إذ يعرّف الانقلاب بأنه تغيير مفاجئ وعنيف للحكومة يقوم به ضباط عسكريون، وغالباً ما يُبرَّر هذا التغيير بفشل الحكومة القائمة في تلبية تطلعات المجتمع أو في الحفاظ على القانون والنظام ([8]).
وانطلاقاً من ذلك؛ نشير إلى أن الدراسة ستعتمد على تعريف كلٍّ من مامداني وويلش للانقلاب العسكري، بوصفه استيلاءً مباشراً للقوات المسلحة على السلطة السياسية عبر إزاحة القيادة القائمة. ويُعدّ هذا التعريف أكثر اتساقاً مع المفهوم التقليدي الضيق للانقلاب، الذي يركّز على التدخل الصريح والمؤسسي للجيش في الحكم. ويأتي تبنّي هذا الإطار التعريفي انسجاماً مع طبيعة الدراسة، التي تنصبّ على تحليل الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا بوصفها تدخلات عسكرية مباشرة، دون التوسع في المقاربات المفاهيمية الأحدث التي تدرج ضمن الظاهرة أنماطاً غير مباشرة من التغيير القسري للسلطة، مثل الانقلابات الدستورية أو التحايلات المؤسسية.
ثالثاً: المداخل المؤسسة لفهم التدخل العسكري في الحكم:
حين نعود إلى الأدبيات الكلاسيكية في تفسير تدخل الجيش في السياسة، نجد أن الجدل لم يكن يدور فقط حول «لماذا ينقلب العسكريون؟»، بل حول «أين يكمن أصل الخلل، هل في المؤسسة العسكرية ذاتها أم في بنية النظام السياسي والمجتمع؟». وللإجابة عن هذا التساؤل، نشير إلى مدخلين رئيسيين، يرتبط الأول بتحليل المؤسسة العسكرية بوصفها تنظيماً وكياناً قائماً بذاته، له قيمه وأعرافه ودرجة احترافه الخاصة. وهنا يحضر طرح هنتنغتون الذي يميّز بين الاحتراف العسكري الخاضع لرقابة مدنية مستقرة، وبين الحالات التي يضعف فيها الطابع المؤسسي للنظام السياسي، فتتحول المؤسسة العسكرية إلى أكثر التنظيمات تماسكاً وانضباطاً في المجتمع. وفي هذا السياق، لا يرى هنتنغتون Huntington الانقلاب نتيجة «طبيعة عسكرية عدوانية»، بل نتيجة خلل في التوازن بين المؤسسة العسكرية والنظام السياسي، فإذا غابت المؤسسات المدنية القادرة على استيعاب الأزمات، يصبح الجيش– بحكم تنظيمه وانضباطه– الفاعل الأكثر قدرة على ملء هذا الفراغ. لكن هذا الطرح، رغم أهميته، لا يكفي وحده. فقد ذهب اتجاهٌ آخر إلى أن التركيز على الخصائص الداخلية للمؤسسة العسكرية يُغفل البنية الاجتماعية والسياسية التي تُنتج ظروف هذا التدخل. فضعف الأحزاب، وهشاشة المؤسسات الوسيطة بين المواطنين والسلطة، وغياب ثقافة سياسية مستقرة، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، كلها عوامل تهيئ بيئة يصبح فيها الانقلاب عرضاً لأزمة أعمق[9]. ويؤكد هذا الطرح جاك ووديس Jack Woddis، الذي يضيف أن الانقلابات العسكرية ظاهرة معقدة لا يمكن ردّها إلى عامل واحد أو تفسيرها باعتبارها مجرد مؤامرات خارجية أو طموحات شخصية لضباط الجيش فحسب. فوفقاً له، تنشأ هذه الانقلابات في سياق سياسي واجتماعي مضطرب تشكّل بعد الاستقلال، حيث ما تزال البنى الطبقية والمؤسسات السياسية في طور التشكل، بينما تعاني الأحزاب السياسية من الضعف والتراجع التنظيمي. وفي مثل هذه الظروف تصبح الجيوش– رغم صغر حجمها– القوة المنظمة الوحيدة القادرة على التحرك السريع والاستيلاء على السلطة، خاصةً في ظل غياب آليات سياسية فعّالة لمواجهة الأزمات. كما يؤكد أن بعض الانقلابات قد تخدم مصالح قوى خارجية أو نخب محلية مرتبطة بها، لكن ذلك لا يلغي وجود عوامل داخلية مثل الصراعات الطبقية، والتنافس بين النخب، وضعف الدولة، وهي عوامل تجعل النظام السياسي عرضة للتدخل العسكري المتكرر[10].
رابعاً: تحولات الانقلابات العسكرية المعاصرة في غرب إفريقيا:
مع تجدد موجة الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا منذ عام 2020م، برزت مجموعة من التحولات التي دفعت بعض الباحثين إلى الحديث عن نمط جديد يختلف في بعض خصائصه عن الانقلابات التقليدية التي سادت في مرحلة ما بعد الاستقلال. ولا يعني ذلك بالضرورة انفصالاً كاملاً عن الأنماط السابقة، بل يعكس تغيّراً في السياق والدوافع، بالإضافة إلى أساليب التبرير التي ترافق هذا الاستيلاء العسكري على السلطة. ولعل من أبرز هذه التحولات ما يتمثل في تغيّر الخطاب الذي يضفي شرعية على الانقلابات، إذ كانت الانقلابات في السابق تُسوَّغ بدوافع أيديولوجية أو لحماية الثورة أو تصحيح المسار السياسي، بينما تميل الانقلابات المعاصرة إلى التركيز على إخفاق النخب المدنية، وتدهور الأوضاع الأمنية، وتصاعد التهديدات المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة. ويُقدَّم الجيش في هذا الإطار كفاعل قادر على استعادة الاستقرار وضمان وحدة الدولة، وهو خطاب يجد صدى لدى قطاعات من الرأي العام في الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتية وأزمات أمنية مزمنة.
وتعكس الانقلابات العسكرية في غرب القارة نموذجاً واضحاً لهذه التحولات، حيث تتقاطع هشاشة الدولة، وتحديات الأمن، وتراجع الثقة في النخب المدنية، مع إرث طويل لتدخل المؤسسة العسكرية في السياسة. ويجعل هذا قراءة الانقلابات المعاصرة ودوافعها ضرورياً لفهم ديناميات السلطة والتحولات السياسية في القارة، بعيداً عن النظرة الاختزالية التي تعتبرها مجرد ظاهرة طارئة، مع الإشارة إلى أن الدراسة ستتطرق إلى هذه التحولات بشكل مفصل في المحور التالي من الدراسة، لفهم أدواتها وخطاباتها المختلفة في سياق منطقة غرب إفريقيا على وجه الخصوص[11].
المحور الثاني: ديناميات تدخل الجيش في السياسة.. قراءة في السياق التاريخي والسياسي:
لا يمكن مقاربة موجات الانقلابات العسكرية الراهنة في غرب إفريقيا بمعزل عن مسارها التاريخي وتفاعلاتها السياسية الممتدة منذ مرحلة الاستقلال، فظاهرة تدخل الجيوش في المجال السياسي لم تكن حدثاً مفاجئاً، بل نتاج تراكمات تاريخية ارتبطت بطبيعة الدولة الوطنية الناشئة، وبالتحولات الإقليمية والدولية المتعاقبة. وعليه، يمكن تتبّع تطور الانقلابات العسكرية عبر أربع مراحل رئيسية، تعكس كل منها سياقاً سياسياً مختلفاً، وأنماطاً متغيرة من الشرعية والتبرير والتحالفات، وصولاً إلى الموجة الراهنة التي تحمل خصائص مغايرة لما سبقها.
أولاً: مرحلة الاستقلال (ستينيات القرن العشرين):
وهي المرحلة الأولى لتدخل الجيش في السياسة، وهنا نركز على الانقلابات التي اندلعت في منطقة غرب إفريقيا خلال المرحلة المبكرة لخروج المستعمر خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، لكن قبل ذلك نشير إلى أن الجيش في إفريقيا ظل غير معني بالشأن السياسي حتى الأيام الأولى للاستقلال؛ فكما أشار كلود إي. ويلش، فإن «الممارسات التي انتهجتها القوى الاستعمارية في إفريقيا أكدت على الأدوار غير السياسية للجيش». وفي هذا السياق، أكد روبن ليكهام أطروحة عدم تسييس الجيش داخل القارة، حيث أظهر أن الإرث الاستعماري قد روّض الضباط بسياساته ومنعهم من محاولة السيطرة على الحكم، وهو ما استمر بعض الوقت، عقب الاستقلال. غير أن هذا الوضع لم يدم طويلاً؛ ففي عام 1963م، شهدت توجو انقلاباً، ليخرج الجيش من شرنقة الاستعمار تدريجياً. ومنذ ذلك الحين، سقطت عدة أنظمة مدنية من قِبل قادة عسكريين- وفي بعض الأحيان «تم تبريرها» بالطبيعة الاستبدادية لدول الحزب الواحد بعد الاستقلال[12]– حتى أصبحت الانقلابات جزءاً مألوفاً من المشهد في معظم دول غرب إفريقيا، باستثناء ساحل العاج والسنغال وغامبيا والرأس الأخضر[13]. ويوضح الجدول الآتي الدول التي مرَّت بانقلابات عسكرية داخل الإقليم، عقب الاستقلال، وبالتحديد فترة الستينيات.
جدول رقم (1):

الانقلابات العسكرية الأولى بمنطقة غرب إفريقيا خلال فترة الستينيات:
Source: Megan Duzor and Brian Williamson, By the Numbers: Coups in Africa, (VOA News, Oct 3, 2023), Available at: https://projects.voanews.com/african-coups, Accessed in Feb 16, 2026.
ثانياً: مرحلة التمدد والانتشار (سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين):
شهدت منطقة غرب القارة- كما ذكرنا من قبل- خلال العقود الأولى بعد الاستقلال موجة كثيفة من الانقلابات العسكرية، غير أن السبعينيات والثمانينيات مثّلتا ذروة ما عُرف بـ«روتين الانقلابات»، حيث تحولت الإطاحة العسكرية بالسلطة إلى ظاهرة شبه دورية في عدد كبير من دول غرب إفريقيا. فخلال هذه الفترة، لم يعد السؤال لماذا تحدث الانقلابات؟، بل لماذا لا تحدث؟، في ظل تكرار المحاولات الناجحة والفاشلة على حدٍّ سواء. وتُظهر البيانات أن معدلات الانقلابات الناجحة ظلت مرتفعة طوال هذه المرحلة، مع تمركز واضح في دول مثل بنين وغانا ونيجيريا وبوركينا فاسو، حيث شهدت بعض هذه البلدان انقلابات متعاقبة خلال فترات زمنية قصيرة. وبحلول أواخر الثمانينيات، كانت نسبة معتبرة من دول غرب إفريقيا قد خضعت لشكل من أشكال الحكم العسكري، قبل أن تبدأ موجة التحول الديمقراطي في تقليص وتيرة الانقلابات تدريجياً مع نهاية العقد[14].
وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، كانت معظم الدول الإفريقية- وليس فقط إقليم غرب إفريقيا- قد شهدت انقلاباً ناجحاً واحداً على الأقل، مع تكرار الظاهرة في عدد من البلدان، وفي مقدمتها بنين وبوركينا فاسو ونيجيريا التي سجلت ستة انقلابات لكل منها. فبعد الإطاحة بالقادة المدنيين، برز رجال بزيهم العسكري ليتولوا السلطة، ثم ما لبثوا أن دخلوا في دوامة من الانقلابات المضادة، وانقلابات القصور، والانقلابات التي قادها ضباط صغار، كما حدث في بوركينا فاسو وغانا، حيث أطاح ضباط صغار ساخطون بكبار الضباط الذين كانوا قد أطاحوا بدورهم بالرؤساء القائمين، قبل أن يسقط هؤلاء أيضاً تحت وطأة تجاوزات السلطة والصراع الداخلي. ولم تنجُ من هذه الموجة سوى قلة من الدول، أبرزهم الرأس الأخضر[15].
جدول رقم (2):
الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين:

Source: Megan Duzor and Brian Williamson, By the Numbers: Coups in Africa, (VOA News, Oct 3, 2023), Available at: https://projects.voanews.com/african-coups, Accessed in Feb 16, 2026.
ثالثاً: مرحلة الانحسار والانضباط الدستوري (تسعينيات القرن العشرين– العقد الأول من الألفية الجديدة):
عقب سقوط جدار برلين ونهاية الثنائية القطبية، دخلت القارة الإفريقية- بما فيها غرب إفريقيا- مرحلة تحوّل اتسمت بتزايد الضغوط الدولية نحو تبنّي الديمقراطية والتعددية السياسية[16]. فقد أدّى انهيار النظام الدولي القائم على الاستقطاب الأيديولوجي إلى حرمان العديد من الأنظمة العسكرية من شبكات الدعم التي كانت تحصل عليها من المعسكرين الشرقي والغربي، الأمر الذي دفعها إلى إعادة التموضع سياسياً سعياً للاندماج في نظام عالمي ليبرالي آخذ في التشكل[17]. وعليه، يمكن القول إنه مع وصول موجة التحول الديمقراطي إلى القارة في أواخر الثمانينيات، بدا أن الجيوش عادت إلى ثكناتها، غير أن هذا المسار تزامن في الوقت نفسه مع تصاعد النزاعات المسلحة في إفريقيا، إذ تسارعت وتيرة العنف خلال التسعينيات مع انتشار حركات التمرد والحروب الإقليمية بالوكالة عبر الحدود[18].
وفي هذا السياق، اتجهت معظم دول غرب إفريقيا إلى اعتماد دساتير جديدة تسمح بعودة الأحزاب المعارضة وتنص على تحديد مدد الرئاسة، استجابةً لمطالب داخلية متصاعدة رافضة لبقاء القادة في الحكم إلى أجل غير مسمى. وقد مثّلت تجارب مثل بنين وغانا نماذج مبكرة لهذا التحول؛ ففي كلا البلدين استجاب الحكام العسكريون للضغوط والاضطرابات الداخلية عبر إطلاق مسارات انتقالية نحو مؤسسات انتخابية ليبرالية. تبعتها لاحقاً دول أخرى مثل مالي، بينما شهدت نيجيريا تحولاً مفصلياً في أواخر التسعينيات عقب وفاة ساني أباتشا، وهو تحول كان بالغ الأهمية نظراً لثقلها الديموغرافي والسياسي في الإقليم. ومع مطلع الألفية الجديدة، لم يعد ظهور القادة بزيهم العسكري في القمم الإقليمية أمراً مألوفاً، إذ أصبحت معظم دول المنطقة تُوصَف- نظرياً على الأقل- بأنها أنظمة ديمقراطية تعتمد الانتخابات الدورية، حتى وإن شابتها اتهامات بالتزوير أو ضعف التنافسية[19].
وعلى المستوى القاري، تعزز هذا المسار مع تبنّي مبادئ رفض التغييرات غير الدستورية للحكومات من قِبل الاتحاد الإفريقي (منظمة الوحدة الإفريقية حينها)، وهو توجه تبلور لاحقاً في قمم إفريقية مثل قمة لومي عام 2000م- التي عُرفت بإعلان لومي 2000م[20]– ما أسهم في تراجع نسبي للانقلابات خلال هذه المرحلة. ومع ذلك، لم يكن التحول الديمقراطي خطياً أو مستقراً؛ إذ لجأ عدد من الرؤساء إلى تعديل الدساتير أو التحايل على قيود المدد الرئاسية للبقاء في السلطة، وهو ما ولّد موجات جديدة من الاحتقان الشعبي وأعاد إنتاج التوتر بين الشرعية الدستورية والشرعية السياسية، ممهّداً لعودة الانقلابات كأحد تعبيرات الأزمات البنيوية في مرحلة لاحقة[21].
جدول رقم (3):
الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا خلال الفترة (تسعينيات القرن العشرين-العقد الأول من الألفية الجديدة):

Source: Adapted from: Megan Duzor and Brian Williamson, By the Numbers: Coups in Africa, (VOA News, Oct 3, 2023), Available at: https://projects.voanews.com/african-coups, Accessed in Feb 16, 2026.
رابعاً: مرحلة الارتداد العسكري الجديد (2020م- الآن).. الخصائص والتحولات:
منذ عام 2020م، شهدت غرب إفريقيا عودة مقلقة للانقلابات العسكرية في مالي (2020 و2021م) وغينيا (2021م) وانقلابي بوركينا فاسو (2022م) والنيجر (2023م) وغينيا بيساو (2025م)، تميزت بخصائص جديدة تختلف عن سابقاتها في عدة جوانب، نشير لها كما يلي، عقب الجدول التالي الذي يرصد الانقلابات الناجحة (وعددها 7) التي اندلعت في الإقليم خلال الفترة من 2020م وحتى عام 2025م:
جدول رقم (4):
الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا خلال الفترة (2020-2025م)

المصدر: من إعداد الباحثة، استناداً إلى:
يعكس الجدول رقم (4) أعلاه عودة واضحة للانقلابات العسكرية إلى واجهة المشهد السياسي في غرب إفريقيا بعد فترة من التراجع النسبي خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، مع تكرار الانقلاب في الدولة الواحدة كما في مالي وبوركينا فاسو، غير أن أهمية هذه الموجة لا تكمن فقط في عدد الانقلابات أو تواترها، بل في طبيعة الخطاب الذي رافقها، والتحولات الجيوسياسية التي أحاطت بها، والتحديات التي فرضتها على المنظمات الإقليمية، وهو ما يستدعي الوقوف عند خصائصها وتحولاتها النوعية مقارنةً بالمراحل السابقة، كما يلي:
1- تبرير الانقلابات بخطاب وطني وأمني:
على عكس الانقلابات الكلاسيكية التي كانت تُبرَّر أحياناً بالفساد أو سوء الإدارة، فإن الموجة الجديدة تُركز بشكل كبير على فشل الحكومات المدنية في مواجهة التهديدات الأمنية (خاصةً الإرهاب والتطرف، كما في مالي وبوركينا فاسو)، وضعف السيادة الوطنية، والتبعية للقوى الأجنبية. وهنا، يُقدّم الجيش نفسه كمنقذ للأمة وحامٍ للسيادة، وهو خطاب يجد صدى لدى قطاعات من المواطنين التي تشعر بالإحباط من أداء الحكومات المدنية[22].
2- تراجع النفوذ الغربي وصعود قوى بديلة:
يلاحظ المتابع لهذه الانقلابات أنها تزامنت مع تراجع ملحوظ في النفوذ الغربي، وبالتحديد الفرنسي في المنطقة، وصعود قوى دولية أخرى مثل روسيا، التي تُقدّم نفسها كبديل للتعاون الأمني والعسكري لبعض دول الإقليم وأبرزهم مالي وبوركينا فاسو. وقد أدت هذه التحولات إلى تغيير في التحالفات الجيوسياسية لبعض الدول التي شهدت انقلابات، حيث اتجهت نحو تعزيز علاقاتها مع روسيا وكذلك الصين[23].
3- تحدي المنظمات الإقليمية:
واجهت المنظمات الإقليمية، مثل الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، تحدياً كبيراً في التعامل مع هذه الموجة الجديدة داخل إقليم غرب إفريقيا. فعلى الرغم من الإدانات القوية والعقوبات الاقتصادية والسياسية، إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية في كثير من الأحيان لإعادة الأنظمة المطاح بها من جديد، بل أدت في بعض الحالات إلى تعميق الأزمة وتوحيد الجبهة الداخلية حول الأنظمة العسكرية، كما حدث في النيجر، وهو ما أدى إلى انسحابها من التحالف إضافةً لمالي وبوركينا فاسو، كما سنتطرق لذلك لاحقاً[24].
4- وسائل التواصل الاجتماعي كأداة للتأثير والتعبئة:
في هذا السياق، تشير بعض التحليلات إلى أن موجة واسعة من المشاعر المعادية لفرنسا، التي حفزت الكثير من انقلابات الإقليم، جرى تضخيمها عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل منصة إكس X (تويتر سابقاً) وتيك توك، ولا سيما في النيجر عقب انقلاب يوليو 2023م، مع امتداد التأثير إلى مالي بعد انقلابي أغسطس 2020م ومايو 2021م، وبوركينا فاسو بعد انقلابي يناير وسبتمبر 2022م، إلى جانب تصاعد انتقادات حادة لمنظمة إيكواس عقب تهديدها بالتدخل العسكري. وفي المقابل، انتشرت منشورات مؤيدة لروسيا في هذه الدول، في ظل سعي قادة الانقلابات إلى البحث عن حليف بديل بعد القطيعة مع فرنسا، مع تنامي حضور موسكو في منطقة غرب إفريقيا[25].
المحور الثالث: الأسباب السوسيولوجية لتآكل الشرعية وصعود العسكريين:
على الرغم من أن موجة التحول الديمقراطي التي شهدتها دول غرب إفريقيا منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين وبداية تسعينياته قد حملت آمالاً واسعة بإرساء نظم سياسية أكثر تمثيلاً واستجابة لاحتياجات المجتمعات الإفريقية؛ فإن هذه التجربة لم تنجح في تحقيق العوائد السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي انتظرها المواطنون. فقد استمرت مظاهر الفقر والبطالة وضعف الخدمات العامة، كما اتسعت الفجوة بين النخب الحاكمة والمحكومين، الأمر الذي أضعف ثقة المواطنين في المؤسسات القائمة. ومع مرور الوقت، أدى هذا التباين بين الوعود الديمقراطية والواقع المغاير إلى تآكل الشرعية للأنظمة الحاكمة، وخلق بيئة أكثر قابلية لتقبّل تدخّل المؤسسة العسكرية في المجال السياسي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم موجة الانقلابات العسكرية التي شهدتها بعض دول غرب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة بمعزل عن مجموعة من العوامل السوسيولوجية المرتبطة بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة، فضلاً عن أنماط التهميش والتفاوت في توزيع عوائد التنمية داخل الدولة الواحدة. وانطلاقاً من ذلك؛ يسعى هذا المحور إلى تحليل أبرز المحددات السوسيولوجية التي أسهمت في تآكل شرعية النظم السياسية المدنية ومهّدت لعودة العسكريين إلى واجهة المشهد السياسي في بعض دول الإقليم[26].
