ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
نشرت مجلة “تأملات/ Reflections”* النمساوية، الصادرة عن المعهد النمساوي للشؤون الدولية “OiiP”، ومقره فيينا، في عددها الثالث في يونيو 2026، مقالًا تحليليًّا بقلم الباحثة والحقوقية “تسيون بيرغانو/Tsion Bergano”* بعنوان “أكثر من مجرد اتفاقية تجارية: اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية وأجندة التنمية في إفريقيا في ظل نظام عالمي متشرذم”.
استعرضت خلاله -من واقع عملها القانوني في أمانة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية– المراحل التي مرَّت بها الاتفاقية بدءًا من هيكلها التأسيسي، مرورًا بأهدافها، وآلية العمل داخلها، ووصولًا إلى الفرص الجديدة المتاحة؛ حيث أتاحت الأوضاع العالمية المرتبكة فرصة سانحة لاكتشاف واستيعاب إمكانات اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية وسُبل إسهامها في تحقيق قفزة تنموية حقيقية استنادًا إلى ديناميكية الأسواق الإفريقية نفسها، وسدّ احتياجات الطلب المحلي.
محتويات المقال
منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية
في 21 مارس 2018، شاركتُ في مراسم توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) في كيغالي، رواندا. وأتذكرُ بوضوح الأجواء التي سادت بين مسؤولي مفوضية الاتحاد الإفريقي والدبلوماسيين الأفارقة؛ حيث سادت مشاعر الحماس والتفاؤل، بل والاحتفال. كما كان هناك اعتراف ضمني بمشاعر الإحباط الذي طال أمدها بسبب محدودية قدراتنا على تعزيز مصالحنا الجماعية، وبسبب التهميش الهيكلي الذي أبقى إفريقيا في دوامة متكررة.
والواقع أن تلك الثقة المبكرة اكتسبت معنًى جديدًا في سياق عالمي يتّسم بتصدع سلاسل التوريد، واستمرار النزعة الحمائية، وضعف المعايير متعددة الأطراف. من منظور دول “الشمال العالمي”، تبدو هذه التوجهات بمثابة اضطرابات غير مسبوقة. أما من منظور إفريقي، فلا تُمثّل هذه اللحظة “قطيعة” بقدر ما هي استمرار لنمط قديم. لطالما اتّسم وضع القارة في الاقتصاد العالمي باختلالات هيكلية، وتمثيل محدود، وتهميش مستمر لمصالحها.
وبالتالي، يمكن اعتبار اعتماد اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بمنزلة استجابة واعية لهذه الظروف التاريخية لبناء إطار بديل للتعاون. وتمثل الاتفاقية أجندة تنموية متطورة تهدف إلى إعادة هيكلة العلاقات الاقتصادية داخل إفريقيا، وتعزيز القدرات الجماعية، والحد من الاعتماد على الخارج.
السياق التاريخي: التهميش الهيكلي لإفريقيا
لطالما كان دخول إفريقيا إلى الاقتصاد العالمي يعتريه بعض الاختلالات وعدم التوازن: خلال الحقبة الاستعمارية، تم توجيه القارة لتوفير المواد الخام بالتزامن مع قمع أيّ جهود في مجال التصنيع أو تحقيق قيمة مضافة أو كَبْحها تمامًا. وبعد إنهاء الاستعمار، حافظت إستراتيجيات التنمية، التي غالبًا ما تأثرت بجهات خارجية، على هذه الإستراتيجيات القديمة. وقد ضاعفت برامج التكيُّف الهيكلي، منذ ثمانينيات القرن الماضي، من الاعتماد على الصادرات الأولية على حساب النمو الصناعي.
وعلى الرغم من التشدق بإيجابيات الشمول العالمي؛ فإن النظام التجاري الذي أُرسِيَ بعد عام ١٩٤٥ عكس اختلالات موازين القوى التي سادت في تلك السنوات الأولى. عمليًّا، كانت عملية صُنع القرار في مؤسسات مثل الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات)، ولاحقًا منظمة التجارة العالمية، حكرًا على الدول الغنية الصناعية. ونادرًا ما كانت الدول الإفريقية حاضرة عند وضع القواعد المُنظِّمة للعمل. بل أصبحت متلقية للقواعد لا صانعة لها، وكانت خياراتها في رسم مستقبلها محدودة للغاية.
