يتقدّم المتطوعون في العالم بخطوات هادئة في القرى المنكوبة بالجفاف، وفي المدن التي تتعافى من الصراعات، وفي المجتمعات التي تتحيّز ضد النوع، يساندون الآخرين عندما يضيق بهم السبيل، ويبقى الكثير مما يفعلونه خفيًّا، فنادرًا ما تُروَى قصصهم، وقد سعى «تقرير حالة التطوع في العالم لعام 2026» إلى تغيير ذلك؛ حيث يُسلّط الضوء أو يدفع نحو إيجاد طرق لرصد أفضل لما يفعلونه، وتأثيره، بما في ذلك أنماط التضامن والمساعدة المتبادلة التي تتخذ في إفريقيا صورًا متعددة، وتعكس اتساع مساحة إفريقيا والعطاء.
يأتي التقرير في منعطف حاسم؛ إذ أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2026 عامًا دوليًّا للمتطوعين من أجل التنمية المستدامة، ذلك العام الذي يشهد أزمات متعدّدة ومتشابكة تتوزع بين التغيرات المناخية والنزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية، واتساع رقعة عدم المساواة. في قلب كل ذلك يقف المتطوعون في الطليعة، لسدّ الفجوة وتجسير الفجوة بين السياسات العامة والواقع المحلي، مُحوّلين النوايا الإنسانية إلى أفعال ملموسة.
ومنه يهدف التقرير إلى إحداث نقلة في هذا الشأن عبر الانتقال من مجرد حساب الساعات والأرقام التقديرية إلى بناء أُطُر قياس متعددة الأبعاد ومبتكرة تدمج الأدوات الكمية مع الرؤى النوعية والتشاركية، وتحظى منطقة إفريقيا جنوب الصحراء بمكانة محورية في هذا السياق؛ نظرًا للطبيعة الفريدة والواسعة لعمليات التضامن والتكافل فيها، والتي غالبًا ما تتجاوز الأُطر المؤسسية الرسمية لتستقر في صلب الحياة اليومية بين الأفارقة من ناحية، ومن الناحية الأخرى ما تتعرَّض له الفئات الهشَّة في المنطقة من تحديات سبق ذكرها.
جدول المحتويات
أولاً: العمل التطوعي: التطور والقياس والأبعاد
1- التحوُّل من الاقتصاد التقليدي إلى الرفاه متعدّد الأبعاد
شهدت العقود الماضية هيمنة النماذج الاقتصادية البحتة في قياس التطوع، والتي ارتكزت بشكل رئيسي على (تكلفة الاستبدال)، أو حساب ما يعادل الوظائف بدوام كامل لتقييم مساهمة التطوع في الناتج المحلي الإجمالي، ورغم أهمية هذه المؤشرات الإحصائية مثل دليل منظمة العمل الدولية وحساب المؤشرات غير الربحية، إلا أنها قاصرة على استيعاب البُعْد الاجتماعي والنفسي ورابوط التطوع.
2- إطار عمل المؤشر العالمي لمشاركة المتطوعين (GIVE)
في إطار التطوير المفاهيمي الحديث، يتَّسع نطاق القياس ليشمل مؤشرات شمولية تستوعب الأبعاد المتعددة للعمل التطوعي، وفي هذا الإصدار من التقرير اتسع نطاق القياس ليشمل إطار عمل المؤشر العالمي لمشاركة المتطوعين (GIVE)، والذي يقيس التطوع عبر أربعة أبعاد رئيسية:
- قيمة التطوع للفرد المتطوع: تقييم الأثر المباشر على الصحة النفسية، تقليل الشعور بالعزلة، النمو الشخصي، واكتساب المهارات القيادية والمهنية التي تُعزّز فرص الاندماج في أسواق العمل.
- قيمة التطوع للمجتمع: قياس دور التطوع في بناء النسيج الاجتماعي، ترسيخ الثقة المتبادلة بين الجماعات، وتفعيل رأس المال الاجتماعي كأداة أساسية لمواجهة الصدمات الاقتصادية والبيئية.
- القيمة الاقتصادية التنموية: ترجمة الأنشطة التطوعية (سواء المباشرة أو المنظمة) إلى عوائد تنموية ملموسة تُسهم في سدّ العجز في الخدمات العامة الأساسية (مثل الصحة والتعليم والإغاثة).
- البيئة التمكينية: تقييم جودة السياسات العامة، الأطر التشريعية، والقوانين واللوائح التي تدعم أو تعيق المبادرات التطوعية وتحمي حقوق المتطوعين.
