مقدمة:
تدخل جمهورية نيجيريا الاتحادية مرحلة سياسية مفصلية مع اقتراب الانتخابات العامة التي سيتم إجراؤها في يناير عام 2027م، في ظل تحولات متسارعة في الخريطة الحزبية والتحالفات السياسية، وتصاعد حدة التنافس بين السلطة والمعارضة. ووفقاً للمراقبين، فإن أهمية الانتخابات المقبلة لا تقتصر على اختيار رئيس جديد أو تجديد ولاية الرئيس الحالي، وإنما تتجاوز ذلك إلى كونها اختباراً لموازين القوة التي أخذت تتشكل خلال السنوات الأخيرة، ولمستقبل النظام الحزبي والديمقراطي في أكبر دولة إفريقية من حيث النفوذ والسكان والاقتصاد.
وفور وصول الرئيس بولا أحمد تينوبو إلى السلطة عام 2023م، قام بتنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية أعادت تشكيل البيئة التي تتحرك فيها القوى الحزبية. وفي هذا السياق، واجهت حكومته ضغوطاً اجتماعية وأخرى اقتصادية ترتبط بارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات أمنية مستمرة، واتهامات تتعلق بالتصرف بالمال العام خارج الموازنة، ما وفّر للمعارضة أرضية سياسية بشأن الطعن في مصداقية هذه الإصلاحات، وهو ما أدى إلى تأجيج السخط الشعبي، غير أن الاستفادة من هذا السخط ظلت ترتبط بقدرة المعارضة على تجاوز التمحور حول الشخصية ومعالجة الانقسامات الإقليمية والحزبية من أجل تقديم بديل انتخابي موحّد.
محاور المقال:
1- التحولات في بنية النظام السياسي النيجيري.
2- معسكر السلطة ومحاولة تثبيت الهيمنة السياسية.
3- المعارضة وأزمة البحث عن المرشح الموحد.
4- الجغرافيا السياسية وإعادة توزيع القوة الانتخابية.
5- المجتمع والاقتصاد ودورهما في تحديد اتجاه التصويت.
6- المؤسسات الانتخابية ومستقبل العملية الديمقراطية.
7- سيناريوهات محتملة لموازين القوة قبل انتخابات 2027.
1) التحولات في بنية النظام السياسي النيجيري:
- من التنافس الحزبي إلى إعادة تشكيل موازين القوة:
تُعتبر السياسة النيجيرية سياسة متميزة بتداخل الاعتبارات الحزبية والإقليمية والشخصية في تحديد اتجاهات المنافسة الانتخابية. ولذلك، فإن دراسة الانتخابات الرئاسية لا يمكن أن تقتصر على البرامج السياسية الرسمية للأحزاب، بل ينبغي أن تشمل شبكة التحالفات بين النخب السياسية والحكام المحليين والقيادات الحزبية والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
وقد شهدت السنوات التي أعقبت انتخابات عام 2023م تغيرات سياسية مهمة، وذلك من خلال ابتعاد عدد من السياسيين والشخصيات من حزب مؤتمر جميع التقدميين الحاكم في محاولاتٍ مستمرة لإعادة بناء جبهة معارضة قادرة على منافسة الحزب الحاكم. وفي هذا السياق، ظهر مشروع ائتلاف معارض يهدف إلى جمع قوى سياسية متباينة تحت مظلة واحدة، مما يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرارية التشرذم بين المعارضة قد يمنح الحزب الحاكم أفضلية انتخابية كبيرة.
وتكتسب هذه التحولات أهميةً خاصة بالنظر إلى نتائج انتخابات 2023، التي فاز فيها الرئيس تينوبو بنحو 35% من الأصوات، بينما حصل المرشحون المعارضون مجتمعين على نسبة أكبر بكثير، لكنهم تنافسوا بصورة منفصلة. وهذا يعني أن السؤال الأساسي في انتخابات 2027 ليس فقط حجم التأييد للرئيس، بل أيضاً قدرة المعارضة على منع تشظي أصواتها.
