اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم الجمعة، قرارًا يدعو إلى تعزيز استخدام خرائط أكثر دقة في تمثيل الأحجام النسبية لمناطق العالم، مع التشجيع على استخدام إسقاط الأرض المتساوية (Equal Earth) بدلاً من إسقاط “مركاتور” في المجالات التي تكون فيها المقارنة بين المساحات مهمة.
وحصل القرار الذي قادته توغو بدعم من الاتحاد الإفريقي على 164 صوتًا مؤيدًا، مقابل صوت واحد رافض من الولايات المتحدة، فيما امتنعت 6 دول عن التصويت.
ويعد القرار غير ملزم للدول الأعضاء، ولا يدعو إلى حظر إسقاط مركاتور أو إزالته من الاستخدامات الملاحية، بيد أنه يشجع الحكومات والمنظمات الدولية والمؤسسات التعليمية وغيرها على استخدام تمثيلات خرائطية تظهر الأحجام النسبية للقارات بصورة أكثر دقة، ومن بينها إسقاط الأرض المتساوي، الذي صُمم عام 2018 ليكون متساوي المساحة.
في هذا التقرير
تصويت أممي ورفض أمريكي
جاء التصويت بعد مبادرة قادتها توغو باسم المجموعة الإفريقية في الأمم المتحدة، تحت عنوان “تصحيح الخريطة: إعادة التوازن إلى التمثيل الخرائطي العالمي وتعزيز التمثيل العادل لمناطق العالم، ولا سيما إفريقيا”.
وزعمت واشنطن أن القرار يروج لـ”أجندة أيديولوجية ويصرف الانتباه عن قضايا تتعلق بالسلام والازدهار والعلاقات الدولية”، بينما شددت توغو على أن القرار لا يمنع استخدام مركاتور في المجالات التي تتطلب خصائصه الفنية، وأن الغرض منه يتعلق بتمثيل الأحجام النسبية للقارات في الاستخدامات التعليمية والعامة.
وقال وزير الخارجية التوغولي روبرت دوسي، خلال عرض المبادرة، إن النقاش يتعلق بالتمثيل العلمي والجغرافي، مؤكدًا أن القرار لا يستهدف تغيير الحدود أو الوضع القانوني للأقاليم والدول.
وينص القرار على أن الإشارة إلى إسقاط “الأرض المتساوية” تتعلق بالتمثيل النسبي لمساحات القارات، ولا تتعلق بترسيم الحدود أو وضع الأراضي أو الاعتراف بها.
وتشير الصيغة التي اعتمدتها الجمعية العامة إلى الآثار التي يمكن أن تنتج عن التمثيلات الخرائطية غير المتناسبة، خاصة تلك المرتبطة بإسقاط مركاتور، في مجالات التعليم والثقافة والإدراك العام وغيرها.
كما أن القرار الأممي يعترف بأن هذه التمثيلات كان لها، على مدى فترة طويلة، تأثيرات معرفية وتعليمية وثقافية وجيوسياسية واقتصادية، من بينها تقليص الحجم المتصور لإفريقيا وغيرها من مناطق العالم.
كيف شوّه إسقاط مركاتور خريطة إفريقيا؟
قدَّم رسام الخرائط الفلامنكي جيراردوس مركاتور إسقاطه للعالم عام 1569، وكان الإسقاط مصممًا أساسًا لخدمة الملاحة، إذ يسمح بتمثيل اتجاهات الإبحار الثابتة بخطوط مستقيمة.
ويؤدي هذا التصميم إلى زيادة حجم المناطق كلما اقتربت من القطبين، بينما تظهر المناطق القريبة من خط الاستواء أصغر نسبيًا على الخريطة.
وتظهر غرينلاند، على سبيل المثال، بحجم قريب من إفريقيا في خرائط مركاتور، رغم أن مساحة إفريقيا أكبر من غرينلاند بنحو 14 مرة، وهذا الفارق يمثل أحد الأمثلة الرئيسية التي استندت إليها الحملة المطالبة بتغيير طريقة عرض القارات.
وتوضح هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن إسقاطات الخرائط المختلفة تحافظ على خصائص معينة للأرض على حساب خصائص أخرى، إذ لا يمكن تمثيل سطح الكرة الأرضية بالكامل على سطح مستوٍ دون حدوث نوع من التشويه.
بينما يحافظ الإسقاط على الاتجاهات بصورة مناسبة لأغراض الملاحة، لكنه يؤدي إلى تشويه كبير في المساحات، خاصة في المناطق الواقعة عند خطوط العرض المرتفعة، حسب الهيئة الأمريكية.
الاتحاد الإفريقي واستعادة حجم القارة الطبيعي
انتقلت قضية تغيير تمثيل الخريطة إلى مستوى العمل الأفريقي خلال عام 2025، بعدما أطلقت منظمتا “Africa No Filter” و”Speak Up Africa” حملة “صححوا الخريطة (Correct the Map)” ودعتا المؤسسات الدولية والحكومات ووسائل الإعلام إلى اعتماد خرائط أكثر دقة في تمثيل مساحة إفريقيا.
وذكرت Africa No Filter عند إطلاق الحملة إن مساحة إفريقيا تبلغ نحو 30.37 مليون كم2، ودعت إلى اعتماد إسقاط الأرض المتساوية في الخرائط المستخدمة على نطاق واسع.