3- أبعاد الإحصاء والمنهجية الحديثة
يتطلب القياس العالمي الحديث التغلُّب على التناقض الإحصائي المتمثل في أن ملايين البشر يشاركون في أعمال تضامنية يومية لا ترصدها السجلات الرسمية. ولتحقيق ذلك، يرتكز الإطار المفاهيمي المعاصر على معايير مؤتمر إحصائيي العمل الدولي (ICLS) لتوحيد المفاهيم عبر:
- اعتماد فترة مرجعية دقيقة (عادة أربعة أسابيع سابقة للمسح) لالتقاط الواقع الفعلي بدقة.
- التمييز المنهجي الواضح بين التطوع المؤسسي المنظم (عبر الجمعيات والمنظمات غير الربحية) والتطوع المباشر غير الرسمي (مساعدة الجيران والمجتمع المحلي بلا وسيط مؤسسي)؛ لضمان عدم إغفال النمط الأكثر انتشارًا في دول الجنوب العالمي.
ثانيًا: التقديرات العالمية والإقليمية لمعدلات التطوع
لعام 2026
قدم التقرير أحدث التقديرات الرقمية المستندة إلى مسوحات دولية متطورة ومنهجيات إحصائية دقيقة بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، والتي أفرزت صورة جديدة لحجم المشاركة التطوعية عالميًّا:
- عالميًّا يشارك نحو 34,5% من الأشخاص في سنّ العمل (نحو 2,1 مليار شخص) في أنشطة تطوعية شهريًّا.
- يتطوع الرجال بنسبة 36,9% مقارنة بنحو 32,1% للنساء، مع وجود تباينات إقليمية واسعة.
مع وجود انقسام بين التطوع المباشر والتطوع المنظم؛ فعالميًّا وجد أن العمل التطوعي المباشر؛ وهو غير الرسمي والمُوجّه مباشرةً لمساعدة الآخرين والجيران دون وسيط مؤسسي، وهو يبلغ مثلي العمل التطوعي القائم على المنظمات أو المؤسسي؛ حيث يشارك 25% في التطوع المباشر مقابل 11.7% فقط في التطوع المنظم عبر الهيئات والجمعيات.
ويظهر الإنفوغراف (شكل 1)، المشاركة التطوعية عالميًّا وتقديراتها لعام 2026.

كما يكشف (شكل 2) عن تباين هائل في الأعداد المطلقة للمتطوعين حول العالم؛ حيث تصدَّرت منطقة آسيا والمحيط الهادي الحجم الأكبر عالميًّا بـ1,1 مليار متطوع، تليها قارة إفريقيا بـ539 مليون متطوع، ثم الأمريكتان بـ252 مليون متطوع، وجاءت منطقة أوروبا وآسيا الوسطى في المرتبة الرابعة بـ188 مليون متطوع، بينما سجَّلت الدول العربية 32 مليون متطوع. ويُعزَى هذا الترتيب المليوني بالدرجة الأولى إلى التباين الحاد في الكثافة السكانية الإجمالية بين قارات العالم.

ثالثًا: إفريقيا والعطاء 2026
صدارة عالمية في التضامن
بالتركيز على القارة الإفريقية، ومقارنتها بمناطق العالم، يتبيّن عند قراءة الأرقام نسبة إلى حجم السكان في سن العمل، يظهر لنا معادلة مختلفة تمامًا تكشف عن الرغبة التطوعية في كل منطقة. ومن هذا المنطلق يُصنّف التقرير إفريقيا كأعلى كفاءة عالميًّا بنسبة مشاركة تقارب 58.5%، إثر تطوع 539 مليون من أصل 922 مليون شخص في سن العمل، تليها منطقة آسيا والمحيط الهادي بنسبة مشاركة تبلغ 31,4% حيث يتطوع بها 1,1 مليار من أصل 3,5 مليار شخص، في حين تسجل منطقة أوروبا وآسيا الوسطى نسبة منخفضة نسبيًّا تقارب 24,2% بتطوع 188 مليون من أصل 777 مليون شخص في سن العمل، وهو ما يُوضّح بشكل قاطع أن القارة تمتلك أعلى معدل استجابة ومشاركة تطوعية بين سكانها مقارنةً ببقية الأقاليم العالمية.
ويكشف الرسم البياني التالي عن الصدارة المطلقة للقارة في شتى مؤشرات العمل التطوعي مقارنةً بمناطق العالم المختلفة؛ حيث سجّلت أعلى معدل تطوُّع إجمالي شهريًّا بنسبة 58.5%، وهو ما يتجاوز المعدل العالمي البالغ 34.50% بفارق شاسع ويقترب من مثلي معدل المشاركة في الدول العربية وأوروبا.