وتشير التطورات السياسية خلال عام 2026م إلى أن المعركة الانتخابية لا تدور فقط بين الرئيس تينوبو ومنافسيه، وإنما حول إعادة توزيع النفوذ داخل النظام السياسي نفسه، فحزب مؤتمر جميع التقدميين الحاكم APC، يسعى إلى تثبيت موقعه وتحويل تفوقه المؤسسي والتنظيمي إلى ولاية رئاسية ثانية. في حين تحاول قوى المعارضة، وفي مقدمتها شخصيات مثل أتيكو أبوبكر وبيتر أوبي، بناء تحالف قادر على تجميع أصوات المعارضة ومنع تكرار انقسام انتخابات 2023.
- أهمية التحالفات السياسية في ظل مواجهة الحزب الحاكم:
تُعتبر التحالفات السياسية عنصراً مركزياً في الإستراتيجية الانتخابية النيجيرية؛ لأن المعارضة تدرك أن المنافسة ضد الحزب الحاكم الذي يتمتع بموارد تنظيمية ومؤسسية واسعة تتطلب بناء ائتلاف يتجاوز حدود حزب واحد. لكن التحالفات لا تعني بالضرورة الوحدة بين الأحزاب السياسية المعارضة، إذ يمكن أن تتحول إلى مصدر للصراع إذا اختلفت القوى المشاركة حول مرشح رئاسي أو توزيع مناصب أو قيادة مستقبلية، حيث ظهرت خلال 2026 مؤشرات على صعوبة الوصول إلى توافق بين أبرز الشخصيات المعارضة، وهو ما يضع مستقبل أي تحالف موحد أمام اختبار حقيقي.
ومن ثَمّ، فإن التحالف السياسي الناجح، بالنظر إلى وضع جمهورية نيجيريا، لا يحتاج إلى جمع الأحزاب وحشد جهودها في مواجهة الانتخابات المقبلة فقط، وإنما يحتاج إلى بناء توافق انتخابي قابل للتنفيذ، يجمع بين القيادة الموحدة والقدرة التنظيمية والتوزيع الجغرافي للأصوات بناءً على مناطقها السياسية الست.
2) معسكر السلطة ومحاولة تثبيت الهيمنة السياسية:
- الرئيس تينوبو وميزة شاغل المنصب:
كان الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو يمتلك مجموعة من عناصر القوة التي تمنحه أفضلية أولية في السباق الانتخابي لعام 2027م، فهو شاغل منصب الرئاسة، ويقود الحزب الحاكم، ويتمتع بشبكة سياسية واسعة تمتد إلى عدد كبير من الولايات والفاعلين السياسيين.
وتؤكد أهمية هذه الميزة طبيعة النظام السياسي النيجيري، حيث تلعب شبكات الحزب والسلطات المحلية دوراً مهماً في تعبئة الناخبين وتنظيم الحملات الانتخابية. ولذلك، فإن امتلاك الحزب الحاكم لقاعدة تنظيمية واسعة يمنحه قدرة على تحويل الموارد السياسية والتنظيمية إلى حضور انتخابي فعلي. وانطلاقاً من هذا، فقد دخلت الحملة السياسية لعام 2027م مرحلةً أكثر وضوحاً خلال أغسطس 2026م مع إعلان بدء الحملات الرئاسية رسمياً، مما جعل الصراع بين معسكر الرئيس تينوبو والمعارضة أكثر مباشرةً وحيويةً.
ويرى المراقبون أن الرئيس تينوبو استطاع منذ وصوله إلى السلطة أن يرتب عملية الانتخابات المقبلة التي ستسير لصالح إعادة انتخابه للدورة الثانية، من خلال إسناد السلطة المالية والاقتصادية إلى أقرب المقربين إليه، وتقريب الفاعلين السياسيين من الشمال النيجيري إليه، مع الاحتفاظ بالعلاقات الطيبة مع شبكة من علماء الدين- خصوصاً من المسلمين- الذين روجوا لصالح انتخابه في عام 2023م.
