خلافًا للصورة التي روج لها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لبلاده، منذ وصوله السلطة عام 2018، كقوة استقرار وتنمية وامن وتعاون إقليمي في القرن الأفريقي، أبرزت الحرب في إثيوبيا بين ما عُرف “بتحالف البقاء” وقوات الدفاع الفيدرالية مدى هشاشة إثيوبيا فعليًا كقوة استقرار إقليمية بالرغم من مقدراتها الكبيرة في إقليم تمثل الأوضاع به برميل بارود قابل للاشتعال في أي وقت.
يتناول المقال الأول ما درجت عليه إثيوبيا من القفز فوق مشكلاتها الداخلية بالتصعيد في أزمات خارجية أملًا في تحشيد مواقف شعبية داعمة لنظام آبي أحمد، حيث أعلنت وزارة المياه الإثيوبية وفق المقال عن تكوين لجنة تعويضات النيل لتفييم ما تعتبره خسائر ناجمة عن منع مصر مشروعات مائية مختلفة، أي بقصد مطالبة مصر بتعوضيات بأثر رجعي في سابقة أفريقية جديدة تماما وتعبر عن مستوى التوتر في العلاقات الإثيوبية- المصرية.
أما المقال الثاني فيتناول تحليلًا مهمًا للحرب الدائرة في إثيوبيا ومساعي الأخيرة الفكاك من أزمتها بتصعيد الخلافات الإقليمية.
ويتناول المقال الثالث فكرة الأبعاد الإقليمية للحرب الدائرة في إثيوبيا.
إثيوبيا تؤسس “لجنة تعويضات النيل” لتقييم المشروعات التي منعتها مصر [1]
أسست إثيوبيا لجنة وطنية لتقييم الخسائر الاقتصادية وفرص التنمية الضائعة المرتبطة بمشروعات المياه التي “منعها أو أعاقها المصريون” على نهر النيل، كما أعلن وزير المياه والطاقة هابتامو إتيفا. ففي مقابلة حصرية مع وكالة الأنباء الإثيوبية، صرح هابتامو بأن اللجنة حددت حتى الآن أكثر من 22 مشروعًا تنمويًا سبق أن عرقلتا مصر، ومن بينها سد النهضة الإثيوبي الكبير. وأوضح الوزير: “لقد شكلنا لجنة وطنية، وبصفتنا لجنة، أحصينا أكثر من 22 مشروعًا عرقلتها أو أوقفتها مصر، بما في ذلك مشروع سد النهضة”.
وتحظى مخاوف إثيوبيا التقليدية بشأن التفاوت التنموي في حوض النيل (لاسيما مع مصر، ومن وجهة نظرها) بدعم متزايد من الأوساط الأكاديمية الإثيوبية، مما يعزز موقفها في المطالبة بالتعويض عن الخسائر الاقتصادية التاريخية وفرص التنمية الضائعة. وفي هذا الصدد، قال هابتامو إن اللجنة المشكلة حديثًا تعمل على جمع الأدلة المتعلقة بالمشاريع ودراسة أسس مطالبات إثيوبيا بالتعويض. وأشار إلى أن التقييم يشمل خبراء ووزراء سابقين ومستشارين ومختصين قانونيين يدرسون حجم الخسائر والأساليب الممكنة لمعالجتها.
كما أوضح هابتامو، (في تطور خطير في واقع الأمر) عدم اقتصار المراجعة على دراسة المشاريع التي مُنعت من التنفيذ فحسب، بل ستشمل أيضًا جهود إثيوبيا في مجال الحفاظ على البيئة، والفوائد التي توفرها بنيتها التحتية لإدارة المياه في دولتي المصب. وأشار إلى مبادرة الإرث الأخضر، التي زُرع في إطارها أكثر من 50 مليار شجرة، قائلًا أن أنشطة كبيرة نُفذت في أحواض أنهار رئيسية، منها بارو وأباي وتيكيزي. وقال هابتامو إن هذه الجهود في مجال الحفاظ على البيئة يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم مساهمة إثيوبيا في حماية موارد المياه ومعالجة الآثار المناخية في حوض النيل.
