لم يَعُد خافياً أن طبيعة القوة في عالم اليوم قد تغيرت كثيراً عما كانت عليه في الماضي، إذ لم تَعُد القوة الصلبة، بشقيها العسكري والاقتصادي، كافيةً لتحقيق مصالح الدول وتعزيز نفوذها على المسرح الدولي؛ إذ فرضت التطورات الدولية المتسارعة والثورة الهائلة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن تنامي دور الفرد والفواعل الأخرى من غير الدول، تحوُّلات جوهرية في ديناميكيات القوة ونسقها، بحيث بات من الضروري الاهتمام بتطوير جوانب أخرى من القوة، كالقيم الثقافية والتعليم والتكنولوجيا والإعلام والدبلوماسية والابتكار والقدرة التنافسية، وغيرها، والتي تُشكل في مجموعها ما يُعرف بـ«القوة الناعمة»، التي تستهدف التأثير في تفضيلات الآخرين عن طريق الجذب والإقناع بدلاً من الإكراه. وفي هذا الصدد، تسعى الدول، المتقدمة والنامية منها على حدٍّ سواء، إلى تعزيز سمعتها الدولية وتوطيد نفوذها إقليمياً ودولياً، عبر تطوير أدواتها السياسية والاقتصادية والثقافية، بغرض تحسين قوتها الناعمة، مما يساعد على تعزيز جاذبيتها الدولية، ويسهم في دعم السياحة وتدفق الاستثمارات الأجنبية.
ارتباطاً بما تقدّم، يسعى هذا المقال إلى دراسة وتحليل أداء بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في المؤشر العالمي للقوة الناعمة الصادر عن مؤسسة براند فاينانس Brand Finance البريطانية لعام 2026م، بوصفه أهم المؤشرات المستخدمة في قياس القوة الناعمة وأكثرها شموليةً، وذلك من خلال التعريف أولاً بالمؤشر وبيان منهجيته، ثم الوقوف على موقع الدول الإفريقية جنوب الصحراء على مستوى المؤشر العام، ويُختتم المقال بتحليل أداء دول الإقليم ضمن بعض الركائز الأساسية التي يقوم عليها مؤشر القوة الناعمة.
ويعرض المقال ذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: المؤشر العالمي للقوة الناعمة.. المفهوم والمنهجية.
ثانياً: المؤشر العالمي للقوة الناعمة لعام 2026م: نظرة عالمية.
ثالثاً: موقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م على مستوى المؤشر العام.
رابعاً: أداء دول الإقليم على مستوى الركائز الأساسية لمؤشر القوة الناعمة لعام 2026م.
أولاً: المؤشر العالمي للقوة الناعمة.. المفهوم والمنهجية:
خلافاً للقوة الصلبة، فإن المحاولات التي بُذِلت لقياس القوة الناعمة وتقييم فعاليتها، أو تصنيف الدول على أساسها، ظلت تُمثل إشكاليةً كبرى في المطلق، ولعل هذا ما جعل الواقعيين الذين يعتمدون القياس الكمي غالباً لتقييم حجم القوة ومدى فعاليتها يقللون من شأن القوة الناعمة ودورها وتأثيرها، إذ تظل القوة الناعمة قوةً غير مطلقة وصعبة القياس[1]، ومردّ هذه الصعوبة يرجع إلى أن القوة الناعمة تشمل الأصول أو الموارد غير الملموسة (غير المُدرَكة) للقوة، كالتأثير الثقافي والجاذبية السياسية، وغيرها، والتي يصعب إخضاعها للقياس أو التعبير عنها في صورة رياضية أو كمية.
على الرغم من ذلك؛ بُذِلت جهود كبيرة لقياس القوة الناعمة بصورةٍ كمية ومحاولة تصنيف الدول طبقاً لها، ولقد أسفرت تلك الجهود عن ابتكار ما يُعرف بـ«مؤشرات قياس القوة الناعمة». ولعل أهم هذه المؤشرات وأكثرها شمولاً هو ما يُعرف بالمؤشر العالمي للقوة الناعمة الصادر عن مؤسسة براند فاينانس البريطانية، وهي مؤسسة استشارية رائدة في مجال تقييم العلامات التجارية على مستوى العالم، تأسست عام 1996م، ولها مكاتب في أكثر من 15 دولةً حول العالم.