- الإصلاحات الاقتصادية سلاح ذو حدين:
تمثل السياسة الاقتصادية لحكومة الرئيس بولا تينوبو أهم العوامل التي ستؤثر في الانتخابات في نيجيريا، فإن الإصلاحات التي اتخذتها حكومة تينوبو، وعلى رأسها إنهاء دعم الوقود، وإعادة هيكلة سياسات سعر الصرف الأجنبي، ورفع حصيلة الضرائب، هدفت إلى معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية التي تعاني منها نيجيريا- وفقاً للحكومة. لكنها في الوقت نفسه رفعت تكلفة المعيشة وفرضت ضغوطاً كبيرة على قطاعات واسعة من المجتمع، ما أدى إلى الطعن في مدى نجاح هذه الإصلاحات، وانعكس ذلك سلباً على مصداقية الحكومة، مما أثار سخطاً شعبياً واسعاً، باستثناء نخبة سياسية ومالية ودينية تستفيد مادياً من النظام.
ومن هنا تظهر معضلة سياسية أساسية أمام حكومة البلاد، فنجاح الإصلاحات من منظور الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة نجاحها انتخابياً؛ لأن الناخب يهتم بدرجة كبيرة بالأسعار والدخل والوظائف والأمن وصعوبة مستوى المعيشة، وبالتالي فإن قدرة الحكومة على إقناع المواطنين بأن الإصلاحات الحالية ستقود إلى تحسن ملموس في المستقبل ستكون عنصراً حاسماً في تحويل الإنجازات الاقتصادية المعلنة إلى دعم انتخابي.
مؤخراً، أثارت تصريحات نائب الرئيس النيجيري السابق والمرشح الانتخابي لحزب المؤتمر الديمقراطي الإفريقي ADC أتيكو أبوبكر، بشأن إنهاء دعم الوقود وفتح الحدود لإنعاش التجارة، جدلاً واسعاً على مستوى الحزب الحاكم والشرائح الاجتماعية، حيث انتقد أتيكو الرئيس تينوبو انتقاداً لاذعاً بشأن إنهاء دعم الوقود خلال خطاب تنصيبه رئيساً لنيجيريا دون دراسة عواقب الأمر، وتعهد أتيكو بإعادة الدعم في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية المقبلة.
وفي المقابل، انبرت مجموعة من أعضاء الحكومة النيجيرية، وعلى رأسهم الرئيس تينوبو، للرد على تصريحات أتيكو، متهمين إياه بالجهل بالنظام الاقتصادي، مما يؤكد أن تلك التصريحات قد نالت قبولاً وشعبيةً لدى المجتمع النيجيري، وبالتالي قد تؤثر في الانتخابات الرئاسية المقبلة لصالح المعارضة. ونتيجةً لذلك، عقد الرئيس تينوبو اجتماعاً طارئاً مع الجهات المسؤولة عن الوقود بشأن تخفيض سعره.
- الأمن بوصفه عاملاً انتخابياً:
لا يمكن فصل السياسة النيجيرية عن قضية الأمن، فالإرهاب والاختطاف والجريمة المنظمة والصراعات المحلية لا تؤثر في الاستقرار السياسي فقط، ولكن تؤثر كذلك في سلوك الناخبين وثقتهم في مؤسسات الدولة، وفي حالة استمرارية التحديات الأمنية التي لا تزال تكتسح مناطق جديدة بعد المناطق الشمالية. وفي هذا السياق، ستواجه حكومة تينوبو سؤالاً مباشراً بشأن قدرتها على حماية المواطنين.
وفي المقابل، يمكن للمعارضة استثمار هذه القضية لتقديم نفسها باعتبارها بديلاً قادراً على إعادة بناء منظومة الأمن، وبذلك يتحول الأمن من قضية حكومية إلى عامل لإعادة توزيع الشرعية السياسية بين السلطة والمعارضة.
وفي هذه الأجواء، يأتي تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في شؤون أمن نيجيريا بمزاعم الإبادة المسيحية في نيجيريا، وشنها غارات على مواقع الإرهابيين، وعقد اتفاقية أمنية بين حكومتي البلدين بنودها غير معلنة، ليزيد الموقف تعقيداً، وهو ما جعل شفافية الحكومة النيجيرية على المحك، وبالتالي انعكس ذلك سلباً على مصداقية حكومة تينوبو وقدرتها على مواجهة التحديات الأمنية في البلاد، مما أعطى المعارضة أرضيةً واسعةً للانتقاد.
