مقدمة:
لم تَعُد مكانة الدولة في النظام الدولي في الوقت الراهن تُخْتَزَل في مقدار ما تمتلكه من قوة اقتصادية أو عسكرية، وإنما أصبحت ترتبط بصورة أكثر تعقيدًا بما تُمثّله تلك الدولة في إدراك الآخرين لها (داخليًّا وخارجيًّا)، وبالانطباعات التي تتشكّل حول قدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية والتأثير والتفاعل مع محيطها الإقليمي والدولي؛ فالقوة الصلبة تظل عنصرًا أساسيًّا في تحديد موقع الدولة، إلا أن ترجمتها إلى مكانة دولية مؤثرة لا تتم بصورة تلقائية؛ إذ تتداخل معها عناصر غير مادية -أكثر حداثة- تتصل بسُمْعة الدولة وجاذبيتها وتأثيرها الثقافي، وجودة الحياة فيها، وانفتاحها على العالم، وقدرتها على التكيُّف مع الأزمات والتحوُّلات الدولية. ومن هنا، باتت المكانة الدولية نتاجًا لتفاعُل ما تمتلكه الدولة من مُقوّمات فِعلية مع الكيفية التي تُدرك بها هذه المقوّمات وتُترجم في الوعي العالمي.
وفي هذا الإطار، تكتسب المؤشرات الدولية التي تقيس تصوُّرات الشعوب وصُنّاع القرار أهميةً متزايدة، باعتبارها محاولة للانتقال من قياس ما تمتلكه الدولة إلى البحث في الكيفية التي تُرَى بها الدولة والسمات التي تُحدّد جاذبيتها ومكانتها عالميًّا. وبين هذه المؤشرات يأتي «مؤشر أفضل الدول لعام 2026» 2026 Best Countries Index، الذي لا ينظر إلى الدول من خلال مؤشرات القوة التقليدية وحدها، وإنما يرصد مجموعة واسعة من السمات المرتبطة بصورتها الدولية (جودة الحياة- التأثير الثقافي وغيرها كما سنفصل لاحقًا)، التي تسهم في تشكيل الانطباع العام عن الدولة.
وفي ضوء ذلك، يتناول هذا المقال أبرز ما ورد في مؤشر «أفضل الدول 2026»، مع التركيز على موقع أبرز بلدان إفريقيا جنوب الصحراء المشمولة بالمؤشر، وذلك عبر المحاور الرئيسة التالية:
أولاً: مؤشر أفضل الدول 2026.. المنهجية والأهمية وجهة الإصدار.
ثانيًا: ماذا تكشف نتائج مؤشر «أفضل الدول 2026» عن مكانة الدول عالميًّا؟
ثالثًا: مؤشر أفضل الدول 2026.. قراءة في أربع حالات من إفريقيا جنوب الصحراء.
خاتمة.
أولاً: مؤشر أفضل الدول 2026.. المنهجية والأهمية وجهة الإصدار
يأتي مؤشر «أفضل الدول 2026» الصادر في عامه العاشر عن كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا Wharton University of Pennsylvania، لعام 2026، محاولاً تقييم مكانة الدول ونجاحها من خلال نظرة تُركّز على الصورة الذهنية والانطباعات التي تُكوّنها الشعوب حول بعض دول العالم، إضافةً إلى المؤشرات التي تُركّز على القوة في مضمونها التقليدي (السياسية والاقتصادية والعسكرية). وتكتسب هذه التصورات أهمية؛ لأنها يمكن أن تُؤثّر في نظرة العالم إلى الدولة، من خلال معرفة مدى التقدُّم المُحرَز في كل دولة وكذلك التحديات التي قد تؤثر سلبًا في الانطباعات بشأنها، والتي تُؤثّر بالتبعية في قرارات التجارة والسفر والاستثمار لديها.
ويغطّي تقرير جامعة بنسلفانيا لهذا العام (2026) تصوُّرات حول 85 دولة، من خلال استطلاع للرأي العام لقياس انطباعات المشاركين تجاه تلك الدول، وهم: 15,131 شخصًا من 33 دولة موزّعة على مناطق مختلفة من العالم، هي الأمريكيتان، إفريقيا، آسيا، أوروبا، والشرق الأوسط. وأُجري الاستطلاع عبر الإنترنت باستخدام شبكة Kantar Profiles Audience Network، واستهدف 2,926 من صُنّاع القرار في قطاع الأعمال و12,205 من أفراد الجمهور العام، مع إعطاء إجابات جميع المشاركين الوزن نفسه في النتائج، بغضّ النظر عن خصائصهم الديموغرافية أو نوع مشاركتهم.
