مقدمة:
تشهد الساحة العالمية خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في مستويات التوتر وعدم الاستقرار، نتيجة تزايد الصراعات المسلحة واحتدام المنافسات الجيوسياسية بين القوى الإقليمية والدولية. فقد شكَّلت الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب في غزة، والتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، محطات بارزة عكست حجم التحولات التي يشهدها العالم المعاصر.
ولم تقتصر آثار هذه الصراعات على حدودها الجغرافية المباشرة، بل امتدت لتُحْدِث تداعيات اقتصادية وإنسانية وأمنية واسعة النطاق، أسهمت في تعميق حالة عدم اليقين وأثَّرت في مستويات الاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وفي خِضَمّ هذه التحوُّلات المتسارعة، تصاعد الاهتمام الدولي بقضايا السِّلم والأمن، في ظل تنامي المخاوف من اتساع نطاق الصراعات وتزايد التهديدات العابرة للحدود. وأصبحت متابعة اتجاهات السلام العالمي وتحليل مؤشراته ضرورة لفهم طبيعة البيئة الدولية الراهنة واستشراف مساراتها المستقبلية.
وفي هذا السياق، يبرز مؤشر السلام العالمي Global Peace Index كأداة تحليلية مرجعية لرصد اتجاهات السلم والأمن على مستوى العالم، وقياس مستويات الاستقرار في مختلف الدول والمناطق، وذلك من خلال مجموعة من المؤشرات التي تقيس مستويات الأمن المجتمعي، والصراعات الجارية، ودرجة العسكرة، بما يتيح تتبُّع التحولات التي يشهدها النظام الدولي في ظل تصاعد النزاعات وتزايد التوترات الجيوسياسية.
تأسيسًا على ذلك، يحاول هذا المقال تقديم قراءة تحليلية لنسخة مؤشر السلام العالمي الصادرة عام 2026م، من خلال استعراض الاتجاهات الرئيسة التي تكشفها نتائجه على المستوى العالمي، بما في ذلك موقع القارة الإفريقية ضمن هذه النتائج، عبر رَصْد مستويات السلام والاستقرار بين دولها، وتحليل أبرز العوامل السياسية والأمنية المؤثرة في واقع السِّلم بالقارة، بما يسهم في فَهْم موقع إفريقيا ضمن المشهد العالمي للسلام والاستقرار، وذلك من خلال المحاور الرئيسية التالية:
أولًا: مدخل تمهيدي لمؤشر السلام العالمي 2026م.
ثانيًا: مفهوم السلام وآليات القياس في المؤشر العالمي.
ثالثًا: المشهد العالمي لحالة السلام 2026م… أبرز التحولات والاتجاهات.
رابعًا: السلام في إفريقيا جنوب الصحراء… الأداء الإقليمي والتحديات الأمنية وفق مؤشر 2026م.
خاتمة.
أولًا: مدخل تمهيدي لمؤشر السلام العالمي 2026م
يُعدّ مؤشر السلام العالمي الصادر في يونيو 2026م عن معهد الاقتصاد والسلام -ومقره سيدني- أحد أبرز المؤشرات الدولية المعنية بقياس مستويات السلام والأمن والاستقرار في العالم منذ إطلاق النسخة الأولى عام 2008م -حيث يغطي 163 دولة وإقليمًا، أي حوالي 99.7% من سكان العالم-؛ إذ يوفّر قاعدة بيانات تحليلية تساعد الباحثين وصُنّاع القرار والمؤسسات الدولية والكيانات المعنية ببناء السلام، على فهم اتجاهات الصراعات والعنف وتطورها عبر الزمن. وتنبع أهمية تقرير عام 2026م -وهي النسخة العشرين من التقرير-، من كونه يأتي في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار عدد من النزاعات المسلحة كما أوردنا سلفًا، فضلًا عن بروز تحديات جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا، ولا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي.
