مقدمة:
شهدت السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة تجاه القارة الإفريقية تحولا جذريا منذ مطلع الألفية الثالثة، انتقلت فيه من حضور محدود يرتكز على المساعدات الإنسانية والدبلوماسية الرمزية إلى استراتيجية شاملة متعددة الأبعاد، تمزج بين الأدوات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية والثقافية. ولم يعد هذا الحضور مجرد توسع استثماري، بل أصبح أداة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية في واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيدا واضطرابا. ويتجلى هذا التحول بوضوح في منطقة القرن الإفريقي، التي باتت تمثل مسرحا رئيسيا للتنافس الإقليمي والدولي، وساحة لاختبار فاعلية النموذج الإماراتي الجديد في التعامل مع الدول الهشة والمجتمعات المضطربة. وتشير الأدلة إلى أن الإمارات نجحت في تحويل نفسها إلى أكبر مستثمر أجنبي في القارة بحلول عام 2023، حيث ضخت الشركات الإماراتية بين عامي 2019 و2023 استثمارات بلغت قيمتها 110 مليارات دولار، تجاوزت بذلك تعهدات المملكة المتحدة وفرنسا والصين مجتمعة[1].
ويمثل الملف الإماراتي في إفريقيا نموذجا مميزا في العلاقات الدولية، إذ لا يمكن تفسيره بالاعتماد على إطار نظري واحد، بل يستدعي مقاربة تجمع بين التحليل الواقعي الذي يركز على المصالح الوطنية والأمن، والتحليل البنائي الذي يولي أهمية للأفكار والهويات والصور الذاتية. وقد مرت العلاقات الإماراتية الإفريقية بثلاث مراحل رئيسية تعكس هذا التطور: مرحلة الحضور المحدود التي امتدت من قيام الاتحاد عام 1971 حتى أواخر التسعينيات، ثم مرحلة الانفتاح الاقتصادي خلال العقد الأول من الألفية، وأخيرا مرحلة التوسع الاستراتيجي الشامل منذ عام 2010 وما بعده[2].
في المرحلة الأولى، كانت الإمارات دولة حديثة التكوين، منشغلة ببناء مؤسساتها وتثبيت أمنها الداخلي، وتتعامل مع إفريقيا من زاوية التضامن الإسلامي والمساعدات الإنسانية المحدودة. ومع مطلع الألفية، بدأت مرحلة جديدة مدفوعة بحاجة الدولة إلى تنويع اقتصادها وتأمين مصادر الغذاء والاستثمار، فاتجهت نحو الاستثمار في الموانئ والزراعة والأسواق الإفريقية الصاعدة. لكن نقطة التحول الحاسمة كانت بعد عام 2010، وتحديدا مع تداعيات الربيع العربي، حيث تحولت الإمارات من فاعل اقتصادي إلى لاعب استراتيجي يسعى لتشكيل البيئة الإقليمية وفق رؤيته الخاصة للأمن والاستقرار[3].
الأبعاد الحيوسياسية للحضور الإماراتي:
لا يمكن فهم الحضور الإماراتي المكثف في القرن الإفريقي بمعزل عن الأبعاد الجيوسياسية التي تفرض نفسها بقوة على صانع القرار في أبوظبي. فالإمارات، بوصفها دولة ساحلية تعتمد بشكل كبير على التجارة الدولية وعبور الطاقة، تنظر إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب باعتبارهما شريانين حيويين لأمنها الاقتصادي، وليس مجرد ممرات بحرية بعيدة. وتمر عبر هذه الممرات نسبة كبيرة من صادرات الإمارات ووارداتها، ما يجعل أي تهديد لاستقرارها – سواء من القرصنة، أو الجماعات المتطرفة، أو القوى الإقليمية المتنافسة – تحديا وجوديا مباشرا. وقد أدى هذا الواقع إلى تحول استراتيجي في العقيدة الأمنية الإماراتية، حيث لم تعد الدولة تعتمد فحسب على الحماية الغربية كما في السابق، بل بدأت في تطوير أدوات وطنية للردع وبناء قدرات عسكرية ولوجستية خاصة بها[4]. وقد تفاقمت هذه الحساسية الجغرافية مع اندلاع الحرب في اليمن عام 2015، وظهور الحوثيين كقوة مهددة على سواحل البحر الأحمر، وتصاعد النفوذ الإيراني في المنطقة، مما دفع الإمارات إلى توسيع نطاق انتشارها الأمني واللوجستي في القرن الأفريقي[5].