أولاً: أزمة العقد الاجتماعي.. الانفصال بين الدولة والمجتمع:
في مسعانا لتفسير موجة الانقلابات العسكرية الجديدة في غرب إفريقيا، تبرز أزمة العقد الاجتماعي[27] بوصفها مدخلاً تحليلياً رئيسياً لفهم البيئة الحاضنة لهذه التدخلات العسكرية. فدول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، رغم ما تمتلكه من موارد طبيعية إستراتيجية– كالذهب واليورانيوم والنفط– لم تتمكن من تحويل هذه الثروات إلى تحسين ملموس في مستويات المعيشة. وتُظهر بيانات مؤشر التنمية البشرية لعام 2025م على سبيل المثال أن هذه الدول لا تزال ضمن فئة التنمية البشرية المنخفضة، إذ جاءت بوركينا فاسو في المرتبة 186، بينما احتلت مالي والنيجر المرتبة 188، من أصل 193 دولة، وهو ما يعكس فجوة هيكلية بين الإمكانات التي تمتلكها هذه الدول والواقع الاجتماعي المتردي لمواطنيها. وتمثل هذه المفارقة أحد أبرز تجليات اختلال العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع[28].
من هنا أدى هذا الوضع إلى تآكل الثقة في مؤسسات الدولة، خاصةً مع استمرار ضعف البنية التحتية والخدمات الصحية والتعليمية المتردية وارتفاع معدلات البطالة. ويبرز نموذج غينيا بيساو- التي شهدت انقلاباً في نوفمبر من العام 2025م، وهو الانقلاب السابع في إقليم غرب إفريقيا منذ العام 2020م- بوصفه مثالاً دالاً على هذا النمط؛ إذ ظلت الدولة تاريخياً ضعيفة الامتداد في المناطق الريفية، التي احتفظت بهياكلها الاجتماعية التقليدية وقدرتها على مقاومة التدخل في شؤونها. ورغم ارتفاع نسب المشاركة الانتخابية ونجاح بعض الاحتجاجات الشعبية في فرض مطالب آنية؛ فإن قدرة الدولة على تقديم الخدمات أو فرض القواعد أو بسط سلطتها خارج المركز ظلت محدودة. وقد أتاح هذا الضعف المجال لتركيز السلطة في يد النخبة الحاكمة، في إطار نمط حكم يقوم على توزيع الموارد والمنافع على شبكة ضيقة من المؤيدين، مع تهميش المنافسين. وترسخت بذلك عقلية «الفائز يحصد كل شيء»، بحيث يؤدي كل انتقال في السلطة إلى إعادة توزيع شاملة للمواقع والنفوذ، وتعطيل مستمر لبرامج التنمية، وتجدد دورات الإقصاء والصراع. وقد تجسد هذا النمط بوضوح خلال الفترة 2015–2018م في غينيا بيساو، حين أسهم الصراع السياسي بين الرئيس خوسيه فاز ورئيس الوزراء دومينغوس بيريرا في شلل مؤسسات الدولة، ودفع المانحين الدوليين إلى تجميد تعهدات مالية كبيرة، ما عمّق الأزمة الاقتصادية وتردي الأوضاع المعيشية[29]. وفي مثل هذا السياق، يصبح النظام السياسي أكثر هشاشة أمام أي تحدٍّ داخلي، بما في ذلك التدخل العسكري، الذي يجد أحياناً أرضيةً خصبةً وقبولاً شعبياً لتفهمه في ظل فقدان الثقة في البدائل المدنية القائمة، وهو ما حدث بالفعل من خلال سيطرة مجموعة من العسكريين على البلاد، إضافةً لاعتقال الرئيس أومارو سيسوكو إمبالو، في نوفمبر من العام 2025م[30].
ثانياً: الفقر وتآكل الشرعية:
فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية المتردية واتساع مستويات الفقر في بعض دول غرب إفريقيا، فقد أسهمت في تهيئة بيئة مواتية للانقلابات العسكرية، خاصةً حين اقترنت هذه الأوضاع بإدراك شعبي متنامٍ لوجود علاقة غير متكافئة مع بعض القوى الاستعمارية السابقة كفرنسا، تقوم على استنزاف الموارد الطبيعية دون انعكاس ملموس على مستويات معيشة السكان المحليين. ففي النيجر على سبيل المثال- إحدى بلدان غرب إفريقيا- التي تُعدّ من أفقر دول العالم، ظل معدل الوصول إلى الكهرباء أقل من 20% حتى نهاية عام 2021م، في وقتٍ تعتمد فيه الدولة النيجرية على نيجيريا لتوفير ما يقرب من 70% من احتياجاتها الكهربائية، على نحوٍ يبين هشاشة البنية التحتية وضعف قدرة الدولة على تلبية أبسط الخدمات الأساسية للمواطنين. في المقابل، تتمتع فرنسا ومواطنوها بنسبة وصول إلى الكهرباء تبلغ 100%، كما تعتمد بشكل كبير على الطاقة النووية التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع إنتاجها الكهربائي، ويشكّل اليورانيوم القادم من النيجر نحو خُمس هذا الإنتاج، بأسعار تقل كثيراً عن الأسعار العالمية. وقد عزز هذا التفاوت الصارخ بين بلد مُصدِّر للثروة وبلد مستفيد منها دون مقابل تنموي عادل شعوراً واسعاً بالظلم والاستغلال، خاصةً في ظل استمرار الفقر وغياب التنمية في المناطق الغنية بالموارد المعدنية على وجه التحديد. وكما تشير بعض التقديرات، لم تقتصر الاستفادة من اليورانيوم النيجري على فرنسا فحسب، بل امتدت إلى الاتحاد الأوروبي (حصل على 25% من اليورانيوم الطبيعي لتوليد الكهرباء من النيجر) في وقتٍ لم ينعكس فيه هذا المورد الإستراتيجي على تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين[31].
وعليه، فقد لعب هذا الإدراك دوراً في تغذية مشاعر الغضب الشعبي المناهض لفرنسا، ووفّر أرضية خصبة لشرعنة الانقلابات العسكرية، حيث قدّم القادة العسكريون أنفسهم بوصفهم استجابةً لـنهب الثروات وفشل النخب الحاكمة المتحالفة مع الخارج[32]. وندلل على ذلك بخطاب رئيس المجلس العسكري الحاكم في النيجر «عبد الرحمن تياني»، في خطاب بمناسبة الذكرى الأولى للانقلاب العسكري الذي أوصله للسلطة، أن ثروات بلاده كانت عُرضة للنهب من قِبل نظام- أي نظام محمد بازوم الذي تمت الإطاحة به في يوليو من العام 2023م- يدور في فلك القوة الاستعمارية السابقة، مضيفاً: إن التهديدات الوجودية التي كان يتعرض لها النيجر، الذي وُضع تحت وصاية القواعد العسكرية الأجنبية ودُفع به نحو ظلمات الإرهاب المحدق، ونهب الثروات، أمور دفعتهم إلى تحمل المسؤولية[33].
ولا تختلف الأوضاع كثيراً في الدولة المجاورة بوركينا فاسو، حيث ارتفع معدل الفقر داخل البلاد بمقدار 1.8 نقطة مئوية، من 41.4% في (2018–2019م) إلى 43.2% في (2021–2022م)، ويُذكر أن عام 2022م شهد انقلابين عسكريين. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الأرقام الرسمية المتعلقة بالفقر في بوركينا فاسو قد تكون أقل من الواقع، نظراً لصعوبة إدراج النازحين داخلياً في المسوح الإحصائية، وهم يمثلون نحو 10% من السكان، وهو ما يعني أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد تكون أعمق مما تعكسه البيانات المتاحة[34]. وكما نقرأ من أرقام أخرى لبوركينا فاسو- وفقاً للبنك الدولي أيضاً- لن يكون من المستغرب فهم لماذا بدأت شرعية النظام الحاكم تتآكل، ولا سيما مع مواجهة البلاد مجموعة من التحديات التنموية المترابطة، على سبيل المثال عانت البلاد اعتباراً من عام 2020م، وبالتحديد أكثر من 50 بالمائة من السكان عانوا من نقص مزمن في الغذاء، والذي تفاقم بسبب تغير المناخ والتصحر وجائحة كوفيد-19. بالإضافة إلى ذلك، هددت الأمراض شديدة العدوى صحة الماشية، مما أثر سلباً على دخل الرعاة وأدى إلى تفاقم حالتهم لتعرضهم لصدمات أخرى. وكان الإنفاق على المساعدات الاجتماعية مجزأً وغير فعّال أيضاً، وظلت الاستدامة المالية تحت ضغط مستمر، على نحو أفقد النظام شرعيته بالنسبة للمواطنين وهيّأ البيئة للانقلابات العسكرية التي تعرضت لها البلاد مرتين خلال عام واحد (2022م)[35].
ثالثاً: التهميش والتفاوت في توزيع عوائد التنمية:
يبرز تجاهل وتهميش بعض الجماعات (عرقية- إثنية- دينية… إلخ) داخل الدولة الواحدة، كأحد العوامل التي تسهم في تهيئة بيئة حاضنة للاضطرابات السياسية، ومن بينها الانقلابات العسكرية، وإن كانت مظاهر هذا التهميش ونتائجه تختلف من دولة إلى أخرى. وبالتطبيق على بعض دول غرب إفريقيا نجد أنه في بعض الحالات، كما في نيجيريا على سبيل المثال، يؤدي الشعور بالتهميش الاقتصادي-التنموي في بعض المناطق إلى تصاعد الاحتجاجات والاضطرابات دون أن يتحول بالضرورة إلى انقلابات عسكرية صريحة، ويتجلى ذلك في منطقة دلتا النيجر، حيث يشعر السكان المحليون بأنهم لا يستفيدون من عوائد الثروة النفطية رغم تمركزها في إقليمهم[36]. وفي حالات أخرى مثل مالي، يرتبط التهميش بمحاولات للتمرد المسلح، خاصةً في شمال البلاد حيث تعيش قبائل الطوارق التي لطالما عبّرت عن شعورها بالإقصاء السياسي والاقتصادي مقارنةً بالمناطق الجنوبية. ويزيد من ذلك أن العلاقة بين السلطة المركزية في باماكو وأقاليم الشمال اتسمت تاريخياً بقدر من سوء الفهم وانعدام الثقة المتبادلة، وهو ما أسهم في تغذية حالة عدم الاستقرار في البلاد لسنوات طويلة. فقد أدى تجاهل مطالب سكان الشمال المتعلقة بالتنمية الاقتصادية، خصوصاً ما يتصل بالبنية التحتية والخدمات الاجتماعية، إلى جانب ضعف تمثيلهم السياسي في مؤسسات الدولة، إلى تعميق شعور التهميش لدى هذه المجتمعات. وقد برز ذلك بوضوح عام 2012م عندما اندلع تمرد الطوارق وسعت الحركة الوطنية لتحرير أزواد إلى إعلان استقلال شمال مالي، وهو العام نفسه الذي شهد انقلاباً عسكرياً في باماكو، بما يعكس تداخل الأبعاد الاجتماعية مع الاضطرابات السياسية داخل الدولة[37].
المحور الرابع: الجيوش والعودة للحكم.. المحفزات السياسية والأمنية:
لا يمكن تفسير عودة الانقلابات العسكرية بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي سبق ذلك التدخل، ولا سيما وأنه قد تراكمت خلال السنوات الأخيرة أزمات بنيوية مست جوانب الحكم والإدارة والأمن، وأضعفت قدرة نظم الحكم المدنية على الحفاظ على شرعيتها وفعاليتها. ومن ثَمّ، فإنه لفهم تجدد موجة الانقلابات، يقتضي الأمر تفكيك جملة من العوامل المرتبطة بأزمة الحكم الرشيد، والتلاعب بالقواعد الدستورية، والإخفاق في إدارة التحديات الأمنية، بوصفها محددات أساسية أعادت تشكيل المشهد السياسي في الإقليم.
