تُلقي الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران ظلالًا ثقيلة على العالم قاطبة، خاصةً في ظل التصعيد الأخير في منطقة البحر الأحمر، وامتداد ورقة الضغط الإيرانية إلى مضيق باب المندب. الأمر الذي بات يُهدّد باختناق شبه تام لحركة الملاحة البحرية العالمية، ويُعرقل وصول إمدادات الطاقة، ليصبح الجميع مشتركًا في دفع فاتورة هذه الحرب.
وفي هذا السياق، نشرت مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (SWP) تقريرًا حديثًا في منتصف سبتمبر الجاري، بقلم “بريال سينغ/ Priyal Singh”- مستشار أبحاث أول في معهد الدراسات الأمنية (ISS) –ضمن سلسلة تقارير (The Future of African-European Relations)*؛ يستعرض إشكالية وصول الخصومات الخليجية إلى البحر الأحمر، الأمر الذي أصبحت تكتسب معه الدول الإفريقية أهمية إستراتيجية في الوقت الذي تُواجه فيه ضغوطًا جديدة تَحُدّ من مجال مناورتها.
في هذا التقرير، يحلل “بريال سينغ” ما يعنيه النظام الأمني المتغير في منطقة البحر الأحمر بالنسبة لقدرات إفريقيا الجماعية وكذلك دور أوروبا الإقليمي.
بقلم: بريال سينغ
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
كشف الصراع المستمر في أنحاء الشرق الأوسط عن تصدُّعات جيوسياسية إقليمية متغيرة، تجذب الدول الإفريقية إلى دائرة صراع موسَّعة تتركز حول منطقة البحر الأحمر.
ولقد تشكَّلت دائرة الصراع جرّاء تداخُل عدة أزمات ناجمة عن العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وتَجدُّد هجمات الحوثيين على الممرات الملاحية، والتنافُس السعودي-الإماراتي في منطقة القرن الإفريقي، فضلًا عن نزاعات أخرى بين الدول الإفريقية تتعلق بالسيادة والنفوذ الإقليمي.
وفي حال تفاقمت هذه الأزمات وصارت تُغذِّي بعضها بعضًا، ربما تكون التبعات وخيمة على الدول الإفريقية الواقعة على امتداد ساحل البحر الأحمر.
وتكتسب هذه التحوُّلات أهمية مباشرة بالنسبة لأوروبا أيضًا؛ إذ تعتمد تجارتها وأمنها البحري اعتمادًا كبيرًا على ممرات البحر الأحمر؛ فهي تضع الدول الإفريقية في قلب نظام أمني ترتسم ملامحه مع الوقت؛ حيث تُقدّم الأطراف الأوروبية والخليجية أشكالًا شديدة التباين من الشراكة.
التنافس الخليجي يُعيد تشكيل مشهد البحر الأحمر:
لقد أضفت الحملة الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران مزيدًا من الزخم على هذه التحولات المتداخلة؛ إذ أدَّت الهجمات الانتقامية الإيرانية ضد الأطراف الخليجية إلى زعزعة القناعات الراسخة بشأن موثوقية الولايات المتحدة والضمانات الأمنية التي تُوفّرها لحلفائها الخليجيين التقليديين. وفي المقابل، أدَّت هذه المخاوف إلى تسريع وتيرة تبنّي القوى الإقليمية -ولا سيما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية- إستراتيجيات تحوُّط أكثر وضوحًا؛ وهي القوى التي تراجَع تنسيقها الأمني السابق لمواجهة النفوذ الإيراني تحت وطأة تباين الرؤى حول النظام الإقليمي وتنافسها على الزعامة الإقليمية.