دور النظام السياسي والهوية الاقتصادية:
إلى جانب المحددات الجغرافية والجيوسياسية، تلعب العوامل الداخلية دورا محوريا في تشكيل السياسة الإماراتية تجاه إفريقيا. فالنظام السياسي الإماراتي، الذي يتسم بالمركزية والتماسك وغياب التعددية الحزبية والمعارضة المنظمة، يمنح صانع القرار هامشا واسعا للمناورة والتحرك السريع، دون الحاجة لاستيعاب ضغوط داخلية أو مساءلة مجتمعية. وقد مكّنت هذه الخصوصية الإمارات من اتخاذ قرارات استراتيجية اقتحامية في إفريقيا، مثل الاستثمار في موانئ مناطق متنازع عليها سياسيا كأرض الصومال، أو دعم أطراف في صراعات داخلية معقدة كالحرب في السودان، بوتيرة أسرع من معظم الفاعلين الدوليين[6]. وتلعب هنا شركات عملاقة مثل “موانئ دبي العالمية” و”مجموعة موانئ أبوظبي” دورا محوريا، إذ باتت تدير نحو 13 ميناء في ثماني دول إفريقية[7]. وقد تطورت هذه الاستثمارات من كونها مشاريع تجارية بحتة إلى أدوات للهندسة الجيوسياسية، إذ تمنح الإمارات قدرة على التحكم في نقاط عبور رئيسية للتجارة العالمية، وتخلق شبكات نفوذ اقتصادي يصعب فك ارتباطها مستقبلا.
أما الطبيعة الاقتصادية للإمارات، القائمة على الريع النفطي والفوائض المالية الضخمة، فقد تحولت إلى رافعة استراتيجية في إفريقيا. فالدولة توظف استثماراتها ومساعداتها كأدوات لبناء النفوذ، وليس فقط لتحقيق العوائد الاقتصادية. ففي عام 2023، استحوذت الإمارات على حصة 51% في مناجم “موبانا” للنحاس في زامبيا مقابل 1.1 مليار دولار، واستثمرت في قطاع التعدين في أنجولا، مؤكدة بذلك سعيها لتأمين المعادن الحيوية اللازمة لتحولها في مجال الطاقة. كما وقّعت الإمارات اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة (CEPAs) مع كل من موريشيوس وكينيا وجمهورية إفريقيا الوسطى والكونغو وأنجولا ونيجيريا وسيراليون، مع تقدم في المفاوضات مع رواندا وتشاد والمغرب، مما يعكس تحولا من الترتيبات الاقتصادية المؤقتة إلى شراكات طويلة الأجل تهدف لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية في آسيا وأوروبا[8].
الدوافع الأمنية والاقتصادية:
تتداخل الدوافع الأمنية والاقتصادية في السياسة الإماراتية تجاه القرن الإفريقي بشكل يصعب معه الفصل بينهما. فمن جهة، يمثل تأمين الممرات البحرية ضرورة أمنية وجودية، كما أسلفنا. ومن جهة أخرى، تدرك الإمارات أن الوجود الاقتصادي المستدام في المنطقة – من خلال الموانئ والمشاريع الزراعية والاستثمارات التعدينية – هو الطريق الأكثر فاعلية لترسيخ النفوذ وضمان الاستقرار طويل الأمد. وقد تجلى هذا التكامل بوضوح في استثمارات الإمارات في ميناء بربرة في أرض الصومال، حيث استثمرت الشركة 442 مليون دولار لتطويره[9]. ولا يمنح هذا الميناء الدولة بوابة بحرية استراتيجية على خليج عدن فحسب، بل يخلق أيضا تبعية اقتصادية تجعل من الصعب على الحكومات المحلية التخلي عن التحالف مع أبوظبي. وفي إثيوبيا، أعلنت الإمارات عن حزمة مالية بقيمة 3 مليارات دولار بعد الوساطة الناجحة بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، كما خططت لتمويل سكة حديد بطول 250 كيلومترا تربط مناطق الحدود الإثيوبية ببربرة في أرض الصومال بتكلفة 3 مليارات دولار، في مشروع من شأنه أن يقلل اعتماد إثيوبيا على ميناء جيبوتي الذي يستحوذ حاليا على 90% من تجارتها.
