د. نِهاد محمود
باحثة متخصصة في الشؤون الإفريقية
دكتوراه في العلوم السياسية- جامعة القاهرة
تُعدّ الهجرة واحدةً من أكثر الظواهر تأثيرًا في العلاقات الدولية والتحولات السكانية المعاصرة، وتأتي الهجرة في إفريقيا باعتبارها أحد أكثر الملفات تعقيدًا؛ نظرًا لتداخلها مع قضايا النزوح والصراعات والتنمية والتغيرات المناخية. وفي ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، تزداد أهمية فهم اتجاهات الهجرة داخل القارة الإفريقية وخارجها، باعتبارها مؤشرًا مهمًا على التحولات الاقتصادية والسياسية والإنسانية الراهنة.
ومن هنا؛ يكتسب تقرير الهجرة الصادر عام 2026م عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، أهميةً خاصة؛ لما يقدّمه من قراءةٍ تساعد على فهم الاتجاهات الجديدة للهجرة عالميًا، وإبراز موقع القارة الإفريقية داخل هذه التحولات.
وتقرير الهجرة العالمي، تقرير سنوي يخرج عن المنظمة الدولية للهجرة، وهي وكالة أممية تأسست عام 1951، وتضم أكثر من 170 دولة عضوًا، وتُعد المرجع الدولي الأبرز في قضايا الهجرة وإدارة التنقل البشري، كما يُعد تقريرها من أبرز المراجع الدولية المعنية برصد اتجاهات الهجرة والنزوح واللجوء حول العالم. واستناداً إلى ذلك؛ يحاول هذا المقال تقديم قراءة تحليلية لواقع الهجرة في العالم وإفريقيا، وتحولاتها في ضوء تقرير الهجرة لعام 2026م.
محاور المقال
أولاً: تقرير الهجرة 2026م.. ماذا يُقدّم؟
على مدار أكثر من 25 عامًا، واصلت المنظمة الدولية للهجرة إصدار تقارير دورية تُعنى برصد تطورات الهجرة وتحليلها على المستويين الإقليمي والدولي؛ بهدف توفير فهم أعمق للتحولات المتسارعة التي يشهدها هذا الملف وما يرتبط به من قضايا وتحديات متعددة. وفي هذا السياق، يأتي تقرير عام 2026م في نسخته الـ 13 ضمن هذه السلسلة، تأكيدًا للجهود الرامية إلى تعزيز الوعي بقضايا الهجرة وتوفير مرجع تحليلي قائم على بيانات ومؤشرات موثوقة. ويركز التقرير بصورة أساسية على جانبين رئيسيين؛ أولهما: تقديم قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة حول أعداد المهاجرين واتجاهاتهم، وثانيهما: تحليل أبرز القضايا والتحديات المرتبطة بظاهرة الهجرة في السياقات العالمية الراهنة.
أما من حيث هيكل التقرير، فيتكوّن من مجموعة من المحاور التي تحاول أن تقدّم فهمًا شاملاً لمسارات الهجرة على المستويين العالمي والإقليمي. وعليه؛ يبدأ التقرير بعرض عام لمسألة الهجرة في سياق يتسم بتزايد الاضطرابات والتحولات العالمية، ثم ينتقل إلى تحليل اتجاهات الهجرة وأنماط المهاجرين من منظور عالمي وإقليمي. كما يتناول العلاقة بين الهجرة والتنمية، مع إبراز أهميتها باعتبارها موردًا إستراتيجيًا مؤثرًا، إلى جانب مناقشة مسارات الهجرة النظامية من خلال استعراض التحديات والفرص والواقع الفعلي. كذلك يعالج عددًا من القضايا المعاصرة المرتبطة بالهجرة، مثل التنقل المرتبط بالتغيرات المناخية، والنزوح الداخلي، وقضايا الإعاقة والهجرة، بما يقدّم رؤية متعددة الأبعاد لأبرز تحديات الهجرة والاستجابات المرتبطة بها.

ثانيًا: الهجرة في السياق العالمي.. اتجاهات جديدة وأزمات متفاقمة
تكشف القراءة العالمية لتقرير الهجرة 2026م عن مفارقة لافتة، فمن ناحيةٍ تستمر الهجرة في أداء دور مهم في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الابتكار والتبادل الثقافي بين الدول والمجتمعات، بينما تتحول في الوقت ذاته إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً على مستوى السياسات الدولية، بفعل تزايد تحديات الاندماج، وإدارة الحدود، وتصاعد النزوح القسري.
