يجتمع قادة وأنصار حزب باستيف “الوطنيون الأفارقة من أجل العمل والأخلاق والأخوة”، اليوم السبت -لمدة يومين- في العاصمة السنغالية داكار؛ لعقد أول مؤتمر عادي للحزب منذ تأسيسه عام 2014.
ومن المنتظر أن يفضي هذا المؤتمر إلى تجديد الثقة في عثمان سونكو رئيسًا للحزب، بعد نحو أسبوعين من إبعاده من رئاسة الحكومة، وانتقاله إلى رئاسة الجمعية الوطنية (البرلمان)، وظهور أولى بوادر التوترات الداخلية للحزب ذي التوجه السيادي بالسنغال.
وكان من المقرر تنظيم هذا المؤتمر لأول مرة عام 2019، عقب الانتخابات الرئاسية التي حلّ فيها سونكو ثالثًا آنذاك، إذ حالت صعوبات مالية وتنظيمية، دون انعقاده، حسب تقارير.
وبعد سبع سنوات، تمكن الحزب أخيرًا من جمع قياداته ومندوبيه من مختلف المناطق، إلى جانب ممثلي الجاليات السنغالية في الخارج؛ من أجل رسم التوجهات المستقبلية للحزب.
مؤتمر حزب باستيف
يأتي مؤتمر باستيف في ظرف سياسي استثنائي تعيشه الحياة السياسية في السنغال، بعد إقالة سونكو من منصب رئيس الوزراء في 22 مايو الماضي، وفي وقت يسعى فيه الزعيم السنغالي إلى استثمار هذا الحدث لإظهار تماسك حزب باستيف وقدرته على الحشد والتعبئة، خاصة في ظل تصاعد الخلافات مع الرئيس باسيرو ديوماي فاي.
ويمثل تجديد انتخاب سونكو رئيسًا للحزب أبرز محطات المؤتمر؛ فبصفته المرشح الوحيد للمنصب، يُتوقع أن يُعاد انتخابه على رأس الحزب، في خطوة ينظر إليها باعتبارها اختبارًا لوحدة الصف داخل الحزب.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل أول أزمة داخلية حقيقية يواجهها الحزب منذ وصوله إلى السلطة، فقد اختار خمسة من أعضائه البقاء ضمن الحكومة الجديدة التي شُكلت مطلع الأسبوع الماضي، رغم قرار الحزب مقاطعتها ورفض المشاركة فيها.
اقرأ أيضًا: عثمان سونكو يسحب وزراء حزبه من الحكومة الجديدة في السنغال
وإلى جانب أبعاده التنظيمية، يُنظر إلى المؤتمر أيضًا باعتباره استعراضًا للقوة السياسية والشعبية لحزب باستيف، الذي يبدو أنه دخل مرحلة جديدة من تاريخه تتسم بابتعاد متزايد عن رئيس الدولة، بعدما كان الطرفان يشكلان معًا ثنائيًا قاد التغيير السياسي في البلاد عام 2024.
وفي امتداد لهذا الحدث السياسي، يعتزم الحزب تنظيم مهرجان شعبي كبير في مدينة ديامنياديو، إحدى ضواحي داكار، غدًا الأحد، حيث دُعي الأنصار إلى الحشد بكثافة دعمًا لعثمان سونكو، على أن يُعلن رسميًا تثبيت قيادته للحزب عقب اختتام أعمال المؤتمر.

مؤتمر مؤجل سبع سنوات.. لماذا الآن؟
يكتسب انعقاد المؤتمر العادي الأول لحزب باستيف أهمية خاصة، ليس لأنه يأتي بعد سنوات من تأسيس الحزب عام 2014، وإنما لأن تأخره تزامن مع التحولات الكبرى التي شهدها مسار الحركة منذ نشأتها وحتى وصولها إلى السلطة.
فخلال عقد واحد، انتقل باستيف من حزب معارض ناشئ إلى القوة السياسية الرئيسية في البلاد، مرورًا بمحطات مفصلية شملت تصاعد المواجهة مع نظام الرئيس السابق ماكي سال، والملاحقات القضائية التي تعرض لها عثمان سونكو، ثم انتخابات 2024 التي أوصلت الحزب إلى الحكم عبر باسيرو ديوماي فاي.