أما في السودان، فإن دوافع الإمارات تتجاوز الاستثمار في الموانئ أو الأراضي الزراعية إلى تأمين تدفق الذهب. وتشير تقديرات منظمة سويس إيد التنموية إلى أن واردات دبي من الذهب الإفريقي تبلغ نحو 30 مليار دولار سنويا[10]. وقد دفعت هذه المصالح الاقتصادية الإمارات إلى الانحياز في الحرب الأهلية السودانية إلى قوات الدعم السريع، عبر شبكة معقدة من تمويل وتسليح وتدريب المقاتلين، بما في ذلك الآلاف من المرتزقة الكولومبيين، في ما وصفته صحيفة فايننشال تايمز بأنه “واحدة من أكبر عمليات تهريب الذهب في التاريخ”[11]. وتفيد التحقيقات بأن شركة “جلوبال سيكيورتي سيرفيسز جروب (GSSG)”، التي تم تأسيسها بالأمارات عام 2016، تولت تجنيد ونقل هؤلاء المرتزقة، عبر شبكة إقليمية معقدة تمتد من كولومبيا إلى الإمارات ثم بوصاصو في الصومال والكفرة في ليبيا وصولا إلى نيالا والفاشر في السودان[12]، الأمر الذي نفته السلطات الإماراتية [13]جملة وتفصيلا في أكثر من موضع ومناسبة [14].
السياسة الإماراتية وإعادة التشكيل الإقليمي:
تتجاوز الدوافع الإماراتية في إفريقيا الأمن والاقتصاد إلى طموح سياسي أوسع، يتمثل في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وترسيخ الإمارات كقوة فاعلة ومؤثرة في النظام الإقليمي والدولي. وقد تجلى هذا الطموح في وساطة الإمارات بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018، التي أنهت نزاعا استمر عقدين وأكسبت أبوظبي مكانة دبلوماسية متقدمة في المنطقة. وقد وصف وزير الخارجية الإثيوبي، الاتفاق بأنه “نتيجة للجهود الكبيرة التي بذلها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان”. وفي ذات السياق أشار وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، إلى أن الإمارات أصبحت “شريكا رئيسيا في القرن الإفريقي، متقدمة على جميع الدول العربية الأخرى التي لها وجود في هذه المنطقة الحيوية”. وقد فتحت هذه الوساطة أبواب التعاون الاقتصادي والأمني مع أديس أبابا، بما في ذلك استثمارات تجاوزت 3 مليارات دولار ومنح دراسية كاملة لمئات الطلاب الإثيوبيين[15].
كما تعكس السياسة الإماراتية في القرن الإفريقي تنافسا إقليميا محموما مع قوى مثل تركيا وقطر وإيران. فبينما تسعى تركيا إلى تعزيز وجودها في الصومال عبر اتفاقيات دفاعية واستثمارات تنموية، وتسعى قطر إلى بناء نفوذ عبر شبكات دينية وإعلامية وخيرية، تتحرك الإمارات لتطويق هذا النفوذ من خلال دعم قوى محلية منافسة كأرض الصومال وبونتلاند والاستثمار في بنية موانئ موازية وشراكات أمنية تهدف إلى إعادة توازن المشهد.
وقد برز الدور الإماراتي في هذا السياق كأداة غير مباشرة لتوسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، حيث اتهمت أبوظبي بتسهيل الوجود الأمني وعسكري إسرائيلي في أرض الصومال، عبر بواباتها الاقتصادية والأمنية، في تطور يعيد تعريف خريطة التحالفات في المنطقة[16]. ساعد على ذلك الصمت وعدم الإدانة الذي أبدته الإمارات تجاه الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، إذ امتنعت عن الانضمام إلى الإدانة التي عبر عنها مجلس التعاون الخليجي والدول العربية والإسلامية للخطوة، واكتفت بالتأكيد على دعم سيادة الصومال في بيان مشترك مع الاتحاد الإفريقي دون أن تنتقد التحرك الإسرائيلي[17].