أولاً: أزمة الحكم الرشيد:
ضمن تفكيك محفزات ظاهرة الانقلابات العسكرية التي شهدتها عدد من دول غرب إفريقيا منذ ما يزيد عن عقد من الزمن، يُرجع بعض الدارسين التدخل العسكري- ضمن أسباب أخرى- إلى تراجع جودة الحكم الرشيد (التوزيع الشفاف والفعّال والشامل للموارد)، فقد ترافقت هذه الانقلابات مع تصاعد مظاهر الفساد، وضعف قدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات العامة، وتفاقم آثار الأزمات المناخية والاقتصادية، وهو ما عمّق هشاشة هذه الدول، وخلق فراغاً أتاح للجيش أن يُقدّم نفسه للمواطنين كبديلٍ يُحقق النظام والاستقرار. ففي بوركينا فاسو، وُجّهت اتهاماتٌ مُتكررة لحكومة الرئيس روش مارك كابوري (2015-2022م) بالفساد والمحسوبية. وفي غينيا كوناكري، وُجّهت اتهاماتٌ لحكومة الرئيس ألفا كوندي (2010-2021م) بالفساد وتجاهل الفقر. كذلك عانت مالي من الفساد وانعدام الأمن والشكوك حول مدى نزاهة الانتخابات الرئاسية التي أجريت في أكتوبر من عام 2020م، أي قبل حوالي عام من وقوع الانقلاب الذي أطاح به في عام 2021م[38].
وعن البداية الحقيقية لأزمة الحكم الرشيد في الإقليم، يُرجعها بعض المتخصصين إلى تأثير العوامل الهيكلية والتاريخية السلبي على قدرات الدول في إدارة شؤونها، ولا سيما هياكل الحكم الموروثة من الحقبة الاستعمارية، إضافةً إلى ما حدث منذ نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات، حينما بدأت معظم الدول الإفريقية في تبنّي بعض عناصر الحكم الديمقراطي ولو بشكل إجرائي، كالانتخابات، لكن دون القيم والمبادئ الحقيقية للديمقراطية، كالحكومة الخاضعة للمساءلة، وحرية الصحافة، واستقلال القضاء، وحرية تكوين الجمعيات والأحزاب لأغراض سياسية. كما أن تبنّي بعض الدول ممارسات ديمقراطية شكلية دون ترسيخ دعائمها، أفرز ما يُعرف بـالأنظمة الهجينة التي تمزج بين سمات سلطوية وأخرى ديمقراطية. هذا النمط عمّق عجز الحكومات المدنية عن تلبية تطلعات المواطنين أو احتواء الحركات المتمردة ومواجهة الجماعات المسلحة، ما ولّد فراغاً مؤسسياً استغله الجيش لتقديم نفسه باعتباره بديلاً قادراً على فرض النظام والاستقرار. وهكذا، جاءت الانقلابات نتيجة تراكمات في الأداء الحكومي، حيث أدت أزمة الحكم الرشيد إلى تآكل الشرعية والتهيئة للتدخل العسكري باعتباره حلاً تصحيحياً، رغم ما يحمله من مخاطر على المسار الدستوري والحياة السياسية ككل على المدى الطويل[39].
ثانياً: التلاعب بالدساتير وتمديد الولايات الرئاسية:
شكّل التلاعب بالدساتير وتمديد الولايات الرئاسية أحد العوامل التي أسهمت في إضعاف المسار الديمقراطي في بعض دول غرب إفريقيا ومهّدت بصورة غير مباشرة لعودة الانقلابات العسكرية. على سبيل المثال ساهم ذلك في غينيا في التمهيد لانقلاب سبتمبر 2021م، فقد أقدم الرئيس ألفا كوندي عام 2020م على تعديل الدستور عبر استفتاء مثير للجدل، يتيح له الترشح لولاية ثالثة، رغم أن الدستور السابق كان يقيّد الرئاسة بولايتين فقط. وبرّرت السلطة ذلك بأن الدستور الجديد يُعيد ضبط عدّ الولايات، غير أن قطاعات واسعة من المعارضة والمجتمع المدني اعتبرت ذلك تحايلاً على مبدأ تداول السلطة ومحاولةً للالتفاف على القيود الدستورية. وقد أثار هذا التعديل احتجاجات واسعة وأزمة سياسية حادة، رافقتها أعمال عنف وسقوط ضحايا، ما عمّق حالة الاستقطاب وأضعف شرعية النظام المدني. وفي هذا السياق المتوتر، تدخّل الجيش في سبتمبر عام 2021م وأطاح بالرئيس ألفا كوندي- عقب حوالي عام من إجراء انتخابات 2020م كما ذكرنا أعلاه- مبرراً تحركه بإنهاء حالة الانسداد السياسي واستعادة الاستقرار. وهكذا، تحوّل العبث بالقواعد الدستورية من أداة لإطالة أمد الحكم إلى عامل مباشر في تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، بما يبين كيف يمكن للتحايل على مبدأ احترام الدستور والقانون أن يُقوّض العقد السياسي ويفتح المجال أمام التدخل العسكري[40].
ثالثاً: الإخفاق في إدارة الملف الأمني وتصاعد الإرهاب:
يمكن القول إن تصاعد التهديدات الإرهابية وعجز الدولة الإفريقية عن احتوائها قد شكَّل أحد أبرز المداخل التي استندت إليها الجيوش لتبرير تدخلها في الحكم؛ ففي ظل تدهور الأوضاع الأمنية واتساع رقعة العنف المسلح، قدّمت المؤسسة العسكرية نفسها بوصفها الطرف الأكثر قدرة على استعادة الاستقرار وفرض السيطرة. وتبرز حالة بوركينا فاسو مثالاً دالاً على هذا المسار؛ إذ قاد المقدم بول هنري سانداوغو داميدا انقلاب يناير 2022م متعهداً باستعادة الأمن ومواجهة الجماعات المسلحة، في بلد فقدت فيه الدولة سيطرتها الفعلية على مساحات واسعة من أراضيها (حوالي 40%)، غير أن إخفاق حكومته في تحقيق هذا الهدف مهّد لانقلاب جديد في سبتمبر من العام نفسه بقيادة النقيب إبراهيم تراوري آنذاك، الذي برّر تحركه بفشل القيادة العسكرية السابقة في السيطرة على التهديدات الأمنية المتنامية وتحقيق تطلعات المواطنين في البلاد[41].
المحور الخامس: موقف الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).. بين حماية الشرعية الدستورية وتفكك الإقليم:
في ضوء ما تم استعراضه من عوامل سياسية واجتماعية مؤثرة على مسألة الانقلابات في دول غرب إفريقيا، يبرز الاهتمام بكيفية تعاطي البيئة الإقليمية مع هذه التحولات ومدى قدرة المنظمات الإقليمية، وبالتحديد (الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا المعروفة اختصاراً بـ«إيكواس»، وهي التكتل الأبرز في الإقليم) على حماية النظام الدستوري وصون تماسك الإقليم في ظل هذه المتغيرات، فقد وضعت هذه التحولات التكتل الإقليمي أمام معادلة معقدة، وهي: التمسك بمبدأ عدم التسامح مع التغيير غير الدستوري من جهة، والحفاظ على تماسك الإقليم وتجنب انقسامه من جهة أخرى. ومن ثَمّ، نسعى في هذا المحور إلى قراءة وتحليل أدوات إيكواس في مواجهة الانقلابات العسكرية داخل الإقليم، وتقييم حدود فعاليتها، وسبل إصلاحها[42].
أولاً: الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» وحدود فعاليتها:
شهدت الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) منذ موجة الانقلابات التي تصاعدت بين عامي 2020م و2025م اختباراً لفاعلية أدواتها في حماية النظام الدستوري، فاستناداً إلى بروتوكولها بشأن الديمقراطية والحكم الرشيد المعتمد في عام 2001م، لجأت المنظمة إلى تعليق عضوية الدول التي شهدت انقلابات (مالي، غينيا، بوركينا فاسو، ثم النيجر)، وفرضت حزماً متدرجة من العقوبات شملت إغلاق الحدود، وتجميد الأصول، ووقف المعاملات المالية، وفرض قيود على السفر، بل والتلويح بالقوة العسكرية في حالة النيجر عام 2023م. غير أن هذه الأدوات رغم تكرار استخدامها، لم تُفضِ إلى إعادة أيّ حاكم من الحكام المعزولين، كما أن حدتها لم تكن متسقة بين الحالات المختلفة، ما أثار تساؤلات حول معيارية التطبيق وحدود فاعلية الردع بالعقوبات وحدها، وكذلك حول التركيز على أن العقوبات التي يتم اتخاذها بعد وقوع الانقلاب تأتي أحياناً على حساب معالجة مظاهر التآكل الديمقراطي السابقة عليه، مثل تمديد الولايات الرئاسية أو إضعاف المؤسسات الرقابية[43].
لكن إضافةً لما سبق، لا يمكن إنكار أن محدودية تأثير أدوات إيكواس يرتبط أيضاً بطبيعة البيئة السياسية والإقليمية التي تعمل فيها المنظمة؛ فالعقوبات الاقتصادية وإغلاق الحدود، رغم أنها تُعدّ من أكثر أدوات التكتل استخداماً، غالباً ما تُلقي بعبء أكبر على المواطنين أنفسهم مقارنةً بالنخب العسكرية الحاكمة، كما حدث في النيجر 2023م، حيث إن العقوبات التي فرضتها إيكواس على النيجر عقب انقلاب يوليو 2023م لم تقتصر آثارها على المستوى السياسي أو المجلس العسكري الحاكم، بل امتدت بصورة مباشرة إلى حياة النيجريين اليومية، بل والتجار وبعض الحرف الأخرى، في البلدان المجاورة المعتمدين في تجارتهم ومعاملاتهم على النيجر، فقد أدى إغلاق الحدود البرية والجوية وتعليق المعاملات التجارية والمالية إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار السلع الأساسية، خاصةً في ظل اعتماد النيجر الكبير على استيراد الغذاء لتلبية احتياجات سكانها الذين يشهدون نمواً ديموغرافياً سريعاً. ومع توقف إمدادات الكهرباء القادمة من نيجيريا– التي كانت تمثل نحو 70% من استهلاك البلاد– تفاقمت الأزمات المعيشية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وتعطل الأنشطة الاقتصادية الصغيرة وفساد بعض المنتجات الغذائية، كما تأثرت شبكات التجارة غير الرسمية العابرة للحدود، التي تشكل ما يقرب من 30% من التجارة الإقليمية في غرب إفريقيا، الأمر الذي أضر بمصادر رزق فئات واسعة من التجار الصغار والمزارعين والعمال الموسميين، ودفع بالعديد من المجتمعات المحلية إلى مواجهة ضغوط اقتصادية متزايدة. وهكذا، كشفت العقوبات عن مفارقة أساسية تتمثل في أن أدوات الضغط السياسية الموجهة إلى الأنظمة العسكرية قد تنعكس عملياً في صورة أعباء اقتصادية مباشرة يتحملها المواطنون العاديون[44].