3) المعارضة وأزمة البحث عن المرشح الموحد:
- أتيكو أبوبكر وبيتر أوبي وإعادة بناء المعارضة:
يُعدّ نائب الرئيس النيجيري السابق والمرشح الرئاسي لحزب المؤتمر الديمقراطي الإفريقي ADC أتيكو أبوبكر، والمرشح الرئاسي لحزب المؤتمر الديمقراطي النيجيري NDC بيتر أوبي، من أبرز الأسماء التي يمكن أن تؤثر في المنافسة الرئاسية، غير أن وجود شخصيات ذات شعبية انتخابية لا يعني تلقائياً وجود معارضة موحدة.
فقد أظهرت تجربة انتخابات عام 2023م أن أصوات المعارضة يمكن أن تكون كبيرة في مجموعها، لكنها تفقد جزءاً مهماً من تأثيرها عندما تتوزع بين عدة مرشحين؛ ولهذا تحاول قوى معارضة مختلفة بناء ائتلاف جديد، يهدف إلى تقديم مرشح قادر على جمع أصوات من مناطق وشرائح اجتماعية مختلفة. وقد كشفت التحركات السياسية خلال عام 2026م عن استمرار هذا المسعى، مع بقاء الخلاف حول القيادة والمرشح النهائي من أكبر العقبات أمام المشروع.
- مشكلة الطموحات الشخصية:
تُعدّ مشكلة الطموحات الشخصية أكبر نقاط ضعف المعارضة في التنافس بين الشخصيات بدلاً من التنافس بين المشاريع السياسية، فكلما أصر أكثر من مرشح على خوض السباق الرئاسي ازدادت احتمالات تشتت الأصوات، وهو ما قد يصب في مصلحة الحزب الحاكم.
ولهذا، فإن السؤال الأكثر أهمية أمام المعارضة ليس: من هو المرشح الأكثر شعبية؟ وإنما: من هو المرشح القادر على بناء أكبر ائتلاف انتخابي؟ وهذا فرق جوهري بين الشعبية الشخصية والقابلية الانتخابية.
وفي ضوء ذلك، اتهمت المعارضة الرئيس تينوبو بزرع الموالين للحزب الحاكم داخل الأحزاب المعارضة، حيث لا تزال هذه الأحزاب تعاني من معضلة صراع في قيادتها، وعلى رأسها حزب المؤتمر الديمقراطي الإفريقي ADC وحزب المؤتمر الديمقراطي النيجيري NDC وحزب الشعب الديمقراطي PDP، مع الاستعانة بالمحاكم في تأجيل وتعطيل القضاء بشأن حسم الخصومات.
4) الجغرافيا السياسية وإعادة توزيع القوة الانتخابية:
- التحدي الجغرافي:
تحتاج المعارضة إلى بناء تحالف يتجاوز الحدود الإقليمية، لأن نجاح مرشح رئاسي في نيجيريا يتطلب قاعدة وطنية واسعة، وليس مجرد الفوز الساحق في منطقة واحدة. ومن هنا يصبح التوازن بين مناطق الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب، وبين المراكز الحضرية والمناطق الريفية، عنصراً حاسماً في تشكيل أي تحالف ناجح.
تظل الجغرافيا السياسية من أهم محددات السياسة النيجيرية، فالتنافس الانتخابي يتأثر بالانقسامات الإقليمية والعرقية والدينية، لكنه لا يمكن اختزاله فيها، إذ تتفاعل هذه العوامل مع أداء الحكومة والاقتصاد وشبكات الأحزاب. ويكتسب الجنوب الغربي أهميةً خاصة بالنسبة إلى تينوبو بسبب ارتباطه السياسي والإقليمي بالمنطقة، بينما يمثل الشمال ساحةً حاسمة بثقله الانتخابي الكبير لعددٍ من ولاياته التسع عشرة.