ويظهر التميز الإفريقي في هيكل وأنماط التطوع؛ حيث يعتمد النسيج الاجتماعي هناك بشكل أساسي على شبكات الدعم الأهلي الفردية والمباشرة بين الجيران؛ إذ يرتفع معدل التطوع المباشر (غير الرسمي) إلى 38.30%، وهو المعدل الأعلى عالميًّا على الإطلاق، متفوقًا بوضوح على معدل التطوع القائم على المنظمات الرسمية والمؤسسات في القارة والذي يقف عند 16,90% فقط.
وتؤكد هذه الأرقام أن التكافل الإنساني المباشر والمساعدات الذاتية المجتمعية يمثلان خط الدفاع الأول وآلية البقاء الأساسية للمجتمعات الإفريقية في مواجهة الأزمات الحياتية والتنموية، متجاوزة بمرونتها نفوذ وهيكلية المنظمات الرسمية.

تكشف القراءة الجندرية للبيانات الإفريقية والموضحة في (شكل 4) عن انخراط مجتمعي شامل واستثنائي لكلا الجنسين؛ إذ يتفوق الرجال بنسبة مشاركة قياسية بلغت 63,1%، بينما تسجّل النساء معدل استجابة مرتفع جدًّا يقف عند 54%، وهو المعدل الأنثوي الأعلى عالميًّا والذي يتجاوز بمراحل معدلات تطوع الرجال والنساء معًا في مناطق متقدمة مثل أوروبا وآسيا الوسطى (24,2%) أو الأمريكتين (30,3%).
فضلًا عن تجاوزه لمثلي معدل مشاركة النساء في الدول العربية التي تُسجّل النسبة الأدنى عالميًّا للإناث بـ18,9%. تؤكد هذه الإحصاءات أن العمل التطوعي في الثقافة الإفريقية يتجاوز كونه نشاطًا ثانويًّا ليصبح آلية تكافل وتضامن اجتماعي أساسية تتقاسمها القوى البشرية للمجتمع لمواجهة الأزمات وسد الفجوات التنموية.

تُعزَى هذه النِّسب المرتفعة إلى طبيعة البنية الاجتماعية والثقافية السائدة في مجتمعات المنطقة؛ حيث يرتكز البقاء ومواجهة الأزمات كالفقر والجفاف والنزوح ونقص الخدمات الصحية، على تشكيل شبكات الدعم المتبادل غير الرسمية؛ حيث يعتمد الملايين على المساعدات الذاتية المجتمعية، والمبادرات المباشرة بين الجيران. وتستمد هذه الممارسات من الفلسفات التقليدية الإفريقية للتضامن الإنساني.
رابعًا: أثر العمل التطوعي في مجالات التنمية
في إفريقيا
يستعرض التقرير كيف ينعكس قياس العمل التطوعي إيجابًا على قطاعات التنمية الأساسية في إفريقيا من خلال الآتي:
1- الصحة المجتمعية والرفاه
في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء (مثل كينيا، أوغندا، تنزانيا، وزامبيا)، يلعب متطوعو الصحة المجتمعية دور الركيزة الأساسية للرعاية الصحية الأولية في المناطق المحرومة والريفية؛ حيث يُقدّمون الدعم في مكافحة الأمراض المعدية (كالمالاريا والكوليرا وفيروس نقص المناعة المكتسبة)، وتقديم الإسعافات والتوعية الإنجابية.
أظهرت البيانات أنّ دَمْج مؤشرات الرفاه النفسي والاجتماعي في قياس عمل هؤلاء المتطوعين يكشف عن معادلة دقيقة تتأرجح بين الفخر والدافعية العالية للخدمة وبين الضغوط النفسية والإرهاق الناتج عن العمل في بيئات شحيحة الموارد بلا أجور منتظمة.
2- التعليم وتنمية المهارات
يساهم المتطوعون المحليون والشباب في سدّ الفجوات التعليمية الهائلة في المدارس التي تعاني من نقص التمويل في إفريقيا، عبر برامج محو الأمية، والتعليم المجتمعي، وتوفير بيئات آمِنَة للفتيات والشباب غير الملتحقين بالمدارس (مثل برامج التمكين في موزامبيق وأوغندا).
تُوضّح دراسات القياس المختلطة أن العمل التطوعي يُطوّر بشكل كبير مهارات الأفراد (المهارات القيادية، الثقة بالنفس، التواصل بين الثقافات، ومهارات كسب العيش)، مما يسهل لاحقًا اندماجهم في أسواق العمل.