وتشير بيانات التقرير إلى ارتفاع عدد المهاجرين الدوليين إلى نحو 304 ملايين شخص حتى منتصف عام 2024م، مقارنةً بنحو 250 مليوناً في عام 2015م، وهو ما يمثل 3.7% من سكان العالم. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن الهجرة العابرة للحدود لا تزال تمثل استثناءً أكثر من كونها نمطاً سائداً، إذ يواصل معظم سكان العالم العيش في بلدانهم الأصلية، بينما تبقى الهجرة الداخلية الشكل الأكثر انتشاراً. وفي الوقت نفسه، تسهم عوامل مثل التطور التكنولوجي، وتراجع تكاليف السفر، والتفاوتات الاقتصادية، والصراعات، والتغيرات المناخية في إعادة تشكيل أنماط التنقل البشري عالمياً.
وتُظهر المؤشرات أن الهجرة القسرية والنزوح الداخلي باتا يشكلان أحد أبرز ملامح المشهد العالمي الراهن؛ إذ تجاوز عدد النازحين داخلياً 83 مليون شخص بنهاية عام 2024م، وهو أعلى رقم مسجل تاريخياً، فيما بلغ عدد حركات النزوح خلال العام نفسه نحو 65.8 مليون حالة، كان نحو 70% منها مرتبطاً بالكوارث الطبيعية.
اقرأ أيضًا: تقرير أممي: النزوح الجماعي وانعدام الأمن أبرز تحديات وسط إفريقيا
كما ارتفع عدد الوفيات بين المهاجرين أثناء التنقل أو عبور الحدود إلى أكثر من 9 آلاف حالة خلال عام 2024م، وهو أعلى معدل منذ بدء توثيق هذه البيانات، ما يعكس تزايد المخاطر المرتبطة بمسارات الهجرة غير النظامية. وفي السياق ذاته، بلغ عدد اللاجئين عالمياً 36.9 مليون شخص، مع استمرار الصراعات في السودان وأوكرانيا وسوريا وأفغانستان في تغذية موجات النزوح واسعة النطاق.
وفي مقابل تصاعد أزمات النزوح، يُبرز التقرير أبعادًا أخرى للهجرة ترتبط بالفرص الاقتصادية والتعليمية؛ فقد تضاعف عدد الأشخاص المتنقلين عالمياً طلباً للعلم أكثر من ثلاث مرّات بين عامي 2002 و2022م، ليقترب من 7 ملايين طالب، ما يعكس تنامي التعليم في الخارج كأحد أهم مسارات الهجرة النظامية.
كما تستمر التحويلات المالية للمهاجرين في أداء دور اقتصادي محوري، حيث تصدرت الهند قائمة الدول المستقبلة للتحويلات خلال عام 2024م بأكثر من 137 مليار دولار. وتوضح هذه الاتجاهات أن الهجرة يجب ألّا تُختزل في كونها استجابة للأزمات فقط، بل يجب أن يُنظر إليها بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد تجمع بين دوافع الفرص والتنمية من جهة، وضغوط النزاعات والكوارث وعدم الاستقرار من جهةٍ أخرى، بما يفرض تحديات متزايدة أمام إدارة الهجرة عالمياً.
ويوضح الجدول الآتي أبرز المؤشرات المرتبطة بالهجرة العالمية عبر مقارنةٍ تمتد لأكثر من ربع قرن، بين تقرير الهجرة العالمي لعام 2000م وتقرير 2026م، بما يعكس حجم التحولات التي شهدتها أنماط الهجرة، وأعداد المهاجرين، والنزوح، والتحويلات المالية خلال أكثر من عقدين كما يلي:
| المؤشر | تقرير 2000 | تقرير 2026 |
| العدد التقديري للمهاجرين عبر الحدود | 150 مليونًا | 304 ملايين |
| النسبة التقديرية للمهاجرين من إجمالي سكان العالم | 2.8% | 3.7% |
| النسبة التقديرية للنساء بين المهاجرين الدوليين | 47.5% | 48% |
| المنطقة ذات أعلى نسبة من المهاجرين الدوليين | أوقيانوسيا | أوقيانوسيا |
| الدولة ذات أعلى نسبة من المهاجرين الدوليين | الإمارات العربية المتحدة | قطر |
| عدد العمال المهاجرين | غير متوفر | 167.7 مليون |
| إجمالي التحويلات المالية الدولية للمهاجرين (دولار أمريكي) | 128 مليار دولار | 905 مليارات دولار |
| عدد اللاجئين | 14 مليونًا | 36.9 مليون |
| عدد النازحين داخليًا | 21 مليونًا | 83.4 مليون |
جدول رقم (1): التحولات الرئيسية في الهجرة ومؤشراتها خلال الفترة (2000-2026)
Source: UN Migration, “World Migration Report 2026”, (Geneva: International Organization for Migration “IOM”, May 2026), P.5.