وفي المقابل، تحاول المعارضة توسيع حضورها في المناطق التي يمكن أن توفر لها كتلة أصوات كبيرة، بدلاً من الاكتفاء بمعاقلها التقليدية. ومن هنا فإن الانتخابات المقبلة يمكن النظر إليها باعتبارها معركةً لإعادة ترسيم الخريطة الانتخابية أكثر من كونها مجرد منافسة على أصوات الناخبين. فالتحالف الذي يستطيع الجمع بين قاعدة جنوبية قوية وحضور معتبر في الشمال والوسط ستكون لديه فرصة أكبر في بناء أغلبية وطنية.
5) المجتمع والاقتصاد ودورهما في تحديد اتجاه التصويت:
- تكلفة المعيشة والسخط الشعبي:
تُعتبر تكلفة المعيشة من أهم المتغيرات التي يمكن أن تعيد تشكيل السلوك الانتخابي، فإذا شعر المواطن بأن الإصلاحات الحكومية لم تؤد إلى تحسن ملموس في حياته اليومية، فقد يتحول الاقتصاد إلى أداة لمعاقبة الحكومة انتخابياً.
لكن السخط وحده لا يكفي لإحداث تغيير سياسي، فالسخط يحتاج إلى قناة سياسية قادرة على تحويله إلى أصوات، وهذه القناة هي التي تحاول المعارضة بناءها عبر التحالفات الجديدة.
- الشباب والجيل الجديد من الناخبين:
يمثل الشباب عنصراً متزايد الأهمية في السياسة النيجيرية، خصوصاً مع توسع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتغير طرق الوصول إلى المعلومات السياسية. وقد أظهرت تجربة الانتخابات السابقة أن الحركات السياسية الجديدة يمكن أن تبني قواعد انتخابية خارج الهياكل الحزبية التقليدية، إلا أن تحويل الحضور الرقمي إلى أصوات فعلية يتطلب تنظيماً ميدانياً، وهو أحد الفروق الأساسية بين الحركات الشعبية والأحزاب السياسية التقليدية.
6) المؤسسات الانتخابية ومستقبل العملية الديمقراطية:
لا يكتمل تحليل موازين القوة من دون دراسة دور اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات INEC، فاللجنة تواجه مهمة مزدوجة تتمثل في تنظيم انتخابات تنافسية وذات مصداقية، وفي الوقت نفسه تنفيذ الإصلاحات القانونية والتقنية التي تهدف إلى معالجة المشكلات التي ظهرت في الانتخابات السابقة.
وقد أعلنت اللجنة أنها قامت بتحديث لوائحها المتعلقة بالأحزاب والعملية الانتخابية بما يتوافق مع قانون الانتخابات لعام 2026م، في إطار الاستعداد للانتخابات العامة المقبلة. وتكتسب استقلالية المؤسسات الانتخابية أهمية مضاعفة في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب، لأن قبول النتائج لا يعتمد فقط على الفائز، بل على درجة ثقة الخاسرين والناخبين في العملية التي أنتجت تلك النتائج.
وبما أن شرعية انتخابات 2027 مرتبطة بثلاثة عناصر، وهي نزاهة العملية، وشفافية إدارة الانتخابات، وقدرة المؤسسات على التعامل مع النزاعات الانتخابية بصورة مقنعة، فإن المعارضة وكثيراً من القيادات الشعبية والدينية يشتكون من عدم نزاهة رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات INEC، بناءً على الخلفية السابقة عنه بشأن مذكرته التي روجت لمزاعم الإبادة الجماعية بحق المسيحيين في نيجيريا.
7) سيناريوهات محتملة لموازين القوة قبل انتخابات 2027:
يمكن تحديد أربعة سيناريوهات رئيسية محتملة لوضع موازين القوة في الانتخابات العامة في نيجيريا عام 2027م على النحو التالي:
1- استمرار أفضلية الحزب الحاكم:
قد يحافظ حزب مؤتمر جميع التقدميين الحاكم APC على تماسكه، بينما تستمر الأحزاب السياسية المعارضة في الانقسام بين عدة قيادات ومرشحين، وفي هذه الحالة يستفيد الرئيس تينوبو من الجمع بين قوة المنصب وقوة الحزب وتشتت منافسيه.