كما واجهت إيكواس إشكاليةً أخرى تعلقت بتآكل التوافق الداخلي بين دولها الأعضاء حول كيفية التعامل مع الانقلابات، خاصةً مع تباين مواقف بعض الدول بشأن استخدام القوة العسكرية أو تشديد العقوبات. وقد تجلى ذلك بوضوح في أزمة النيجر (أي الإطاحة بمحمد بازوم) عام 2023م، حيث أعلنت المنظمة، عقب القمة الاستثنائية التي عقدتها في يوليو 2023م، منح قادة الانقلاب مهلة سبعة أيام لإطلاق سراح الرئيس المنتخب محمد بازوم وإعادة النظام الدستوري، مع التلويح بإمكانية اللجوء إلى التدخل العسكري في حال عدم الاستجابة. غير أن هذا الخيار واجه معارضة كبيرة، إذ سارعت مالي وبوركينا فاسو– اللتان تحكمهما مجالس عسكرية أيضاً– إلى إعلان دعمهما لقادة الانقلاب في نيامي، مؤكدتين أن أي تدخل عسكري ضد النيجر سيُعدّ إعلان حرب عليهما، في خطوة عكست مسعى هذه الأنظمة العسكرية إلى تشكيل جبهة تضامن دفاعي في مواجهة الضغوط الإقليمية. وقد أدى هذا الموقف إلى تعقيد خيارات إيكواس وتقليص هامش المناورة أمامها، خاصةً في ظل تحفّظ بعض الدول الأعضاء على خيار التدخل العسكري. كما كشف هذا الانقسام عن حدود قدرة المنظمة على فرض التزاماتها الجماعية في بيئة إقليمية تشهد تحولات في موازين القوى وتنامي نفوذ فاعلين دوليين جدد مثل روسيا، وهو ما جعل أدوات الضغط التقليدية التي اعتمدت عليها المنظمة أقل فاعلية مقارنةً بموجات الانقلابات السابقة في غرب إفريقيا[45].
ثانياً: نحو إعادة تعريف دور الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس»:
لا يعكس المشهد الراهن في غرب إفريقيا- بكل معطياته سالفة البيان- مجرد خلاف سياسي سطحي أو مؤقت بين بعض الأنظمة العسكرية والمنظمة الإقليمية، بل كشف عن معضلة حقيقية أبرزت تساؤلاً جوهرياً، وهو: كيف يمكن لإيكواس أن تحافظ على مصداقيتها كضامن للشرعية الدستورية، دون أن تؤدي أدواتها وسياساتها- التي تبدو في بعض الأحيان كعقاب للحكام العسكريين والمحكومين المؤيدين للتدخل العسكري- إلى نتائج عكسية تُعزز خطاب الأنظمة العسكرية داخلياً أو تُعمّق الانقسام داخل الإقليم؟
وفي هذا السياق، أظهرت موجة الانقلابات التي عادت للإقليم منذ العام 2020م أن المقاربة القائمة أساساً على العقوبات الاقتصادية والتهديد باستخدام القوة، رغم اتساقها مع الإطار القانوني للتكتل الإقليمي (إيكواس)، أثبتت محدوديتها، إذ لم تُفضِ إلى إعادة الأنظمة المطاح بها، بل ساهمت في بعض الحالات في تعزيز السردية السيادية للأنظمة العسكرية، وتصوير إيكواس بوصفها أداةً لضغوط خارجية. ومن ثَمّ، يبرز احتياجٌ مُلحّ إلى مراجعة أدوات الفعل الإقليمي وتوسيعها بما يتجاوز منطق الردع إلى منطق الوقاية وبناء الثقة. وفي هذا المنحى، يمكن اقتراح جملة من المسارات التي قد تعمل على تحسين استجابة إيكواس تجاه الانقلابات والتعامل مع الأنظمة العسكرية والشعوب في الإقليم، وذلك على النحو الآتي:
1- إصلاح آليات حماية النظام الديمقراطي داخل إيكواس وتطبيقها بصورة أكثر اتساقاً وعدالة، بما يشمل احترام الولايات الرئاسية، ومعاقبة التلاعب الدستوري، وتطبيق معايير موحدة على جميع الدول الأعضاء، بدلاً من الاكتفاء بالرد على الانقلابات العسكرية الصريحة بعد وقوعها.
2- الاستثمار بجدية أكبر في تفعيل آلية الإنذار المبكر، وتعزيز دور بعثات حفظ السلام والتعاون معها، بما يسمح باحتواء الأزمات في مراحلها الأولى قبل تحولها إلى تدخلات عسكرية.
3- اعتماد مقاربة تجمع بين الضغوط والحوافز، بحيث يتضمن دعم الانتقالات السياسية أدوات إيجابية، مثل تخفيف الديون، وتسهيل التجارة، ودعم المؤسسات للدول التي تُظهر التزاماً فعلياً بالمعايير الديمقراطية.
4- وأخيراً، فإن إعادة بناء الثقة بين إيكواس ودول الإقليم تتطلب شفافية أكبر في تطبيق القواعد، فضلاً عن إعادة التفكير في طبيعة الدور الذي تضطلع به المنظمة في بيئة إقليمية متغيرة. فليست كل أزمة تستدعي التهديد بالقوة؛ فبعضها يتطلب إنصاتاً سياسياً، وأخرى تحتاج إلى صبر تفاوضي طويل النفس، إذ إن السلام الدائم لا يتحقق بالإنذارات وحدها، بل بالحوار، والإصلاح التدريجي، ومن ثَمّ استعادة الثقة في التكتل ذاته[46].
في المجمل، تكشف قراءة موقف الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) من موجة الانقلابات في غرب إفريقيا أن الإشكالية لم تعد تتعلق فقط بمدى فاعلية العقوبات أو شرعية التدخل، بل بطبيعة الدور الذي تضطلع به المنظمة في بيئة إقليمية تتغير موازينها السياسية والأمنية في ظل نظام دولي متحوّل. فبين سعيها إلى حماية الشرعية الدستورية وتمسكها بمبدأ عدم التسامح مع التغيير غير الدستوري، وبين واقع إقليمي يشهد تصاعد النزعات السيادية لدول المنطقة (غرب إفريقيا)، وبروز ترتيبات أمنية موازية- سيتطرق لها المحور التالي، تجد إيكواس نفسها أمام مفترق طرق إستراتيجي يمس جوهر مشروع التكامل ذاته.
المحور السادس: الارتدادات الإقليمية والدولية للموجة الانقلابية في غرب إفريقيا:
لم تقتصر آثار الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا على إعادة تشكيل السلطة داخل الدول المعنية، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بل امتدت لتسهم في إعادة ترتيب التفاعلات داخل الإقليم، بل وخلق مسارات موازية، وإعادة صياغة التحالفات الأمنية والسياسية، فضلاً عن تغير بعض علاقات هذه الدول مع القوى الكبرى الشريكة لها. وفي هذا السياق، باتت الانقلابات تمثل عاملاً مؤثراً في معادلات الأمن الجماعي، ومسارات التعاون الإقليمي، وتوازنات النفوذ الدولي في غرب القارة الإفريقية. ومن ثَمّ، يسعى هذا المحور إلى تحليل أبرز التداعيات الإقليمية والدولية المترتبة على هذه التحولات، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: تحالف دول الساحل وإعادة رسم التوازنات الأمنية:
في إطار التداعيات الإقليمية للانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا، برزت فجوة متنامية بين الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)- التي أوضحناها سلفاً في المحور السابق- وبعض الدول التي شهدت تغييرات غير دستورية في الحكم، ولا سيما مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وعليه، فقد أسهم هذا التوتر في تعميق الانقسام داخل الإقليم، ومهّد لتقارب سياسي وأمني بين الدول الثلاث تُوّج بتأسيس «تحالف دول الساحل»، كإطار بديل للتنسيق الأمني والسياسي خارج مظلة إيكواس، وذلك في سبتمبر من العام 2023م، قبل أن تعلن الدول الثلاث انسحابها من إيكواس، معتبرةً أن سياسات المنظمة تعكس ضغوطاً خارجية وتتجاهل اعتبارات السيادة الوطنية. وقد مثّل هذا التطور ضربة غير مسبوقة لمسار التكامل الإقليمي في غرب إفريقيا، وأضعف قدرة إيكواس على ممارسة نفوذها التقليدي، كما فتح الباب لإعادة تموضع هذه الدول ضمن شبكات شراكة أمنية ودبلوماسية بديلة خارج الإطار الغربي التقليدي، وبخاصة فرنسا[47].
وفي هذا الإطار، بررت الدول الثلاث المُؤسِّسة لتحالف الساحل هذه الخطوة بعاملين رئيسيين، هما: تصاعد التهديدات في منطقة ليبتاكو-غورما الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتهديد بالتدخل العسكري من قِبَل إيكواس لإعادة «النظام الدستوري» في بعض دول الإقليم كالنيجر، الأمر الذي لم يُعد فقط رسم خريطة التحالفات في غرب إفريقيا، بل يثير تساؤلات أوسع حول مستقبل التكامل الإقليمي، ومدى قدرة إيكواس على الحفاظ على دورها كإطار أمني وسياسي جامع في الإقليم[48].
ثانياً: تقويض النفوذ الفرنسي لصالح النفوذ الروسي:
في إطار ما شهدته بعض دول الإقليم خلال السنوات الأخيرة من تحولات سياسية في أعقاب الانقلابات العسكرية سالفة الذكر، اتجه بعضها إلى إعادة تعريف علاقاتها الخارجية وتبنّي خطاب سيادي يقوم على تقليص النفوذ الغربي وتعزيز السيطرة الوطنية على ملفات الأمن والحكم. وقد ارتبط هذا التحول بإعادة تقييم دور القوى الدولية في إدارة الأزمات الأمنية داخل الإقليم. وبالتوجه نحو مالي نجد أنها مثالٌ واضح على هذا المسار، فمنذ الانقلابين العسكريين في عامي 2020م و2021م، واللذين قُدّما بوصفهما استجابةً لفشل الحكومات المدنية في احتواء الجماعات المسلحة، تبنّت السلطة الانتقالية أجندة سيادية تهدف إلى تقليص التأثير الأجنبي وتعزيز السيطرة الوطنية. وفي هذا السياق، طلبت السلطات في باماكو في عام 2023م إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام، مبررةً ذلك بعدم قدرتها على معالجة الأزمة الأمنية واستعادة السيطرة على كامل الأراضي. كما تدهورت العلاقات مع فرنسا- القوة الاستعمارية السابقة والحليف العسكري الرئيس للبلاد- لتنسحب القوات الفرنسية من مالي في أغسطس 2022م بناءً على طلب الحكومة الانتقالية. وفي إطار البحث عن حلفاء جدد، اتجهت مالي إلى تنويع شراكاتها، فعززت تعاونها مع بعض القوى المتوسطة كتركيا والإمارات العربية المتحدة، إلا أن التحول الأبرز تمثل في تعميق التعاون مع روسيا، حيث عملت شركة فاغنر العسكرية الخاصة إلى جانب القوات المسلحة النظامية في مالي منذ أواخر العام 2021م، قبل أن تُستبدل في يونيو 2025م بفيلق إفريقيا الروسي التابع للكرملين[49].
وجدير بالذكر أن الأمر لم يكن قاصراً على مالي فحسب، بل امتد إلى بوركينا فاسو والنيجر، حيث سعت هذه الدول إلى بناء شراكات أمنية جديدة بعيداً عن النفوذ الغربي؛ ففي أغسطس 2025م، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن عقد أول اجتماع رسمي بين موسكو والقادة العسكريين في بوركينا فاسو والنيجر ومالي، وأسفر اللقاء عن توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي بين روسيا وتحالف الساحل[50]. وحتى قبل ذلك، وبالتحديد في مايو من العام 2025م اتفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره البوركيني، الكابتن (نقيب) إبراهيم تراوري، على تكثيف الجهود لمكافحة التطرف والإرهاب المتناميين في بعض مناطق بوركينا فاسو ومنطقة الساحل ككل (منطقة طويلة على امتداد ساحل الصحراء الكبرى، تضم دول غرب إفريقيا التي تقع بين شمال إفريقيا (المغرب العربي) ومناطق السافانا جنوباً)، على أن يتم هذا التعاون في إطار تحالف دول الساحل، ما يعكس رغبة هذه الدول في تعزيز قدراتها الأمنية والعسكرية عبر شراكة إستراتيجية مع شركاء جدد كروسيا، بعيداً عن التحالفات الغربية التقليدية[51].
