بات مفهوم “عصر الذكاء الاصطناعي” Age of the Artificial Intelligence سائغًا بوعي أو بدونه، ومُعبِّرًا عن مخاوف من تهديد التطور التكنولوجي والمعلوماتي، بوتيرة غير مسبوقة في واقع الأمر، للإنسان ودَوْره في “حركة التاريخ”.
وبالنظر إلى حجم التغيُّر الآني والمرتقب نتيجة لصعود الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يثور سؤال عن ارتباط هذا الصعود برؤى “نهاية التاريخ”، أو وصوله، بحسب المُنظِّر المعروف فرنسيس فوكوياما (The End of History? National Interest, 1989)، إلى الحالة النهائية (ربما قبل فناء البشر؟) للمجتمع البشري، مع استبدال هيمنة الآلة بنموذج الاقتصاد الليبرالي الذي تصوَّره فوكوياما.
وقد أشار البروفيسور حمدي عبد الرحمن (في تعليق مُوجَز على صفحته على فيسبوك، 25 سبتمبر 2026) إلى سؤال: هل انتهى التاريخ حقًّا؟ وهو سؤال نحاول هنا، ومن زاوية تاريخية بالأساس، الاشتباك معه بشكل عام وفي سياقه الإفريقي في المقام الحالي.
محتويات المقال
نهاية التاريخ: سؤال مُهِمّ؟
أشار البروفيسور عبد الرحمن إلى عودة مفهوم “نهاية التاريخ” إلى فلسفة هيجل التي تنظر إلى التاريخ باعتباره مسارًا تطوريًّا تتحرك خلاله المجتمعات نحو شكل نهائي من التنظيم السياسي والاجتماعي.
وهي الفكرة التي تمثَّلها بشكل واضح فوكوياما في كتابه البارز نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the Last Man, New York, 1992 عبر مناقشة فرضيتين رئيسيتين؛ وهما:
- المنطق الاقتصادي للعلم الحديث، الذي يرتبط بدَوْره بشكل وثيق بفكرة صعود الذكاء الاصطناعي.
- و”النضال من أجل التقدير” ممّا يؤدي لسقوط مُباغِت للطغاة، وإنه حتى أكثر المجتمعات تخلُّفًا في الثقافة تكون مدفوعة بفضل هذه القوى نحو إقامة ديمقراطيات ليبرالية رأسمالية عند نهاية التطوّر التاريخي).
ويلفت عبد الرحمن إلى أن فوكوياما “لم يقصد أن التاريخ سيتوقف، بل إنّ الصراع حول النموذج السياسي والاقتصادي الأكثر ملاءَمة ربما بلغ نهايته”، وهي قراءة توضيحية مُهمّة للغاية؛ ربما تُؤكّدها جملة واردة في مستهل الكتاب، نورد نصها كما يلي:
“هل هناك وجهة لتاريخ البشر؟ وإن كانت للتاريخ وجهة، فإلى أيّ غاية يتّجه؟ وأين نقع الآن بالنسبة “لنهاية التاريخ”؟ (أو غايته؟)”
“Is there a direction to the history of mankind? And if it is directional, to what end is it moving? And where are we now in relation to that “end of history”? ([1]).
ويضيف بروفيسور عبد الرحمن: غير أن التاريخ، كما يبدو اليوم، لم يكن قد قال كلمته الأخيرة. فصعود الصين، وعودة روسيا، وبروز قوى إقليمية ودولية جديدة، يكشف أن العالم لم يتَّجه في خطّ مستقيم نحو نموذج واحد، وأن الحداثة قد تتَّخذ مسارات متعددة لا تُختزل في تجربة غربية واحدة. فالصين، على سبيل المثال، تُقدِّم نموذجًا يجمع بين اقتصاد السوق ودور الدولة القوي ونظام سياسي مختلف عن النموذج الليبرالي الغربي.