وفي أغسطس 2025، أعلن الاتحاد الإفريقي دعمه للحملة، ودعا إلى التخلي عن الاستخدام الواسع لإسقاط ميركاتور في الخرائط التي تعرض الحجم النسبي للقارات، والتوجه إلى تمثيلات أكثر دقة.
وشدد الاتحاد الإفريقي على أن المبادرة تستهدف تصحيح الصورة التي تظهر بها القارة، مع التركيز على استخدام إسقاط الأرض المتساوية.
التمثيلات الخرائطية لإفريقيا
في فبراير 2026، اعتمد الاتحاد الأفريقي قرارًا يتعلق بالتمثيلات الخرائطية للقارة، ودعا الأمم المتحدة والجهات المختصة إلى معالجة التمثيلات غير المتناسبة، ولا سيما المرتبطة بإسقاط ميركاتور.
كما دعا القرار إلى اعتماد إسقاط “الأرض المتساوية”؛ لتمثيل إفريقيا بصورة أكثر دقة، وحث الدول الأعضاء على مراجعة المناهج الوطنية ذات الصلة بالجغرافيا.
وأعلن الاتحاد الإفريقي أن توغو ستتولى نقل المبادرة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد اعتمادها على المستوى القاري.
وقدمت توغو مشروع القرار باسم المجموعة الإفريقية، وطالبت بتعزيز استخدام تمثيلات خرائطية أكثر إنصافًا للأحجام النسبية لمناطق العالم، مع الإشارة بصورة خاصة إلى إفريقيا.
وقالت الحكومة التوغولية إن المشروع لا يستهدف الاستخدامات التي تتطلب خصائص إسقاط مركاتور، مثل بعض تطبيقات الملاحة البحرية والجوية، وإنما يركز على الخرائط المستخدمة في التعليم والأطالس والمواقع المؤسسية ووسائل الإعلام وغيرها من الاستخدامات التي يكون فيها الحجم النسبي للقارات عنصرًا مهمًا.
وكان وزير الخارجية روبرت دوسي قد قال قبل التصويت إن المبادرة تتعلق بالدقة العلمية، وليس بمواجهة سياسية مع دولة أو منطقة أخرى.
Congratulations to the delegation of #Togo 🇹🇬 and the Africa Group on the adoption this morning by the #UNGA of resolution A/80/L.104, “Correct the Map.”
— African Union (@_AfricanUnion) September 4, 2026
First endorsed by the African Union Assembly in February and officially passed at the United Nations today, this… pic.twitter.com/wHxblZ8d3K
خطوة للتخلي التدريجي عن إسقاط مركاتور
قد تدفع هذه الخطوة باتجاه التخلي التدريجي عن الاستخدام التقليدي لإسقاط مركاتور في الخرائط التي تعرض الحجم النسبي للقارات، حسبما أفادت صحيفة الغارديان البريطانية.
وأشارت الصحيفة إلى أن القرار حصل على 164 صوتًا مؤيدًا، مقابل صوت أمريكي واحد و6 امتناعات، وأنه غير ملزم للدول الأعضاء.
كما ذكرت أن توغو قادت المبادرة نيابة عن الاتحاد الأفريقي، وأن فرنسا دعمت التحول إلى تمثيل خرائطي مختلف، معلنة استخدام إسقاط “Eckert IV”، وهو إسقاط قريب من إسقاط “الأرض المتساوية” في بعض خصائصه المتعلقة بتمثيل المساحات.
وتخطط توغو لتنظيم فعالية في العاصمة لومي خلال الربع الأول من العام المقبل، بمشاركة الاتحاد الإفريقي واليونسكو وشركات تقنية من بينها Google Maps، لمناقشة تنفيذ القرار.
كما تعمل على تعديل مواد الجغرافيا المدرسية لديها قبل نهاية عام 2026، وتعتزم إجراء مباحثات مع دول الاتحاد الإفريقي ودول أخرى، إلى جانب شركات الخرائط والتقنيات التي تعتمد على البيانات الجغرافية، بهدف توسيع استخدام الخرائط التي تمثل الأحجام النسبية بصورة أكثر دقة.
ولا يفرض قرار الجمعية العامة على الدول تغيير مناهجها أو خرائطها، باعتباره قرارًا غير ملزم، لكنه يدعو المؤسسات التعليمية والحكومات والمنظمات وغيرها إلى اعتماد تمثيلات خرائطية أكثر إنصافًا.
ماذا عن الخرائط الرقمية؟
أصبحت شركات التكنولوجيا جزءًا من هذه القضية منذ السنوات السابقة للتصويت الأممي، وكانت “رويترز” قد أفادت في أغسطس 2025 بأن Google Maps انتقلت على نسخة سطح المكتب إلى عرض الكرة الأرضية ثلاثي الأبعاد عند التصغير في عام 2018، بينما ظل تطبيق الهاتف يستخدم إسقاط ميركاتور في العرض الافتراضي في ذلك الوقت.
وتقول الحملة الإفريقية إن شركات الخرائط والخدمات الرقمية ستكون من الجهات الرئيسية التي ستواجه دعوات الانتقال إلى تمثيلات أكثر دقة لأحجام القارات.











































