ترجمة: أ.د. عمر عبد الفتاح
أستاذ بقسم اللغات الإفريقية، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة
شهد العام الحالي تحولاً جذرياً في الخطاب العالمي حول تعويضات تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، وتصاعدت حدة المطالبات بالاعتذارات الرسمية، والإعفاء من الديون، ودفع التعويضات المالية، من قِبل الدول والمؤسسات التي استفادت من الرق.
وفي مقال مطول، تناولت شبكة BBC البريطانية موقع غانا في معركة التعويضات؛ باعتبارها مسرحًا لهذه “الجريمة”، مستعرضًا جهود حكومة أكرا للدفع نحو العدالة التعويضية، ومواقف المؤسسات الغربية التي استفادت تاريخياً من التجارة، إلى جانب أصوات غانية ترى أن معالجة الماضي لا تكتمل من دون مواجهة الآثار الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي خلفتها العبودية حتى اليوم.
غانا وميراث تجارة الرقيق
أكبر جريمة بحق الإنسانية
في مارس الماضي، صدر قرار في الأمم المتحدة يعتبر الرق «أكبر جريمة ارتُكبت ضد الإنسانية»، وذلك على الرغم من تصويت الولايات المتحدة ضد القرار، وامتناع جميع الدول الأوروبية عن التصويت.
وقد عارضت المملكة المتحدة، التي كانت تهيمن إلى جانب البرتغال على تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، فكرة دفع التعويضات باستمرار، وهو أمر ليس مفاجئاً ولا مستغرباً بالنظر إلى التقديرات التي تشير إلى أن ما «تدين» به بريطانيا للدول المتضررة نتيجةً للرق والعبودية يصل إلى تريليونات الجنيهات الإسترلينية.
إلا أن هذه المعارضة لم تُثنِ غانا، التي أصبحت الصوت الرائد في مجال المطالبة بتقديم تعويضات عن تجارة الرقيق؛ فقد كانت غانا الدولة التي طرحت قرار الأمم المتحدة السابق. فضلاً عن أنه في شهر يونيو من العام الجاري، عُقدت في العاصمة الغانية أكرا قمة بشأن التعويضات عن الرق، بمشاركة وفود من حوالي 80 دولة، خلصت إلى أن التعويضات عن ممارسة الرق قد تأخرت كثيراً.
في هذا السياق، قال وزير خارجية غانا صامويل أوكوزيتو أبلاكو: «لطالما كانت غانا رائدةً للوحدة الإفريقية؛ فنحن كنا أول دولة تنال استقلالها في إفريقيا جنوب الصحراء، وقد أثبتنا فعلياً أن مواجهة القوة والهيمنة الإمبريالية والانتصار عليها أمر ممكن».
وقد أوكل الاتحاد الإفريقي إلى غانا مسؤولية خاصة لتكون «الدولة الرائدة في تحقيق العدالة التعويضية»، ومن الواضح أن القيادة السياسية في البلاد تأخذ هذا الدور على محمل الجد.
ويرجع سبب اختيار غانا لهذه المهمة جزئياً إلى أن ما يقارب 10-15% من الأفارقة الذين يُقدّر عددهم بنحو 12 مليوناً، والذين أُخرجوا قسراً من ديارهم، وانتُزعوا من قراهم، وجُردوا من إنسانيتهم بشكل لم يسبق له مثيل، كانوا من أبناء غانا الحالية. بل إن عدداً أكبر من ذلك قد تم شحنهم وترحيلهم عبر أراضيها.
وأضاف أبلاكو وزير الخارجية الغاني قائلاً: لقد كانت غانا مسرح الجريمة التي شهدت هذه الفظائع، لذا لا يمكن لغانا أن تصمت عن ضمان محاسبة الجناة. ودعا الوزير إلى نظام للعدالة التعويضية يتم من خلاله تمويل المنح التعليمية، وتوفير رأس المال الاستثماري لرواد الأعمال الأفارقة الشباب، ودعم البحوث المتعلقة بالمشاكل الصحية المزمنة التي يرى البعض أن جذورها قد تعود إلى سوء التغذية الحاد والظروف غير الإنسانية التي سادت خلال فترة الرق.