قد يهمك: اقتصاد السنغال فى حكم باسيرو.. خطوات إصلاح أم استمرار للأزمة؟
وخلال هذه المرحلة، تراجع الاهتمام بالاستحقاقات التنظيمية التقليدية لصالح إدارة التحديات السياسية المتلاحقة، وهو ما يفسر جزئيًا تأخر عقد المؤتمر الأول للحزب.
غير أن هذا التأخير منح توقيت انعقاده دلالة سياسية إضافية، خاصة أنه جاء في ظرف مختلف تمامًا عن الظروف التي رافقت تأسيس الحركة وصعودها؛ فالمؤتمر انعقد في وقت يشهد فيه الحزب الحاكم أول اختبار حقيقي لوحدته الداخلية، بعد انتهاء الشراكة فعليًا بين فاي وسونكو.

تفاصيل مؤتمر باستيف
يمثل مؤتمر حزب باسيف أعلى هيئة تقريرية داخل الحزب والمسؤول الأول عن تحديد توجهاته السياسية والتنظيمية.
وأوضح الحزب أن أي تعديل على النظام الأساسي أو اللوائح التنظيمية لا يمكن اعتماده إلا بأغلبية معززة، أي لا تقل عن ثلثي المندوبين المشاركين.
وبحسب القواعد التنظيمية للحزب، فإن صلاحية الدعوة إلى المؤتمر الحزبي تعود إلى المجلس الوطني للحزب، على أن يتم اتخاذ القرار قبل موعد انعقاده بثلاثة أشهر على الأقل.
وفي الحالات الاستثنائية، يمكن عقد مؤتمر استثنائي بمبادرة من ثلثي أعضاء المجلس الوطني، شريطة احترام مهلة لا تقل عن شهر واحد قبل انعقاده.
لا يفوتك: فاي وسونكو.. هل تعيد الديون والواقعية السياسية صياغة التحالفات في السنغال؟
ويعد انتخاب رئيس الحزب أبرز محطات المؤتمر الوطني، حيث يُجرى الاقتراع مرة كل ست سنوات، وفي حال عدم حصول أي مرشح على الأغلبية المطلوبة من الجولة الأولى، يتم اللجوء إلى جولة ثانية للحسم.
وتشرف على العملية الهيئة العليا لتنظيم الحزب، المكلفة بضمان نزاهة الانتخابات وشفافية الإجراءات التنظيمية.
وينص النظام الداخلي على فوز المرشح الذي يحصل على الأغلبية المطلقة للأصوات المعبر عنها في الجولة الأولى، أو الأغلبية النسبية في الجولة الثانية إذا اقتضى الأمر.

خلافات سونكو وفاي تتمدد إلى باستيف
تضم الحكومة الجديدة التي شكلها رئيس الوزراء الحالي أحمد الأمين لو، في الأول من يونيو الجاري، ثلاثين وزيرًا، كان حزب باستيف قد أعلن مقاطعة الحكومة بسبب ما وصفه بـ”نقاط خلاف” حول تركيبتها، إلا أن عددًا من قيادات الحزب انضموا إلى التشكيلة الحكومية رغم القرار الرسمي، ما عرضهم لإجراءات تأديبية قد تصل إلى الفصل من الحزب.
وتركزت الخلافات بين فاي وسونكو بشكل خاص حول إدارة ملف الدين العام والعلاقة مع صندوق النقد الدولي، فبعد الكشف عام 2024 عن ديون غير معلنة تجاوزت قيمتها 11 مليار دولار خلفتها الإدارة السابقة، علّق صندوق النقد الدولي برنامج تمويل للسنغال بقيمة 1.8 مليار دولار.
اقرأ أيضًا: إقالة عثمان سونكو.. كيف انهارت ثنائية الحكم في السنغال؟
وبحسب تقارير، دافع سونكو عن نهج متشدد تجاه شروط صندوق النقد الدولي، بينما فضّل فاي اتباع سياسة أكثر مرونة للحفاظ على ثقة الأسواق والشركاء الدوليين.
ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات الرئاسية السنغالية المقبلة عام 2029، وسط مؤشرات متزايدة على اتساع الهوة السياسية بين الرجلين اللذين قادا معًا التغيير السياسي في البلاد قبل عامين فقط.

