نشرت مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (SWP) مقالًا تحليليًّا بعنوان “تيجراي ودوامة الحرب: الصراع بين جبهة تحرير شعب تيجراي والحكومة الإثيوبية ومسارات التصعيد”، بقلم دكتور “جيريت كورتس/”Gerrit Kurtz، خبير شؤون الشرق الأوسط وأبحاث إفريقيا بالمؤسسة، تطرَّق إلى نبرة التصعيد التي خيَّمت على الأوضاع بين أديس أبابا وإقليم تيجراي وعودة التوترات مجددًا، محذرًا من أنه ربما تؤدي أيّ حسابات غير مدروسة إلى حرب واسعة النطاق مُجددًا، حتى وإن لم تسعَ الأطراف المعنية إلى ذلك مباشرةً. فمنذ انتهاء الحرب في شمال إثيوبيا في نوفمبر 2022، لم يتبلور نظام سياسي جديد مستقر. ويجد الإقليم نفسه في وضعٍ مُتأرجِح ما بين الحرب والسلام.
وتقع مسؤولية هذا الوضع على عاتق كلٍّ من الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي. وبعد أن فقدت الحكومة المركزية السلطة عام 2018، لم تجد جبهة تحرير تيجراي دورًا جديدًا لنفسها، بل باتت تعاني من صراعات داخلية على السلطة تتسم بنزعات استبدادية. في المقابل، لم تبذل الحكومة الإثيوبية ما يكفي لتسهيل عودة النازحين داخليًّا واستعادة وحدة أراضي الإقليم. وربما يطول النزاع إريتريا والسودان وجهات إقليمية أخرى. ويتعيّن على ألمانيا والاتحاد الأوروبي الالتزام الجاد للحيلولة دون نشوب أزمات جديدة لخفض حدة التصعيد في منطقة البحر الأحمر الساخنة.
بقلم: د. جيريت كورتس
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
تُشبه العلاقة بين جبهة تحرير شعب تيجراي والحكومة الإثيوبية لعبة إستراتيجية قوامها الكَرّ والفرّ: كل قرار يتخذه أحد الطرفين يُثير ردود فعل مضادة. كما يختبر الطرفان، وسط خطاب تهديدي، حدود استعدادهما للتصعيد، حتي صار العنف جزءًا لا يتجزأ من أساليبهما.
في 8 أبريل 2026، مددت الحكومة الإثيوبية ولاية الحكومة الاتحادية الانتقالية في تيجراي (تيرا) لمدة عام آخر. وكان من المقرر أن يبقى الجنرال، تاديسي ووريدي، رئيسًا لإقليم ميكيلي. ولم تَعترف جبهة تحرير شعب تيجراي، التي لم يُؤخَذ رأيها بشأن التمديد (مع أنها شاركت في تعيين تاديسي قبل عام)، بهذا القرار. وبدلًا من ذلك، أعادت تشكيل البرلمان الإقليمي الذي انبثق عن انتخابات نُظِّمَت، بشكل أحادي، في عام 2020. وفي 5 مايو 2026، انتخب البرلمان زعيم جبهة تحرير شعب تيجراي، ديبريتسيون جبريمايكل، رئيسًا للحكومة الإقليمية. وهذه الحكومة، بدورها، لا تعترف بالحكومة الإثيوبية. لقد أطاحت حكومة ديبريتسيون الإقليمية بـ “تاديسي” من السلطة.
وفي الوقت نفسه، تقوم قوات دفاع تيجراي، وهي القوات المسلحة التابعة للحكومة الإقليمية، بتجنيد مقاتلين جُدد. ومنذ العام الماضي، وقعت اشتباكات عنيفة متكررة وقصيرة الأمد بين جماعات مسلحة من تيجراي، تدخلت فيها قوات الدفاع الإثيوبية عدة مرات بضربات جوية بطائرات مسيرة. والواقع أنه ليس صراعًا سياسيًّا غامضًا على مستوى محلّي بحت. لقد كانت الحرب التي دارت رحاها بين عامي 2020 و2022 من أشد النزاعات المسلحة دموية في العالم خلال العقود الأخيرة. لكنّ اتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب، آخِذ في الانهيار.