معركة تعويضات تجارة الرقيق
ورغم تأكيد الوزير الغاني على أن الأمر لا يتعلق بتحقيق مكاسب مالية مباشرة للقادة الأفارقة؛ فإن أحد المطالب التي طُرحت خلال القمة الأخيرة بشأن التعويضات نص بوضوح على المطالبة بتخفيض الديون وإلغائها.
كما طالب أبلاكو أيضاً بضرورة محاسبة المؤسسات المستقلة التي استفادت من تجارة الرقيق ودفعها تعويضات، ومن بين هذه المؤسسات كنيسة إنجلترا. ففي القرن الثامن عشر الميلادي، أدار الجناح التبشيري للكنيسة مزارع عديدة وامتلك مئات الرقيق، مما ساهم في تمويل أنشطته في الأمريكتين وخارجهما.
كما أن العديد من رجال الدين في كنيسة إنجلترا كانوا يمتلكون عبيداً بشكل مستقل، وأفاد تقرير حديث صادر عن صندوق الأوقاف التابع للكنيسة بأن مؤسسة الكنيسة قامت باستثمار مبالغ طائلة في تجارة الرقيق، وجنت منها أرباحاً طائلة.
وفي شهر يوليو الماضي، قامت رئيسة كنيسة إنجلترا، ورئيسة أساقفة كانتربري سارة مولالي، بزيارة غانا في واحدة من أولى زياراتها الدولية منذ توليها هذا المنصب. وخلال الزيارة توجهت مولالي إلى قلعة كيب كوست، إحدى الحصون الساحلية العديدة التي كان يديرها البريطانيون، حيث كان يُحتجز الرقيق قبل أن يُجبروا على خوض رحلة «الممر الأوسط» الوحشية إلى الأمريكتين.
وبينما كانت تتجول مولالي وسط الزنازين التي كان يُحتجز فيها الأرقاء، وتمر عبر «بوابة اللاعودة» التي أُجبروا على عبورها قبل تحميلهم قسراً على السفن، بدت سارة متأثرة وتوقفت للصلاة. وقالت: «لقد شعرتُ بثقل الخطيئة الذي مثّلته تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. إن المرء لا يسعه إلا أن يتأثر بشدة بالظروف المروعة التي كان يُحتجز فيها أولئك البشر».
كما قامت بالصلاة في كنيسة صغيرة تعود للقرن السابع عشر الميلادي، والتي تقع مباشرة فوق تلك الزنازين. وعلقت سارة قائلة: «بالنسبة لي، هذا مثال صارخ على تورط الكنيسة في تجارة الرقيق، كيف يُعقل أن تقف الكنيسة مكتوفة الأيدي أمام الفظائع التي كانت تُرتكب في الزنازين التي تقبع أسفلها؟».
وأضافت رئيسة الأساقفة: «لقد اعتذرت كنيسة إنجلترا عن دورها في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي، لكننا أكدنا أيضاً على ضرورة اتخاذ إجراءات حيال ذلك».
وقامت الكنيسة بتأسيس صندوق للأثر الاجتماعي بقيمة 100 مليون جنيه إسترليني (135 مليون دولار أمريكي) يهدف إلى دعم المجتمعات التي يُعتقد أنها لا تزال تعاني من الإرث الممتد لتجارة الرقيق حتى اليوم. إلا أن إنشاء هذا الصندوق واجه معارضة داخل الكنيسة، تماماً كما واجهته الجهود العالمية لحث الدول على دفع التعويضات عن جريمة الرق.

الحجج الغربية لرفض العدالة التعويضية
ترتكز إحدى الحجج الرئيسية المعارضة لدفع التعويضات على حقيقة أن بعض الأفارقة أنفسهم كانوا متواطئين في أسر وبيع أبناء جلدتهم؛ إلا أن وزير الخارجية أبلاكو رفض هذه الرواية رفضاً قاطعاً، وقال: أعتقد أن هناك إستراتيجية متبعة تهدف للتفرقة والسيطرة، ولخلق حالة من الارتباك المصطنع.