جدل “بروتوكول كاب مانويل”
علاوة على ذلك، يأتي المؤتمر وسط نقاش متصاعد داخل الأوساط السياسية السنغالية بشأن الانتخابات الرئاسية المقبلة، خاصة بعد تصريحات سونكو عشية انعقاد المؤتمر، التي أكد فيها عزمه الترشح لرئاسة الجمهورية عام 2029.
ويمثل هذا الظهور ثاني تصريح علني لسونكو منذ انتخابه رئيسًا للجمعية الوطنية في 26 مايو، بعد مؤتمره الصحفي في 2 يونيو، الذي عرض خلاله روايته لأسباب إقالته، وكشف عن وجود ما وصفه بـ”بروتوكول كاب مانويل”.
“البروتوكول”، يقال إنه اتفاق غير معلن أُبرم بين فاي وسونكو خلال فترة سجنهما، وينص على أن يكون فاي مرشح الحزب في انتخابات 2024، بينما يحتفظ سونكو بأولوية الترشح في انتخابات 2029، لكن في المقابل، سبق أن نفى صحته الرئيس ديوماي فاي.
للمزيد: انتخاب سونكو رئيسًا للبرلمان.. من يكسب “الكراسي الموسيقية” بالسنغال؟
وبحسب تقارير محلية، تحدث سونكو أمام أنصاره خلال مراسم شهدت انضمام أكثر من ستين حزبًا وحركة إلى صفوف حزب باستيف، اختار بعضها الاندماج الكامل في الحزب، فيما فضلت أخرى التعاون ضمن ائتلاف مع الاحتفاظ باستقلاليتها التنظيمية.
كما صعّد سونكو هجومه على الرئيس فاي، متهمًا إياه بخرق “ميثاق الحكم الرشيد“، والذي قال إن حزب باستيف دافع عنه، ودفع أنصار الحزب حياتهم ثمنًا له.
وخلال مراسم انضمام واندماج الأحزاب، أعلن سونكو عزمه رفع عدد أعضاء الحزب إلى مليون عضو قبل الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2029.
كما نقلت تقارير عن قيادات حزبية وصفها المؤتمر بـ”استعراض للقوة” أشبه بـ”إطلاق حملة ترشيح عثمان سونكو لانتخابات 2029″، الذي أصبح يشغل ثاني أعلى منصب في التسلسل البروتوكولي للدولة بعد انتخابه رئيسًا للبرلمان.

كيف عزز فاي فرص ترشح سونكو في 2029
أعاد قانون صادق عليه الرئيس ديوماي فاي الجدل حول إمكانية ترشح عثمان سونكو للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2029، بعدما عدّل عدداً من أحكام القانون الانتخابي وسمح بتطبيق بعض مواده بأثر رجعي.
وكانت الجمعية الوطنية قد أقرت القانون للمرة الثانية في 9 مايو، قبل أن يصادق عليه الرئيس، في خطوة اعتبرها مراقبون ذات تأثير مباشر على مستقبل المنافسة السياسية داخل المعسكر الحاكم.
وقبل هذا التعديل، كانت الوضعية القضائية لعثمان سونكو تثير نقاشًا واسعًا بشأن مدى أهليته لخوض أي انتخابات رئاسية مستقبلية.
وأدى اعتماد القانون الجديد إلى تجدد هذا النقاش، خصوصًا مع تضمنه أحكاماً تسمح بتطبيق بعض التعديلات بأثر رجعي، وهو ما يراه مؤيدو سونكو عاملاً قد يعزز فرصه في الترشح عام 2029.
قد يهمك: أحمد الأمين.. التكنوقراط بديل عثمان سونكو في حكومة السنغال
وأثارت هذه الخطوة نقاشات داخل حزب باستيف، في ظل تزايد التكهنات بشأن طبيعة العلاقة السياسية بين الرئيس باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو.
ويعيد الجدل الحالي إلى الأذهان أحداث الانتخابات الرئاسية لعام 2024، عندما اختار عثمان سونكو باسيرو ديوماي فاي مرشحًا بديلاً عنه لخوض السباق الرئاسي، قبل أن ينجح الأخير في الفوز بمنصب الرئاسة.