ثغرات اتفاق بريتوريا:
لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار، الذي وُقِّع في نوفمبر 2022 في بريتوريا بجنوب إفريقيا بين جبهة تحرير شعب تيجراي والحكومة الإثيوبية، بوساطة الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) والولايات المتحدة، مَرجعًا أساسيًّا للعلاقات بين تيجراي وأديس أبابا نظرًا لغياب البدائل.
لقد حسَّن اتفاق بريتوريا، على نحو ملحوظ، الحياة في تيجراي خلال الأشهر الأولى التي تلت توقيعه. إذ توقفت الأعمال العدائية، ورفعت الحكومة الحصار الاقتصادي عن المنطقة، واستُعِيدَت الخدمات الأساسية (الكهرباء، والخدمات المصرفية، والاتصالات) التي كانت قد توقَّفت خلال الحرب. كما سلّمت جبهة تحرير شعب تيجراي أسلحتها الثقيلة تحت إشراف الاتحاد الإفريقي. وقد وافقت جبهة تحرير شعب تيجراي على حلّ الحكومة الإقليمية التي شكَّلتها من جانب واحد في عام 2020، بالتنسيق مع أديس أبابا، على إنشاء الإدارة الانتقالية في مارس 2023. وعلى الرغم من ذلك، كانت في موقف صعب منذ البداية؛ لأنها كانت مضطرة أيضًا إلى تقديم تفسير لسكان تيجراي عن أوجه القصور في الحكومة الإثيوبية.
تتجلّى هذه الثغرات بوضوح في ثلاثة مجالات رئيسية بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا؛ أولًا: وضع الأراضي التي كانت تابعة لإقليم تيجراي قبل الحرب، والتي احتلتها ميليشيات أمهرة وقوات الدفاع الوطني الإثيوبية في بدايتها. ويشمل ذلك المنطقتين الغربية والجنوبية للإدارة المحلية، بالإضافة إلى منطقة تسيلمت، جنوب نهر تيكيزي (انظر الخريطة). وتطالب منطقة أمهرة المجاورة بهذه الأراضي، التي لم تكن في الواقع تابعة لـ”تيجراي” قبل عام ١٩٩١. وينص اتفاق بريتوريا فقط على ضرورة تسوية وضعها وفقًا للدستور. ومع ذلك، لم تُتَّخذ بعدُ الخطوات اللازمة لتوضيح دستوري.
وتُعدّ المنطقة الغربية من تيجراي ذات أهمية إستراتيجية؛ إذ تُزرَع بها محاصيل تصديرية على نطاق واسع، مثل السمسم والقطن. وتخشى الحكومة الإثيوبية من أن تتمكن جبهة تحرير شعب تيجراي، عبر الحدود مع السودان، من التواصل مع جهات مسلحة هناك وتنظيم خطوط إمداد خاصة بها.

خريطة أطراف النزاع في شمال إثيوبيا
ثانيًا: وفي سياق متصل بهذه القضية الإقليمية، يبرز مصير النازحين داخليًّا. ففي غضون الحرب الأهلية، نزح قرابة 1,9 مليون شخص داخل إقليم تيجراي ومنها. وحتى بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اتفاق بريتوريا، ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا يزال نحو 750 ألف شخص نازحين في الإقليم، معظمهم من المناطق الخاضعة لسيطرة الأمهرية. ويُمثّل ذلك عبئًا كبيرًا على الإقليم الذي يبلغ تعداد سكانه حوالي ستة ملايين نسمة. وغالبًا ما يجد النازحون الذين تمكّنوا من العودة إلى المناطق المتنازع عليها منازلهم مُدمَّرة أو مُحتلّة. علاوة على ذلك، تفتقر المنطقة إلى الخدمات الأساسية. وبدون التوصل إلى حل متفق عليه بشأن السيطرة السياسية على هذه المناطق، ستظل العودة صعبة.