وتُبرز المقارنة المبينة في الجدول رقم (1) اتساع نطاق الهجرة العالمية وتزايد تأثيراتها الاقتصادية والإنسانية، سواءٌ من خلال ارتفاع أعداد المهاجرين واللاجئين والنازحين، أو عبر النمو الكبير في التحويلات المالية المرتبطة بالمهاجرين.
ثالثًا: الهجرة في إفريقيا.. بين التنقل الإقليمي والنزوح الداخلي
في ضوء الاتجاهات العالمية للهجرة، تكتسب الحالة الإفريقية أهميةً خاصة بالنظر إلى تعقد أنماط التنقل البشري داخل القارة، وتداخلها مع قضايا النزوح واللجوء والتنمية. ومن هذا المنطلق؛ يركز هذا القسم على أبرز ملامح الهجرة في إفريقيا كما يعرضها تقرير الهجرة لعام 2026م، حيث يشير إلى تميز أنماط الهجرة لديها، وذلك بوجود أعداد كبيرة من المهاجرين الذين ينتقلون داخل القارة وخارجها.
على سبيل المثال: بحلول منتصف عام 2024م، بلغ عدد المهاجرين المنحدرين من إفريقيا نحو 45.8 مليون شخص، ورغم ارتفاع هذا العدد على مدار العقود الماضية، مقارنةً بما كان عليه في عام 1990م حين بلغ أقل قليلاً من 20 مليوناً، فإنه لا يزال يمثل نسبة محدودة من إجمالي سكان القارة، إذ شكّل المهاجرون من إفريقيا نحو 3% فقط من إجمالي سكان القارة. وتشير بيانات التقرير إلى أن معظم المهاجرين المولودين في إفريقيا والمقيمين خارجها يتركزون في أوروبا (نحو 11 مليون شخص)، تليها آسيا (قرابة 7 ملايين)، ثم أمريكا الشمالية (حوالي 2.7 مليون).
وكما يوضح الشكل رقم (2)، فإن الجزء الأكبر من الهجرة يحدث داخل القارة نفسها، وقد شهد هذا النمط ارتفاعاً ملحوظاً منذ عام 2000م. وتشير أحدث البيانات إلى أن نحو 25 مليون إفريقي كانوا يقيمون في دولة إفريقية أخرى خلال عام 2024م، بزيادة قدرها 17% مقارنةً بعام 2020م، ونحو 39% مقارنةً بعام 2015م. ويعكس ذلك– جزئياً– تزايد النزوح العابر للحدود داخل القارة، إلى جانب تنامي الهجرة البينية داخل إفريقيا، المدعومة بترتيبات حرية التنقل بين بعض الدول الإفريقية.

Source: UN Migration, “World Migration Report 2026”, Op.Cit, p.44.
وعلى خلاف العديد من الدول في أقاليم مثل أوروبا وآسيا، حيث تُعدّ الهجرة أحد المحركات الرئيسة للنمو السكاني، فإن ارتفاع معدلات الخصوبة لا يزال العامل الأساسي وراء النمو السكاني في إفريقيا، وخاصةً في إفريقيا جنوب الصحراء.
ومع ذلك، توجد بعض الاستثناءات؛ إذ شهدت غينيا الاستوائية– التي سجلت أعلى معدل تغير نسبي في عدد السكان داخل إفريقيا خلال العقدين الماضيين– نمواً سكانياً تأثر بدرجة كبيرة بزيادة الهجرة الوافدة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً بالنمو الاقتصادي المرتبط بقطاعات النفط والغاز والبناء. وارتفعت نسبة المهاجرين الدوليين من أقل من 1% من إجمالي سكان البلاد في عام 2005م إلى أكثر من 13% بحلول عام 2024م.
من ناحيةٍ أخرى، تتشكل ممرات الهجرة الرئيسة في إفريقيا بفعل مزيج من القرب الجغرافي، والروابط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تأثيرات النزوح القسري. وتُعدّ حركة الهجرة من بوركينا فاسو إلى كوت ديفوار أكبر ممر للهجرة داخل القارة، نتيجة استمرار هجرة العمال والتقارب الجغرافي بين البلدين، فضلاً عن دور ترتيبات حرية التنقل في غرب إفريقيا في تسهيل الحركة. كما ترتبط بعض أكبر ممرات الهجرة، مثل جنوب السودان إلى السودان، والسودان إلى تشاد، وجنوب السودان إلى أوغندا، بموجات النزوح الواسعة الناتجة عن الصراعات والعنف.