3- مُعالَجة أوجه عدم المساواة
رغم أن العمل التطوعي يُوفّر منصات قوية لتمكين النساء والفتيات في إفريقيا، إلا أن قياس الأثر بحذر يكشف أحيانًا عن مخاطر كامنة؛ فإذا لم تُصمَّم البرامج التطوعية بوعي هيكلي، فقد تُعيد إنتاج الأدوار النمطية التقليدية للمرأة باعتبارها “مقدمة رعاية مجانية غير مدفوعة الأجر”، مما قد يفاقم من أعبائها الاقتصادية والاجتماعية دون تحقيق مكاسب حقيقية في التمكين. لذا، تبرز الحاجة المُلِحّة لأدوات قياس حساسة للنوع الاجتماعي والسياق المحلي.
خامسًا: معوقات قياس العمل التطوعي في إفريقيا
والإستراتيجيات المقترحة
رغم هذا الزخم الهائل، تُواجِه إفريقيا جنوب الصحراء تحديات كبرى فيما يتعلق بـ”مأسسة البيانات والقياس الإحصائي”:
- نُدرة البيانات المنهجية: تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نسبةً ضئيلة جدًّا من دول العالم (وإفريقيا بشكل خاص خارج بعض الحالات الاستثنائية مثل جنوب إفريقيا وكينيا وتنزانيا)، هي التي تُجري مسوحات منتظمة ودورية للعمل التطوعي وفق المعايير الإحصائية الدولية الحديثة (مثل معايير مؤتمر إحصائيي العمل الدولي.
- خطر التهميش الإحصائي: لأن الجزء الأعظم من التطوع الإفريقي هو تطوُّع غير رسمي ومجتمعي ومباشر، فإن نُظم الإحصاء التقليدية المرتبطة بسقوف العمل الرسمي أو الوظائف المدفوعة تتجاهله تمامًا، مما يوفّر لصُنّاع القرار صورة منقوصة تظهر المنطقة وكأنها تعاني من ضعف في المشاركة المدنية، في حين أنها تعجّ بأشكال التضامن.
ولتحقيق قياس دقيق وعادل يعكس واقع إفريقيا جنوب الصحراء والعالم، يدعو التقرير إلى تبنّي مجموعة أدوات متكاملة تجمع بين الكَمّ والكيف:
- الأساليب الكمية المعيارية: مسوحات القوى العاملة الوطنية، المسوحات الأُسرية الدورية، وتطبيق توصيات مؤتمر إحصائيي العمل الدولي لتوحيد الفترة المرجعية (أربعة أسابيع) ومقارنة معدلات المشاركة.
- الأساليب النوعية والسردية: استخدام “سرد القصص”، والمقابلات المُعمّقة، ومذكرات التأمل الذاتي لالتقاط المعاني الثقافية للتطوع وتأثيرات الثقة والتضامن.
- النهج التشاركية: إشراك المجتمعات المحلية والمتطوعين أنفسهم في تصميم أدوات القياس وتحديد المؤشرات التي تعنيهم (مثل: أساليب التعبير البصري المجتمعي وتقييمات القاعدة الشعبية)؛ لضمان ألا يكون القياس أداة فوقية تفرضها المؤسسات الخارجية بل عملية تعلم ومساءَلة مشتركة.
خاتمة
يظهر تقرير حالة التطوع في العالم لعام 2026 أن العمل التطوعي، لا سيما في إفريقيا -التي تصدرت أداء المؤشر بالأعداد المطلقة ونوعيًّا وشكليًّا- هو ركيزة البقاء والنبض الحقيقي لتماسك المجتمعات، ولتعظيم هذا العطاء، وضع التقرير خارطة طريق تدعو الحكومات وصُناع القرار إلى مأسسة إحصاءاته بشتى أشكالها ضمن المسوحات الوطنية الرسيمة، والاعتراف بالتطوع غير الرسمي في الحسابات القومية وأُطر أهداف التنمية.
كما يُوصي التقرير بالاستثمار المُوجّه لدعم مجموعات القاعدة الشعبية وتوفير بيئات تمكينية تحمي المتطوعين، مع جعل قياس البيانات أداة لتمكين الفئات الهشَّة وتوجيه السياسات العامة نحو مجتمعات أكثر اندماجًا وقدرةً على مواجهة الأزمات.
يتناول الفيديو التالي فلسفة الكرم والضيافة في الثقافة الإفريقية باعتبارها هوية وجودية تتجاوز مجرد استقبال الغرباء إلى كونها نظاماً اجتماعياً وأخلاقياً متجذراً.









