أما الثغرة الثالثة فتتعلق بتسريح ونزع سلاح وإعادة إدماج جنود قوات دفاع تيجراي. ففي تيجراي وحدها، سُجِّل نحو 274 ألف شخص في برنامج التسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج، وأتمَّ نحو 63 ألف شخص عملية التسريح ونزع السلاح وإعادة الإدماج في تيجراي حتى الآن. إلا أن العملية توقَّفت منذ عام ٢٠٢٥. ويعيش العديد من الجنود في مخيمات تفتقر إلى الإمدادات الكافية. وفي بعض الحالات، خصّصت إدارة تيجراي الإقليمية المؤقتة (TIRA) أكثر من نصف ميزانيتها للمقاتلين المنتظرين تسريحهم، ما حال دون استخدام هذه الأموال في التنمية الإقليمية. وأعاقت مشاريع البناء إعادة دمج المنطقة في النظام السياسي الإثيوبي. ولم تُجرَ انتخابات لاختيار برلمان إقليمي جديد، ولا لتعيين ممثلين عن تيجراي في البرلمان في أديس أبابا، على الرغم من البنود التي نصَّت على ذلك في اتفاق بريتوريا. واستُبعدت منطقة تيجراي بأكملها من الانتخابات التي أُجريت في الأول من يونيو 2026.
جبهة تحرير شعب تيجراي تبحث عن دورها الفاعل:
في أعقاب الحرب المدمرة في شمال إثيوبيا، دار نقاش حادّ داخل جبهة تحرير شعب تيجراي وبين النخبة التيجرانية ككل. كيف يمكن أن يصل العنف إلى هذا الحد؟ ما مدى مسؤولية جبهة تحرير شعب تيجراي، التي هيمنت على الحياة السياسية في تيجراي لخمسة عقود، وما مدى إمكانية التوصل إلى حل وسط مع أديس أبابا؟
تطرَّقت النقاشات أيضًا إلى السؤال الجوهري حول مكانة تيجراي ضمن بنية الدولة الإثيوبية. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر، تنافست النخب السياسية من تيجراي وأمهرة على النفوذ في إثيوبيا. وتصاعد هذا التنافس إلى عدة صراعات عنيفة، كالحرب الأهلية ضد نظام “ديرغ” العسكري من عام ١٩٧٤ إلى ١٩٩١. ثم سيطرت جبهة تحرير شعب تيجراي على الدولة والاقتصاد لمدة ٢٧ عامًا ضمن ائتلاف من الأحزاب، إلى أن وصل “آبي أحمد” إلى السلطة عام ٢٠١٨. وفي ظل حكم “آبي” الأكثر مركزية، من غير المرجّح أن تتمكن جبهة تحرير شعب تيجراي من الاضطلاع بدور وطني. بحسب أحد الأكاديميين من المنطقة، فإن العديد من النخب التيجرانية، بما في ذلك جبهة تحرير شعب تيجراي، قد لا تقبل ببساطة وضعها المُهمَّش.
في الوقت نفسه، تدهورت العلاقة بين جبهة تحرير شعب تيجراي والدولة الإثيوبية. لقد سمح المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا، المسؤول أيضًا عن الإشراف على الأحزاب السياسية، للجبهة بالعمل في عام 2024 (بعد حظرها خلال الحرب) بشروط معينة. كان على الجبهة عقد مؤتمر حزبي لانتخاب قيادتها واعتماد دستورها. بينما رفضت الجبهة الامتثال للإطار القانوني؛ لأن ذلك كان من شأنه تسجيلها كحزب سياسي جديد، وبالتالي إنكار استمراريتها التاريخية. علاوةً على ذلك، جادلت الجبهة بأنها، بصفتها طرفًا مُوقِّعًا على اتفاق بريتوريا، مُعترَف بها بالفعل كحزب. وفي مايو 2025، ألغى المجلس الوطني للانتخابات تسجيل الجبهة نهائيًّا. من وجهة نظر الحكومة الإثيوبية، لم تعد الجبهة موجودة ككيان قانوني، مما يجعل المفاوضات المباشرة صعبة.