وهنا تبرز المفارقة: ربما لم تكن المشكلة في نهاية التاريخ بقَدْر ما كانت في افتراض أن التاريخ يمكن أن تكون له نهاية واحدة. فالتاريخ لا يتحرَّك دائمًا نحو نقطة وصول؛ بل يُعيد تشكيل نفسه كلما تغيَّر ميزان القوة، وتبدَّلت تطلُّعات الشعوب، وظهرت قوى وأفكار جديدة. وبعد نقاش خاطف للفكرة يشير إلى أنه: ربما لا يكون السؤال الحقيقي الذي يطرحه عالمنا اليوم: هل انتهى التاريخ؟ بل: أيّ تاريخ جديد بدأ، وما هي حقيقة إنسان هذا العصر؟
ويمكن أن نضيف هنا أسئلة تتعلق بإفريقيا وشعوبها: هل يمثل هذا التغيير الحتمي في مسار التاريخ، بغض النظر عن عمقه، فرصة لإفريقيا للصعود كقوة فاعلة في العالم؟ وهل يمكن لشباب القارة الذي يتحصل على معرفة تقنية متقدّمة يومًا بعد آخر أن يكون قاطرة لقارته في هذا المسار، أم يظل “مجرد” قيمة مضافة لدول كبرى أو متوسطة خارج القارة؟
نهاية التاريخ والتحيز للحظة الراهنة
يقع التاريخ، دائمًا وبشكلٍ لافت للغاية ودون استثناءات كبيرة تذكر، فريسة هشّة لتنظير و”استغلال” العلوم السياسية لأحداثه للتدليل على تلك الفكرة أو غيرها، وربما لبناء فرضيات أو “نظريات” تكتسب رواجًا عالميًّا، وتصبح فيه الفرضيات المسبقة، وغير التاريخية ربما، بمثابة “الحقائق” غير القابلة للسجال، وحتى عند محاولة نقدها يتم مجددًا استلهام التاريخ واختزاله في مقولات جديدة.
ويمكن توضيح ما سبق بمثال طرحه فوكوياما في كتابه ذاك؛ إذ أشار إلى أن “بناة نظام الأبارتهيد في جنوب إفريقيا، مثل رئيس الوزراء الأسبق هـ. ف. فيرفورد H. V. Verword، أنكروا المكون الليبرالي للمساواة الإنسانية الشاملة، وآمنوا بوجود تقسيم وتراتبية طبيعيين بين أعراق النوع البشري. فقد كان للأبارتهيد جهد للسماح بحدوث التنمية الصناعية بجنوب إفريقيا اعتمادًا على استخدام العمالة السوداء، فيما كان يسعى في الوقت نفسه لمراجعة ومنع تحضر urbanization سود جنوب إفريقيا الذين يمثلون بدورهم مرافق طبيعي لأيّ عملية للتحول الصناعي.
ولقد كان مثل هذا الجهد على مستوى الهندسة الاجتماعية ضخمًا في طموحه، سخيف بشكل هائل في غايته النهائية؛ إذ إنه بحلول العام 1981 كان نحو 18 مليون إفريقي رهن اعتقال ما عُرفت “بقوانين المرور” على خلفية جريمة رغبتهم في العيش قرب أماكن عملهم.
وأدَّت استحالة تحدي قوانين الاقتصاد الحديث، بحلول نهاية الثمانينيات، إلى ثورة في التفكير الأفريكاني على نحو دفع ف. و. ديكليرك F.W.de Klerk، قبل أن يصبح رئيسًا للدولة، لتأكيد أن “الاقتصاد يستدعي الوجود الدائم لملايين السود في المناطق الحضرية”. وهكذا كان فقدان نظام الأبارتهيد لشرعيته وسط البيض قائمًا في نهاية المطاف على عدم فعاليته، ومِن ثَم قاد إلى قبول غالبية الأفريكان لنظام جديد من مشاركة السلطة مع السود”([2]).