وتنطلق براند فاينانس في قياسها للقوة الناعمة من فرضيةٍ أساسية مؤداها أنه «كلما كانت القوة الناعمة للأمة أقوى، زادت قدرتها على جذب الاستثمار وتسويق منتجاتها وخدماتها»، وأن القوة الناعمة تعني قدرة الدولة على التأثير في مختلف الفاعلين الدوليين (الدول– الشركات- المجتمعات– الأشخاص) من خلال الجذب والإقناع بدلاً من اللجوء للإكراه وأدوات القوة التقليدية[2].
صدرت النسخة الأولى من مؤشر القوة الناعمة العالمي عام 2020م، وبلغ عدد الدول المشمولة بالتصنيف حينها 59 دولةً فقط، وفي عام 2023م زاد عدد الدول التي يشملها المؤشر ليصل إلى 121 دولةً، ومنذ عام 2024م أصبح المؤشر يضم جميع الدول الأطراف في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولةً، ومن الملاحظ أن ترتيب هذه الدول يتغير من عامٍ إلى آخر، كنتيجة لزيادة عدد الدول المُدرَجة في المؤشر، إضافةً إلى تغيُّر درجات الدول وفقاً لأدائها كل عام، سواءٌ على مستوى المؤشر العام أو المؤشرات الفرعية.
يقيس هذا المؤشر القوة الناعمة للدول بناءً على مسحَين، يستهدف أحدهما الجمهور العام، الذي يُغطي أكثر من 75000 مُقيماً في 102 من البلدان تُمثل جميع قارات العالم، ويُعادل ثقله 90 في المائة، فيما يُركز الآخر على جمهور متخصص من 47 بلداً، يُمثلون الفئات التي تُعدّ على صلة بالقوة الناعمة، وتضم هذه الفئات رواد الأعمال، ومحللي الأسواق، والسياسيين والأكاديميين، ومراكز التفكير والمنظمات غير الحكومية والصحافيين، ويمنح هذا الجزء من المسح وزناً نسبته 10 في المائة[3].
يرتكز مؤشر القوة الناعمة العالمي في منهجيته البحثية على تقييم تأثير القوة غير العسكرية في العلاقات الدولية بأسلوبٍ متوازن؛ حيث يتم جمع بيانات تتعلق بالتصورات العالمية لجميع الدول الأطراف في الأمم المتحدة، ويتم ذلك عبر مجموعة من المؤشرات الفرعية التي تشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، باعتبارها عوامل رئيسية تؤثر في قوة الدولة الناعمة، كما يعتمد المؤشر على أربعة أبعاد أو ركائز أساسية تقوم عليها منهجيته، وتشمل[4]:
1- الشهرة: تُقاس بمدى انتشار العلامات التجارية التي تُمثل الدولة.
2- التأثير: يُعبّر عن مستوى النفوذ الذي تحظى به الدولة على الصعيد العالمي وفي الساحة الدولية.
3- السمعة: تُقيّم مدى امتلاك الدولة لصورة ذهنية قوية وإيجابية على المستوى العالمي.
4- التصورات: تُعنى بقياس مستوى الإدراك من خلال ثمانية مؤشرات فرعية (موضحة في الجدول أدناه).

وتتألف الدرجة الكلية للمؤشر من 100 نقطة، حيث تشير الدرجة (0) إلى أدنى درجة يمكن الحصول عليها، وكلما اقتربت درجة الدولة من هذا المُعدل كان ذلك دليلاً على ضعف قوتها الناعمة. فيما تشير الدرجة 100 إلى أعلى درجة في المؤشر، وكلما اقتربت درجة الدولة منها دلَّ ذلك على تنامي قوتها الناعمة[5].
ثانياً: المؤشر العالمي للقوة الناعمة لعام 2026م.. نظرة عالمية:
وفقاً لنتائج تقرير النسخة السابعة من مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، فقد حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على صدارة الترتيب بمجموع 74.9 نقطةً وهو معدل أقل بـ 4.6 نقطة مقارنةً بعام 2025م، وجاءت جمهورية الصين الشعبية في المركز الثاني للعام الثاني على التوالي بمجموع 73.5 نقطةً، فيما تقدّمت اليابان إلى المرتبة الثالثة بإجمالي 70.6 نقطةً، وتراجعت المملكة المتحدة مرتبةً واحدة قياساً بالعام الماضي، حيث حلت في المركز الرابع بـ 69.2 نقطةً، أما ألمانيا الاتحادية وفرنسا فقد تمكنتا من الحفاظ على ترتيبهما العام في المركزين الخامس والسادس، بمجموع 67.7، و65.9 من النقاط على التوالي.