كما سلط الوزير الإثيوبي الضوء على الدور المحتمل لسد النهضة الإثيوبي الكبير في تنظيم تدفقات الأنهار، قائلًا إن تشغيله قد يُساعد في الحد من الفيضانات في المصب والحفاظ على توافر المياه خلال فترات انخفاض هطول الأمطار. وأشار الوزير إلى ظروف هطول الأمطار الحالية المرتبطة بظاهرة النينيو كمثال على أهمية الإدارة المنسقة للمياه، قائلًا إن تنظيم التدفقات قد يُفيد دول المصب، بما فيها السودان ومصر (إضافة إلى جنوب السودان). وفي سياق حديثه عن السيناريوهات المحتملة لتأمين التعويضات، قال الوزير إن نهج إثيوبيا سيتضمن معالم واضحة، مع اعتبار التفاوض والتفاهم المتبادل الخيار المفضل، في حين أن السيناريوهات الأخرى ستتضمن اتخاذ إثيوبيا مزيداً من الإجراءات.
عودة إثيوبيا للحرب تهدد القرن الأفريقي [2]
بدأت الحرب التي طال توقعها في إثيوبيا في الأسبوع الماضي عندما استولت جبهة التحرير الشعبية للتيجراي على ثلاثة مطارات في إقليم التيجراي الواقع شمالي البلاد. كما شن المتمردون هجمات في إقليم العفر المجاور.
وفي يوم الاثنين الماضي (28 سبتمبر) ادعت قوات موالية للحكومة الفيدرالية استيلاؤها على مدينة آلاماتا Alamata وهي مدينة إستراتيجية تقع على بعد 75 ميلاً جنوب مقلي عاصمة إقليم التيجراي. وقد تصاعد الصراع قبيل وقوع تهديدات ظاهرة النينو القوية لإنتاج المحاصيل في إثيوبيا وتهديد أكبر بوقوع أزمة إنسانية أوسع نطاقًا في البلاد.
وقد كان هناك انقسام تصاعد بين جبهة تحرير التيجراي والحكومة الفيدرالية منذ نهاية حرب التيجراي التي استمرت لعامين في 2022. وقد انتهى هذا الصراع، الذي أسفر عن قتل نحو 600 ألف فرد،باتفاق بريتوريا حيث وافقت جبهة تحرير التيجراي على نزع سلاحها وإعادة الاندماج في النظام السياسي الإثيوبي. وأدت الشكاوى المتراكمة من الاتفاق إلى انهياره.
وكانت الفصائل المتشددة في جبهة تحرير التيجراي ترى أن الاتفاق قد نحاهم جانبًا، بينما أمن المسئولون في الجبهة الذين تفاوضوا على الاتفاق أدوار في الإدارة الحاكمة المؤقتة بالإقليم التي عينها آبي أحمد. وثار التوتر في مايو 2025 عندما حظرت هيئة الانتخابات الإثيوبية مشاركة الجبهة في الانتخابات الوطنية (التي جرت بالفعل في يونيو 2026)، وأدى ذلك إلى إقدام الجبهة على إعادة تأسيس مجلسها التشريعي الذي كان قائمًا قبل الحرب في مايو 2026،مما كان يعني عمليًا إسقاط الحكومة المؤقتة.
وقد بدأت أحدث موجات القتال بداية في الأول من أغسطس، وفقًا لبيانات من ACLED، عندما تصادم الجانبان في مدينة شيريرينا Shererina قرب حدود إثيوبيا مع السودان بعد شهور من حشد القوات. لكن لم تتحول الصدامات إلا في الأسبوع الماضي إلى حرب مفتوحة بين الجانبين.
ويخشي مراقبون أمنيون من إمكان أن يجذب هذا الصراع أطراف إقليمية أخرى في القرن الأفريقي، ولاسيما إريتريا. وقد كانت جبهة تحرير التيجراي وأسياس أفورقي، الذي يتولى رئاسة إريتريا منذ استقلالها في العام 1993، حلفاء خلال القتال ضد حكومة درج DERG الشيوعية الإثيوبية. لكن بعد استقلال إريتريا ووصول حكومة بقيادة جبهة تحرير التيجراي للحكم في إثيوبيا خاضت الدولتان جربًا شرسة بعد نحو 20 عامًا من العداء.