ودون إسهاب، فإن رؤية فوكوياما، الذي عمل قبيل نشره هذا الكتاب نائبًا لمدير طاقم تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية، اكتفت بقراءة سطحية للغاية لعُمْق التحولات السوسيو-اقتصادية والسياسية في جنوب إفريقيا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي على أقل تقدير، وضغوط حركة التحرر الإفريقية بقيادة المؤتمر الوطني الإفريقي، وحيوية الحركة النقابية والعمالية التي أرفدها الحزب الشيوعي الجنوب إفريقي بغطاء أيديولوجي مُهِمّ قبل عقود.
كما يبدو عَوار واضح في رؤية فوكوياما القاصرة لعملية الانتقال السياسي والتحول الديمقراطي في جنوب إفريقيا، ومشروطياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة، والتي اختزلها في قبول الأقلية البيضاء “الطوعي” في جوهره لقواعد هذه العملية، وتفريغها من محتواها النضالي الذي قدَّمه الأفارقة بتضحيات مُكلِّفة للغاية؛ وهو ما يمكن وَصْفه برهن فوكوياما، كما غيره من كبار المنظرين السياسيين، الحدث التاريخي بتفسير وفق اللحظة الراهنة له، وربما تقديم قراءة مغلوطة للغاية تتّسق في المقام الأول مع أيديولوجيته وتوجهه السياسي.
ويلتقي ذلك المثال مع أمثلة كثيرة ومتنوعة للغاية في تكوين قراءة انطباعية للتاريخ، واختزاله في خلاصات لدعم صيحات فكرية تُروّج من حين لآخر، وعلى خلفية أحداث سياسية راهنة (مثل تبشير الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب بنظام عالمي جديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وفكرة صراع الحضارات التي روَّجها صمويل هنتنجتون رغم عدم تاريخيتها وأنها مجرد قراءة دعائية للتاريخ العالمي)، ويمكن أن يمتد ذلك لأفكار عصر الذكاء الاصطناعي ونهاية التاريخ، سواء بمعنى نهايته زمنيًّا، أو بمعنى الوصول إلى “حالة نهائية” من الاجتماع البشري “المثالي”.
عصر الذكاء الاصطناعي ونهاية التاريخ: إفريقيا حاضرة؟
أعلن الاتحاد الإفريقي في مايو 2025 أن الذكاء الاصطناعي يُمثّل أولوية إستراتيجية للاتحاد، وبناءً على ما أقرّه المجلس التنفيذي للاتحاد في يوليو 2024 تحت عنوان إستراتيجية الذكاء الاصطناعي القارية للاتحاد الإفريقي AU Continental Artificial Intelligence Strategy وسط توقعات بأن يضيف استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ما بين 2,5 إلى 3 بلايين دولار للناتج المحلي الإجمالي للقارة، وهو رقم تجاوزته إسرائيل –التي أعلنت عن نفسها كثالث أكبر دولة في العالم في إنتاج منتجات الذكاء الاصطناعي- التي تصل قيمة إنتاجها من هذه المنتجات على 3,5 بليون دولار في تقديرات العامين 2025 و2026.
وتعني هذه المقارنة أن نصيب إفريقيا من تطور قطاع الذكاء الاصطناعي في العالم (بحلول العام 2030 سيكون نصيب كل دولة إفريقية من هذا الناتج أقل من 60 مليون دولار أو 2% فقط مقارنة بإسرائيل)؛ تظل في حدود دنيا للغاية، وغلبة الطابع الاستهلاكي، وأن تكون مناطق الأزمات في إفريقيا ساحات رئيسة لتطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي الدفاعية (وربما تجربتها وتكرار نموذج إسرائيل وشركات هذا القطاع في غزة).
وتكون الإجابة عن سؤال فرص إفريقيا في الاستفادة من نمو الذكاء الاصطناعي وإطلاق “عصره” أقل تفاؤلًا، وتظل معتمدة على مدى قدرات الدول الإفريقية على توطين تقنيات هذا القطاع، الأمر الذي يظل مرهونًا بسياسات احتكارية متماسكة، خلافًا لأفكار نهاية التاريخ التي تشير إلى نمط السوق الليبرالي كمحطة نهائية للبشرية.