ثالثاً: إعادة رسم النفوذ الأمريكي:
يجد المتتبع لمسار وجود الولايات المتحدة الأمريكية في غرب إفريقيا أنه شهد في بعض الأوقات تراجعاً جزئياً في حضوره، ولا سيما عقب موجة الانقلابات العسكرية الأخيرة، مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر. فقد أفرزت هذه النظم العسكرية الجديدة بيئة إقليمية أكثر تحفظاً تجاه الشراكات الغربية، وأعادت طرح مسألة السيادة الوطنية والتحرر من النفوذ الخارجي كأولوية لدى المجالس الجديدة. وفي هذا السياق، لم يعد الوجود الأمريكي، الذي برز بالأساس في إطار مكافحة الإرهاب ودعم الجيوش الوطنية، يحظى بذات القبول أو الزخم. وقد تجلى ذلك بوضوح في إعلان الجيش الأمريكي، في أغسطس 2024م، استكمال انسحابه من القاعدة الجوية 201 في أغاديز، والتي مثلت آخر تمركز عسكري لواشنطن في النيجر، عقب طلب رسمي من السلطات العسكرية في نيامي في مارس من العام ذاته بإنهاء الوجود الأمريكي[52]. وقد ترافق هذا التحول مع إعادة توجيه النيجر لشراكاتها الخارجية، حيث اتجهت نحو توسيع التعاون مع روسيا، ومن ذلك توقيع مذكرة تفاهم في يوليو 2025م بين شركة «روساتوم» ووزارة الطاقة النيجرية للتعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بما يعكس إعادة تشكيل خريطة التحالفات في الإقليم[53].
وفي مقابل هذا التراجع في بعض دول غرب إفريقيا، سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز التعاون مع دول أخرى في الإقليم. وفي هذا السياق، أشار تقرير صادر عن «أفريكا إنتليجنس» إلى تقديم واشنطن مساعدات عسكرية إضافية لعدد من دول غرب إفريقيا، من بينها غانا وبنين وساحل العاج، بما في ذلك استثمار نحو 4 ملايين دولار لتطوير مطار في بنين بما يسمح باستقبال المروحيات الأمريكية. ويعكس هذا التوجه محاولة لإعادة توزيع الموارد والشراكات بعيداً عن الدول التي شهدت توتراً في العلاقات، وفي مقدمتها النيجر[54].
لكن من الضروري الإشارة إلى أن المقاربة الأمريكية للإقليم شهدت تبايناً بين إدارتي جو بايدن ودونالد ترامب؛ إذ ركزت إدارة بايدن على ملفات الحوكمة والديمقراطية وإعادة ترميم التحالفات في مواجهة النفوذ الروسي والصيني، بينما اتسم توجه إدارة ترامب- الذي بدأت ولايته الثانية في يناير من العام 2025م- بقدرٍ أكبر من البراغماتية الاقتصادية، مع التركيز على توسيع الحضور التجاري والاستثماري. وقد تجسد ذلك في اجتماع عُقد في يوليو 2025م استضاف خلاله ترامب قادة عدد من دول غرب إفريقيا، من بينها غينيا بيساو وليبيريا وموريتانيا والسنغال، حيث تصدرت قضايا الاستثمار واستغلال الموارد الطبيعية وتوسيع التبادل التجاري جدول الأعمال، بما يعكس سعي واشنطن إلى إعادة التموضع في الإقليم عبر أدوات الاقتصاد والتنمية، إلى جانب الاعتبارات الأمنية[55].
المحور السابع: الآفاق والسيناريوهات المستقبلية:
استناداً إلى قراءة وتحليل العوامل السياسية والاجتماعية والأمنية- وحتى التاريخية في بعض الأجزاء- المؤثرة في إقليم غرب إفريقيا وتدخل المؤسسة العسكرية في الحكم، يصبح من المهم استشراف عدد من المسارات المحتملة لمستقبل الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا. وفي هذا الإطار، نقترح ثلاثة سيناريوهات رئيسة قد تحكم إحداها تطور هذه الظاهرة خلال المرحلة المقبلة، وذلك على النحو الآتي:
السيناريو الأول: استمرار الموجة وترسّخ الحكم العسكري (سيناريو التمدد):
يقوم هذا السيناريو على افتراض استمرار العوامل البنيوية التي أفرزت موجة الانقلابات الحالية، وفي مقدمتها هشاشة الدولة، وتآكل العقد الاجتماعي، وتصاعد التهديدات الأمنية، وضعف فعالية المنظمات الإقليمية. وفي هذا الإطار، قد تتحول بعض الأنظمة العسكرية من وضع انتقالي مؤقت إلى أنماط حكم شبه دائمة، مع إطالة أمد الفترات الانتقالية وتأجيل الانتخابات تحت ذرائع أمنية أو سيادية. كما قد يشهد الإقليم مزيداً من إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية خارج إطار إيكواس، بما يعزز منطق التكتلات الأمنية البديلة على حساب مشروع التكامل الإقليمي التقليدي. وفي حال لم تُعالج الأسباب الجذرية للأزمات السياسية والاقتصادية، فقد تمتد عدوى الانقلابات إلى دول أخرى تعاني من ظروف مشابهة، بما يكرّس نمطاً إقليمياً جديداً عنوانه «الديمقراطية الهشة والانقلابات المتكررة».
السيناريو الثاني: احتواء تدريجي وعودة مشروطة للمسار المدني:
يفترض هذا السيناريو نجاح جهود الوساطة الإقليمية والدولية في دفع الأنظمة العسكرية نحو انتقال سياسي تفاوضي، يتضمن جداول زمنية واضحة للانتخابات، وإصلاحات دستورية ومؤسسية تعالج أوجه القصور السابقة. ويستند هذا المسار إلى احتمال إدراك للقادة العسكريين حدود قدرتها على الحكم في ظل الضغوط الاقتصادية، فضلاً عن حاجة الدول إلى استعادة علاقاتها مع المؤسسات المالية الدولية والشركاء الإقليميين. كما يقترح هذا السيناريو مراجعة إيكواس لأدواتها، والانتقال من منطق العقوبات فقط إلى منطق الدعم المشروط وبناء الثقة، إلا أن ذلك لا يعني استعادة الديمقراطية بشكل كامل، بل قد يفضي إلى أنظمة هجينة جديدة تجمع بين عناصر مدنية وعسكرية، مع استمرار تأثير المؤسسة العسكرية في المجال السياسي بصورة غير مباشرة.
السيناريو الثالث: إعادة تعريف الشرعية وبروز نموذج سياسي بديل:
يقوم هذا السيناريو على احتمالٍ أعمق يتمثل في حدوث تحوّل في مفهوم الشرعية السياسية داخل بعض دول الإقليم، بحيث لا تعود الديمقراطية الانتخابية وحدها مصدراً كافياً للشرعية، بل تُستبدل بشرعية «الأداء» أو «الاستقرار والأمن». وفي هذا الإطار، قد تسعى بعض الأنظمة العسكرية إلى استمرار نموذجها السياسي القائم على خطاب السيادة الوطنية والتحرر من النفوذ الخارجي، مع تعزيز الشراكات مع قوى دولية بديلة. وإذا نجحت هذه الأنظمة في تحقيق تحسن نسبي في الوضع الأمني أو الاقتصادي، فقد يترسخ هذا النموذج ويحظى بقبول شعبي نسبي، ما يعيد صياغة العلاقة بين الحكم المدني والعسكري في الإقليم. غير أن نجاح هذا السيناريو يظل مرهوناً بقدرة هذه الأنظمة على تحقيق نتائج ملموسة، وهو أمر لم تثبت التجربة الإفريقية السابقة استدامته على المدى الطويل.
وفي ضوء المؤشرات سالفة البيان، ترى الدراسة أن السيناريو الأول القائم على استمرار الموجة وترسّخ الحكم العسكري، هو الأكثر ترجيحاً بين المدى القصير إلى المتوسط. ويستند هذا الترجيح إلى استمرار العوامل الأولية التي مهدت لعودة الانقلابات، وعلى رأسها هشاشة مؤسسات الدولة، وتآكل الثقة في النخب المدنية، وتعقّد التحديات الأمنية في الإقليم، فضلاً عن محدودية فعالية المقاربات التي تبنتها الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس). كما أن التحولات الجيوسياسية وصعود شراكات بديلة خارج الإطار الغربي التقليدي وفّرت للأنظمة العسكرية هامشاً أوسع للمناورة، بما يقلل من كلفة العزلة الإقليمية أو الدولية. غير أن هذا لا يعني استبعاد بدائل أخرى كالسيناريو الثاني، إذ يظل احتمال الاحتواء التدريجي قائماً في حال تزايدت الضغوط الاقتصادية وتنامت الحاجة إلى استمالة القوى الدولية والمساعدات الخارجية. أما السيناريو الثالث، فيبقى احتمالاً مشروطاً بقدرة الأنظمة العسكرية على تحقيق إنجازات ملموسة في ملفي الأمن والتنمية، وهو شرط لم تثبت التجارب السابقة سهولة تحقيقه أو استدامته، كما بيّنا أعلاه.
خاتمة (نتائج وتوصيات الدراسة):
في ضوء ما تناولته الدراسة من تحليل لأسباب عودة الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا، يتضح أن هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها من زاوية واحدة، بل إنها نتاج تفاعل مجموعة من العوامل السياسية والأمنية والسوسيولوجية التي تهيئ البيئة لحدوث التغيير غير الدستوري للسلطة. فقد أظهرت الدراسة أن تراجع فعالية مؤسسات الحكم المدني، وتفاقم الأزمات (السياسية- التنموية… إلخ)، إلى جانب تصاعد التحديات الأمنية في منطقة غرب إفريقيا، أسهمت مُجتمعة في إعادة بروز دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، كما أن التحولات الإقليمية والدولية كان لها تأثيرٌ بشكلٍ أو آخر في تشكيل السياق الذي نشأ بعد ترسيخ الأنظمة العسكرية في عدد من دول الإقليم. وفي هذا الإطار، توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج والتوصيات نعرضها على النحو الآتي:
أولاً: نتائج الدراسة:
توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج والملاحظات، نجمل أبرزها كما يلي:
1- في البداية، وجدت الدراسة أن موجة الانقلابات التي شهدها الإقليم منذ عام 2020م تعكس نمطاً متجدداً من الانقلابات العسكرية يختلف في بعض خصائصه عن الانقلابات المبكرة في الإقليم، من حيث توظيف خطاب إصلاحي وشعارات تتعلق بمكافحة الفساد واستعادة السيادة الوطنية والسعي إلى كسب التأييد الشعبي.
2- كذلك كشفت الدراسة أن عودة الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا ترتبط بدرجة كبيرة بهشاشة مؤسسات الدولة وضعف نظم الحكم المدني، حيث أدى تراجع فاعلية المؤسسات السياسية وتآكل شرعية النخب الحاكمة إلى خلق بيئة مواتية لتدخل الجيوش في المجال السياسي.