وبحسب التقرير، قيَّم المشاركون مدى ارتباط 73 سمة بكل دولة، أي أنهم حدَّدوا إلى أيّ مدى يرون أن صفات معينة تنطبق على الدولة محل التقييم. وجُمِعَت هذه السمات في 10 عوامل رئيسية هي: المغامرة، والمرونة، والتأثير الثقافي، وريادة الأعمال، والتراث، والحركة (قدرة الدولة على النمو والتقدم)، والانفتاح على الأعمال، والقوة (النفوذ والتأثير الدولي)، وجودة الحياة، والهدف الاجتماعي (مدى ارتباط الدولة بقضايا المسؤولية الاجتماعية).
من جهة أخرى، جرى اختيار الدول التي شملها التصنيف (85 دولة) من خلال مقارنة أداء الدول وفق عدد من المؤشرات الاقتصادية ومؤشرات جودة الحياة، على أن تستوفي الدولة أحد 4 معايير رئيسية، أو أن تكون ضمن أفضل 10 في أيّ من هذه المعايير. وتتمثل المعايير في: أن تكون الدولة ضمن أكبر 100 دولة من حيث الناتج المحلي الإجمالي في أيّ عام خلال الفترة من 2020 إلى 2024، أو ضمن أكبر 100 دولة من حيث تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الفترة نفسها، أو ضمن أكبر 100 دولة من حيث عائدات السياحة، أو ضمن أفضل 150 دولة في مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة في أي عام بين 2020 و2024، وذلك استنادًا إلى بيانات البنك الدولي ومؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة.
شكل رقم (1)
آلية بناء مؤشر أفضل الدول لعام 2026

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر أفضل الدول 2026 (جامعة بنسلفانيا، 2026).
ثانيًا: ماذا تكشف نتائج مؤشر «أفضل الدول 2026» عن مكانة الدول عالميًّا؟
تبرز القراءة العالمية لنتائج مؤشر «أفضل الدول 2026» عن تعدُّد وتباين العوامل التي تُحدّد مكانة الدول في تصوُّرات الرأي العام العالمي؛ إذ لا تعتمد الأفضلية في ذهن المشاركين بالاستطلاع على القوة الاقتصادية أو العسكرية وحدها، وإنما تشمل عوامل أخرى كالاستقرار وجودة الحياة والتأثير الثقافي للدولة، وغيرها من السمات سالفة البيان.
شكل رقم (2)
من القوة الصلبة إلى الانطباعات والتصورات.. محددات المكانة الدولية في مؤشر أفضل الدول 2026

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر أفضل الدول 2026 (جامعة بنسلفانيا، 2026).
وفيما يتعلق بالتصنيف العالمي للمؤشر من الأفضل فأقل، تكشف النتائج عن تصدُّر سويسرا الترتيب بين 85 دولة، تلتها اليابان والسويد، ثم كندا وأستراليا وألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة والنرويج. في المقابل، تُوضّح نتائج الولايات المتحدة والصين أهمية عناصر القوة التقليدية في تحديد المكانة العالمية، وإن كانت لا تكفي وحدها للوصول إلى الصدارة؛ فقد جاءت الولايات المتحدة في المركز الحادي عشر، والتي سجّلت تراجعًا إلى المرتبة 27 في عامل جودة الحياة، مقابل تصدُّرها عامل القوة وحصولها على المرتبة الرابعة في التأثير الثقافي. بينما جاءت الصين في المركز الرابع عشر، مع تحقيقها مراتب متقدمة في مؤشرات القوة (2) والانفتاح على الأعمال (5) والتأثير الثقافي (10). كما حافظت إيطاليا (18) وفرنسا (19) وإسبانيا (20) على مواقع متقدمة إلى حدّ ما، مستفيدةً بصورة خاصة من التأثير الثقافي؛ إذ احتلت إيطاليا وفرنسا المرتبة الأولى والثانية عالميًّا على الترتيب في التأثير الثقافي، فيما سجَّلت إسبانيا المرتبة الخامسة، بما يؤكّد مجددًا المسارات الحديثة التي يمكن أن تسهم في تعزيز أو تقويض الصورة الذهنية الدولية للدول.