ورغم أن الرجلين ارتبطا بتحالف سياسي طويل داخل حزب باستيف، فإن الأشهر الأخيرة شهدت بروز تباينات في بعض الملفات، ما أثار تساؤلات بشأن توازنات السلطة داخل الحزب ومستقبل قيادته السياسية قبل انتخابات 2029.
محطات بارزة في تاريخ الحكم بالسنغال
- 1960: 1980: بدايات الصراع السياسي بعد الاستقلال
الرئيس الأول للسنغال ليوبولد سيدار سنغور يقوم بسجن حليفه السابق ومنافسه لاحقًا ممادو ديا، في أول تجلّيات الصراع السياسي داخل الدولة بعد الاستقلال.
- 1980: 2000: الرئيس عبده ضيوف يواجه معارضة سياسية قوية.
يتم سجن زعيم المعارضة عبد الله واد في أعوام 1986 و1988 و1993، في سياق توتر سياسي متكرر بين السلطة والمعارضة.
- 2000: 2012: صعود عبد الله واد
حكم الرئيس عبد الله واد يشهد جدلا سياسيًا واسعًا، مع اتهامات بتصاعد المحسوبية والفساد، ومحاولة مثيرة للجدل للترشح لولاية ثالثة في عام 2012، قبل أن يخسر السلطة في نهاية حكمه.
- 2012: 2024: حكم ماكي سال وتراجع الحريات
مع تولى الرئيس ماكي سال الحكم، تزايدت الاتهامات بتراجع الحريات السياسية، مع محاولة لتأجيل الانتخابات الرئاسية من فبراير إلى ديسمبر 2024، قبل أن يلغي المجلس الدستوري السنغالي قرار التأجيل ويُلزم بإجراء الانتخابات في 24 مارس 2024.
- 2024 والتحول السياسي الكبير
في يناير 2024 تم تشكيل تحالف سياسي بين عثمان سونكو وباسيرو ديوماي فاي، وذلك بعد استبعاد سونكو من الترشح للرئاسة وسجنه سابقًا، ليرشح حليفه فاي للرئاسة ويدعمه بقوة.
- مارس 2024
بعد قبول فاي ترشيحه عن المعارضة فاز في الانتخابات الرئاسية بنسبة 54% مقابل 36% لمرشح الحزب الحاكم السابق أمادو با.
- 2024 والكشف عن الأزمة المالية
بعد تولي فاي الرئاسة تم الكشف عن وجود ديون غير مُبلّغ عنها بدقة في الحكومة السابقة، وصندوق النقد الدولي يجمّد برنامج إقراض بقيمة 1.8 مليار دولار؛ ليتزايد التوتر بين الحكومة وصندوق النقد، خاصة بسبب مواقف سونكو المنتقدة للمؤسسات المالية الدولية.
- مايو 2025: تفكك التحالف الحاكم
في 22 مايو، الرئيس باسيرو ديوماي فاي يقيل رئيس الوزراء سونكو ويحل الحكومة، ويعين خلفًا له التكنوقراط الاقتصادي أحمد الأمين لو رئيسًا جديدًا للوزراء.
- ردود الفعل الداخلية:
– نحو 132 نائبًا من أصل 165 في الجمعية الوطنية يعيدون انتخاب سونكو رئيسًا للبرلمان.
– حزب باستيف يحتفظ بأغلبية برلمانية قوية.
– تصاعد الخلاف بين الرئيس فاي وسونكو حول قيادة التحالف الحاكم. - تطورات سياسية لاحقة
حزب باستيف يعلن عدم المشاركة في الحكومة الجديدة، ثم تظهر لاحقًا قائمة وزارية تضم أعضاء منه، مع تنامي مخاوف من شلل سياسي بين الرئاسة والبرلمان.
- التداعيات الدولية
استمرار تجميد برنامج صندوق النقد الدولي بقيمة 1.8 مليار دولار، وسط دعوات للوساطة من الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وتحذيرات من تراجع الاستقرار السياسي في بلد يُعد من أكثر دول غرب إفريقيا استقرارًا.
………………………………………………………………………………………
*استند هذا التقرير إلى تقارير محلية ودولية:









