وأكد أن منظومة الاسترقاق بأكملها كانت من تدبير القوى الغربية المالكة للعبيد، والتي استغلت ببساطة جهات محلية للمساعدة في تنفيذ مخططاتها.
كما أشار الوزير إلى أنه عندما كانت القوانين وبوليصات التأمين والهياكل المالية لهذه التجارة تُصاغ، «لم يكن هناك أي إفريقي مشارك في الأمر». وأضاف قائلاً: «إننا نُدين ونرفض رفضاً قاطعاً تلك الادعاءات التي تزعم أن الأفارقة مذنبون ومتواطئون في هذه الجريمة مثلهم كمثل أولئك الذين دبروا هذه الفظائع بأكملها».
ومع ذلك، فإن النقاش داخل غانا نفسها بشأن تواطؤ الأفارقة ومشاركتهم في تجارة الرقيق يبدو أكثر تعقيداً، ويرى بعض الزعماء التقليديين أن الاعتراف بالماضي يُعدّ شرطاً أساسياً للشفاء والتعافي.
وفي هذا السياق، اتخذ الملك تاكي تيكو تسورو الثاني Tackie Teiko Tsuru II، الـ «جا مانتسي» أو زعيم شعب الجا Ga في غانا، مؤخراً خطوةً بالاعتذار علناً عن تورط أسلافه في تجارة الرقيق.
وعبّر عن ذلك قائلاً: «إنني أعتقد أن تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي كانت أكبر جريمة ارتُكبت ضد الإنسانية، وقد شارك أسلافي أيضاً في هذه التجارة».
لقد أصبح شعب الجا وسطاء تجاريين مع الأوروبيين، حيث كانوا يبيعون الذهب والعاج، وفي نهاية المطاف تاجروا أيضاً في الأرقاء الأفارقة، وغالباً ما كان هؤلاء الرقيق أسرى الصراعات المحلية، وذلك مقابل السلع المصنعة التي جلبها البريطانيون والهولنديون بشكل رئيسي، بما في ذلك المنسوجات والمشروبات الكحولية والأسلحة.
لقد شعر الملك بضرورة الاعتذار ليس فقط عن تواطؤ شعبه ومشاركته في تجارة الرقيق، بل عن تواطؤ الأفارقة الآخرين أيضاً.
وقال: «إنني أقف هذا الموقف، وأعتذر نيابةً عن جميع السلطات التقليدية ونيابةً عن أجدادي وأسلافي عن دورهم في استعباد إخواننا وأخواتنا. لقد أثر ذلك على حياة الناس ومجتمعاتهم حتى يومنا هذا، ولكي نتمكن من المضي قُدُماً، علينا أن ننظر إلى ماضينا، كما يتوجب علينا الاعتراف بخطئنا وبضرورة تصحيحه».
إن الملك يؤمن إيماناً راسخاً بضرورة أن يقوم أولئك الذين استفادوا من تجارة الرقيق بدفع تعويضات، كما يقر أيضاً بأنه مُلزم شخصياً بتقديم تعويضات مالية؛ حيث قال: «أعتقدُ أن هذا الاعتذار يُرسّخ حالةً من الشجاعة الأخلاقية والمصداقية».
وبالنسبة لملك الجا أو «الجا مانتسي»، فإن الاعتراف بالخطأ لا يُخفف أبداً من وطأة جريمة الإمبراطوريات الأوروبية، بل يُعزز المكانة الأخلاقية لإفريقيا ويُقدّم نموذجاً يُحتذى به في كيفية المضي قُدُماً.

معالجة الضرر، والتعافي الإفريقي
ومن ناحيةٍ أخرى، سارت غانا في اتجاهٍ آخر في سبيل محاولة معالجة الأضرار والآثار الناجمة عن تجارة الرقيق؛ حيث أطلقت حملة إعلامية واسعة النطاق تدعو فيها أبناء الشتات الإفريقي، ولا سيما الأمريكيين من أصول إفريقية، لزيارة القارة.
وقد تم الترويج لهذه الحملة باعتبارها وسيلة لجمع الناس في إطار قصة مشتركة عن ماضيهم المؤلم، مع التركيز على أن مفهوم «التعويضات» يُقصد بها حرفياً «التعافي» على المستوى الإنساني.