وفي حرب التيجراي الأخيرة حاربت إريتريا إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية، غير أن العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة ساءت في الأعوام الأربعة لماضية وأصبحت أسمرة الآن متحالفة بشكل أكبر مع جبهة تحرير التيجراي.
ويخشى محللون بشكل خاص من العواقب الإقليمية لقرار الولايات المتحدة برفع العقوبات عن الحزب الحاكم في إريتريا والجيش الإريتري في وقت سابق من سبتمبر الفائت (كما أنهت واشنطن حظر الأسلحة على إثيوبيا في التوقيت نفسه). وكانت واشنطن قد فرضت العقوبات أولًا في العام 2021 على إريتريا بسبب سلوكها في حرب التيجراي في العام 2021.
ويقع ميناء عصب الإريتري قرب مضيق باب المندب الاستراتيجي، وتأتي العقوبات الأمريكية في وقت تأمل فيه واشنطن في أن تصبح أسمرة جزء من تحالف دولي ضد هجمات الحوثيين الذين تدعمهم إيران في البحر الأحمر. بأي حال فإن ذلك يمكن أن يدفع جبهة تحرير التيجراي، التي لا يزال قادتها يواجهون العقوبات الأمريكية، إلى تكوين صلات أوثق من ذي قبل مع إريتريا والانفتاح على شن حرب أكبر بالوكالة.
كما يخشى محللون أن تنزلق مصر والسودان إلى الصراع.وقد اتهم قائد القوات المسلحة الإثيوبية برهانو جولا بالفعل كلًا من البلدين بدعم “تحالف البقاء” المكون حديثًا من جيش تحرير الأورومو وحركة فانو الأمهرية وجماعات معارضة مسلحة أخرى. لكن لا تظهر للآن أية أدلة على صحة ادعاءات برهانو، وأنكرت كل من مصر والسودان مثل هذه الاتهامات، بينما وصفها الجيش السوداني بأنها اتهامات “لا أساس لها”.
ولمصر خلافها مع إثيوبيا بسبب سد النهضة الإثيوبي الذي تؤمن القاهرة أنه سيقلل من حصتها من مياه النيل. كما دخلت مصر في تحالف مع إريتريا والصومال أملًا في مواجهة نفوذ إثيوبيا في الإقليم. أما السودان فإن قواته المسلحة، حليفة مصر، فقد اتهم إثيوبيا بدعم الإمارات العربية المتحدة في تسليح قوات الدعم السريع شبه النظامية والتي تقاتل من اجل السيطرة على السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية في العام 2023.
وفي الوقت نفسه تخطط إثيوبيا لسحب أكثر من 3000 جندي إثيوبي من الصومال لدعم قواتها المحلية حسبما أوردت مؤخرًا بلومبرج. وسيخلق سحب هذه القوات فراغًا أمنيًا في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم جماعة الشباب التي تعمل بقوة كبيرة لآن مع الحوثيين، وتسعى للسيطرة على أراضي صومالية.
إن مثل هذه النزاعات الجيوسياسية المعقدة مع التحالفات المتداخلة مضافًا لها تداعيات الحرب مع إيران التي تشمل عدم الاستقرار في البحر الأحمر تجعل من تصاعد الحرب فيإقليم التيجراي تهديد أوسع لإقليم القرن الأفريقي.
الحرب في إثيوبيا تعيد رسم التحالفات في القرن الأفريقي [3]
أعلنت إثيوبيا يوم الخميس 1 أكتوبر الجاري عن غلق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة وطرد 10 من الدبلوماسيين الإريتريين المشكوك في ارتكابهم أنشطة تفرض “تهديدًا مباشرًا على المن القومي (الإثيوبي)”. وفيما ذكرت أديس أبابا ارتكاب هؤلاء “أفعال عدائية وتشبه أعمال الحرب” فإنها منحتهم 48 ساعة لمغادرة البلاد.
ومن جانبها لفتت الخارجية الإريترية في بيان بعد ساعاتا من قرار أديس أبابا إلى أنه “ليس لإريتريا من خيار سوى “الرد بلطف وقطع جميع الصلات الدبلوماسية مع إثيوبيا”، ووصفت قرار طرد سفيرها “بالصاعق”.