من جانبها، تُكثِّف أبوظبي تحركاتها من أجل اختبار مكانة الرياض القيادية بواسطة استعراض قوتها عبر نهجٍ يعتمد على شبكة من العلاقات والمصالح، مستفيدةً في ذلك من استثماراتها الواسعة في الموانئ والبنية التحتية الإستراتيجية، إلى جانب تعميق روابطها مع جهات فاعلة غير حكومية وحركات انفصالية (تتحدى بفاعلية سلطات الدولة المركزية).
وقد تجلّى ذلك بوضوح في كلٍّ من اليمن، والسودان، وليبيا، والصومال (من خلال دعم الإمارات للإدارة الإقليمية المنشقة في “صوماليلاند”، والإدارة الإقليمية المتمتعة بالحكم الذاتي في “بونتلاند”). والأمر الذي يُمثّل أهمية بالغة أيضًا، هو تعزيز أبوظبي انخراطها مع إسرائيل في أعقاب تطبيع العلاقات معها بموجب “الاتفاقيات الإبراهيمية”.
في المقابل، سعت الرياض إلى تقويض جهود أبوظبي من خلال دعم سلطات الدولة المركزية المُعتَرَف بها وبناء شراكات موازية مع أطراف إقليمية تشاركها الرؤى ذاتها.
ففي اليمن، على سبيل المثال، شمل ذلك تعاونًا براجماتيًّا مع حزب “الإصلاح” اليمني، في حين تبنَّت الإمارات نهجًا لا يتسامح مطلقًا مع الجماعات الإسلامية السياسية. وتساعد هذه الاعتبارات أيضًا في تفسير استعداد الرياض لتعميق علاقاتها مع كلٍّ من قطر وتركيا، مع تحييد الخلافات السابقة حول خطر الإسلام السياسي بعيدًا عن مسار هذه العلاقات.
وفي الوقت نفسه، يمكن النظر إلى التنسيق الوثيق بين الرياض وكلٍّ من مصر وباكستان وتركيا على أنه محاولة لتعزيز الشراكات الإقليمية التي تتركز حول الدولة، وكبح جماح الإمارات، والتحوُّط في مواجهة العلاقة الإستراتيجية الوثيقة التي تربط أبوظبي بإسرائيل.
وتُعدّ هذه البيئة الأمنية المُتقلِّبة ذات أهمية خاصة بالنسبة للدول الإفريقية الواقعة على طول البحر الأحمر، والتي يمكن أن تُوفّر الوصول إلى الموانئ والمطارات والشراكات الاستخباراتية والأمنية.
الدول الإفريقية تتنقل بين شراكات متنافسة:
باعتبارها الدولة غير الساحلية الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم، هناك هدف هيكلي لإثيوبيا في تنويع منافذها البحرية بما يتجاوز اعتمادها الكبير على جيبوتي. ولذلك، يبقى ميناء بربرة في أرض الصومال جذابًا؛ نظرًا لأن شركة موانئ دبي العالمية، المملوكة للدولة الإماراتية، قد طوَّرت الميناء والمنطقة الاقتصادية وممرًّا للنقل باتجاه إثيوبيا. إلا أن السياق الدبلوماسي قد تغيَّر منذ مذكرة التفاهم المثيرة للجدل بين إثيوبيا وأرض الصومال عام 2024. وبموجب إعلان أنقرة الصادر في ديسمبر 2024، جدَّدت إثيوبيا والصومال التزامهما بسلامة أراضي كلٍّ منهما، واتفقتا على التفاوض بشأن وصول إثيوبيا التجاري إلى البحر تحت السيادة الصومالية، وقد بدأت المحادثات الفنية في فبراير 2025.
إلا أن ذلك لم يُخرِج إثيوبيا من دائرة التنافس الخليجي؛ بل زاد من عدد الأطراف المعنية بتشكيل آلية تأمين وصول إثيوبيا إلى البحر. وفي هذا السياق، تنامى دور تركيا كوسيط مُهِمّ بين إثيوبيا والصومال، في حين تُحافظ الإمارات العربية المتحدة على علاقات تجارية وسياسية وطيدة مع كلٍّ من إثيوبيا وأرض الصومال.