في الواقع، يُلقي هذا التاريخ بظلاله على الاضطرابات الحالية. وبالنسبة لإفريقيا، لا تُنذر التصدعات التي تعاني منها المنظومة متعددة الأطراف بكارثة؛ بل تكشف ببساطة حقيقةً لطالما أدركها سكان القارة: لم تضع هذه القواعد العالمية مطلقًا تنمية إفريقيا في حساباتها.
منطق تصميم وتطوير منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية
دخلت اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيّز التنفيذ في 30 مايو 2019، وبدأ التداول بموجبها في يناير 2021، بعد توقيعها من 54 دولة إفريقية. وتُعد الاتفاقية أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، إذ تستهدف إنشاء سوق قارية تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، وتجمع اقتصادات تتجاوز قيمتها 3 تريليونات دولار. ويتجاوز نطاقها التعريفات الجمركية ليشمل الخدمات والاستثمار والملكية الفكرية وسياسة المنافسة والتجارة الرقمية.
ما يُميّز هذه الاتفاقية ربطها الواضح بين التجارة والتنمية؛ إذ تسمح الاتفاقية بالتحرير التدريجي، وتوفير ضمانات للقطاعات الحساسة، ومنح الدول مساحة سياسية لمواءمة التزاماتها التجارية مع إستراتيجياتها الاقتصادية الأوسع.
وتُقرّ هذه المرونة بإمكانية إدارة التنوع في جميع أنحاء القارة. وبدأ بالفعل التبادل التجاري بموجب الاتفاقية رسميًّا في يناير 2021. بينما لا يعني هذا أن إفريقيا قد حقّقت طموحاتها في التكامل الاقتصادي بالكامل.
فلا يزال التنفيذ على أرض الواقع مُعقّدًا، وأحيانًا غير متكافئ. ولا تزال هناك مجموعة من العوامل تشكل تحديات وعراقيل، بما في ذلك الثغرات في البنية التحتية ومحدودية استعداد الأنظمة الحالية للتكيف مع النظام التجاري الجديد. بينما لا تزال الإرادة السياسية فتية، والالتزام بإنجاح اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية جليًّا للعيان.
لم يكن الهدف من اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية مجرد خفض الرسوم الجمركية، بل تتجاوز أهدافها تحرير التجارة لتشمل التنمية الصناعية، والتنويع الاقتصادي، وتعزيز سلاسل القيمة الإقليمية. ويعني ذلك عمليًّا تحولًا في كيفية تموضع إفريقيا اقتصاديًّا. وبدلًا من تصدير المواد الخام بمعزل عن العالم الخارجي، تتمثل الفكرة في بناء أنظمة إنتاج عابرة للحدود؛ حيث يمكن أن تتم عمليات المعالجة والتصنيع والخدمات اللوجستية والتمويل والتوزيع داخل القارة نفسها.
لنأخذ القهوة مثالًا بسيطًا. لا ينبغي أن تقتصر دولة مثل إثيوبيا على تصدير حبوب البن الخام. وبموجب منطق اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، يمكن استيراد المواد الخام من دولة، ومعالجتها في دولة أخرى، وتعبئتها في مكان آخر، وتوزيع المنتج النهائي في جميع أنحاء القارة؛ وهو ما يمثل نمط التكامل المنشود.
تطبيق عملي
خلال دورة تدريبية حول اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية للشركات الإثيوبية، وصف أحد المُصدّرين كيف غيَّر هذا الإطار نظرته إلى السوق. كانت شركته، المتخصصة في إنتاج الفراولة، تُصدِّر منتجاتها تقليديًّا إلى الإمارات العربية المتحدة وأوروبا.