أما عن بِنْيته، فيتكوّن المؤشر من 5 أقسام رئيسة إلى جانب الملاحق المنهجية. يعرض القسم الأول النتائج العامة للمؤشر، وترتيب الدول وأبرز التحسنات والتراجعات المسجَّلة في مستويات السلام عالميًّا. أما القسم الثاني فيتناول الاتجاهات الرئيسة المرتبطة بالسلام والصراعات والتحولات الجيوسياسية. فيما يركّز القسم الثالث على التداعيات الاقتصادية للعنف والصراعات وتكلفتها على الاقتصاد العالمي. بينما يُخصّص القسم الرابع لدراسة آليات انتشار النزاعات وتأثيراتها الإقليمية والعابرة للحدود. أما القسم الخامس والأخير فيُناقش العلاقة المتنامية بين الذكاء الاصطناعي وقضايا الصراع والسلام، مستعرضًا المخاطر والفرص التي تَطرحها هذه التقنيات على مستقبل الأمن والاستقرار العالميين، قبل أن يَختتم التقرير بمجموعة من الملاحق التي تُوضّح منهجية قياس حالة السلام وفقًا للمؤشر ومصادر بياناته، وغيرها من معايير التصنيف التي يستند إليها التقرير.
ثانيًا: مفهوم السلام وآليات القياس في المؤشر العالمي
يُعدّ السلام من المفاهيم المُركّبة التي يصعب تحديدها بتعريف جامع ودقيق؛ نظرًا لتعدُّد أبعاده واختلاف السياقات التي يُستخدَم فيها. ومن أكثر التعريفات شيوعًا النظر إلى السلام بوصفه حالة من الانسجام والاستقرار تتحقق في ظل غياب العنف أو الخوف من العنف، وهو ما يُعْرَف بمفهوم السلام السلبي (Negative Peace)، ويُعدّ هذا المفهوم مُكمّلًا لمفهوم السلام الإيجابي (Positive Peace)، الذي يشير إلى مجموعة المواقف والمؤسسات والبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القادرة على بناء مجتمعات مستقرة وسلمية والحفاظ عليها على المدى الطويل.
وانطلاقًا من هذا التصوُّر، يُركّز مؤشر السلام العالمي على قياس السلام السلبي باعتباره الجانب الأكثر قابلية للقياس والمقارنة بين الدول؛ من خلال رَصْد مستويات العنف والصراعات ومظاهر انعدام الأمن. وفي الوقت ذاته، يستند المؤشر إلى فَهْم أوسع للسلام يربط بين الاستقرار المستدام ووجود مؤسسات فعَّالة، وسيادة القانون، وارتفاع مستويات الثقة والتماسك المجتمعي، وهي العناصر التي تُشكّل الأساس النظري للسلام الإيجابي.
ويعتمد المؤشر على منهجية كمية لتقييم مستويات السلام في 163 دولة وإقليمًا، عبر 23 مؤشرًا فرعيًّا تُقاس من خلالها درجة غياب العنف أو الخوف منه، كما سيوضح الشكل رقم (1). وتُصنّف هذه المؤشرات ضمن 3 مجالات رئيسة هي: النزاعات المحلية والدولية الجارية، ومستوى الأمن والسلامة المجتمعية، ودرجة العسكرة. وتُستمدّ البيانات من مصادر دولية موثوقة ومراكز بحثية متخصصة، ثم تُمنَح الدول درجات تتراوح بين 1 و5، بحيث تعكس الدرجات الأقل مستويات أعلى من السلام.
ويتضمّن محور النزاعات الجارية عدة مؤشرات؛ منها: عدد النزاعات الداخلية والخارجية، وعدد الضحايا الناتجين عنها، وشدة الصراعات، وطبيعة العلاقات مع الدول المجاورة. أما محور الأمن والسلامة المجتمعية فيقيس مستويات الجريمة العنيفة، والاستقرار السياسي، والإرهاب، وأعداد اللاجئين والنازحين، ومعدلات جرائم القتل والسجن وانتشار الأجهزة الأمنية. بينما يركز محور العسكرة على حجم الإنفاق العسكري، وأعداد القوات المسلحة، وتجارة الأسلحة، والمشاركة في عمليات حفظ السلام، وامتلاك الأسلحة الثقيلة والنووية. ومن خلال تجميع هذه المؤشرات وترجيحها إحصائيًّا، يُقدّم المؤشر صورة شاملة لمستويات السلام والاستقرار في العالَم واتجاهاتها عبر الزمن.