كما تُواجه الجبهة مشكلة شرعية داخل إقليم تيجراي نفسه. ففي مارس 2025 ومايو 2026، استبدلت جبهة تحرير شعب تيجراي حكومات انتقالية شرعية سابقة في “ميكيلي” مرتين، مستخدمةً القوة في بعض الأحيان. ويفيد سياسيون معارضون من تيجراي بتعرُّضهم وزملاءهم للمضايقات والاعتقال بين الحين والآخر. وقد أعلنت الجبهة سياسة “عدم التسامح مطلقًا” تجاه وسائل الإعلام التي تروّج لأجندة معارضيها. وغادر عشرات الآلاف من سكان تيجراي، ولا سيما الشباب، إثيوبيا بحثًا عن العمل، متوجهين في الغالب إلى شبه الجزيرة العربية. وفي هذا السياق، تستفيد الجبهة من المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام التي تعيشها تيجراي. وتساعدها التحذيرات المستمرة بشأن مناورات الحكومة الإثيوبية على تبرير أعمالها الخارجة عن القانون.
“آبي أحمد”.. المُخادع:
تواجه الحكومة الإثيوبية برئاسة رئيس الوزراء، آبي أحمد، مجموعة من التحديات؛ فهي تسعى إلى دفع عجلة التحول السياسي والاقتصادي الجاري في البلاد، والابتعاد عن الفيدرالية العِرْقية ونموذج الدولة التنموية لجبهة تحرير شعب تيجراي، نحو الوحدة الوطنية وانفتاح مُتحكم به على اقتصاد السوق. ويتعين على “آبي” الموازنة بين مصالح مختلف الفئات دون أن يصبح تابعًا لأيّ منها. ويبدو أنه يتبنّى إستراتيجية تقسيم المعارضة وإضعافها. كما يُعدّ الحوار الوطني المثير للجدل، الذي قد يُمهّد الطريق لتعديلات دستورية، جزءًا من أدواته.
كان من شأن معالجة العقبات التي تحول دون تنفيذ اتفاق بريتوريا أن تُعرّض العلاقات الهشّة مع الفئات الرئيسية للخطر. وكان تحديد الوضع الإقليمي لمنطقة غرب تيجراي عن طريق استفتاء، كما اقترحت الحكومة، سيتطلب تحديد مَن يحق له التصويت، لا سيما بين النازحين من تيجراي والوافدين الجدد من أمهرة.
وعليه، نشأ وضع مماثل مع التزام الحكومة بضمان انسحاب جميع القوات “غير التابعة لقوات الدفاع الإثيوبية”، ولا سيما الميليشيات الأمهرية والقوات الإريترية. وبينما انسحب الإريتريون من داخل إقليم تيجراي، ظلوا موجودين في شمال شرق الإقليم، وخاصة في “زالامبيسا” و”إيروب”.
كما استفادت حكومة أديس أبابا من التوترات الداخلية في إقليم تيجراي، والتي غذّتها بنشاط، على الأقل في بعض المناطق. ففي عام 2025، انشق مقاتلو قوات الدفاع التيجراي الساخطون على مسار جبهة تحرير شعب تيجراي، وبدأوا بتشكيل ميليشياتهم الخاصة، قوة سلام تيجراي ((TPF. وعلى ما يبدو أن القوات المسلحة الإثيوبية تدعم “قوة سلام تيجراي” بالذخيرة والمؤن والمال. وفي نوفمبر 2025، نشرت قوات الدفاع الإثيوبية طائرات مسيّرة ضد قوات الدفاع التيجراي عندما لاحقت الأخيرة “قوة سلام تيجراي”
عبر الحدود إلى منطقة عفار.
في مايو 2026، أسَّس غيتاشيف رضا، مع حزبه الجديد “سيمريت” وأحزاب أخرى، “مجلس تيجراي للسلام والتغيير/ TPCC”، الذي يضم أيضًا أعضاءً من جبهة تحرير تيجراي. ويقود هذا الائتلاف الجنرال تسادكان جبريتنساي، الذي قاد قوات الدفاع التيجرانية خلال الحرب، وشغل منصب نائب رئيس جيش تيجراي الجمهوري في عهد غيتاشيف. ويهدف “مجلس تيجراي للسلام والتغيير” إلى إزاحة “جبهة تحرير تيجراي” من السلطة في تيجراي “بكل الوسائل المتاحة”، كما نصّ عليه عند تأسيسه. ومنذ أبريل 2025، يشغل “غيتاشيف”، رسميًّا، منصب مستشار “آبي أحمد” لشؤون شرق إفريقيا، بدرجة وزير.