أما عن ترتيب البلدان المشمولة بالتصنيف (85 دولة) في مؤشر أفضل الدول لعام 2026، من الأفضل فأقل، فنوضحه في الجدول التالي:
جدول رقم (1)
تصنيف دول العالم وفقًا لمؤشر أفضل الدول 2026
الدولة |
الترتيب العالمي |
سويسرا |
1 |
اليابان |
2 |
السويد |
3 |
كندا |
4 |
أستراليا |
5 |
ألمانيا |
6 |
هولندا |
7 |
المملكة المتحدة |
8 |
النرويج |
9 |
الإمارات العربية المتحدة |
10 |
الولايات المتحدة الأمريكية |
11 |
سنغافورة |
12 |
كوريا الجنوبية |
13 |
الصين |
14 |
نيوزيلاندا |
15 |
فنلندا |
16 |
الدانمارك |
17 |
إيطاليا |
18 |
فرنسا |
19 |
إسبانيا |
20 |
بلجيكا |
21 |
أيسلندا |
22 |
لوكسمبورج |
23 |
أيرلندا |
24 |
النمسا |
25 |
البرتغال |
26 |
اليونان |
27 |
البرازيل |
28 |
المملكة العربية السعودية |
29 |
تايلاند |
30 |
الهند |
31 |
مصر |
32 |
تركيا |
33 |
بولندا |
34 |
المكسيك |
35 |
ماليزيا |
36 |
المغرب |
37 |
الأرجنتين |
38 |
روسيا |
39 |
إندونيسيا |
40 |
فيتنام |
41 |
جنوب إفريقيا |
42 |
كوستاريكا |
43 |
جمهورية التشيك |
44 |
الفلبين |
45 |
كرواتيا |
46 |
الكويت |
47 |
مالطا |
48 |
المجر |
49 |
الأراضي الفلسطينية |
50 |
قبرص |
51 |
سيرلانكا |
52 |
إستونيا |
53 |
بنما |
54 |
تشيلي |
55 |
البحرين |
56 |
أوروجواي |
57 |
رومانيا |
58 |
بيرو |
59 |
سلوفينيا |
60 |
لاتفيا |
61 |
جمهورية الدومينيكان |
62 |
كولومبيا |
63 |
سلوفاكيا |
64 |
عمان |
65 |
الأردن |
66 |
بلغاريا |
67 |
كينيا |
68 |
أذربيجان |
69 |
الكاميرون |
70 |
ليتوانيا |
71 |
تونس |
72 |
جواتيمالا |
73 |
الإكوادور |
74 |
كازاخستان |
75 |
كمبوديا |
76 |
أوزباكستان |
77 |
بنجلاديش |
78 |
الجزائر |
79 |
غانا |
80 |
لبنان |
81 |
أوكرانيا |
82 |
صربيا |
83 |
بيلاروسيا |
84 |
إيران |
85 |
المصدر: من إعداد الباحثة، استنادًا لمؤشر أفضل الدول لعام 2026.
ويُظهر الجدول رقم (1) أعلاه تفاوتًا واضحًا في ترتيب الدول وفقًا لمؤشر «أفضل الدول 2026»؛ إذ احتلت الدول الأوروبية والآسيوية المتقدمة معظم المراكز الأولى. وفي المقابل، جاءت معظم دول إفريقيا جنوب الصحراء المشمولة بالتقرير -التي نركّز عليها بشكل أكثر تفصيلاً في المحور التالي- في مراتب متأخرة، باستثناء جنوب إفريقيا -إلى حد ما- التي تصدّرت دول المنطقة في المركز 42، تلتها كينيا في المركز 68، والكاميرون في المركز 70، وغانا في المركز 80.
ثالثًا: مؤشر أفضل الدول 2026.. قراءة في أربع حالات من إفريقيا جنوب الصحراء
على مستوى إفريقيا جنوب الصحراء، تفصح نتائج مؤشر أفضل الدول لعام 2026 عن تقارب نِسْبي في ترتيب معظم دول المنطقة التي ركَّز عليها المؤشر (غانا وكينيا والكاميرون)، فيما عدا جنوب إفريقيا التي جاءت في المرتبة الأولى على مستوى إفريقيا جنوب الصحراء، وبفارق ملحوظ عن الدول الأخرى.