من جهة أخرى، يستند المؤشر على نظام ترجيح يهدف إلى عكس الأهمية النسبية لمكونات السلام المختلفة. ويُقسَّم التقييم إلى بُعدين رئيسيين هما السلام الداخلي والسلام الخارجي؛ حيث يُمنح السلام الداخلي وزنًا أكبر يبلغ 60% من الدرجة النهائية للمؤشر، مقابل 40% للسلام الخارجي. ويستند هذا التوزيع إلى افتراض مفاده أن ارتفاع مستويات الاستقرار والأمن داخل الدولة يرتبط عادةً بانخفاض احتمالات انخراطها في نزاعات خارجية. وتخضع هذه الأوزان للمراجعة الدورية مِن قِبَل لجنة استشارية مِن الخبراء قبل إصدار كل نسخة من التقرير لضمان ملاءمتها للتطورات الدولية. ولتعزيز موثوقية النتائج، يُجري معهد الاقتصاد والسلام اختبارات دورية لقياس متانة المؤشر ومدى حساسيته لتغيّر الأوزان المخصصة للمؤشرات المختلفة. وتشير نتائج هذه الاختبارات إلى أن نحو 70% من المقارنات الثنائية بين الدول تبقى ثابتة بغض النظر عن التغييرات المحتملة في نظام الترجيح، وهو ما يعكس درجة مرتفعة من الاستقرار الإحصائي والموثوقية. وتُعدّ هذه المتانة المنهجية عاملًا مهمًّا في تعزيز قدرة المؤشر على تقديم صورة مقارنة دقيقة نسبيًّا عن مستويات السلام بين الدول واتجاهاتها عبر الزمن.
شكل رقم (1)
مؤشر السلام العالمي 2026م… البنية والأساس المفاهيمي

المصدر: استنادًا لنسخة مؤشر السلام العالمي الإنجليزية 2026م.
ثالثًا: المشهد العالمي لحالة السلام 2026م… أبرز التحولات والاتجاهات
يكشف مؤشر السلام العالمي لعام 2026م عن استمرار التراجع في مستويات السلام على الصعيد الدولي، مؤكدًا أن العالم يمر بمرحلة غير مسبوقة من الاضطراب والتوترات الجيوسياسية. ويرصد التقرير تراجعًا مستمرًّا في مستويات السلام العالمي للعام الثاني عشر على التوالي؛ حيث أصبحت النزاعات المسلحة المُحرّك الرئيس لهذا التدهور. ووفقًا للمؤشر، يشهد العالم حاليًّا أكبر عدد من الصراعات النشطة بين الدول والجماعات المسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بينما تضاعف تقريبًا عدد الدول المنخرطة في نزاعات خارجية مقارنة بعام 2008م. كما ارتفع الإنفاق العسكري العالمي للعام العاشر على التوالي، في وقتٍ لا تزال فيه أعداد ضحايا الحروب عند مستويات مرتفعة للغاية رغم انخفاضها عن ذروة عام 2023م. وقد أسهمت الحرب الأهلية في السودان، واستمرار الحرب في أوكرانيا، إلى جانب المواجهة العسكرية بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، في جعل البيئة الدولية أكثر هشاشة وعسكرة من أيّ وقتٍ مضَى منذ بدء إصدار المؤشر قبل نحو عقدين.
وبحسب التقرير، يوجد الآن 119 دولة أقل سلمًا مما كانت عليه في عام 2008م، وهو العام الذي نُشِرَ فيه مؤشر السلام العالمي لأول مرة -كما أوردنا سلفًا-، وقد كان الصراع هو المُحرّك الرئيسي لهذا التراجع طويل الأمد. ففي العام الماضي وحده، سجَّلت 99 دولة انخفاضًا في مستوى السلام، مقارنةً بـ62 دولة فقط شهدت تحسنًا، مع تدهور غالبية مؤشرات مؤشر السلام العالمي البالغ عددها 23 مؤشرًا، كما سجَّلت سبع من مناطق مؤشر السلام العالمي الثماني تدهورًا أيضًا.