في المُجمل، حافظت الديمقراطيات الأوروبية على تفوق واضح في مؤشر القوة الناعمة، حيث احتلت عشر دول أوروبية مراكز متقدمة ضمن قائمة أفضل 20 دولةً، ومع ذلك أظهر مؤشر براند فاينانس تراجعاً طفيفاً في بعض المؤشرات للبلدان الأوروبية مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية العالمية، كما أظهر التقرير تزايد المنافسة من جانب القوى الآسيوية، ولاسيما الصين الشعبية والإمارات العربية وكوريا الجنوبية.

ثالثاً: موقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م على مستوى المؤشر العام:
كما هو الحال بالنسبة لتقرير العام الماضي (2025م)، تمكَّنت 6 دول إفريقية فقط في إقليم جنوب الصحراء الكبرى من انتزاع مراكز متقدمة ضمن قائمة أفضل 100 دولة عالميّاً، مما يعكس حجم التحديات التي لا تزال تواجه دول الإقليم في إطار سعيها لتحسين سمعتها الدولية في مجال القوة الناعمة، ومع ذلك ترى مؤسسة براند فاينانس أن الدول الإفريقية جنوب الصحراء لديها من القدرة ما يمكنها من تحسين تموضعها على سلم الترتيب العالمي لمؤشر القوة الناعمة، من خلال تشجيع الاستثمارات الأجنبية، والترويج للثقافة الوطنية، فضلاً عن تعزيز السياحة، وتوطيد الشراكات الدولية.
في هذا السياق، حافظت جنوب إفريقيا، رغم تراجعها مركزين على مستوى الترتيب العالمي، على صدارة الترتيب الإقليمي لبلدان إفريقيا جنوب الصحراء بمجموع بلغ 44.2 من أصل 100 نقطة، ويأتي هذا الترتيب نتيجةً للتقدم الذي أحرزته جنوب إفريقيا في العديد من المؤشرات الرئيسية والفرعية ضمن مؤشر القوة الناعمة، مما يعكس جهودها المستمرة لتعزيز صورتها وسمعتها على الساحة الدولية؛ حيث استفادت البلاد من عدة عوامل أساسية لتعزيز جاذبيتها، أبرزها تاريخها النضالي ضد الاستبداد، ونشاط مجتمعها المدني، والسمعة المميزة لجامعاتها وقطاعها الخاص، إلى جانب هويتها العالمية التي ترتبط بجنوب القارة الإفريقية، وقيمها السياسية التي تركز على الديمقراطية وحقوق الإنسان.
واحتلت نيجيريا المركز الثاني على مستوى دول الإقليم والمرتبة الـ 71 عالميّاً بـ 37.4 نقطةً، فرغم عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده البلاد منذ سنوات، في ظل تواصل هجمات الجماعات المتمردة، مثل بوكو حرام، فقد تقدّمت نيجيريا ستة مراكز مقارنةً بالعام الماضي، وهو أعلى مركز لها في أربع سنوات، مما يعكس تحسن أدائها العام وتزايد نفوذها الثقافي.
أما كينيا، فقد احتلت المرتبة 88 عالميّاً بإجمالي 35.8 نقطةً، متقدمةً بذلك عدة مراكز قياساً بالسنوات الماضية، ويُعزى ذلك بشكلٍ رئيسي إلى دبلوماسيتها الإقليمية القوية، وبيئة الابتكار المتطورة، وقوة علامتها التجارية المتنامية، وبحسب مؤسسة براند فاينانس، تحافظ كينيا على مسار تصاعدي إيجابي، مما يجعلها تتمتع بمكانة القائد الإقليمي الموثوق به في شرق إفريقيا.
وتبرز تنزانيا أيضاً من بين أفضل البلدان الإفريقية جنوب الصحراء أداءً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، حيث احتلت المرتبة 94 عالميّاً برصيد 34.4 نقطةً، ويرجع هذا التقدم إلى الاستقرار الداخلي ودبلوماسيتها النشطة في شرق إفريقيا، فضلاً عن الجهود المُحرَزة في قطاع الحوكمة والحفاظ على التراث الثقافي.
ويوضح الجدول أدناه الدول الست الإفريقية في منطقة جنوب الصحراء الأفضل أداءً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، وهي الدول التي تمكَّنت، كما أسلفنا، من احتلال مراكز ضمن قائمة أفضل 100 دولة عالميّاً، وباستثناء جمهورية كوت ديفوار التي غابت عن القائمة هذا العام وحلت بدلاً منها جمهورية موريشيوس، فإن الدول الخمس الأخرى هي نفسها التي احتلت هذا التصنيف العام الماضي، مع بعض الاختلافات في ترتيبها الإقليمي والعالمي.