وعندما تعطلت الرحلات الجوية بسبب إغلاق مضيق هرمز، تكبَّد خسائر فادحة، وشرع في البحث عن أسواق محلية. وفي غضون أسابيع، وجد مشترين في نيجيريا، وأتمّ شحنته الأولى بموجب إجراءات اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية. وقال: “لم يخطر ببالي قطّ إمكانية التبادل التجاري داخل إفريقيا نفسها، ولكنني الآن بحاجة إلى فهم آلية عملها”. وتعكس تجربته تحولًا أوسع نطاقًا في نظرة الشركات الإفريقية إلى القارة كسوقٍ واعدة.
كان التقدم مطردًا، وإن كان متفاوتًا. تبادلت 49 دولة من دول الأطراف عروض التعريفات الجمركية، وقامت أمانة اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية بالتحقق من 46 عرضًا من العروض المُقدَّمة. ونشرت 22 دولة جداول تعريفاتها الجمركية في الجريدة الرسمية. كما تم إصدار أكثر من 11,000 شهادة منشأ خاصة باتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، مما يُتيح للتُّجَّار الوصول إلى أسواق تفضيلية داخل القارة.
وقد اكتملت الآن قواعد المنشأ، مما يُوفّر أساسًا تنظيميًّا متّسقًا للتجارة. ويجري تحرير الخدمات من خلال جداول وطنية تغطي قطاعات مثل التمويل والنقل والسياحة والاتصالات وخدمات الأعمال. وتم اعتماد بروتوكول التجارة الرقمية، الذي يُرسي إطارًا قاريًّا للتجارة الإلكترونية وإدارة البيانات.
كذلك يشهد التكامل النقدي تقدمًا ملحوظًا. فقد بدأ نظام الدفع والتسوية الإفريقي الشامل (PAPSS) العمل في أحد عشر بلدًا، مما يُتيح إجراء المعاملات عبر الحدود بالعملات المحلية. ورغم أن نطاق هذا النظام لا يزال محدودًا، فإنه يُمثّل خطوة عملية نحو خفض تكاليف المعاملات، والحد من الاعتماد على الأنظمة النقدية الخارجية. وبالتالي، تُسهم هذه التطورات مجتمعةً في تحويل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تدريجيًّا من مشروع مؤسسي إلى واقع ملموس للشركات والتجار في جميع أنحاء القارة.
الاستقلال الإستراتيجي في عالم متعدد الأقطاب
تتبلور اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية في سياق عالمي يشهد تحولات متسارعة. فالقوة الاقتصادية تتوزع على نطاق أوسع، ولم تَعُد مراكز النفوذ التقليدية مهيمنة كما كانت في السابق. بالنسبة لإفريقيا، يُمثّل هذا الوضع مخاطر وفرصًا في آنٍ واحد. فالمنافسة الجيوسياسية المتزايدة، وتجزئة سلاسل التوريد، وتنامي النزعة الحمائية، تخلق حالة من عدم اليقين تعتري الاقتصادات الإفريقية. وفي الوقت نفسه، تُحفّز هذه العوامل طموحات تعزيز التكامل الإقليمي والعمل الجماعي الفعّال.
من خلال تعزيز التكامل القاري، تُعزّز اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية قدرة إفريقيا على التفاوض الجماعي بشأن قضايا مثل الديون، وتمويل المناخ، وسلاسل التوريد. كما تتيح مشاركة أكثر توازنًا مع الشركاء الخارجيين، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والصين والهند. ورغم استمرار وجود بعض أوجه عدم التكافؤ، يظل العمل الجماعي عاملًا مُعزِّزًا لموقف إفريقيا التفاوضي.
نموذج للاقتداء بالنسبة لأوروبا وللمناطق الأخرى
بالنسبة لأوروبا، التي غالبًا ما اعتبرت نفسها نموذجًا يُحتذى به في مجال التكامل، يُشكّل النهج الإفريقي مقارنة مفيدة. فقد تطور الاتحاد الأوروبي من خلال مواءمة قانونية عميقة بين اقتصادات متشابهة نسبيًّا. أما التكامل الإفريقي، على النقيض من ذلك، فينطلق من التنوع، ويتقدم عبر التقارب التدريجي. ويشدّد النموذج الأوروبي على وضع القواعد والتوحيد القياسي، في حين تُركّز منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بشكل أكبر على التنسيق والمرونة وهامش تعديل السياسات.