ويربط التقرير هذه التطورات بتحوُّل هيكلي عميق في النظام الدولي يصفه بـ(التشظي الكبير- Great Fragmentation)، وهي مرحلة تتَّسم بتراجع النفوذ النسبي للقوى التقليدية، وصعود أدوار القوى المتوسطة والناشئة في إدارة التفاعلات الدولية. ويشير المؤشر إلى أن عدد القوى المتوسطة في العالم ارتفع بصورة ملحوظة منذ تسعينيات القرن الماضي، في مقابل تراجُع الوزن النسبي لبعض القوى الأوروبية الكبرى في الاقتصاد العالمي. وقد أدَّى هذا التحوُّل إلى زيادة حدة التنافس الجيوسياسي وتراجُع فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف، بالتزامن مع اتساع القيود التجارية وتصاعد النزعات القومية وارتفاع معدلات التسلح، الأمر الذي أسهم في خلق بيئة دولية أكثر استقطابًا وأقل قدرة على احتواء الأزمات.
كما يوضح التقرير، على نحو أكثر تفصيلًا، أن طبيعة الصراعات المعاصرة أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أيّ وقت مضى؛ حيث ارتفعت النزاعات الداخلية ذات الأبعاد الدولية بأكثر من 175% منذ عام 2010م، في مؤشر على تزايد التدخلات الخارجية في الحروب الأهلية والنزاعات المحلية. كما ارتفع عدد الدول المنخرطة في نزاع خارجي واحد على الأقل من 59 دولة خلال الفترة (2003- 2008م) إلى 103 دول في نسخة المؤشر لعام 2026م.
وعلى المستوى الإنساني، ارتفع عدد ضحايا النزاعات الداخلية عالميًّا بأكثر من ستة أضعاف، من نحو 29 ألف قتيل عام 2008م إلى أكثر من 181 ألف قتيل خلال العام الماضي، بعد أن بلغ ذروته متجاوزًا 309 آلاف قتيل في عام 2023م. كذلك ارتفع عدد الدول التي سجّلت أكثر من ألف قتيل نتيجة الصراعات خلال عام واحد من ثماني دول فقط عام 2008م إلى عشرين دولة خلال العام الماضي.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الحروب أقل قابلية للحسم أو التسوية السياسية؛ إذ تراجعت نسبة النزاعات التي تنتهي باتفاقات سلام من نحو 23% خلال سبعينيات القرن الماضي إلى حوالي 4% فقط خلال العقد الماضي، كما انخفضت نسبة الحروب التي تُحْسَم بانتصار واضح لأحد الأطراف. وفي هذا السياق يُحذر التقرير من تنامي ظاهرة «عناقيد الصراع»؛ حيث تمتد تداعيات الحروب عبر الحدود من خلال تدفقات اللاجئين والأسلحة والتمويل غير المشروع والشبكات الإثنية والأيديولوجية، ما يزيد من احتمالات انتشار النزاعات وتحوُّلها إلى أزمات إقليمية ممتدة يصعب احتواؤها.
شكل رقم (2)
ملامح البيئة الأمنية الدولية في ضوء مؤشر السلام العالمي 2026م

المصدر: استنادًا لنسخة مؤشر السلام العالمي الإنجليزية 2026م.
من جهة أخرى، يشير مؤشر السلام العالمي 2026م إلى تصاعد التكلفة الاقتصادية للعنف عالميًّا بصورة غير مسبوقة؛ إذ بلغ الأثر الاقتصادي للعنف نحو 21.8 تريليون دولار أمريكي في عام 2025م (وفق تعادل القوة الشرائية)، ما يعادل 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي أو نحو 2657 دولارًا للفرد الواحد، مع زيادة سنوية قدرها 3.2% مدفوعة أساسًا بارتفاع الإنفاق العسكري في معظم المناطق. كما يوضّح التقرير تفاوتًا حادًّا بين الدول؛ حيث تصل تكلفة العنف في الدول الأكثر تضررًا إلى 23.4% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 2.2% فقط في الدول الأقل تضررًا، في حين لا يتجاوز الإنفاق على بناء السلام وحفظه 49.2 مليار دولار (0.5% من الإنفاق العسكري العالمي). وفي السياق نفسه، يشير التقرير إلى هيمنة الإنفاق العسكري والأمني الذي يمثل 73% من إجمالي تكلفة العنف، مع وصول الإنفاق العسكري وحده إلى 9.5 تريليون دولار بعد ارتفاعه بنسبة 5.8% خلال عام 2025، ما يعكس اتساع فجوة الموارد بين أدوات العنف وأدوات بناء السلام واستمرار ضغطها على مسارات التنمية العالمية.