في المقابل، حققت معظم دول إفريقيا جنوب الصحراء أداءً ضعيفاً ومتواضعاً للغاية في مؤشر القوة الناعمة، احتلت على إثره مراكز متدنية ضمن قائمة الدول التي شملها المؤشر، ويعكس هذا الأداء الضعيف تراجع سمعتها الدولية وضعف مكانتها على الساحة العالمية، نتيجةً لقلة جهودها ومحدودية إمكانياتها اللازمة لتعزيز هويتها الوطنية، إلى جانب التحديات الاقتصادية التي تعاني منها، والصورة السلبية التي تسهم وسائل الإعلام في تشكيلها عنها.
فمن بين الدول الخمسين التي صُنِّفت ضمن الأقل أداءً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، تنتمي 23 منها إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء، ما يُشكّل نسبة 46 في المائة، حيث حققت هذه الدول أداءً ضعيفاً على مستوى المؤشر العام تراوح بين (23.4) و(29.7) نقطةً فقط، ومن بين هذه الدول: الصومال، جنوب السودان، بوروندي، بالإضافة إلى الدول الجزرية الصغيرة مثل جزر القمر، سيشل، والرأس الأخضر. (انظر: الجدول 4).
يُعزى هذا التراجع بشكل رئيسي إلى التحديات القائمة التي لا تزال تواجه دول إفريقيا جنوب الصحراء والتي تُكرِّس إخفاقها في بناء صورة عالمية قوية تتجاوز الصورة النمطية التي تروِّج لها وسائل الإعلام، كما أن تفاقم الصراعات العنيفة وغياب الاستقرار السياسي في دول مثل جنوب السودان، والصومال، والكونغو الديمقراطية، يُمثل عاملاً رئيساً في تقويض سمعة هذه الدول وإضعاف قوتها الناعمة. وفي هذا السياق أيضاً، تشير بعض الأبحاث إلى أن التصوير الإعلامي السلبي وغياب إستراتيجيات فعَّالة لتعزيز العلامات التجارية الوطنية يساهمان في ضعف أداء هذه الدول في مجال القوة الناعمة التي تقوم على الجذب والإقناع[6].

رابعاً: أداء دول الإقليم على مستوى الركائز الأساسية لمؤشر القوة الناعمة لعام 2026م:
نستعرض في هذا المحور موقع أهم البلدان الإفريقية جنوب الصحراء في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، من خلال تحليل أداء تلك الدول وترتيبها ضمن عدد من الركائز الأساسية للمؤشر، على نحو ما يلي:
▪ التجارة والأعمال: لا تزال العوامل الرئيسية المؤثرة في السمعة الدولية، ولا سيما الأعمال والتجارة، تُمثل نقاط ضعف للعديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء. ومع ذلك، حققت بعض الدول، مثل جنوب إفريقيا، أداءً جيداً في هذا المؤشر، مدفوعةً باستقرار البيئة الاقتصادية وعضويتها في تكتل البريكس BRICS ومجموعة العشرين (G-20)، فضلاً عن قوة علاماتها التجارية التي تمارس دوراً حيويّاً في تعزيز ثقة المستثمرين ودعم القدرة التنافسية الاقتصادية لجنوب إفريقيا على المدى الطويل. وبحسب الإصدار الجديد من مؤشر القوة الناعمة لهذا العام، تراجعت جنوب إفريقيا أربعة مراكز في مجال الأعمال والتجارة لتحتل المركز 54 عالميّاً، بما في ذلك تراجعها ستة مراكز في سهولة ممارسة الأعمال، في المقابل تقدّمت مركزين في مؤشر إمكانات النمو المستقبلي لتحتل المركز السابع، مما يُعزز الثقة الدولية في آفاق النمو المستقبلية لجنوب إفريقيا.
▪ التعليم والعلوم: بحسب مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، تواجه دول إفريقيا جنوب الصحراء تحديات كبيرة في مجالي التعليم والعلوم مقارنةً بدول أخرى خارج الإقليم، سواءٌ في شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط. وتتصدر جنوب إفريقيا دول الإقليم في هذا المؤشر بفضل جامعاتها وسمعتها الأكاديمية المرموقة، تليها موريشيوس وناميبيا وكينيا، فيما حققت معظم البلدان الإفريقية جنوب الصحراء أداءً ضعيفاً للغاية في هذا المجال واحتلت مراكز متأخرة ضمن الترتيب العالمي.