2- توحيد الأحزاب السياسية المعارضة:
يتمثل هذا الحدث في اتفاق القوى المعارضة الرئيسية على مرشح واحد، مع توزيع واضح للأدوار داخل التحالف. وإذا تمكن هذا المرشح من الجمع بين معسكر أتيكو وبيتر وغيرهما، فقد تتحول الانتخابات العامة إلى منافسة أكثر تقارباً. وهذا ما يثير أكبر قدر من القلق داخل معسكر الحزب الحاكم، ولذلك فإن قدرة المعارضة على الوصول إلى هذا النوع من الوحدة ستكون أحد أهم محددات انتخابات 2027.
3- تفاقم الأزمة الاقتصادية والأمنية:
وفي حال تزايد الضغوط الاقتصادية وتدهور الأوضاع الأمنية بصورة ملموسة، فقد يتحول التصويت إلى استفتاء على أداء حكومة تينوبو، الأمر الذي يمكن أن يُضعف ميزة تينوبو بوصفه شاغل المنصب.
4- ظهور تحالف سياسي جديد:
قد تشهد الأشهر السابقة للانتخابات إعادة تشكيل للتحالفات تتجاوز الأحزاب التقليدية، بحيث تظهر كتلة سياسية قادرة على استقطاب الناخبين من مناطق مختلفة، وفي هذه الحالة قد لا تكون انتخابات 2027 استمراراً مباشراً لخريطة 2023، بل بداية لإعادة تشكيل النظام الحزبي النيجيري.
خاتمة:
يتضح من تحليل المشهد السياسي النيجيري أن انتخابات 2027 لا تمثل مجرد سباق رئاسي بين مرشحين، وإنما تُشكّل لحظة لإعادة صياغة موازين القوة داخل النظام السياسي. فالرئيس بولا أحمد تينوبو يدخل المنافسة من موقع مؤسسي وتنظيمي قوي، مستفيداً من سيطرة الحزب الحاكم وشبكة واسعة من التحالفات السياسية. غير أن هذه القوة تواجه تحديات مرتبطة بالاقتصاد والأمن وتكلفة المعيشة، وهي ملفات يمكن أن تتحول إلى مصادر ضغط انتخابي على الحكومة.
وفي المقابل، تمتلك المعارضة فرصة سياسية مهمة تتمثل في وجود حالة من السخط الشعبي، ووجود شخصيات سياسية ذات قواعد انتخابية معتبرة، إلا أن هذه الفرصة تظل مشروطة بقدرتها على تجاوز الانقسامات. فقد أثبتت انتخابات 2023 أن تعدد المرشحين يمكن أن يؤدي إلى توزيع أصوات المعارضة بصورة تسمح للحزب الحاكم بالفوز رغم عدم حصوله على أغلبية مطلقة من أصوات الناخبين. وتشير التطورات خلال 2026 إلى أن معركة توحيد المعارضة لا تزال غير محسومة.
وعليه، فإن العامل الأكثر حسماً في انتخابات 2027 قد لا يكون مستوى شعبية أي مرشح بمفرده، وإنما القدرة على بناء ائتلاف انتخابي واسع قادر على تحويل التأييد الشعبي إلى قوة تنظيمية وأصوات فعلية عبر مختلف الأقاليم، كما أن الجغرافيا السياسية والاقتصاد والأمن والشباب والمؤسسات الانتخابية ستتفاعل مع العامل الحزبي لتحديد النتيجة النهائية. ومن ثَمّ، فإن الصراع السياسي في نيجيريا خلال المرحلة المقبلة يمكن فهمه باعتباره صراعاً على ثلاثة مستويات متداخلة: الحفاظ على السلطة، وإعادة بناء المعارضة، وإعادة تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية التي تحدد من يملك القدرة على الحكم.











