وفي موازاة ذلك، يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل يُعيد تشكيل مشهد الصراع والسلام معًا؛ حيث يتسارع توظيفه في البنى العسكرية بوتيرة تفوق قدرات التنظيم الدولي، بينما يظل “الذكاء الاصطناعي من أجل السلام” محدودًا ومُجزَّأ وضعيف التمويل. فقد ارتفعت هجمات الطائرات المسيّرة بنحو 11.500% بين 2018 و2025م، وشاركت 565 جماعة مسلحة في استخدامها، بينما تقلّص زمن اتخاذ القرار العسكري من يوم كامل في التسعينيات إلى نحو خمس ثوانٍ في بعض أنظمة الاستهداف المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مع تراجُع متزايد لدور الإشراف البشري.
كما ارتفع الإنفاق على أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكري بشكل ملحوظ، في وقت تتركز فيه القدرات التقنية والتمويل في عدد محدود من الدول والشركات، مقابل ضعف كبير في مبادرات الحوكمة الدولية؛ إذ لا يشارك 118 من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة في أيٍّ من مبادرات حوكمة الذكاء الاصطناعي الرائدة. وفي المقابل، تظل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الوساطة وتحليل النزاعات والتوثيق الإنساني وإعادة الإعمار أقل حضورًا، رغم إمكاناتها في دعم الاستقرار، ما يعكس فجوة متنامية بين تسارع عسكرة التكنولوجيا وبطء توظيفها لخدمة السلام.
رابعًا: السلام في إفريقيا جنوب الصحراء… الأداء الإقليمي والتحديات الأمنية وفق مؤشر 2026م
سجّلت منطقة إفريقيا جنوب الصحراء تراجعًا طفيفًا في مستوى السلام وفق مؤشر السلام العالمي 2026م؛ حيث انخفض متوسط الدرجة الإجمالية للإقليم بنسبة 0.2% مقارنةً بالعام السابق، ليظل الإقليم ثالث أقل مناطق العالم تمتعًا بالسلام من بين الأقاليم الثمانية التي يغطّيها المؤشر، كما يوضح الشكل التالي.
شكل رقم (3)
مستويات السلام عبر مناطق وأقاليم العالم، وموقع إفريقيا جنوب الصحراء بينها

المصدر: نسخة مؤشر السلام العالمي الإنجليزية لعام 2026م، ص15.
ومن بين 44 دولة شملها التقييم، سجَّلت 23 دولة تحسنًا في مستويات السلام، مقابل تراجع 21 دولة. ويُعزَى هذا التراجع بالأساس إلى تدهور مجال الصراعات الجارية، الذي سجَّل أكبر انخفاض بنسبة 1.9%. كما أصبحت إفريقيا جنوب الصحراء تضم 8 دول من أصل 20 دولة هي الأقل سلمية في العالم، مقارنةً بخمس دول فقط في عام 2008م، وهو ما يعكس التأثير المتزايد للنزاعات المسلحة وأعمال العنف، خاصةً مع تصاعد الإرهاب في منطقة الساحل الأوسط.
شكل رقم (4)
إفريقيا جنوب الصحراء في الخريطة العالمية للسلام- مؤشر السلام العالمي 2026م

المصدر: استنادًا لنسخة مؤشر السلام العالمي الإنجليزية 2026م.
وفي هذا السياق العام الذي يجمع بين تحسُّن محدود في بعض الدول وتراجُع في أخرى، تتباين خريطة السلام داخل الإقليم بشكل لافت، بما يعكس اختلافًا واضحًا في درجات الاستقرار من دولة لأخرى. على سبيل المثال، تواصل موريشيوس تصدُّرها قائمة أكثر الدول سِلْمية في إفريقيا جنوب الصحراء، محتلة المرتبة 18 عالميًّا في مؤشر 2026م؛ كما سيبين الجدول رقم (1). وقد سجَّلت تحسنًا بنسبة 3.4% خلال العام الماضي، مدعومة بتحسُّن في المجالات الثلاثة للمؤشر. وكان أكبر تحسُّن في مجال النزاعات الجارية بنسبة 8.3%، يليه مجال الأمن والسلامة بنسبة 1.7%، ثم العسكرة بنسبة 2.5%. ويُعزَى هذا الأداء إلى تحسُّن مؤشري شدة النزاعات الداخلية وعدم الاستقرار السياسي، ما يعكس استمرار تمتع البلاد بمستويات منخفضة من الصراع واستقرار مؤسسي ملحوظ. كما ساهم غياب الأزمات السياسية الكبرى أو الاضطرابات الواسعة في تعزيز استمرارية المؤسسات، في ظل نظام ديمقراطي يتميَّز بمنافسة سياسية نشطة وسلمية.