▪ جاذبية السياحة: وفقاً لتقرير مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، تظهر دول إفريقيا جنوب الصحراء في مراتب منخفضة على صعيد جاذبية السياحة، على الرغم من امتلاكها مناطق ومدن غنية بالتراث المعماري والثقافي الإفريقي، ويعود ذلك إلى تحدياتٍ تتعلق بضعف البنية التحتية ونقص الاستثمارات في القطاع السياحي. وفي هذا الإطار، تحتل موريشيوس وجنوب إفريقيا وسيشيل المراتب الأولى بين دول الإقليم في المؤشر ذاته، بفضل بنيتها التحتية السياحية المتقدمة وميزاتها التنافسية، ورغم ذلك؛ تُصنف هذه الدول عالميّاً ضمن فئة «الجاذبية المتوسطة».
▪ الريادة الرياضية: تُمثل الرياضة أكثر المجالات الثقافية جاذبيةً على مستوى العالم، ومن ثَمّ تُعدّ مؤشراً قوياً للقوة الناعمة. وفي هذا السياق، حققت بلدان إفريقيا جنوب الصحراء تقدّماً ملحوظاً في مجال الريادة الرياضية، بوصفها أكثر الوسائل تأثيراً لإظهار الدول هوياتها وقيمها؛ إذ احتلت الكاميرون المرتبة (14) عالميّاً، متبوعةً بالسنغال التي جاءت في المركز (17)، ثم نيجيريا في المركز (20)، وكينيا في المركز (25) عالميّاً.
خاتمة:
في ضوء القراءة السابقة لموقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في المؤشر العالمي للقوة الناعمة لعام 2026م، يتبين أن هناك تفاوتاً واضحاً بين أداء دول الإقليم، سواءٌ على مستوى المؤشر العام أو على مستوى بعض الركائز الأساسية للمؤشر، فبينما تمكَّنت بعض الدول من إحراز تقدّم ملحوظ بانتزاعها ترتيباً عاماً ضمن قائمة أفضل 100 دولة، مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا وتنزانيا، فإن غالبية دول الإقليم، في المقابل، حققت أداءً ضعيفاً ومتواضعاً للغاية. كما كشف التقرير أن العديد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء لا تزال تواجه تحديات هائلة تَحُدّ من جاذبيتها وقوتها الناعمة، من بينها تدنّي سمعتها في مجالات حيوية كالحوكمة والتجارة والأعمال، وأيضاً التصوير الإعلامي السلبي الذي يقوّض السياحة ويَحُدّ من فرص الاستثمار الأجنبي.
مع ذلك، تمتلك دول إفريقيا جنوب الصحراء، بحسب مؤسسة براند فاينانس البريطانية، فرصاً واعدةً لتحسين أدائها الضعيف في مؤشر القوة الناعمة، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب العمل على تعزيز سمعتها وتغيير الصورة النمطية (التقليدية) التي يروِّج لها الإعلام العالمي، من خلال تطوير إستراتيجيات وطنية شاملة تعكس ثقافتها وقيمها بشكل أفضل، وتسويق تراثها وعلاماتها التجارية بفعالية أكبر. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب تجاوز هذا التصنيف المتدنّي في مؤشر القوة الناعمة تعزيز الدبلوماسية الثقافية واعتماد إستراتيجيات مبتكرة للتسويق الإستراتيجي، إلى جانب الاستفادة من أدوات الدبلوماسية الرقمية لتحسين الصورة الدولية للبلدان الإفريقية وبناء هوية وطنية أكثر جاذبيةً وتأثيراً.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والهوامش:
[1] علي باكير، «نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة»، مجلة سياسات عربية، المجلد 9، العدد 53، نوفمبر 2021م، ص78.
[2] مها محسن سليمان، «القوى الناعمة.. سلاح القرن دفاعًا وهجومًا»، موقع السياسة الدولية، 30 أبريل 2023م، متاح على: https://2u.pw/NaJnG
[3] نديم ناصيف، «قياس قدرات الدول على استخدام الرياضة أداة للقوة الناعمة: مؤشر القوة الرياضية العالمية»، مجلة سياسات عربية، المجلد 10، العدد 57، يوليو 2022م، ص49.
[4] Global Soft Power Index 2026, London, Brandfinance, (2026), available at: https://n9.cl/dm6yix
[5] غزوان المنهلاوي، «مؤشر القوة الناعمة»، مركز البيدر للدراسات والتخطيط، بغداد، سبتمبر 2024م، ص2.
[6] Global Soft Power Index 2026: Africa’s fragile position on the world stage, Africa News Agency, 11 February 2026, available at: https://n9.cl/n72ha










