ورغم نفي سلطات أرض الصومال وجود قواعد عسكرية إسرائيلية أو أمريكية حالياً مع إبدائها استعداداً لاستضافتها مستقبلاً، ورغم عدم صدور تأكيد رسمي من الإمارات أو إسرائيل، فإن هذا المسار من التطورات يرتبط وفق المحللين بمحاولات إعادة التموضع الإقليمي بعد التغيرات في البحر الأحمر، ويحول ما بدأ تحت عنوان الاستثمار والموانئ إلى بوابة تمنح إسرائيل موطئ قدم استراتيجي في القرن الإفريقي[18].
دور القوة الناعمة في تعزيز الوجود الإماراتي:
لا تقتصر الأدوات الإماراتية في إفريقيا على الجوانب الصلبة (العسكرية والاقتصادية)، بل تمتد إلى القوة الناعمة التي توظف لبناء النفوذ الهادئ وكسب الشرعية. وقد ركزت الإمارات على إعادة تشكيل الخطاب الديني في القرن الإفريقي من خلال دعم بعض المؤسسات الدينية، وتمويل المساجد والمراكز الإسلامية، وتدريب الأئمة والخطباء المحليين وفق مناهج ترفض التسييس الديني وتناهض خطاب جماعات الإسلام السياسي، ولا سيما الإخوان المسلمين، الذين تصنفهم الإمارات تهديدا استراتيجيا. وتتعاون الإمارات في هذا المجال مع حلفاء إقليميين مثل مصر عبر الأزهر الشريف وموريتانيا والمغرب، في جهد مشترك لمواجهة الجماعات المتطرفة مثل القاعدة في المغرب الإسلامي وبوكو حرام، التي زعزعت استقرار أجزاء كبيرة من القارة. كما تتيح الروابط الدينية والتاريخية بين منطقة الخليج وإفريقيا أرضية خصبة لهذه الجهود، حيث تستثمر الإمارات في المؤسسات الدينية والمنح التعليمية والمساعدات الإنسانية كبوادر لحسن النية ولتعزيز النفوذ الديني والثقافي[19].
على ذات الصعيد (القوة الناعمة) وظفت الإمارات أدوات التعليم والثقافة، من خلال تقديم منح دراسية، ودعم مدارس ومعاهد في دول مثل الصومال والسودان، ونشر مفاهيم تربوية تعكس النموذج الإماراتي في الإدارة والتنمية. وقد أنشأت الدولة منصات لتبادل المعرفة تركز على التعليم والابتكار والاقتصاد الرقمي، بهدف رفع الطموحات الاقتصادية لإفريقيا وتجهيز قوتها العاملة بمهارات المستقبل. وفي مجال الطاقة المتجددة، استثمرت شركة مصدر 72 مليار دولار في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في إفريقيا بين عامي 2019 و2023، واستهدفت بناء قدرة توليدية تدعم التحول إلى النقل الكهربائي في القارة[20]. وفي المجال الإعلامي، أنشأت الدولة شبكة إعلامية ضخمة تروّج لروايتها حول دورها الإقليمي، وتظهره بوصفه دورا تنمويا غير أيديولوجي، وتغطي زيارات المسؤولين وافتتاح المشاريع، في محاولة لتكريس صورة الإمارات كدولة راعية للسلام والتنمية.