“تُظهر قراءة تقرير الهجرة 2026م أن إفريقيا تواجه تداخلاً معقدًا بين الهجرة الإقليمية، والنزوح الداخلي، واللجوء العابر للحدود، في ظل استمرار تأثير الصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية والضغوط التنموية”
وفي هذا السياق، تُعدّ أوغندا من بين أكثر الدول استضافة للاجئين عالمياً، لكنها واجهت خلال السنوات الأخيرة تحديات متزايدة في دعم أعداد اللاجئين المقيمين على أراضيها، في ظل تراجع مستويات المساعدات الدولية. وفي المقابل؛ تعكس ممرات أخرى تشمل دول شمال إفريقيا– مثل الهجرة من مصر إلى السعودية، ومن الجزائر إلى فرنسا، ومن المغرب إلى إسبانيا– مزيجاً من دوافع العمل، والروابط التاريخية المرتبطة بفترة ما بعد الاستعمار، فضلاً عن القرب الجغرافي بين هذه الدول.
وأما على صعيد النزوح الداخلي، فإنه يشهد تصاعداً، ولاسيما حالات النزوح المرتبطة بالصراعات والعنف، والتي تمثل واحدةً من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً على المستوى العالمي، مع الحضور اللافت لدول إفريقيا جنوب الصحراء ضمن قائمة الدول الأعلى تسجيلاً لأعداد النازحين داخلياً بنهاية عام 2024م، كما سيوضح الشكل التالي، ويكشف هذا التركز الإفريقي عن الطبيعة المركبة للأزمات التي تشهدها القارة، حيث تتداخل الصراعات المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتداعياته الإنسانية، بما يؤدي إلى موجات نزوح واسعة داخل الحدود الوطنية.

Source: UN Migration, “World Migration Report 2026”, Op.Cit, p.37.
ويُظهر الشكل أعلاه أن دول إفريقيا جنوب الصحراء تمثل الكتلة الأكبر داخل القائمة، إذ تتصدر السودان عالميًا بأعلى أعداد للنازحين داخلياً، بينما تظهر دول أخرى مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال، وإثيوبيا، ونيجيريا، وبوركينا فاسو، والكاميرون، وجنوب السودان، وموزمبيق، ضمن الدول الأكثر تضرراً. ويعكس ذلك اتساع نطاق الصراعات المسلحة وعدم قدرة العديد من الحكومات على احتواء العنف أو توفير بيئات آمنة للسكان.
أما على مستوى حركة النازحين داخل إفريقيا جنوب الصحراء فقط، فيوضح الشكل التالي الدول العشرين الأكثر تسجيلاً لأعداد النازحين داخلياً نتيجة الصراعات أو الكوارث.

Source: UN Migration, “World Migration Report 2026”, Op.Cit, p.49.
يوضح الشكل أعلاه أن النزوح الداخلي في إفريقيا لا يرتبط بالصراعات والعنف فقط، بل تمثل الكوارث الطبيعية عاملاً رئيسياً أيضاً في دفع أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح. فقد سجلت دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان ونيجيريا معدلات مرتفعة من النزوح الناتج عن الكوارث، إلى جانب النزوح المرتبط بالصراعات، مع تعرض بعض الأفراد لأكثر من سبب للنزوح.
وشهدت نيجيريا أكثر من 1.2 مليون حالة نزوح مرتبطة بالكوارث، معظمها نتيجة الفيضانات، فيما سجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 750 ألف حالة. كما تصدرت تشاد الدول الإفريقية من حيث النزوح الداخلي الناتج عن الكوارث خلال عام 2024م، بأكثر من 1.3 مليون حالة نزوح، مدفوعة بشكل رئيسي بالفيضانات، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد على الإطلاق.
كذلك شهدت دولٌ أخرى، مثل النيجر وموزمبيق، أعداداً كبيرة من حالات النزوح الناجمة عن الكوارث خلال عام 2024م، حيث سجلت النيجر نحو 1.1 مليون حالة نزوح، بينما بلغ عدد حالات النزوح في موزمبيق نحو 585 ألف حالة، بما يعكس تنامي تأثير الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية على أنماط النزوح داخل القارة.
قد يهمك: ظاهرة اللجوء المناخي في إفريقيا جنوب الصحراء: الأسباب وآليات المواجهة
على نحوٍ أكثر تفصيلاً، وبالنظر إلى استمرار الصراعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي في عدد من الدول الإفريقية، حافظ جنوب السودان (خلال عام 2024م) على موقعه كأكبر دولة منشأ للاجئين في إفريقيا بنحو 2.3 مليون لاجئ، تلاه السودان بحوالي 2.1 مليون لاجئ، بعد أن أدت الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023م إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح عالمياً، مسجلةً زيادة تُقدّر بـ 40% مقارنةً بالعام السابق.