أما من الناحية النظرية، فإن فكرة “نهاية التاريخ”، بكافة نُسَخها سواء قبل فوكوياما أو المحاولات التي حاولت اقتفاء مقولاته “غير التاريخية”، وبداية عهد جديد يتراجَع فيه دور الإنسان لصالح الآلة، وربما على نَسَق نبؤات أدب وسينما الخيال العلمي عن المواجهة بين الإنسان والآلة، بداية من تصورات “العصور الحديثة” لتشارلي شابلن (1936)، وصولًا لسلسلة The Terminator التي جسَّدت تصورًا لنهاية البشرية شبه الكاملة وسيادة عهد الآلات الذكية والصراع الأخير بين مَن تبقَّى من البشر والآلة، تظل فكرة قاصرة للغاية من زاوية رؤيتها أن للبشر في ظل صعود الذكاء الاصطناعي مصيرًا واحدًا ومشتركًا.
تكشف القراءة الراهنة على الأقل عن احتكار هذه التقنيات في المستقبل القريب، وهو احتكار بشري في الأساس، ويحرص بكل تأكيد على استمرار الهيمنة البشرية-البشرية، وتوظيف أداة الذكاء الاصطناعي في هذه الهيمنة، لتظل سيناريوهات “نهاية التاريخ” -بالمعنى الحرفي- قائمة على غلبة نموذج بشري على آخر، وليس غلبة الآلة على البشر.
في المحصلة، يُمثّل صعود الذكاء الاصطناعي في عالم اليوم متغيِّرًا مُهِمًّا في التاريخ البشري، يُذكِّر بمسار العالم خلال الثورات الصناعية الكبرى وعقبها، وتحوُّلات هذا العالم بعد اختراع القنبلة الذرية وأسلحة الدمار الشامل على سبيل المثال.
وربما تُوحي السهولة النسبية (نظريًّا على الأقل) لانتقال المعرفة التقنية من المركز إلى الأطراف بأن هذا الصعود سيكون بنِسَب متقاربة في العالم، وأن عائدات الذكاء الاصطناعي ستصل للدول والمجتمعات الفقيرة، كما حال نظيرتها الغنية أو المثالية في رؤية “نهاية التاريخ”.
لكنّ قراءة الوضع الحالي، وما أشار له -على سبيل المثال- الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (28 سبتمبر 2026) عشية اجتماع مرتقب مع رئيس واحدة من كبريات شركات الذكاء الاصطناعي في العالم؛ أن أولوية إدارته تحقيق قصب السبق على الصين، وليس الاستماع لما طالبت به العديد من شركات الذكاء الاصطناعي الأخرى من “إبطاء” تطوير تلك التقنيات.
يكشف كل ذلك عن رؤية ارتباط صعود الذكاء الاصطناعي ونهاية التاريخ برؤية التنافس الدولي، وتأكيد الهيمنة، وإحكام السيطرة على الشعوب والدول المتخلفة تقنيًّا على المدى البعيد؛ بحيث يمكن الحديث عن مرحلة جديدة من الهيمنة واسعة النطاق، وليس عن نهاية للبشرية أو تاريخها، وتلك مسألة أخرى ربما تُجيب عنها التطورات في الشهور والسنوات المقبلة، وبعيدًا عن وَهج “اللحظة الراهنة”.
يتناول الفيديو التالي إطلاق الاتحاد الإفريقي استراتيجية “قراية” للزراعة الرقمية، لرفع الإنتاجية وتعزيز الاستدامة باستخدام تقنيات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
[1]– Fukuyama, Francis, The End of History and the Last Man, The Free Press, New York, 1992.
[2] -Ibid, pp. 20-1.











