وتواجه القوات الفيدرالية الإثيوبية تحالفًا يضم مجموعات مسلحة تشمل جبهة تحرير التيجراي والحركة القومية الأمهرية فانو (التي سبق أن دعم مقاتلوها الحكومة الفيدرالية ضد جبهة تحرير التيجراي خلال حرب التيجراي الأخيرة 2020-2022).
ولا يزال القتال دائرًا في أجزاء من إقليم التيجراي وإقليمي العفر والأمهرا المجاورين، فيما مثلت هذه الأعمال العدائية الأكثر حدة منذ اتفاق السلام الذي أنهى حرب التيجراي في نوفمبر 2022. وكانت إثيوبيا قد اتهمت بالفعل كل من إريتريا والسودان ومصر يوم الأحد (27 سبتمبر الفائت) بدعمها للهجوم الذي شنته قوات “تحالف البقاء” في 22 سبتمبر. وتنكر إريتريا مثل هذه الاتهامات.
الحلفاء السابقون على طرفي النقيض
“يعود النزاع بين البلدين إلى فترة بعيدة للغاية- وطوال شهور بعد أخرى تبادلت أديس أبابا وأسمرة الاتهامات حسبما أكد المتخصص في شؤون القرن الأفريقي رينيه ليفور Rene Lefort لراديو فرنسا الدولي.
وكان المحفز المباشر لتحرك إثيوبيا هو اتهامها لإريتريا بأنها تساعد بشكل مباشر وغير مباشر التمرد المسلح الذي يخوض الآن قتالًا موسعًا مع الحكومة الفيدرالية. لكن إريتريا وإثيوبيا هذه المرة على طرفي النقيض، بعد تدهور العلاقات بينهما بالأساس بسبب مساعي إثيوبيا لنيل وصول مباشر على البحر الأحمر (بعد أن فقدته بالفعل بعد استقلال إريتريا في العام 1993)
الصراع يصل إلى العاصمة
شهد مطلع أكتوبر وقوع انفجارات في مقار لقوات الدفاع الوطنية الإثيوبية في غربي أديس أبابا. ولم تشهد العاصمة في اسلابق مثل هذه الأعمال العسكرية، ولا حتى خلال حرب التيجراي. ولم يتم بعد الربط بين الهجمات وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إريتريا.
واتهمت الحكومة الفيدرالية “تحالف البقاء” بارتكاب الهجمات لكن لم يديعي أيًا من المجموعات المكونة لهذا التحالف مسؤوليته عن الهجمات، بينما رجح مصدر دبلوماسي تورطهم بشكل كبير. وعندما سُئل أحد أعضاء التحالف عن الانفجارات لاتي شهدتها العاصمة قال “نحن في حرب، لذا فإن هدفنا الوحيد هو إلحاق الضرر بالبنية الأساسية للنظام”
المنافسات الإقليمية
اتهم قائد الجيش الإثيوبي كل من السودان ومصر بدعم العمليات الإريترية داخل إثيوبيا. بينما تنكر الدولتان أي تورط في المسألة. كما لمصر والسودان خلافات مع إثيوبيا بسبب سد النهضة الإثيوبي الواقع على النيل الأزرق.
كما أضافت الحرب في السودان طبقة أخرى للتوترات الإقليمية. إذ يخوض الجيش السوداني قتالًا ضد قوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاثة أعوام، بينما تحارب بعض القوات في التيجراي إلى جانب الجيش السوداني حسب بعض التقارير. وأكد عدد من الدبلوماسيين لرويترز أن الخرطوم استضافت أيضًا اجتماعات مهدت لتكوين التحالف الإثيوبي الجديد لجماعات المعارضة المسلحة.
[1] Ethiopia Establishes Nile Compensation Committee to Assess Projects Blocked by Egypt, Ethiopian News Agency, October 1, 2026
[2] Nosmot Gbadamosi, Ethiopia’s Return to War Threatens to Engulf the Horn of Africa, Foreign Policy, October 1, 2026
[3] Ethiopia’s new rebel war redraws alliances across the Horn of Africa, RFI, October 2, 2026









