تحالف “تسيمدو” ومصالح إريتريا:
من جانبها، تتعاون جبهة تحرير شعب تيجراي مع عدوتها اللدودة السابقة، إريتريا. ومن المرجّح أن الاتصالات الأولية جرت في دبي مطلع عام 2024؛ حيث التقى “غيتاشيو” بممثلين إريتريين نيابةً عن جبهة تحرير شعب تيجراي، وذلك -بحسب ديبريتسيون- بتشجيع من “آبي أحمد”. يتمثل أحد الأهداف الإستراتيجية لجبهة تحرير شعب تيجراي في تجنُّب عزلها عن العالم مِن قِبَل السلطة الحاكمة في أديس أبابا، كما كان الحال خلال الحرب السابقة.
وفي سياق هذا التقارب، أطلقت إريتريا مبادرة “تسيمدو سلام” عام 2025. ويصفها ممثلو تسيمدو بأنها “حركة سلام شعبية” بين الشعوب ذات الصلة في المنطقة الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا والسودان. ونظرًا للجهات الفاعلة المشاركة في هذا التحالف، تنظر أديس أبابا إلى المبادرة باعتبارها تحالفًا مناهضًا لإثيوبيا يضم جبهة تحرير شعب تيجراي وإريتريا والأمهرة والفانو وحركات معارضة أخرى، استعدادًا لهجوم عسكري مشترك.
لقد شهدت إريتريا تحولًا ملحوظًا، من القتال إلى جانب قوات الدفاع الوطني الإريترية ضد جبهة تحرير شعب تيجراي، إلى أن أصبحت حليفًا للجبهة ضد الحكومة الإثيوبية. بالنسبة للرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، تغيّرت طبيعة التهديدات. فمنذ عام 2023، دأب “آبي أحمد” على التذرع بحق إثيوبيا في الوصول إلى البحر، واصفًا البحر الأحمر بأنه “حدود بلاده الطبيعية”. وفي نوفمبر 2025، صرّح وزير الخارجية الإثيوبي، جيديون تيموتيوس، بأن إثيوبيا لديها أسباب وجيهة لشنّ حرب على إريتريا، لكنها تمتنع عن ذلك بدافع شعورها بالمسؤولية.
في هذا السياق، تسعى إريتريا إلى تجاوز عُزلتها الإقليمية دون التخلّي عن نموذجها الشمولي القائم. ويشمل ذلك التأكيد المستمر على خطر النفوذ الخارجي، لا سيما من إثيوبيا، لتبرير استمرار عسكرة المجتمع. وهناك انفتاح واسع النطاق في المنطقة على التعاون مع عدو سابق، باعتباره “أهون الشرين” مقارنةً بالخصم الرئيسي، كما أظهرت المناقشات مع مختلف الفاعلين السياسيين في إثيوبيا. وتُشكّل هذه الحسابات العلاقة بين جبهة تحرير شعب تيجراي وإريتريا، والعلاقة بين أمهرة فانو وجبهة تحرير شعب تيجراي، وكذلك العلاقة بين “مجلس تيجراي للسلام والتغيير”، والحكومة في أديس أبابا. يفترض الفاعلون قدرتهم على استغلال مصالح بعضهم البعض لتحقيق أغراضهم الخاصة. إنه تعاون تكتيكي، وليس تحالفًا إستراتيجيًّا.
الترابطات الإقليمية:
لا تقتصر التوترات في شمال إثيوبيا على إريتريا فحسب، بل تشمل أيضًا جهات فاعلة إقليمية أخرى قد تُسهم في تصعيدها وربطها بالنزاعات المسلحة القائمة. فعلى سبيل المثال، تدهورت علاقات إثيوبيا مع القوات المسلحة السودانية، التي تُسيطر على معظم الحدود مع جارتها، بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة. فمنذ نهاية عام 2025، أصبحت إثيوبيا إحدى أهم دول العبور لإمدادات قوات الدعم السريع القادمة من الإمارات العربية المتحدة، كما يتضح من عشرات رحلات الشحن السرية شهريًّا وصور الأقمار الصناعية من بني شنقول- جوموز. وتتهم القوات المسلحة السودانية إثيوبيا أيضًا بتسهيل هجمات الطائرات المسيرة الإماراتية على أهداف سودانية، مستشهدةً ببيانات طيران طائرة مسيرة تركية الصنع من طراز “أكينجي” أُسقطت في مايو 2026.