كما تجاوز عدد اللاجئين القادمين من جمهورية الكونغو الديمقراطية مليون لاجئ نتيجة النزاعات الممتدة بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة، فيما جاءت الصومال وجمهورية إفريقيا الوسطى ضمن أبرز دول المنشأ للاجئين في المنطقة. وفي المقابل؛ تستضيف دول إفريقيا جنوب الصحراء أعداداً ضخمة من اللاجئين؛ إذ ظلت أوغندا أكبر دولة مضيفة للاجئين في القارة بحوالي 1.8 مليون لاجئ، بينما استضافت تشاد نحو 1.1 مليون لاجئ من السودان وحده.
وتعكس هذه الأرقام- التي سيوضحها الشكل التالي- خصوصية المشهد الإفريقي، حيث تتداخل أدوار بعض الدول بين كونها مناطق منشأ للاجئين وفي الوقت نفسه دول استقبال لهم، بما يجعل إفريقيا الإقليم الوحيد عالمياً الذي يجمع بصورة متكررة بين إنتاج موجات لجوء واسعة واحتضانها في آنٍ واحد، وهو ما يزيد من تعقيد تحديات التنمية والاستقرار الإقليمي.

Source: UN Migration, “World Migration Report 2026”, Op.Cit, p.48.
خاتمة:
في المحصلة، تكشف الاتجاهات الراهنة للهجرة العالمية أن أنماط التنقل البشري أصبحت أكثر ارتباطًا بالتفاعلات المركبة بين الأوضاع الاقتصادية، والتحولات المناخية، واستمرار الصراعات، واتساع فجوات التنمية بين الأقاليم المختلفة حتى بين دول الإقليم نفسه.
كما تشير المؤشرات الواردة في التقرير الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة، إلى أن قضايا الهجرة لم تعد تقتصر على إدارة حركة الأفراد عبر الحدود، بل تمتد إلى تحديات أوسع تتعلق بالاستقرار المجتمعي، والتعامل مع الضغوط الإنسانية، وتوجيه أولويات السياسات العامة نحو قضايا مثل إدارة الحدود، واستيعاب النازحين واللاجئين، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والتكيف مع آثار التغيرات المناخية. وفي هذا السياق، تعكس الزيادة المستمرة في أعداد المهاجرين والنازحين واللاجئين حجم التحولات التي يشهدها العالم، بما يجعل فهم ديناميكيات الهجرة ضرورة لفهم التحولات الدولية ذاتها.
وفي الحالة الإفريقية، تُظهر قراءة تقرير الهجرة 2026م أن القارة تواجه تداخلاً معقدًا بين الهجرة الإقليمية، والنزوح الداخلي، واللجوء العابر للحدود، في ظل استمرار تأثير الصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية والضغوط التنموية.
كما تكشف المؤشرات عن خصوصية المشهد الإفريقي، حيث تتقاطع أدوار بعض الدول بين كونها مناطق منشأ للحركات السكانية القسرية، وفي الوقت نفسه تكون وجهات لاستقبالها. ومن ثَمّ؛ فإن التعامل مع تحديات الهجرة في إفريقيا يرتبط بصورة وثيقة بقدرة الدول على تعزيز الاستقرار، والحد من مسببات النزوح، وتوسيع فرص التنمية، بما يسمح بتحويل الحركة البشرية من مؤشر على الهشاشة والأزمات إلى عنصر داعم للاستقرار والتنمية على المدى الطويل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر تقرير الهجرة 2026م:
UN Migration, “World Migration Report 2026”, (Geneva: International Organization for Migration “IOM”, May 2026)
متاح على الرابط
أحدث المقالات:
- الولايات المتحدة تفرض عقوبات على قادة بسبب القتال في شرق الكونغو
- فهم ديناميكيات العنف ضد المهاجرين في جنوب إفريقيا
- الهجرة في إفريقيا 2026: اتجاهات النزوح واللجوء ومسارات التنقل
- زيمبابوي تمضي قدمًا في مشروع قانون يمدد ولاية الرئيس حتى عام 2030
- كوريا الجنوبية تستضيف 50 وزير خارجية إفريقي لبحث تعزيز الشراكة










