وفي غضون ذلك، أدَّت تقارير وردت عام 2026 -وتحدثت عن وجود شبكات تدريب ولوجستيات تدعم “قوات الدعم السريع” السودانية انطلاقًا من الأراضي الإثيوبية (وهي تقارير نفتها إثيوبيا والإمارات نفيًا قاطعًا)- إلى زيادة حدة التوتر مع السودان. ومِن ثَمَّ، تنبع القيمة الإستراتيجية لإثيوبيا من سوقها، وثِقَلها العسكري، وطموحاتها المتعلّقة بالممرات، وموقعها الجغرافي الواقع بين ساحل البحر الأحمر ومناطق الصراع في العمق الداخلي.
في المقابل، تسيطر مصر على قناة السويس، وتمتلك قدرات عسكرية وبحرية كبيرة، وتتمتع بموقع إستراتيجي عند الطرف الشمالي لمنطقة البحر الأحمر؛ إذ يؤثر أيّ اضطراب في محيط مضيق باب المندب بشكل مباشر على حركة الملاحة في قناة السويس وعلى الإيرادات المصرية، فضلًا عن أن قربها من بؤر عدم الاستقرار في السودان والصومال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمصالحها الأمنية الإقليمية.
كما تظل المنافسة بين مصر وإثيوبيا عاملًا مهمًّا؛ ففي ظل التوترات المحيطة بالتدشين الرسمي لـ”سدّ النهضة الإثيوبي الكبير” في سبتمبر 2025، أعادت إثيوبيا إحياء خطط لإنشاء ثلاثة سدود إضافية على النيل الأزرق؛ (وهي: كارادوبي، وماندايا، وبيكو آبو)، مما أثار اعتراضات مصرية متجدّدة ومشروعة وضعتها في حالة تأهُّب مستمر مع إثيوبيا.
وهو الأمر الذي دفَع القاهرة إلى اتخاذ خطوات ربما تهدف إلى تقليص هامش المناورة المتاح لأديس أبابا، مثل معارضة المطالب الإثيوبية بالوصول إلى البحر، والاعتراض على السيطرة الأحادية على مياه النيل الأزرق، بالإضافة إلى تعزيز العلاقات مع إريتريا. وقد أدَّت هذه التطورات مجتمعةً إلى دفع القاهرة نحو اصطفاف جيوسياسي إقليمي أكثر قوة ووضوحًا مع الرياض.
أما السودان، فتكمن أهميته بالنسبة للأطراف الخليجية، فضلًا عن احتمالية انخراطه في منظومة صراع أوسع، في طبيعة الصراع الدائر فيه وموقعه الجغرافي؛ إذ يظل ميناء بورتسودان بوابة خارجية حيوية للقوات المسلحة السودانية؛ حيث تواصل الأسلحة والخدمات اللوجستية والعناصر البشرية القادمة من الخارج إشعال فتيل الحرب. وتواجه الإمارات العربية المتحدة اتهامات مستمرة بدعم قوات الدعم السريع؛ وهي اتهامات تنفيها الإمارات.
في المقابل، تزداد أهمية الصومال في ظل هذا المشهد؛ نظرًا لامتلاكه شريطًا ساحليًّا طويلًا وقُربه من مضيق باب المندب. وقد قُوبِل قرار الحكومة الفيدرالية الصومالية -المتخذ في يناير 2026- بقطع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة بالرفض مِن قِبَل كلٍّ من “صوماليلاند” (التي تسعى للانفصال) و”بونتلاند” (التي تتمتع بحكم ذاتي) و”جوبالاند”؛ وهي أطراف ترتبط جميعها بعلاقات خاصة مع الإمارات العربية المتحدة.
وفي المقابل، عزَّزت كلٌّ من تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية انخراطها مع الحكومة الفيدرالية؛ حيث تسعى هذه الأطراف جميعًا لتحقيق مصالحها البحرية والأمنية من خلال التعامل مع سلطات الدولة المتنافسة.