من جانبها، تنظر أديس أبابا بقلق إلى وجود “الجيش 70″، وهي جماعة مسلحة من تيجراي على صلة بجبهة تحرير شعب تيجراي، في السودان. وقد تدخل وحدة “الجيش 70” في الحرب هناك إلى جانب القوات المسلحة السودانية. ويُعتقد أنها تضم عدة آلاف من المقاتلين الذين يمكنهم العمل انطلاقًا من الحدود السودانية في نزاع محتمل حول غرب تيجراي.
علاوة على ذلك، تُعزّز إريتريا علاقاتها مع مصر، التي تخوض نزاعًا مع إثيوبيا حول السيادة على مياه النيل. ففي يونيو 2026، اتفقت أسمرة والقاهرة على التعاون في قطاعات مختلفة، بما في ذلك الاقتصاد البحري. كما تعتزم مصر المشاركة في تطوير مينائي عصب ومصوع، وهما الميناءان اللذان أبدى “آبي أحمد” اهتمامًا بهما، انطلاقًا من خطابه حول الوصول إلى البحر.
ثمة تأثير آخر على المنطقة ينبع من التنافس بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. تُعدّ الإمارات من أقرب شركاء “آبي أحمد” الماليين والعسكريين. وتنظر السعودية بعين الريبة إلى أيّ عسكرة إضافية للبحر الأحمر. في عام 2020، أنشأت الرياض مجلس البحر الأحمر، وهو مبادرة إقليمية للدول المطلة عليه، والتي تضم إريتريا أيضًا. يُعزّز حصار مضيق هرمز الأهمية الاقتصادية للبحر الأحمر بالنسبة لصادرات النفط السعودية. كما تؤثر طرق التهريب العابرة للحدود للأسلحة والمعدات العسكرية الإيرانية في البحر الأحمر على مصالح الرياض الأمنية. حاولت المملكة العربية السعودية التوسط بين إثيوبيا وإريتريا في الماضي، إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل؛ لأن المفاوضات لم تتضمن استخدام ميناء “عصب” عسكريًّا، وهو ما يُمثّل مصلحة رئيسية لإثيوبيا.
عنف متقطع ومخاطر حرب موسعة:
تتصاعد التوترات وأعمال العنف بين جبهة تحرير شعب تيجراي وأديس أبابا تدريجيًّا. رغم افتراض أن كلا الجانبين يرغب في تجنُّب تكرار ويلات الحرب السابقة، لكنهما يظهران على أرض الواقع استعدادًا مستمرًّا لاستخدام القوة العسكرية لتحقيق مصالحهما. فمنذ استيلاء جبهة تحرير شعب تيجراي على السلطة في مارس 2025، وقعت عدة اشتباكات بين قوات دفاع تيجراي وقوات الدفاع الإثيوبية. في نهاية يناير الثاني 2026، عبرت وحدات من قوات دفاع تيجراي نهر “تيكيزي” إلى “تسيلمت”، وبعد بضعة أيام، توغلت في مناطق جنوب تيجراي. اندلعت معارك ضارية، استخدمت خلالها قوات الدفاع الإثيوبية طائرات مسيرة. إلا أن الاشتباكات انتهت بانسحاب قوات الدفاع التيجرانية إلى مواقعها الأصلية.
وصرّح تاديسي، قائد جيش تيجراي الجمهوري آنذاك، على التلفزيون الإقليمي: “لم تكن القوات التي أرسلناها تهدف إلى إشعال حرب”. لقد تم إرسالهم لممارسة الضغط من أجل إعادة طرح قضية عودة النازحين وحقوقنا السيادية على أرض الوطن على جدول الأعمال. وردت الحكومة الإثيوبية على الحادث بحشد قواتها على الحدود مع تيجراي لعدة أشهر.