وعلى الرغم من هذا التقارب؛ فإن الصورة الذهنية التي تحظى بها كل دولة تختلف من حيث السمات التي ارتبطت بها في تصورات المشاركين، سواء فيما يتعلق بالجوانب الإيجابية التي تعزّز مكانتها عالميًّا، أو نقاط الضعف التي تَحُدّ من قدرتها على تحقيق موقع متقدّم داخل المؤشر. ومِن ثَمَّ، لا تقتصر قراءة نتائج الدول الأربع على موقعها في الترتيب، وإنما تمتد إلى تحليل طبيعة الصورة المرتبطة بكل منها، وهو ما نستعرضه على النحو التالي:
جنوب إفريقيا.. صورة ذهنية لدولة رائدة في إفريقيا جنوب الصحراء:
تحتل جنوب إفريقيا المرتبة 42 عالميًّا في مؤشر «أفضل الدول 2026»، وهي بذلك صاحبة أفضل ترتيب بين دول إفريقيا جنوب الصحراء الـ4 المشمولة في التصنيف، كما عرضنا آنفًا بشكل موجز. وتتصدر جنوب إفريقيا دول المنطقة باعتبارها صاحبة الاقتصاد الأكثر تطورًا في القارة والأكبر من حيث الناتج المحلي الإجمالي (16,090 دولارًا)، والتي يتجاوز عدد سكانها 60 مليون نسمة، كما تمتلك بنية تحتية متقدمة وأسواقًا مالية متطورة. ويعزّز موقعها الإستراتيجي في الطرف الجنوبي للقارة، على امتداد طرق الشحن الرئيسية، دورها كمُحرّك اقتصادي للتنمية والتكامل الإقليميين في جنوب القارة.
وفي هذا الإطار، يُعزّز من صورتها الذهنية الإيجابية اقتصادها الذي يتميز بتنوع قطاعاته، التي تشمل التعدين والتمويل والصناعات التحويلية والزراعة، بينما تُدِرّ صادرات الذهب والألماس والبلاتين وغيرها من المعادن إيرادات كبيرة، وتحافظ على أهمية عالمية. وتُعدّ جوهانسبرغ وكيب تاون مركزين رئيسيين للمال والأعمال، وتستضيفان مقارّ إقليمية وصناديق استثمارية، كما طوَّرت البلاد مزايا تنافسية في قطاعات الخدمات المالية والاتصالات والطاقة المتجددة.
وعلى المستوى المؤسسي تحافظ جنوب إفريقيا على مؤسسات ديمقراطية مستقرة وأُطُر قوية لسيادة القانون مقارنةً بالعديد من الدول الإفريقية الأخرى، رغم استمرار تحديات البطالة وعدم المساواة في الدخل، إلى جانب فجوات الحصول على التعليم والخدمات. كما تؤدّي أدوارًا محورية في عدد من المنظمات الإقليمية، من بينها الاتحاد الإفريقي والجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (سادك). وتتَّجه البلاد كذلك نحو الطاقة المتجددة وتطوير تقنيات الطاقة النظيفة.
كما أنه وبفضل القوى العاملة المتعلّمة والقدرات المؤسسية، والموارد الطبيعية والمعدنية؛ ترتبط صورة جنوب إفريقيا بمكانة سياسية واقتصادية بارزة، ساهمت في تعزيز صورتها الذهنية والانطباعات بشأنها لدى المشاركين بالاستطلاع، لتحتل المرتبة الأولى بين بلدان إفريقيا جنوب الصحراء التي ركز عليها التقرير.
شكل رقم (3)
جنوب إفريقيا في ضوء مؤشر أفضل الدول 2026

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر أفضل الدول 2026 (جامعة بنسلفانيا، 2026).
كينيا.. تصورات عالمية لقوة اقتصادية وتقنية في شرق إفريقيا:
تظهر كينيا -التي تحتل المرتبة 68 عالميًّا بمؤشر أفضل الدول 2026- بوصفها أكبر اقتصاد في شرق إفريقيا وإحدى القوى الاقتصادية الإقليمية، مستفيدةً من تنوع مواردها الطبيعية، وموقعها الإستراتيجي في شرق القارة، وثقافة ريادة الأعمال التي تتمتع بها.
وتشتهر البلاد -التي يتجاوز عدد سكانها 55 مليون نسمة- بقطاع التكنولوجيا، حتى اكتسبت لقب «وادي السيليكون الإفريقي» بفضل ابتكاراتها في مجال المدفوعات عبر الهاتف المحمول والخدمات الرقمية. كما يُعزّز موقعها الجغرافي على امتداد طرق الشحن الرئيسية، ودورها كمركز إقليمي للشركات التي تخدم دول جماعة شرق إفريقيا، أهميتها الاقتصادية.