وقد أدار هذه الحملة ياو أساري، وهو طالب دكتوراه غاني يدرس حالياً في جامعة هوارد، وقد عمل سابقاً في مكتب شؤون المغتربين التابع لرئيس غانا.
وقد علّق أساري على هذه الحملة بالقول: «في البداية، شعرتُ أن تجمُّع السود من مختلف أنحاء العالم تجربة رائعة وعميقة خالية من أي أهداف رأسمالية»، إلا أنه أردف قائلاً: «ولكن سرعان ما تغيرت هذه المبادرة في بعض جوانبها».
وأوضح أساري ذلك قائلاً: «لقد استغلت هيئة السياحة الغانية هذه المبادرة أيضاً، ولكنها وظفتها لتعزيز مشروعها السياحي»، مضيفاً أن المبادرة بدأت تفقد تركيزها على فكرة «التعافي» وأخذت تتجه أكثر للتركيز على تحقيق مكاسب سياحية.
ويشير أساري إلى أن الحملة غالباً ما نظرت إلى المغتربين من أبناء الشتات العائدين باعتبارهم وسيلةً لتدفق النقد الأجنبي، مما أدى إلى رفع الأسعار والتأثير سلباً على الاقتصادات المحلية.
ويصف أساري حالة التهميش الاقتصادي التي ألمَّت بالسكان المحليين في غانا بقوله: «إن السكان المحليين صاروا لا يستطيعون تحمّل تكاليف الاحتياجات الحياتية الأساسية».

ماذا عن أفارقة الشتات
والأكثر إيلاماً بحسب رأيه، أنه يرى أن الطابع التجاري للمبادرة طغى على الجانب النفسي العميق الذي يحتاج إليه السكان المحليون، وكذلك الأفراد «العائدون» من أبناء الشتات بشدة. وأضاف أساري قائلاً: «إننا نتعامل مع بشر، ولا يمكننا اختزالهم في مجرد زوار نقول لهم تعالوا، وشاهدوا هذا الموقع، وادفعوا رسوم الدخول».
كما تساءل أيضاً: «كيف يمكن في ظل مبادرة كان من المفترض أن تُعنى جزئياً بمعالجة صدمات الأفارقة في الشتات، أن تتم مطالبتهم بدفع رسوم دخول مماثلة لرسوم دخول السياح الأوروبيين، كرسوم دخول القلاع الساحلية التي كانت تُستخدم في تجارة الرقيق مثلاً».
وأشار إلى أن كل هذا يعني ضياع فرصة لمعالجة الصدمات المتجذرة، والتي يرى أن بعضها محفور في جغرافية غانا الحديثة ونفسيتها.
وأضاف أساري: «اذهب مثلاً إلى منطقة جيمستاون Jamestown (في العاصمة أكرا)، ستجد أن الناس يعيشون متكدسين معاً بسبب الخوف السائد من أنه «إذا سكنتُ بعيداً، فقد يتم اختطافي»»، مشيراً إلى أن هذه المخاوف التي تعود لقرون مضت هي التي دفعت الناس لبناء منازلهم بشكل متلاصق للغاية.
وتُعدّ منطقة جيمستاون من أقدم أحياء المدينة، وهي مجتمع بُني في الأصل حول قلعة ساحلية بريطانية، كان يُجلب إليها الرقيق ويتم بيعهم ثم يُرسلون على متن السفن إلى الأمريكتين.
ويرى أساري أن العدالة التعويضية الحقيقية يجب أن تُعطي الأولوية للتواصل الإنساني والتعافي قبل معالجة المعاملات المالية. ويختتم أساري حديثه عما يعتبره «تعويضات» حقيقية بالقول: «علينا إزالة الضمادة ثم النظر إلى الجرح، ذلك الجرح الغائر الذي لا يزال موجوداً. ونرى كيف يمكننا تضميده ورعايته وشفائه».
رابط مقال بي بي سي:
Aleem Maqbool: ‘Ghana was the crime scene’: The country leading the demand for slavery reparations, BBC, August 16, 2026:











