في المقابل، ظلت جمهورية الكونغو الديمقراطية الدولة الأقل سلمية في إفريقيا جنوب الصحراء (الترتيب الأخير (44) على مستوى منطقة إفريقيا جنوب الصحراء والمرتبة 161 عالميًّا)، رغم تسجيلها تحسنًا في درجتها الإجمالية بنسبة 3% خلال العام الماضي. وشمل التحسُّن المجالات الثلاثة للمؤشر؛ حيث تحسن مجال العسكرة بنسبة 7.6%، ومجال الأمن والسلامة بنسبة 2.1%، ومجال النزاعات الجارية بنسبة 1.3%. ومع ذلك، لا تزال الأوضاع الأمنية في البلاد من بين الأسوأ عالميًّا، خاصةً بعد سيطرة حركة أم 23 (23 مارس) على مدينة غوما، عاصمة إقليم شمال كيفو، في يناير 2025م، ثم استيلائها على مدينة بوكافو، عاصمة مقاطعة كيفو الجنوبية. ويعاني أكثر من 7 ملايين شخص من النزوح الداخلي داخل البلاد، ما يجعل الأزمة الكونغولية واحدة من أكبر أزمات النزوح وأقلها حضورًا في التغطية الدولية، بينما لا تزال مؤشرات الوفيات الناتجة عن النزاعات الداخلية وشدة الصراع عند مستويات مرتفعة للغاية.
أما ليسوتو والجابون، فقد سجَّلت أكبر نسبة تحسُّن في الإقليم، بواقع 5.9% لكل منهما. فقد احتلت ليسوتو المرتبة 86 عالميًّا، مدعومة بتحسُّن في المجالات الثلاثة للمؤشر، وخاصة مجال النزاعات الجارية الذي تحسن بنسبة 10.4%، يليه مجال الأمن والسلامة بنسبة 6.8%. ويرتبط هذا التحسن بانخفاض المظاهرات العنيفة وجرائم العنف، إلى جانب استمرار جهود إصلاح القطاع الأمني؛ حيث أقر البرلمان تعديلًا دستوريًّا لإنشاء هيئة مستقلة للإشراف على قطاع الأمن. أما الجابون، التي جاءت في المرتبة 100 عالميًّا و19 إقليميًّا، فقد سجَّلت تحسنًا في جميع المجالات أيضًا، وكان أكبرها في مجال العسكرة بنسبة 11.5%، ثم النزاعات الجارية بنسبة 6.7%، والأمن والسلامة بنسبة 3.4%. وجاء هذا التحسُّن في أعقاب المرحلة الانتقالية التي تلت انقلاب أغسطس 2023م، وإجراء أول انتخابات رئاسية بعد الانقلاب في أبريل 2025م، والتي أسفرت عن فوز الرئيس الانتقالي بريس كلوتير أوليغي نغيما.
وعلى الجانب الآخر، سجَّلت جمهورية الكونغو أكبر تراجع في الإقليم خلال عام 2026م؛ حيث انخفضت درجتها الإجمالية بنسبة 7.9%، مع تدهور في المجالات الثلاثة للمؤشر. وكان أكبر تراجُع في مجال الأمن والسلامة بنسبة 12.2% نتيجة ارتفاع معدلات جرائم العنف، وتزايد الشعور بانعدام الأمن، وتصاعد المظاهرات العنيفة. كما شهدت البلاد خلال عام 2025م ست حوادث من أعمال العنف الجماعي أسفرت عن 17 قتيلًا، بينما ساهمت أنشطة العصابات والجريمة الحضرية في مدينتي برازافيل وبوانت نوار في تقويض الاستقرار الأمني. وتشير البيانات الواردة بمؤشر السلام إلى أن أكثر من ربع المواطنين تعرَّضُوا لجريمة عنيفة خلال العام الماضي، في حين أفاد 60% من السكان بعدم شعورهم بالأمان عند السير بمفردهم ليلًا.