ويُعزّز من تلك الأهمية أن الاقتصاد الكيني يرتكز على قطاعات الزراعة والسياحة والخدمات، إلى جانب تنامي قطاعي التصنيع والتكنولوجيا. وفي هذا الإطار، حقّق قطاع الخدمات المالية، ولا سيما منصات تحويل الأموال عبر الهاتف المحمول مثل إم-بيسا (M-Pesa)، شهرة عالمية، بل وكان له أثر ملموس في تطور التكنولوجيا المالية على المستوى الدولي. كما تستثمر الحكومة في تطوير البنية التحتية، بما في ذلك خط السكك الحديدية القياسي وتحديث ميناء مومباسا، رغم استمرار المخاوف المتعلقة باستدامة الديون.
وبصورة أكثر عمومية، تنعكس مكانة كينيا العالمية كونها وجهة مهمة للاستثمار في القارة؛ إذ تستضيف العديد من الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات غير الحكومية والدولية التي تعمل على امتداد المنطقة. ورغم بعض التحديات التي تتعلق بصيانة البنية التحتية، وجودة التعليم، وقضايا الحوكمة، فإنها تحتفظ بإمكانات قوية للنمو.
شكل رقم (4)
كينيا كما يرصدها مؤشر أفضل الدول 2026

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر أفضل الدول 2026 (جامعة بنسلفانيا، 2026).
الكاميرون.. صورة ذهنية تجمع بين الإمكانات الاقتصادية والتحديات الداخلية:
يُسلّط مؤشر أفضل الدول لعام 2026 الضوء في هذا القسم على الكاميرون (المرتبة 70 عالميًّا داخل المؤشر) -البلد الواقع في وسط إفريقيا بعدد سكان يتجاوز 28 مليون نسمة-، بوصفها أكبر اقتصاد في وسط إفريقيا وإحدى القوى الإقليمية المؤثرة، مستفيدةً من موقعها باعتبارها بوابة إلى أسواق وسط إفريقيا، فضلًا عن امتلاكها احتياطيات نفطية وموارد غابية وإمكانات زراعية وقدرات كبيرة في مجال الطاقة الكهرومائية. كما يُعزّز كونها دولة متعددة اللغات، تجمع بين الفرنسية والإنجليزية، قدرتها على التواصل الإقليمي وبناء علاقات الأعمال الدولية.
وعلى الرغم من تنوّع مواردها -إذ يرتكز اقتصادها على صادرات النفط والكاكاو والأخشاب والمنتجات الزراعية- يشهد النمو الاقتصادي تأثرًا بفجوات البنية التحتية، وتحديات الحوكمة، وعدم الاستقرار السياسي؛ لا سيما مع وجود الحركات الانفصالية في المناطق الناطقة بالإنجليزية ونشاط جماعة بوكو حرام في الشمال، وهو ما يُقوِّض الأداء الاقتصادي وثقة المستثمرين.
شكل رقم (5)
الانطباعات العالمية حول الكاميرون في ضوء مؤشر أفضل الدول 2026

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر أفضل الدول 2026 (جامعة بنسلفانيا، 2026).
غانا.. انطباعات دولية بشأن الاستقرار الديمقراطي والقدرة الاقتصادية:
تظهر غانا (التي تحتل المرتبة 80) في مؤشر أفضل الدول 2026، ولا سيما ما يتعلق بالتصورات الدولية، باعتبارها إحدى أكثر النظم الديمقراطية استقرارًا في غرب إفريقيا، وثاني أكبر اقتصاد في الإقليم، مستفيدةً من قَدْر نِسْبي من الاستقرار السياسي والتطور المؤسسي لديها. وقد حقَّقت البلاد -التي يتجاوز عدد سكانها 33 مليون نسمة- نموًّا اقتصاديًّا ملحوظًا اعتمادًا على قطاعات تعدين الذهب وإنتاج النفط والصادرات الزراعية، بينما أسهم سجلها في مجال الحوكمة وبيئة الاستثمار في جذب تدفُّقات مهمّة من الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز النشاط الاقتصادي الإقليمي.
ويُعزّز من تلك الانطباعات، الاقتصاد الغاني الذي يرتكز على التعدين والنفط والزراعة والخدمات المالية، إلى جانب تنامي قطاعات التصنيع والتكنولوجيا. كما تستضيف البلاد واحدة من أكثر أسواق الأوراق المالية تطورًا في إفريقيا، لا سيما مع امتلاكها بنية مالية متقدّمة نسبيًّا. وفي هذا الإطار، تسعى البلاد إلى تنويع الاقتصاد من خلال دعم التصنيع والطاقة المتجددة وقطاع التكنولوجيا. أما قطاع السياحة، بما يرتبط بالتراث الثقافي والمناطق الساحلية، فيُمثّل مجالًا واعدًا للنمو.
