التمرد العسكري في النيجر، وقع فجر السبت، بعدما هاجم جنود المطار ومقر الرئاسة ومواقع عسكرية، ما أدى إلى ساعات من إطلاق النار والانفجارات، قبل أن تعلن وزارة الدفاع بدء استعادة القوات الحكومية للمواقع التي سيطر عليها المتمردون، في وقت استمرت فيه حالة التوتر في محيط المطار لساعات، مع تضارب بشأن مدى سيطرة القوات الحكومية على المواقع المستهدفة.
ويأتي التمرد بعد ثلاثة أعوام من وصول الجيش إلى السلطة في النيجر، بعد انقلاب على الرئيس محمد بازم، وفي ظل استمرار الهجمات التي تشنها جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، رغم تعهدات القيادة العسكرية بتحسين الوضع الأمني.
واستنادًا إلى مصادر رسمية ومعنية، إضافة إلى محللين نقلت عنهم وكالة رويترز، يتناول هذا التقرير مسار الأحداث وخلفياته في خمس نقاط شارحة.
ماذا يحدث في النيجر؟
بداية التمرد العسكري في النيجر
بدأت الأحداث من منتصف ليل الجمعة/ السبت، عندما تحرك جنود متمردون من قاعدة عسكرية في نيامي، وفتحوا النار على مواقع وصفتها السلطات بأنها “حساسة” داخل العاصمة.
وامتدت المواجهات إلى محيط مطار ديوري هاماني الدولي، الذي يضم أيضًا القاعدة الجوية العسكرية المعروفة باسم القاعدة 101، كما سُمع إطلاق نار وانفجارات بالقرب من القصر الرئاسي.
وتوقفت محطتا التلفزيون والإذاعة الرسميتان عن البث لفترة وجيزة بالتزامن مع المواجهات، قبل أن تستأنفا البث لاحقًا برسالة رسمية أكدت أن قوات الأمن تدخلت و”احتوت هذا الاضطراب”.
ولم تقتصر المشاركة في التمرد على جنود داخل العاصمة، إذ أفادت مصادر أمنية بأن الهجوم شمل عسكريين من مناطق أوالام وتيرا ودوسو في جنوب غرب النيجر، وهي مناطق تنتشر فيها وحدات عسكرية تواجه الجماعات المسلحة.
مواجهات عند المطار والقصر الرئاسي
تركزت المواجهات حول موقعين رئيسيين في نيامي؛ هما المطار والقاعدة العسكرية المرتبطة به، والمنطقة المحيطة بالقصر الرئاسي.
وبحلول التاسعة صباحًا بتوقيت غرينتش، بدا أن القوات الموالية للحكومة استعادت السيطرة على القصر الرئاسي، بينما ظلت المنطقة المحيطة بالمطار خارج السيطرة الحكومية.
وقالت مصادر أمنية إن جنودًا متمردين ظلوا موجودين في المطار حتى فترة ما بعد الظهر، ما أبقى عسكرة الوضع ميدانيًا.
وزارة الدفاع النيجرية قال إنها تعمل تدريجيًا على استعادة المواقع التي استولى عليها المتمردون خلال الهجوم الليلي، فيما تحدثت عن محاولة المتمردين احتجاز عدد من زملائهم في القاعدة الجوية.
كما أفادت مصادر بأن القوات الموالية للحكومة أُرسلت لاستعادة السيطرة على المطار، إما عبر التفاوض أو باستخدام القوة.
لماذا تمردت وحدات من الجيش؟
لا تزال الأسباب المباشرة للتمرد غير معلنة رسميًا، لكن الهجوم جاء في ظل ضغوط أمنية متزايدة على الوحدات العسكرية المنتشرة في مناطق القتال.
وتكبدت القوات النيجرية خسائر كبيرة خلال مواجهاتها مع الجماعات المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش في مناطق جنوب غرب البلاد، فيما تشير مصادر أمنية ومحللون إلى تنامي حالة الاستياء داخل بعض الوحدات الموجودة في الخطوط الأمامية.
في السياق، قال هيني نصيبيا، كبير محللي شؤون غرب إفريقيا في مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة “أكليد”، إن نحو 18 جنديًا قُتلوا قبل أسبوع في هجوم على موقع عسكري بمنطقة دوسو الجنوبية، معتبرًا أن تكرار الهجمات ذات الخسائر الكبيرة على الجيش يساهم في زيادة التوتر داخل صفوفه.
ويضع ذلك التمرد أمام القيادة العسكرية تحديًا يتعلق بالتماسك الداخلي للقوات، في وقت تواجه فيه البلاد ضغطًا مستمرًا من الجماعات المسلحة والمتطرفة.
سلسلة هجمات على نيامي
لم تكن أحداث السبت أول اضطراب أمني كبير يطال مطار نيامي والمنطقة المحيطة به خلال العام الجاري، فقد استُهدف المطار في يناير بهجوم نفذه فرع تنظيم “داعش” في الساحل، قبل أن يعلن فرع تنظيم القاعدة في منطقة الساحل مسؤوليته عن هجوم آخر على الموقع نفسه في يونيو.
تشير هذه الهجمات، إلى جانب التمرد الأخير، إلى تعدد مصادر التهديد الأمني في العاصمة، بين الجماعات المسلحة من جهة والخلافات داخل المؤسسة العسكرية من جهة أخرى.
ويرى هيني نصيبيا أن استمرار الاضطرابات الداخلية قد يؤدي إلى توجيه جزء من الموارد العسكرية والأمنية إلى حماية المواقع والمؤسسات داخل العاصمة بدلاً من استخدامها في مواجهة الجماعات المتطرفة.
وقال نصيبيا إن الجماعات المتطرفة ستكون “المستفيد الوحيد” من هذا الوضع، نتيجة احتمال تحويل الموارد المخصصة لمحاربتها إلى التعامل مع التهديدات الداخلية.
اختبار لحكم تشاني العسكري
يضع التمرد سلطة عبد الرحمن تشاني أمام اختبار جديد، بعد وصوله إلى الحكم إثر انقلاب يوليو 2023 الذي أطاح بالرئيس باعزوم.
وكان تحسين الوضع الأمني أحد المبررات الرئيسية التي قدمتها القيادة العسكرية لتولي السلطة، إلا أن النيجر واصلت مواجهة هجمات الجماعات المرتبطة بالقاعدة وداعش.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، أعادت حكومة تشاني صياغة علاقاتها الخارجية، فابتعدت عن الشركاء الغربيين خاصة فرنسا، وعززت التعاون مع روسيا، وانضمت إلى مالي وبوركينا فاسو في تحالف دول الساحل بعد الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”.
ويتزامن التمرد كذلك مع تشديد السلطات سيطرتها على قطاع اليورانيوم، بما في ذلك إعادة تخصيص تراخيص كانت مرتبطة بشركتي “أورانو” الفرنسية و”غوفي إكس” إلى شركات مدعومة من الدولة.
وبينما أعلنت السلطات استعادة السيطرة تدريجيًا على المواقع المستهدفة، ظل وجود متمردين في محيط المطار، وفق مصادر أمنية، مؤشرًا على أن التقييم النهائي لمدى احتواء التمرد لم يكن محسومًا بالكامل حتى منتصف يوم السبت.











