التحديات والانتقادات:
رغم النجاحات التي حققتها الإمارات في ترسيخ حضورها في إفريقيا، فإن سياستها تواجه تحديات وانتقادات متزايدة من جهات متعددة. فقد اتهم تحقيق لصحيفة فايننشال تايمز، استند إلى شهادات مقاتلين سابقين وسجلات سفر وبيانات رقمية، الإمارات بـ”تغذية الصراعات وزعزعة استقرار” عدة دول إفريقية، من خلال شبكة إقليمية تديرها أبوظبي لتجنيد المرتزقة ونقلهم وتدريبهم. وقد علق وزير الإعلام الإريتري، يماني جبرميسكل، بأن “مشكلة الإمارات في إفريقيا تنبع من طموحها غير المبرر للسيطرة على المنطقة بأكملها”، وأضاف أن “حضورها بدأ بالسيطرة على سلسلة من الموانئ الثانوية في شرق إفريقيا، لكنه تطور ليصبح عرضا للقوة واستغلالا للموارد”.[21]
وفي الصومال، أثارت الاتفاقيات الإماراتية المباشرة مع أرض الصومال وبونتلاند غضب الحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي أعلنت في يناير 2026 إلغاء جميع الاتفاقيات مع أبوظبي، بما في ذلك اتفاقيات الموانئ والدفاع والأمن، ووفقا للبيان، جاء هذا القرار بعد تقييم دقيق للتطورات الأخيرة، واستند إلى تقارير موثوقة وأدلة دامغة تشير إلى أعمال تُعتبر ضارة باستقلال الصومال ووحدته الوطنية وسيادته السياسية [22]. وقد رفضت أرض الصومال وبونتلاند وجوبالاند هذا القرار، مؤكدة تمسكها بعلاقاتها مع الإمارات[23]، مما كشف عن عمق الأزمة الفيدرالية في الصومال بشأن السياسة الخارجية والأصول الاستراتيجية. كما تواجه الإمارات اتهامات بتقويض جهود بناء الدولة المركزية في الصومال ودول أخرى، ودعم أطراف غير حكومية مسلحة، وتسهيل تهريب الذهب، ما يعزز خطابا نقديا يرى في النفوذ الإماراتي تهديدا للاستقرار الإقليمي[24].
على المستوى الدولي، اتهم معهد السياسة والأمن الألماني (SWP) الإمارات بأنها “ليست شريك بناء” لجهود الاتحاد الأوروبي في منع النزاعات وحلها، واصفا إياها بأنها “دولة مخربة” تزيد تدخلاتها من حدة النزاعات المحلية، وتعمق اقتصادات الحرب، وتدفع نحو تجزئة الدول. وأشار التقرير إلى أن الإمارات تقوض عقوبات الأمم المتحدة للأسلحة في كل من ليبيا والسودان، حيث سجلت لجنة خبراء الأمم المتحدة 458 رحلة طائرات شحن ثقيلة من مطارات عسكرية إماراتية أو من محطة العبور الإماراتية في بوصاصو إلى شرق ليبيا بين أكتوبر 2024 ونهاية 2025. وفي المقابل، أظهرت الحكومات الغربية ترددا ملحوظا في انتقاد الإمارات، وامتنعت كذلك عن الضغط على دول أخرى متدخلة للامتثال للحظر، ما ساهم بشكل كبير في فقدان مصداقية أنظمة العقوبات الدولية[25].
خاتمة:
تظهر السياسة الإماراتية تجاه إفريقيا نموذجا جديدا للدولة الإقليمية الصاعدة، التي تمتلك رؤية استراتيجية، وأدوات متعددة ومتكاملة، وقدرة على التحرك بسرعة وفعالية في بيئات شديدة التعقيد. وقد نجحت الإمارات في تحويل نفسها من فاعل هامشي في إفريقيا إلى لاعب رئيسي لا يمكن تجاهله، يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية ويخلق شبكات نفوذ اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة. إلا أن هذا النجاح يحمل في طياته تناقضات وتحديات، فالانخراط العميق في الصراعات الداخلية، ودعم أطراف غير حكومية، والتنافس المحموم مع قوى إقليمية، يعرض الإمارات لاتهامات بزعزعة الاستقرار وتغذية الصراعات، ويضعها في مواجهة مع حكومات مركزية ومجتمع دولي يطالب بمزيد من الشفافية والمساءلة.
يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الإمارات تحويل حضورها في إفريقيا من أداة للتنافس الإقليمي إلى ركيزة للاستقرار والتنمية المستدامة؟ الإجابة تتوقف على قدرة الدولة على الموازنة بين طموحاتها الجيوسياسية ومتطلبات الشرعية الدولية والمحلية، وعلى إعادة تعريف دورها من “مهندس النفوذ” إلى “شريك التنمية”، وهو تحول يبدو – في ضوء السياسات الحالية – بعيد المنال، لكنه يظل التحدي الأكبر الذي يواجه النموذج الإماراتي في القارة السمراء. كما أن استمرار السياسات الحالية دون تغيير قد يعمق الفجوة بين الإنجازات الاقتصادية والعواقب السياسية، ويجعل من النفوذ الإماراتي في إفريقيا قضية مثيرة للجدل بدلا من أن يكون نموذجا يحتذى به في العلاقات بين دول الخليج والقارة الإفريقية.