على الرغم من كل التبريرات الذاتية، فإن الضغط على جبهة تحرير شعب تيجراي من أجل التحرك على أرض الواقع له ما يُبرره. إنهم يعانون من نقص حاد في المال والوقود والأدوية. ومنذ أكتوبر 2025، تتأخر أديس أبابا في تحويلاتها المالية إلى حكومة إقليم تيجراي. ولا يتقاضى موظفو القطاع العام، كالمعلمين، رواتبهم. ويجد السكان أنفسهم عالقين في تبادل إطلاق النار بين جبهة تحرير شعب تيجراي وأديس أبابا.
وتزيد أجواء تسييس قوات الدفاع التيجراي من حدة الصراع. فقد برزت هذه القوات كحركة مقاومة غير حزبية تضم العديد من المتطوعين بعد الهجوم الأولي لقوات الدفاع الوطني في عامي 2020 و2021. إلا أنه في يناير 2025، انحاز قادة قوات الدفاع التيجراي علنًا إلى جانب “ديبريتسيون” ودعموا جبهة تحرير شعب تيجراي في السيطرة على الإدارة الإقليمية. وهناك تقارير مُتداولة مؤخرًا عن عمليات تجنيد قسري. وفي يونيو، أقر المجلس الإقليمي قانونًا يُجيز تعبئة القوات وأنشأ مركز قيادة تحت قيادة ديبريتسيون. يؤكد استخدام التجنيد القسري التقارير التي تفيد بأن قوات الدفاع التيجرانية لا تستطيع الاعتماد على جاهزية جزء كبير من قواتها القتالية. وتسود حالة من الإجهاد من الحرب على نطاق واسع، لا سيما في ظل احتمال اندلاع حرب أهلية داخلية في تيجراي.
بالنسبة لكل من جبهة تحرير شعب تيجراي وآبي أحمد، تُعدّ شرعية أيّ عمل عسكري أمرًا بالغ الأهمية. ويسعى كل طرف إلى تصوير الآخر باعتباره المعتدي. وتُحذّر جبهة تحرير شعب تيجراي باستمرار من خطر الحرب في رسائل مفتوحة إلى جهات دولية فاعلة كالاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة والسفارات الغربية. في المقابل، تُحذّر الحكومة الإثيوبية شركاءها الدوليين من مزاعم استعدادات حربية من جانب جبهة تحرير شعب تيجراي وإريتريا.
والواقع، لا تستطيع أيٌّ من جبهة تحرير شعب تيجراي أو الحكومة الإثيوبية السيطرة الكاملة على وتيرة التصعيد. ثمة خطر من أن تُشنّ ميليشيات أصغر، مثل حرس تيكيزي الأمهرية في غرب تيجراي، وجبهة تحرير شعب تيجراي في عفار، أو وحده جبهة تحرير شعب تيجراي المعروفة باسم “الجيش 70” في السودان، عمليات عسكرية بدوافع محلية. وقد تجد قوات الدفاع الإثيوبية وقوات الدفاع عن تيجراي نفسها مضطرة حينها إلى اتباع شركائها المحليين أو الرد على تحركات هذه الميليشيات المحدودة. في ظل هذه الأجواء المشحونة، من الضروري وجود قنوات اتصال موثوقة حتى لا تتفاقم سيناريوهات سوء التقدير أو سوء الفهم وصولًا إلى صراع أوسع.
المقاربات الدولية للوقاية:
ينبغي على الجهات الفاعلة الدولية العمل بدأب لكسر دوامة التصعيد الحالية. فالنزاع المسلح المتجدد في شمال إثيوبيا قد يمتد بسهولة إلى الدول المجاورة. لم يَفُت الأوان بعدُ لمنع اندلاع حرب أخرى في القرن الإفريقي. يجب على جبهة تحرير شعب تيجراي وحكومتي أديس أبابا وأسمرة وقف تهديداتهما؛ كما يجب على الجبهة تسجيل نفسها كحزب سياسي، وعلى أديس أبابا إنهاء العزلة الاقتصادية للإقليم. ولن تتخذ هذه الجهات خطوات مماثلة إلا بمشاركة الأطراف الأخرى، وهو ما يتطلب وساطة دولية.