وإجمالاً، تعكس مكانة غانا الدولية تصورًا لها باعتبارها قوة اقتصادية ومؤسسية في غرب إفريقيا، خاصة مع استضافتها عددًا من الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الدولية، واحتفاظها بعلاقات متينة مع الشركاء الإقليميين والدول الغربية، إضافة لبعض القوى الآسيوية وفي مقدمتها الصين. كما تُقدّم تجربتها التنموية نموذجًا يربط بين جودة الحوكمة وقوة المؤسسات والقدرة على تحقيق نمو اقتصادي مستدام رغم الاعتماد على الموارد الطبيعية. وفي المقابل، تُواجه البلاد بعض التحديات كتلك التي تتعلق بالبنية التحتية، وجودة التعليم، وتوفير فرص العمل للأعداد المتزايدة من الشباب.
شكل رقم (6)
غانا في مرآة مؤشر أفضل الدول 2026

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر أفضل الدول 2026 (جامعة بنسلفانيا، 2026).
خاتمة:
في ضوء ما سبق، تكشف لنا قراءة مؤشر «أفضل الدول لعام 2026» أن الصورة الذهنية للدول باتت عنصرًا فاعلاً في تحديد مكانتها الدولية، لا يقلّ أهمية عن مؤشرات القوة الاقتصادية والعسكرية التقليدية. وتُوضّح نتائج دول إفريقيا جنوب الصحراء الأربع المشمولة بالتصنيف -جنوب إفريقيا وكينيا وغانا والكاميرون- أن صورة الدولة الذهنية ترتبط بمزيج من مقومات اقتصادية ومؤسسية وموقع جغرافي إستراتيجي.
ويُضاف لذلك مدى قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية التي تتصل بالبنية التحتية والحوكمة والاستقرار السياسي. وتعكس هذه النتائج في مجملها، أن التقدم الذي أحرزته هذه الدول في مسارات التنمية الاقتصادية والتحول التكنولوجي والاستقرار المؤسسي بدأ يجد له موقعًا في التصورات العالمية عنها، وإن استمرت بعض التحديات الداخلية.
غير أن اقتصار التصنيف على 4 دول فقط من إفريقيا جنوب الصحراء يطرح تساؤلاً حول مدى شمولية المؤشر وقدرته على تقديم صورة متكاملة عن المنطقة؛ فمعايير الاختيار التي اعتمدها المؤشر تميل إلى ترجيح كفة الاقتصادات الأكبر والأكثر استقرارًا، بما يستبعد من التصنيف عددًا كبيرًا من دول المنطقة التي قد لا تستوفي هذه المعايير، سواء بسبب ضعف أدائها الاقتصادي أو معاناتها من عدم الاستقرار السياسي والأمني.
ومِن ثَم، تبدو الحاجة إلى توسيع نطاق المؤشر ليشمل مزيدًا من دول إفريقيا جنوب الصحراء، بما فيها تلك التي لا تزال في مراحل مبكرة من التنمية أو تمر ببعص الأزمات والتحديات؛ إذ إن معرفة هذه الدول بانطباعات العالم عنها لا تقل أهمية عن معرفة الدول المتقدمة بذلك، بل ربما تفوقها أهمية، باعتبارها أداة تتيح لها قياس ما أحرزته من تقدُّم، وتحديد مواطن الضعف التي ما زالت بحاجة إلى معالجة، ومِن ثَم توجيه سياساتها وجهودها بصورة أكثر دقة واستنادًا إلى معطيات وتصورات أكثر واقعية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر مؤشر أفضل الدول لعام 2026:
2026 BEST COUNTRIES INDEX, (Wharton University of Pennsylvania, 2026), https://knowledge.wharton.upenn.edu/wp-content/uploads/2026/04/Best-Countries-Index-2026.pdf
للمزيد حول مؤشر جودة الحياة (أحد المؤشرات الفرعية لمؤشر أفضل الدول 2026) وموقع إفريقيا جنوب الصحراء ضمن نتائجه لعام 2026، انظر:











