………………………..
[1] “تشير البيانات إلى أن استثمارات الشركات الإماراتية في إفريقيا بلغت 110 مليارات دولار بين عامي 2019 و2023، متجاوزة بذلك تعهدات المملكة المتحدة وفرنسا والصين مجتمعة. انظرالعين الأخبارية الإمارات وأفريقيا. تحالف المصير المشترك.” العين الإخبارية، 25 أغسطس 2025
. https://al-ain.com/article/the-uae-and-africa.
[2] Antwi-Boateng, Osman, and Maha Abdulrahman. “The Evolution of UAE’s Policy, 2026.
DOI: 10.1111/polp.70168.
تناقش هذه الدراسة مراحل تطور السياسة الإماراتية تجاه أفريقيا، وتحدد ثلاث مراحل رئيسية: مرحلة الحضور المحدود (1971-أواخر التسعينيات)، مرحلة الانفتاح الاقتصادي (2000-2010)، ومرحلة التوسع الاستراتيجي (ما بعد 2010).
[3] Ibid.
[4] Ibid
[5] Ibid
[6] Mason, Robert, and Simon Mabon, eds. The Gulf States and the Horn of Africa: Interests, Influences and Instability. Manchester University Press, 2026.
يناقش الفصل السادس من الكتاب الخصائص المؤسسية للنظام السياسي الإماراتي التي تمكنه من اتخاذ قرارات استراتيجية جريئة في أفريقيا.
[7] العين الإخبارية، مرجع سابق،
[8] “UAE’s Bold Bet: Reshaping Africa’s Economic Map.” Africa.com, 3 August 2026.
https://africa.com/business/uaes-bold-bet-reshaping-africas-economic-map.
يناقش التقرير استثمارات الإمارات في قطاع التعدين في زامبيا وأنغولا، واتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة مع دول أفريقية متعددة.
[9] “Emirati capital and Africa’s mobility boom: A new era of integration.” The Guardian Nigeria, 29 January 2026. https://guardian.ng/business-services/business/emirati-capital-and-africas-mobility-boom-a-new-era-of-integration/.
وتشير البيانات إلى استثمار 442 مليون دولار لتطوير ميناء بربرة في أرض الصومال، وخطة تمويل سكة حديد بطول 250 كيلومترا بين توغ وجالي وبربرة بتكلفة 3 مليارات دولار
[10] يونس بن عمار، ” تحقيق لـ«فايننشال تايمز» يكشف: الإمارات في قلب شبكة لتجنيد المرتزقة وتمويل النزاعات في إفريقيا.” الجزائر اليوم، 17 أغسطس 2026.على الرابط التالي
وانظر المقال الأصلي :
Financial Times, “The mercenaries fighting in Africa’s forgotten war”, Aug, 14, 2026
على الرابط التالي : https://www.ft.com/content/32592ab6-4385-4f43-95b7-f29cb2abab32?syn-25a6b1a6=1
[11] المصدر السابق.
[12] المصدر السابق، وانظر أيضا:
Gerrit Kurtz, Wolfram Lacher, Stephan Roll, “The Destabilising Role of the United Arab Emirates in African Conflicts.” Stiftung Wissenschaft und Politik (SWP), Berlin, May 2026. at:
يناقش التقرير دور شركة GSSG في تجنيد ونقل المرتزقة، ويسجل انطلاق 458 رحلة طائرات شحن ثقيلة من مطارات إماراتية إلى شرق ليبيا بين أكتوبر 2024 ونهاية 2025
[13] في تعليق على توصيف صحيفة “فايننشال تايمز” للحضور الإماراتي في إفريقيا بـ”التوسع الإمبراطوري”، أصدرت عفراء الهاملي، مديرة إدارة الاتصال الاستراتيجي في وزارة الخارجية الإماراتية، رداً نادراً نُشر في الصحيفة نفسها، عبرت فيه عن “خيبة أملها” من هذا التوصيف، ووصفت وصف الشراكات السيادية مع الحكومات الإفريقية بأنها دليل على “طموح إمبراطوري” بأنه “موقف متعالي وعميق الإهانة”، ويعتمد على “سردية نمطية وقديمة” تعتبر الحكومات الإفريقية متلقياً سلبياً للنفوذ الخارجي، بدلاً من كونها فاعلاً مستقلاً قادراً على تحديد مصالحه وشراكاته .