يُعدّ الاتحاد الإفريقي، بمبعوثه الخاص المُعاد تعيينه، أولوسيجون أوباسانجو، الذي زار ميكيلي في منتصف يونيو 2026، الوسيط الرئيسي. ومن بين الجهات الفاعلة المحتملة الأخرى الحكومات المشاركة مباشرةً في اتفاق بريتوريا: الولايات المتحدة الأمريكية، وكينيا (بقيادة الرئيس السابق أوهورو كينياتا)، وجنوب إفريقيا. كما يمكن للمملكة العربية السعودية وتركيا أن تلعبا دورًا بنّاءً، لا سيما على المستوى الحكومي الدولي، إذا رغبتا في ذلك.
لن تنجح الوساطة إلا إذا كانت نزيهة تمامًا، وإذا تم تنسيق مختلف مستويات التفاوض. ومن المرجح أن يكون للضغط الأحادي على أحد أطراف النزاع نتائج عكسية. وتخاطر الولايات المتحدة بانتهاك هذا الشرط الأساسي تحديدًا بأفعالها الأخيرة؛ حيث رفعت حظر تصدير الأسلحة إلى إثيوبيا، وفرضت قيودًا على تأشيرات قادة جبهة تحرير شعب تيجراي. كما يتعين على المفوضية الأوروبية النظر في مدى حساسية قرارها باستئناف دعم الميزانية لإثيوبيا دون أن تستجيب لدعوتها، التي صدرت قبل ثلاث سنوات، للتحقيق في جرائم الحرب. وفي بيان لها، انتقد وفد الاتحاد الأوروبي في إثيوبيا جبهة تحرير شعب تيجراي لأفعالها الأحادية، لكنه لم ينتقد الحكومة الإثيوبية لعزلها الاقتصادي للإقليم. ومع ذلك، ثمة أمر واضح أيضًا: لن يردع الضغط الشعبي الأطراف المعنية عن ممارسة مزيد من التصعيد، لكنّ الخطاب أحادي الجانب قد يشجّعهم على المخاطرة.
ينبغي على الحكومة الألمانية ضمان التزام مؤسسات الاتحاد الأوروبي بموقف متوازن تجاه الأطراف المتنازعة. ولا ينبغي أن يقتصر دور ألمانيا وأوروبا على دعم وساطة الاتحاد الإفريقي الجارية، لا سيما وأن الاتحاد الإفريقي يمتنع تقليديًّا عن انتقاد الدولة المضيفة، إثيوبيا.
يكمن أهم عامل ضغط على الحكومة الإثيوبية في برامج البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الضخمة، التي تتمتع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بنفوذ كبير فيها. يتعيّن على ألمانيا أن تدعو إلى توجيه رسالة مشتركة إلى الحكومة الإثيوبية تفيد بأن تجدد حرب واسعة النطاق من شأنه أن يُهدد استمرارية هذه البرامج بنجاح. وقد أشار صندوق النقد الدولي نفسه إلى هذا الخطر تحديدًا. كما يتعين على كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن يُعيدا تقييم صادرات إثيوبيا المرتفعة من الذهب بشكل أكثر دقة، والتي يأتي جزء كبير منها من مناجم غير نظامية في تيجراي.
كذلك يتوجب على كل من ألمانيا والاتحاد الأوروبي معالجة الأزمة في إثيوبيا من خلال محادثات مع شركاء من خارج المنطقة، مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل وتركيا. ومن أبرز أوجه القصور في اتفاق بريتوريا: عدم مصاحبة تنفيذه بآلية حوار إقليمية بشأن الأمن في القرن الإفريقي.
يمكن على الأقل تخفيف حدة التنافس الجيوسياسي الحالي في هذه المنطقة من خلال تعزيز التواصل والشفافية، وإرساء حوارات منتظمة مع دول المنطقة والجهات الخارجية المذكورة سلفًا. ويُعدّ وضع إطار مشترك أمرًا صعبًا نظرًا للتنافس القائم؛ لذا، سيتعين على المبعوثين الدوليين الخاصين مواصلة العمل الجاد على تعزيز قنوات الاتصال وتنسيق جهودهم. ومن أجل الدبلوماسية الوقائية، يبقى هذا الالتزام أكثر ضرورة من أيّ وقت مضى.
ــــــــــ
رابط التقرير:
https://www.swp-berlin.org/en/publication/die-region-tigray-in-der-grauzone-des-krieges











