3- علاوةً على ما سبق، تبين أن أزمات الحكم الرشيد، وسوء إدارة الموارد العامة، أسهمت في تقويض ثقة المواطنين في الأنظمة المدنية، الأمر الذي وفّر في بعض الحالات قدراً من القبول الشعبي للتدخل العسكري، خاصةً في ظل الإحباط من الأداء الحكومي وتراجع مستويات التنمية.
4- من جهةٍ أخرى، أظهرت الدراسة أن التحديات الأمنية المتصاعدة في منطقة غرب إفريقيا، وعلى رأسها نشاط الجماعات المتطرفة واتساع نطاق العنف (سواء من الجماعات الإرهابية أو المتمردة)، لعبت دوراً مهماً في تعزيز مبررات تدخل الجيوش في السلطة، حيث قدمت القيادات العسكرية نفسها باعتبارها أكثر قدرةً على استعادة الأمن والاستقرار.
5- وحول العوامل السوسيولوجية، مثل التهميش الاجتماعي والتفاوت التنموي بين المناطق والأقاليم المختلفة، أوضحت الدراسة كيف ساهمت في تفاقم التوترات الداخلية ودفعت إلى حالة من عدم الاستقرار، بما يزيد من احتمالات حدوث الانقلابات وتهيئة البيئة لذلك.
6- بالإضافة إلى ذلك، كشفت الدراسة عن محدودية فاعلية المنظمات الإقليمية في مواجهة هذه الظاهرة، إذ لم تنجح الإجراءات التي اتخذتها بعض التكتلات الإقليمية في ردع الانقلابات أو منع تكرارها داخل الإقليم.
7- وأخيراً، كشفت الدراسة أن التحولات في البيئة الإقليمية والدولية أسهمت في توفير هامش أوسع للحكومات العسكرية الجديدة، سواء من خلال تنويع الشراكات الدولية أو استغلال التنافس بين القوى الخارجية في منطقة الساحل.
ثانياً: توصيات الدراسة:
في ضوء المعطيات التي عرضتها الدراسة والنتائج التي توصلت إليها، بشأن العوامل المفسرة لعودة الانقلابات العسكرية في غرب إفريقيا، بما في ذلك الانعكاسات الإقليمية والدولية، يمكن طرح مجموعة من التوصيات التي قد تسهم في الحد من تكرار هذه الظاهرة وتعزيز الاستقرار السياسي في دول الإقليم، وذلك كما يلي:
1- ضرورة تمكين مؤسسات الحكم المدني وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد: من خلال دعم الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد، بما يسهم في استعادة ثقة المواطنين في النظم السياسية ويحد من المبررات التي قد تُستخدم لتبرير التدخل العسكري في السلطة. كما تبرز أهمية العمل على معالجة الاختلالات التنموية والتفاوتات بين المناطق المختلفة داخل الدولة، خاصةً بين الحضر والريف، من خلال تبنّي سياسات تنموية أكثر توازناً وشمولاً تقلل من مظاهر التهميش التي قد تسهم في تغذية عدم الاستقرار السياسي.
2- أهمية تعزيز قدرات الدول في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في منطقة غرب إفريقيا: من خلال تطوير مؤسسات الأمن والدفاع في إطار خاضع للرقابة المستمرة، مع دعم التعاون الإقليمي في مجال مكافحة الجماعات المتطرفة والجريمة المنظمة، ولا سيما في المناطق الحدودية والأطراف النائية. وفي السياق ذاته، تبرز أهمية دعم عمليات الإصلاح السياسي وتعزيز المشاركة السياسية بما يسمح بدمج مختلف القوى الاجتماعية والسياسية في العملية السياسية، ويحد من الاحتقان الداخلي الذي قد يمهد لحدوث التغييرات غير الدستورية في السلطة.
3- تطوير آليات عمل المنظمات الإقليمية، وبالتحديد الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس): بما يعزز من قدراتها على التعامل مع حالات الانقلابات العسكرية بفعالية أكبر، سواء من خلال تبنّي أدوات وقائية مبكرة، أو من خلال دعم مسارات الانتقال السياسي والعودة إلى الحكم المدني.
4- إلى جانب ذلك، تبرز أهمية تشجيع الشراكات الدولية التي تدعم الاستقرار والتنمية في دول غرب إفريقيا: مع مراعاة أولويات الدول الإفريقية نفسها، بما يسهم في معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للأزمات التي قد تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي.
5- وفي المحصلة، تشير الدراسة إلى أن بناء عقد اجتماعي متوازن بين الدولة والمجتمع يتطلب جهوداً متعددة: تشمل تعزيز المشاركة السياسية لكل فئات المجتمع، وضمان العدالة في توزيع الموارد وتقديم الخدمات، بالإضافة إلى الدفع ببرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تقلل الفجوات والتفاوتات بين المناطق والمواطنين. ويعني ذلك، على سبيل المثال، إشراك المواطنين في صنع القرار على مستويات محلية ووطنية، تطوير سياسات شاملة لتوفير التعليم والصحة وفرص العمل، ومكافحة الإقصاء للجماعات المهمشة، حيث تساعد هذه الإجراءات في تعزيز شرعية الدولة في نظر مواطنيها، وزيادة الثقة بين السلطة والمجتمع، مما يقلل من احتمالات تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية ويحدّ من مخاطر الانقلابات.
ـــــــــــــــــــــــــ
الهوامش والإحالات:
[1] Jonah Marawako, Pedzisai Sixpence & Davidzo Hope Mapuvire, An Analysis of the Recurrence of Military Coups in Africa. A Probe into the Experiences of Central African Republic in the 21st Century, Published paper, (International Journal of Humanities Social Sciences and Education (IJHSSE), Vol.9, No.2, Feb 2022), p.67.
[2] Karl Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte, (New York: Die Revolution, 1852).
[3] معجم المعاني الجامع، «تعريف ومعنى (انقلاب) في معجم المعاني الجامع – معجم عربي عربي»، متاح على الرابط: https://2u.pw/LZvE35TA ، تم الاطلاع في 30 يناير 2026.
[4] Cambridge Dictionary, “Coup”, Available at:
https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/coup, Accessed in Mar 2, 2026.
([5]) Oxford Dictionary, “Coup”, Available at: https://shorturl.at/PxrPB, Accessed in Mar 2, 2026.
[6] Aliona Cebotari & Others, Political Fragility: Coups d’État and Their Drivers, Published Paper, (IMF elibrary, Feb 16, 2024), Available at: https://shorturl.at/iFEZs, Accessed in Jan 29, 2026.
[7] Yusuf Mamud, Abubakar, Military Coups and Africa’s Commitment to Agenda 2063: Assessing the Impact of Military Coup d’etat on Continental Development Goals, Published Paper, (Social Science Research Network “SSRN”, August 10, 2025), Available at: https://shorturl.at/RkpuN, Accessed in Jan 29, 2025.
[8] Ibid.
[9] للمزيد حول المداخل المؤسسة لفهم التدخل العسكري في الحكم انظر:
– د. حمدي عبد الرحمن حسن، العسكريون والحكم في إفريقيا (القاهرة: مركز دراسات المستقبل الإفريقي، الطبعة الأولى، 1996).
– Samuel Decalo, Coups and Army Rule in Africa: Studies in Military Style (New Haven: Yale University Press, 1976).
[10] Jack Woddis, “Military Coups in Africa”, Marxism Today (Vol.12, No.12, Dec 1968), pp.364–372.
[11] اعتمدت الباحثة في هذا الجزء على المصادر الآتية:
– Ndzalama Cleopatra Mathebula,”The security dilemma of coups in West and Central Africa”, (ACCORD, Jul 2024), Available at: https://2u.pw/O4NYU, Accessed in Jan 30, 2026.
– Salah Ben Hammou, “Coups in west Africa have five things in common: knowing what they are is key to defending democracy”, )Democracy in Africa, Jun 2025), Available at: https://2u.pw/RAF1F, Accessed in Jan 30, 2026.
– Yusuf Bangura, “Understanding the Resurgence of Coups in West Africa: The Tragedy of the Democracy Project”, (CODESRIA Bulletin Online, Dec 2025), Available at: https://2u.pw/mAWvj, Accessed in Jan 30, 2026.
[12] قد يبدو أن النظام السياسي الذي يسمح بتعددية الأحزاب مستقر ولا يتعرض بنفس الوتيرة للانقلابات العسكرية، لكن الأمر غير ذلك وفقاً لبعض الدارسين، ندلل على ذلك برأي المفكر الكيني الراحل علي مزروعي الذي يطرح فكرة مفادها: أن كثيراً من مصائب الانقلابات العسكرية في العقدين الأولين للاستقلال كانت بسبب حكام البلاد التي كانت تعتمد وقتئذ على نظام التعددية الحزبية، أو كانت لم تدمج بعد في حزب واحد، على سبيل المثال: كانت نيجيريا أول بلد ناطق بالإنجليزية يقوم بانقلاب عسكري، وكانت في واقع الأمر تقوم على تعددية حزبية حتى العام 1966م. للمزيد انظر:
– د. حمدي عبد الرحمن حسن، العسكريون والحكم في إفريقيا (القاهرة: مركز دراسات المستقبل الإفريقي، الطبعة الأولى، 1996م). ص 29.
[13] Baffour Agyeman-Duah, “Military Coups, Regime Change, and Interstate Conflicts in West Africa”, (Armed Forces & Society, Summer 1990), pp.550-551.
[14] Moses Khisa and Christopher Day, Rethinking Civil-Military Relations in Africa: Beyond the Coup d’État, (Boulder: Lynne Rienner Publishers, 2023), p.5.
[15] Ibid, p.6.
[16] عندما بدأ الحديث عن التحول الديمقراطي في إفريقيا والتخلي عن النظم التسلطية، سواء العسكرية أو نظم الحزب الواحد، اقترح عدد من الباحثين ضرورة التخلص من ظاهرة عسكرة السياسة في إفريقيا، ووصل الأمر إلى أن اقترح البعض إلغاء الجيوش الإفريقية أو تقليص قوتها حتى لا يكون بمقدورها القيام بأي انقلاب عسكري. على أن بعض الدراسين نهج منحى واقعياً؛ حيث اقترح إقامة نمط من الحكم المختلط بين العسكريين والمدنيين، وقد تم الترويج لهذه الفكرة في الخبرة النيجيرية على اعتبار أن العسكريين لا يتولون الحكم وحدهم وإنما من خلال تحالف مدني عسكري. للمزيد انظر:
– د. حمدي عبد الرحمن حسن، العسكريون والحكم في إفريقيا (القاهرة: مركز دراسات المستقبل الإفريقي، الطبعة الأولى، 1996).
[17] Fidel Amakye Owusu, “Coups in West Africa: almost every country shares a border with a junta-controlled country”, (EHS Africa Logistics, Jul 31, 2023), Available on: https://2u.pw/EmCu3q, Accessed in Feb 12, 2026.
[18] Moses Khisa and Christopher Day, Rethinking Civil-Military Relations in Africa: Beyond the Coup d’État, Op.Cit.
[19] Fidel Amakye Owusu, “Coups in West Africa: almost every country shares a border with a junta-controlled country”, Op.Cit.