“UAE Pushes Back against FT Report on Its Growing Africa Footprint,” AzerNews, August 17, 2026, https://www.azernews.az/region/262527.html.
[14] “UAE Denies Involvement in Sudan War, Calls for End to Foreign Military Support,” Gulf News, September 3, 2026, https://gulfnews.com/uae/government/uae-denies-involvement-in-sudan-war-calls-for-end-to-foreign-military-support-1.500663175.
“UAE Denies False Sudan Allegations at UN Human Rights Council,” Gulf News, February 25, 2026, https://gulfnews.com/uae/government/uae-refutes-false-accusations-made-before-human-rights-council-by-warring-party-in-sudan-1.500455542.
“UAE Is Not Party to Armed Conflict in Sudan, State Representative to ICJ,” Khaleej Times, May 5, 2025, https://www.khaleejtimes.com/uae/sudan-state-representative-statement-icj.
[15] “UAE’s role in Ethiopia-Eritrea rapprochement draws praise.” Khaleej Times, 11 July 2018. https://www.khaleejtimes.com/uae/uaes-role-in-ethiopia-eritrea-rapprochement-draws-praise-2.
[16] Lazimi, Amir, and Chen Levi. “Israel and the United Arab Emirates: Strategic Partnership Tested by War.” Misgav Institute for National Security and Zionist Strategy, June 24, 2026. https://www.misgavins.org/en/lazimi-levi-strategic-partnership-tested-by-war/?print=print.
Husam Mahjoub, “The Emerging Sub-Imperial Role of the United Arab Emirates in Africa.” Transnational Institute, February 4, 2025. https://www.tni.org/en/article/the-emerging-sub-imperial-role-of-the-united-arab-emirates-in-africa.
[17] Middle East Eye, “UAE and Bahrain fail to join GCC condemnation of Somaliland opening embassy in Jerusalem,” May 26, 2026
[18] Horseed Media, “Report claims Berbera airport is being developed into strategic military base,” July 8, 2026.
[19] Desirée Custers, Hubert Kinkoh and Sebastian Sons , Agency in Flux: Gulf-Sub-Saharan African Relations. Center for Applied Research in Partnership with the Orient, Bonn. 03.11.2025
تناقش الدراسة الروابط الدينية والتاريخية بين منطقة الخليج وأفريقيا، وتوظيف الإمارات للقوة الدينية والناعمة في القارة.
[20] Adaku Onyenucheya, “Emirati capital and Africa’s mobility boom: A new era of integration”, The Guardian Nigeria, Date: 30 January 2026 at: https://guardian.ng/business-services/business/emirati-capital-and-africas-mobility-boom-a-new-era-of-integration/
ويشير التقرير إلى استثمار شركة مصدر 72 مليار دولار في مشاريع الطاقة المتجددة في إفريقيا بين 2019 و2023
[21] Financial Times, Op. cit.,
[22] “مجلس الوزراء الصومالي يلغي جميع الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات العربية المتحدة”، موقع الصومال الجديد، في 12 يناير 2026 على الرابط التالي:
[23] رويتر، مناطق صومالية ترفض تحرك مقديشو لقطع العلاقات مع الإمارات، 13 يناير 2026، على الرابط التالي :
https://www.reuters.com/ar/business/BVJL6JKA7NIZNCG2NSHKCTZDJY-2026-01-13/
[24] Financial Times, Op. cit.,
وانظر وانظر شمسان التميمي، “بعد الغاء الصومال اتفاقياتها مع الامارات: هل بدأت حقبة ما بعد النفوذ الإماراتي في القرن الأفريقي؟” اأبريل 22, 2026. على الرابط التالي:
[25] Gerrit Kurtz, Wolfram Lacher, Stephan Roll, op. cit.,
يناقش التقرير اتهام الإمارات بأنها ليست شريكا بناء لجهود الاتحاد الأوروبي، وكذا تقويضها لعقوبات الأمم المتحدة في ليبيا والسودان.











