كما سجَّلت تنزانيا ثاني أكبر تراجُع في الإقليم، بانخفاض بلغ 7.3% في الدرجة الإجمالية للمؤشر. وجاء هذا التراجع نتيجة تدهور مجال النزاعات الجارية بنسبة 15.2%، خاصةً بعد ارتفاع مؤشر الوفيات الناتجة عن النزاعات الداخلية بنسبة 78.3%، إلى جانب تزايد حدة النزاعات الداخلية. كما تراجَع مجال الأمن والسلامة بنسبة 4%. ويرتبط هذا التدهور بالأزمة التي أعقبت الانتخابات المتنازع على نتائجها في أكتوبر 2025م، وما تبعها من حملة أمنية استمرت ستة أيام وفرض قيود على الإنترنت، فضلًا عن تقارير وثقت عمليات قتل خارج نطاق القانون وحالات اختفاء قسري واعتقالات واسعة.
أما تشاد، فقد سجَّلت تراجعًا بنسبة 6.4% لتحتل المرتبة 145 عالميًّا، وكان السبب الرئيس هو تدهور مجال النزاعات الجارية بنسبة 19.2%. ويعكس ذلك استمرار التحديات الأمنية الحادة في منطقة الساحل الأوسط، التي باتت تستحوذ على أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب على مستوى العالم. وتظل تشاد، إلى جانب النيجر وبوركينا فاسو ومالي، ضمن أقل دول الإقليم سلمية.
وبالتوجه نحو غرب إفريقيا، حقَّقت نيجيريا تحسنًا بنسبة 2.7% في مؤشر السلام العالمي 2026م، لترتفع إلى المرتبة 142 عالميًّا. وشمل التحسُّن المجالات الثلاثة للمؤشر؛ حيث سجَّل مجال العسكرة أكبر تحسن بنسبة 8.9%، يليه الأمن والسلامة بنسبة 1.7%، ثم النزاعات الجارية بنسبة 0.7%. ومع ذلك، لا تزال البيئة الأمنية في شمال شرق البلاد شديدة الهشاشة؛ إذ نفّذت ولاية تنظيم الدولة في غرب إفريقيا (ISWAP) ما لا يقل عن 12 هجومًا منسقًا على قواعد عسكرية ومنشآت حيوية في ولاية بورنو خلال عام 2025م، في وقتٍ تصاعدت فيه عمليات الاختطاف الجماعي بصورة ملحوظة في شمال البلاد. كما تدهور مؤشر الوفيات الناتجة عن النزاعات الداخلية بنسبة 21.2%، رغم التحسن المسجل في بعض مؤشرات الأمن والسلامة المجتمعية.
وفي إطار أوسع من الهشاشة والتباين، يبرز القرن الإفريقي كأحد أكثر أقاليم العالم تعقيدًا من حيث تشابك النزاعات؛ حيث تتداخل الصراعات الداخلية في دول مثل السودان وإثيوبيا وإريتريا والصومال وجنوب السودان مع التدخلات الإقليمية وشبكات التهريب والتنافس على الموانئ والممرات البحرية في البحر الأحمر. وقد أدَّى هذا التشابك إلى تكوين ما يشبه «عناقيد صراع» مترابطة عابرة للحدود، الأمر الذي يزيد من صعوبة احتواء الأزمات ويُضاعف من انعكاساتها على الأمن الإقليمي وفرص التنمية والاستقرار في القارة الإفريقية.
وحول ترتيب دول إفريقيا جنوب الصحراء في ضوء مؤشر السلام العالمي 2026م، فيوضحها الجدول التالي كما يلي:
جدول رقم (1)
ترتيب بلدان إفريقيا جنوب الصحراء بحسب مؤشر السلام العالمي 2026م



المصدر: نسخة مؤشر السلام العالمي الإنجليزية لعام 2026م، ص 23.