[20] يُعرّف إعلان لومي التغيير غير الدستوري للحكومات بأنه: يشمل الانقلاب العسكري على حكومة منتخبة ديمقراطياً، أو تدخل المرتزقة لاستبدال حكومة منتخبة ديمقراطياً، أو إسقاط حكومة منتخبة ديمقراطياً من قبل مجموعات مسلحة أو حركات متمردة، وكذلك رفض حكومة قائمة التخلي عن السلطة للحزب الفائز في انتخابات حرة ونزيهة وقانونية. كما أضافت المادة 37 من الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم لعام 2007 حالة أخرى، إذ اعتبرت أن أي تعديل أو تنقيح للدستور أو الصكوك القانونية على نحوٍ ينتهك مبادئ التغيير الديمقراطي يُعدّ بدوره تغييراً غير دستوري. للمزيد انظر: https://2u.pw/AWPO5m
[21] Fidel Amakye Owusu, “Coups in West Africa: almost every country shares a border with a junta-controlled country”, Op.Cit.
[22] Mali coup leaders promise elections after Keita overthrow, (Aljazzera, Aug 20, 2020), Available at: https://www.aljazeera.com/news/2020/8/20/mali-coup-leaders-promise-elections-after-keita-overthrow, Accessed in Mar 1, 2026.
Burkina Faso coup: New leader Damiba gives first speech, (BBC, Jan 28, 2022), Available at: https://www.bbc.com/news/world-africa-60164531, Accessed in Mar 1, 2026.
[23] James Barnett, Increasing Influence: China in West Africa, (Centre for Democracy and Development, May 27, 2021), Available at: https://www.hudson.org/node/43907, Accessed in Mar 1, 2026.
Ludovic Terren, Peter Van Aelst, Thomas Van Damme, Shifting alliances in West Africa: Measuring Russian engagement to support counter-FIMI strategies Metadata, (EU Institute for Security Studies “EUIS”, Feb 7, 2025), Available at: https://shorturl.at/V1cLD, Accessed in Mar 1, 2026.
[24] Taofik Oyewo Hussain, “Not every crisis needs a gun”, (IPS Journal, Feb 12, 2026), Available at: https://shorturl.at/QZNSS, Accessed in Feb 20, 2026.
[25] Tim Senden, Influencers, X and WhatsApp: social media and the coup in Niger (universiteit leiden, Aug 2, 2023), Available at: https://shorturl.at/yDZ0o, Accessed in Mar 1, 2026.
[26] Tokpo Coronation Edward and Divine Otumbere Weldone, “Resurgence of Military Rule in West Africa and the Formation of the Alliance of Sahel States: Implications for Regional Stability”, Journal of Political Science and Leadership Research, (International Institute of Academic Research and Development “IIARD”, Vol.11 No.8 2025), p.80.
[27] يقوم العقد الاجتماعي، من حيث المبدأ، على معادلة تبادلية تمنح الدولة حق إدارة الموارد واحتكار العنف المشروع، مقابل التزامها بتوفير الأمن والخدمات العامة وتحقيق حد أدنى من العدالة الاجتماعية. غير أن عجز بعض الحكومات عن إدارة الموارد بكفاءة، إلى جانب تفشي الفساد وضعف الحوكمة، يسهم في تعميق التفاوتات الاجتماعية وتكريس الفقر. كما يرتبط هذا الإخفاق باستمرار أنماط هيمنة اقتصادية خارجية يُنظر إليها في الخطاب المحلي باعتبارها امتداداً لصيغ «الاستعمار الجديد»، حيث تتركز عوائد استغلال الموارد في دوائر ضيقة تضم مصالح خارجية ونخباً محلية متحالفة معها، دون أن تنعكس بصورة عادلة على عموم المواطنين. للمزيد انظر:
– Kennedy Monari, “Crisis of Trust and Military Takeovers in West Africa: Analyzing Factors and Citizen Reactions in Burkina Faso, Mali, and Niger”, The Thinker, (Vol. 105, No. 4, 2025), p.65.
[28] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، «تقرير التنمية البشرية 2025: لمحة عامة»، (الأمم المتحدة، 2025)، ص16، متاح على الرابط: https://shorturl.at/h3DTB، تم الاطلاع في 19 فبراير، 2026.
[29] د. حمدي عبد الرحمن حسن، «انقلاب غينيا بيساو: عِقد ضائع من التنمية في إفريقيا مرة أخرى»، (مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 27 نوفمبر 2025)، متاح على الرابط:
https://shorturl.at/rhkRK ، تم الاطلاع في 3 مارس 2026.
[30] سكاي نيوز، «انقلاب عسكري في غينيا بيساو واعتقال الرئيس»، (سكاي نيوز عربية، 26 نوفمبر 2025)، متاح على الرابط: https://shorturl.at/g7nDS ، تم الاطلاع في 5 مارس 2026.
[31] Blessing Simura, “West Africa’s post 2020 coups and decoloniality”, (Tailor & Francis Online, Oct 7, 2024), Available at: https://shorturl.at/VyuOy, Accessed in Feb 1, 2026.
[32] Ibid.
[33] الجزيرة، «رئيس المجلس العسكري بالنيجر: تهديدات وجودية دفعتنا للانقلاب على بازوم»، (شبكة الجزيرة، 27 يوليو 2024)، متاح على الرابط: https://shorturl.at/K05EK ، تم الاطلاع في ١٩ فبراير ٢٠٢٥.
[34] World Bank,”Burkina Faso Poverty and Equity Brief”, (World Bank Group, Oct 2024), Available at: https://shorturl.at/5Od4O, Accessed in Feb 18, 2026.
[35] World Bank, “Tackling Interconnected Challenges in Burkina Faso through Coordinated Reforms to Protect People, Reduce Deforestation, and Strengthen Public Finances”, (World Bank Group, Oct 2022), Available at:
https://shorturl.at/rRXI4, Accessed in Feb 18, 2026.
[36] د. صبحي قنصوة، النفط والسياسة في دلتا النيجر.. صراع لا ينتهي، قراءات إفريقية، (لندن: مركز أبحاث جنوب الصحراء، مارس 2016)، متاح على الرابط:https://shorturl.at/ucqD4 ، تم الاطلاع في 6 مارس 2026.
[37] Rebellion and fragmentation in northern Mali, CRU Report (Clingendael Institute, Mar 2015), Available at: https://shorturl.at/KKsEw, Accessed in Mar 6, 2026.
[38] Vincent Obisie-Orlu, “A snapshot of the roots of instability in West Africa”, (Good Governance in Africa, Apr 13, 2022), Available at: https://shorturl.at/MSfIa, Accessed in Feb 20, 2026.
[39] Vincent Obisie-Orlu, “A snapshot of the roots of instability in West Africa”, (Good Governance in Africa, Apr 13, 2022), Available at: https://shorturl.at/MSfIa, Accessed in Feb 20, 2026.
[40] Gloria Aradi, “Guinea’s military junta dissolves government and seals borders”, (BBC, Feb 20, 2024), Available at: https://shorturl.at/7b0dt, Accessed in Feb 19, 2026.
[41] Blessing Simura, “West Africa’s post 2020 coups and decoloniality”, (Tailor & Francis Online, Oct 7, 2024), Available at: https://shorturl.at/VyuOy, Accessed in Feb 1, 2026.
[42] تأسست المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا المعروفة اختصاراً باسم «إيكواس» في عام 1975م، بوصفها تكتلاً اقتصادياً يجمع بين دول الإقليم، بهدف أساسي يتمثل في تسهيل التجارة بين أعضائها، إلا أنه مع تصاعد النزاعات في أنحاء المنطقة، بدأت إيكواس تولي أولوية أيضاً للبعد العسكري. وفي هذا السياق، كشفت ليبيريا وسيراليون عن مدى ترابط النمو الاقتصادي بالسلام والأمن، وعن استحالة التركيز فقط على التكامل الاقتصادي في المنطقة. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ومع اعتماد أطر قانونية، مثل آلية منع النزاعات وإدارتها وحلها وحفظ السلام والأمن، قدّمت إيكواس الدعم العسكري والوساطة وبناء السلام لدولها الأعضاء- غالباً. وحول بروتوكول الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) بشأن الديمقراطية والحكم الرشيد، الذي اعتُمد عام ٢٠٠١م، فقد تضمن آلية للاستجابة لمثل هذه التغييرات غير الدستورية في الحكومات. كما يتضمن أحكاماً بشأن الحكم الديمقراطي لأعضاء إيكواس، بما في ذلك الانتخابات، وحياد القضاء، ونزاهة قوات الأمن. ولكن على الرغم من أن جميع أعضاء إيكواس موقعون على البروتوكول؛ فإن بعضهم لا يلتزم بهذه الأحكام. للمزيد انظر:
– Leonie Mills, “The Effectiveness of ECOWAS in Mitigating Coups in West Africa”, (International Peace Institute, April 2022), Available At: https://shorturl.at/MQY0u, Accessed in Feb 21, 2026.
[43] Taofik Oyewo Hussain, “Not every crisis needs a gun”, (IPS Journal, Feb 12, 2026), Available at: https://shorturl.at/QZNSS, Accessed in Feb 20, 2026.
[44] Niger’s coup: Who loses from ECOWAS sanctions? (ecdpm, Sep 18, 2023), Available at: https://shorturl.at/u7RGu, Accessed in March 6, 2026.
[45] “Mali and Burkina Faso warn against any foreign military intervention in Niger”, (Africa News, Aug 2023), Available at: https://shorturl.at/d5CYT, Accessed in Mar 7, 2026.
[46] Taofik Oyewo Hussain, “Not every crisis needs a gun”, (IPS Journal, Feb 12, 2026), Available at: https://shorturl.at/QZNSS, Accessed in Feb 20, 2026.
[47] Taofik Oyewo Hussain, “Not every crisis needs a gun”, (IPS Journal, Feb 12, 2026), Available at: https://shorturl.at/QZNSS, Accessed in Feb 20, 2026.
[48] Adu Yao Nicaise, “A New Formula for Security in West Africa: Alliance of Sahel States”, (valdaiclub, May 13, 2024), Available at: https://shorturl.at/X9A3A, Accessed in Feb 22, 2026.
[49] Baba Adou, Malians welcome influence of Russia, China, and AES, side with Russia on the Ukraine war, (Afrobarometer, Nov 2025), Available at: https://shorturl.at/aM6lF, Accessed in Mar 4, 2026.
[50] سكاي نيوز، روسيا توقع مع بلدان الساحل مذكرة تفاهم دفاعية، (سكاي نيوز عربية، 14 أغسطس 2025)، متاح على الرابط: https://shorturl.at/1335Y ، تم الاطلاع في 4 مارس 2026.
[51] Kester Kenn Klomegah, Burkina Faso Forging Stronger Partnership with Russia, InDepthNews, May 11, 2025, Available at: https://shorturl.at/48db5, Accessed in Mar 4, 2026.
[52] سكاي نيوز، الولايات المتحدة تنهي سحب قواتها من آخر قواعدها في النيجر، (سكاي نيوز عربية، 5 أغسطس 2024)، متاح على الرابط:https://shorturl.at/Sc2Wk ، تم الاطلاع في 4 مارس 2026.
[53] World Nuclear News, Russia-Niger MoU on nuclear energy cooperation, (World Nuclear News, July 29, 2025), Available at: https://shorturl.at/DII3r, Accessed in Mar 4, 2026.
[54] Future for Advanced Research and Studies, “Preemptive Moves: Analyzing How the United States is Strengthening its Position in West Africa”, (Future for Advanced Research and Studies, Oct 2024), Available at: https://shorturl.at/qggVl, Accessed in Mar 4, 2026.
[55] Aljazeera, “Trump hosts five West African leaders to discuss trade and development”, (Aljazeera, July 9, 2025), Available at: https://shorturl.at/GKHof, Accessed in Mar 4, 2026.










