في الوقت الذي ينشغل فيه القادة الأوروبيون بالتشرذم والتباين الاقتصادي وتجدّد النقاشات حول السيادة؛ يُقدّم نَهْج إفريقيا منظورًا مختلفًا. فهو يشير إلى أن المرونة لا تُقوّض التكامل بالضرورة، بل قد تكون شرطًا لاستدامته. ففي حين تكمن قوة أوروبا تقليديًّا في عمق مؤسساتها، ربما تكمن قوة إفريقيا في قدرتها على التكيُّف السياسي، وهو أحد أشكال التعاون المُصمَّمة للعمل على الرغم من الاختلافات الهيكلية.
وتُظهر اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أن التكامل يمكن أن يسير دون توحيد، وأن التعاون يمكن أن يستمر حتى في ظل ظروف عدم المساواة والفرص المتكافئة. وفي فترة تتعرض فيها الأنظمة العالمية لضغوط، تُقدّم تجربة إفريقيا منظورًا قيِّمًا حول كيفية الحفاظ على تكامل مَرِن وقادر على التكيف والتطلع إلى المستقبل.
خاتمة: من المشاركة إلى الفاعلية
من الأفضل فهم منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية باعتبارها عملية تطوير مستمرة وليست مجرد حدث عابر. ويتجلى التقدم الذي أحرزته في تطورات على أرض الواقع في: إصدار شهادات المنشأ، تداول الشركات بموجب مزايا الاتفاقية، وأنظمة الدفع التي تُسهّل المعاملات عبر الحدود، والتزامات الخدمات التي تتبلور تدريجيًّا. ولا يُعدّ أيّ من هذه التطورات تحوّلًا جذريًّا بحد ذاته. بل إنها تعكس، مجتمعةً، قارةً تعمل بخطى ثابتة على بناء المؤسسات والممارسات وتراكم الثقة اللازمة لتعزيز مستقبلها الاقتصادي ذاتيًّا.
تُمارس إفريقيا تدريجيًّا تأثيرًا متزايدًا على الأُطُر التي تُشكّل مستقبلها الاقتصادي. وتعكس منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية هذا التحوّل من خلال تطوير مؤسسات وقواعد تستند إلى الأولويات الإفريقية.
وتكمن أهميتها في تعزيز قدرة القارة على تشكيل مسار تنميتها بنفسها. وأظهرت الظروف الراهنة وغلق مضيق هرمز وتعطل ممرات الملاحة العالمية أن هناك فرصًا ليست تحت الضوء الكافي. ففي مواجهة الاضطرابات التي شهدتها أسواق التصدير التقليدية، تتكشف فرص جديدة داخل إفريقيا نفسها. الأمر الذي يعكس إدراكًا أوسع نطاقًا لدى الشركات الإفريقية؛ وهو الاعتراف المتزايد بأن المرونة يمكن بناؤها من خلال الأسواق الإفريقية والطلب الإفريقي.
يستعرض الفيديو التالي دوافع إسبانيا في سعيها لتعزيز نفوذها في إفريقيا عبر شراكة شاملة، مثل الدوافع الجيوسياسية والاقتصادية، وخاصة منطقة التجارة الحرة القارية، وسعي مدريد لتأمين الطاقة.
* مجلة “Reflections”: مجلة “تأملات” هي أحدث إصدارات المعهد النمساوي للشؤون الدولية (OiiP)، والتي انطلقت في مطلع عام 2026، وتهدف إلى إتاحة تحليل السياسة الدولية والاتجاهات والديناميات العالمية لجمهور أوسع.
* تسيون ديميسي بيرغانو: مسؤولة الشؤون القانونية والمؤسسية في أمانة منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وتتمتع بخبرة واسعة في القانون الدولي والتجارة والتكامل الاقتصادي الإفريقي.
رابط العدد: https://www.oiip.ac.at/en/publications/reflections-beyond-the-comfort-zone/











