من الجدول أعلاه يتضح وجود تباين واضح في مستويات السلام بين دول إفريقيا جنوب الصحراء، على سبيل المثال جاءت موريشيوس في المرتبة الأولى إقليميًّا والمرتبة الثامنة عشرة عالميًّا، محافظةً على موقعها كأكثر دول الإقليم سِلْمًا. فيما حلَّت غينيا الاستوائية في المرتبة الثانية إقليميًّا والثامنة والثلاثين عالميًّا، تلتها بوتسوانا في المرتبة الثالثة إقليميًّا والخمسين عالميًّا، ثم غامبيا في المرتبة الرابعة إقليميًّا والسادسة والخمسين عالميًّا. كما سجلت دول مثل مدغشقر وناميبيا وسيراليون والسنغال وغانا مراكز متقدمة نسبيًّا على المستويين الإقليمي والعالمي.
وفي المقابل، جاءت الكونغو الديمقراطية في ذيل ترتيب دول إفريقيا جنوب الصحراء، محتلة المرتبة الرابعة والأربعين إقليميًّا والمرتبة الحادية والستين بعد المائة عالميًّا، أما جنوب السودان فقد جاءت في المرتبة الثالثة والأربعين إقليميًّا والثامنة والخمسين بعد المائة عالميًّا، ثم مالي في المرتبة الثانية والأربعين إقليميًّا والرابعة والخمسين بعد المائة عالميًّا، والصومال في المرتبة الحادية والأربعين إقليميًّا والثالثة والخمسين بعد المائة عالميًّا. كما جاءت جمهورية إفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد ضمن الدول الأقل سلمًا في الإقليم.
وتعكس هذه النتائج استمرار الفجوة بين الدول التي نجحت في الحفاظ على مستويات مرتفعة من الاستقرار والأمن، وتلك التي لا تزال تعاني من تداعيات النزاعات المسلحة والأزمات السياسية والأمنية الممتدة، وهو ما يفسّر التباين الكبير في مواقع دول الإقليم على مؤشر السلام العالمي لعام 2026م.
خاتمة:
ختامًا، تُبرز نتائج مؤشر السلام العالمي 2026م أن تدهور مستويات السلام لم يَعُد ظاهرة محصورة في بُؤَر تقليدية للصراع، بل أصبح اتجاهًا بنيويًّا يمتدّ عبر مناطق متعددة من العالم، مدفوعًا بتشابك عوامل العسكرة، وتصاعد النزاعات الداخلية ذات الامتدادات الإقليمية، وتراجُع فاعلية آليات الحوكمة الدولية في ضبط التفاعلات الأمنية. كما يكشف التقرير عن تحوُّل نوعي في طبيعة الصراعات المعاصرة؛ حيث باتت أكثر تعقيدًا وتشظيًّا وأقل قابلية للحسم، في ظل اتساع نطاق التدخلات الخارجية وتزايد التكلفة البشرية والاقتصادية للعنف، بما يعكس اختلالًا متناميًا في ميزان السلام والاستقرار على المستوى العالمي.
وفي قلب هذه التحولات، تبدو إفريقيا جنوب الصحراء إحدى أكثر المناطق تأثرًا بالتدهور العالمي في مستويات السلام؛ فعلى الرغم من نجاح بعض الدول في تحقيق مستويات مرتفعة نسبيًّا من الاستقرار، فإن الإقليم لا يزال يضمّ عددًا كبيرًا من الدول الواقعة في ذيل المؤشر العالمي، خاصةً في مناطق الساحل والقرن الإفريقي والبحيرات العظمى.
كما تعكس أوضاع دول مثل الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان ومالي والصومال استمرار تأثير الصراعات المسلحة، لا سيما مع الهشاشة المؤسسية، على فرص الاستقرار والتنمية. ومِن ثَم، فإن موقع إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر السلام العالمي 2026م يُوضّح أن مستقبل السلام في القارة سيظل مرتبطًا بقدرة دولها على معالجة جذور الصراعات، وتعزيز الدولة لمؤسساتها، ومواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود التي أصبحت تُشكّل أحد أبرز معوقات الاستقرار في الإقليم، في سياق دولي تتزايد فيه حدة الاضطراب وتتراجَع فيه فرص الاحتواء الفعّال للأزمات.
ـــــــــــــ
مصدر مؤشر السلام العالمي 2026م:
“Global Peace Index 2026″, (Sydney: The Institute for Economics & Peace “IEP”, Jun 2026), https://www.economicsandpeace.org/wp-content/uploads/2026/06/Global-Peace-Index-2026-Report.pdf











