دور أوروبا وخيارات إفريقيا الإستراتيجية:
أوروبا ليست غائبة عن هذا المشهد الأمني؛ إذ يحافظ الاتحاد الأوروبي على حضور بحري ملموس من خلال عمليتين؛ عملية “أسبيدس/ ASPIDES” التي تحمي الملاحة التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وعملية “أتالانتا/ ATALANTA” التي تُغطّي غرب المحيط الهندي وأجزاءً من البحر الأحمر.
وفي يوليو 2026، وقّع الاتحاد الأوروبي وجيبوتي اتفاقيةً بشأن وضع القوات الخاصة بعملية “أسبيدس”، الأمر الذي يعكس مدى اعتماد النشاط البحري الأوروبي على الشركاء الأفارقة فيما يتعلق بمسائل الوصول والخدمات اللوجستية والدعم البري.
من جهته، يواصل الاتحاد الأوروبي أيضًا انخراطه في الصومال من خلال بعثته المدنية لبناء القدرات (EUCAP Somalia) وبعثته للتدريب العسكري (EUTM Somalia)، إلى جانب العملية البحرية الإقليمية “أتالانتا”.
وتستمر ولاية هذه المهام الثلاث حتى 28 فبراير 2027؛ حيث تعمل بعثة (EUCAP) على إنفاذ القانون البحري، وتعزيز قدرات خفر السواحل في كل من مقديشو وصوماليلاند وبونتلاند، في حين يركّز النهج الأوسع للاتحاد الأوروبي على إرساء مؤسسات أمنية خاضعة للمساءلة، وتعزيز الحوكمة البحرية.
ويُعدّ هذا النموذج من النفوذ مُغايرًا تمامًا عن ذلك الذي تتبعه القوى الخليجية؛ إذ يواصل الاتحاد الأوروبي توفير الأمن البحري العام والتدريب والدعم المؤسسي، دون ربط ذلك بالحصول على مزايا مثل الوصول الأكبر إلى الموانئ، أو ممارسة الوصاية السياسية، أو الاستفادة من البنية التحتية الإستراتيجية.
ومع ذلك، ينبغي التساؤل عن مدى استدامة هذا النهج وجدواه وجاذبيته على المدى الطويل؛ إذ يبدو أن الدول الإفريقية المُطلة على البحر الأحمر تنجذب نحو مدار جيوسياسي أكثر حدة في ظل التنافس بين القوى الخليجية؛ وذلك نظرًا للأدوار التي قد تؤديها هذه الدول ضمن إستراتيجيات تحوُّط إقليمية متنافسة. ومن المرجّح أن تواصل الميزة الإستراتيجية التي تتمتع بها هذه الدول الإفريقية تعزيز الاستثمارات الخليجية القائمة في قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة، وغيرها من البنى التحتية الإستراتيجية، فضلًا عن تحفيز المزيد من التنسيق الدفاعي والأمني.
وبناءً على ذلك، قد يزداد تشابُك العلاقات التجارية مع التزامات متبادلة في مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات، لتُشكّل بديلًا أكثر جاذبية بفارق ملحوظ عما تقدّمه أوروبا. غير أن هذا الأمر قد يؤدي أيضًا إلى انخراط الدول الإفريقية في هياكل أمنية وتحالفات جيوسياسية متنافسة، مما يُقلِّص هامش المناورة المتاح لها.
ونتيجة لذلك، قد تجد الدول الإفريقية نفسها مضطرة لمواجهة معضلة شائكة للغاية في وقتٍ أقرب مما هو متوقع؛ فإما أن تتعامل مع قوى الشرق الأوسط من خلال نَهْج أكثر تنسيقًا يُوجّه المنافسة الخارجية نحو دفع أجندة تنموية مشتركة، أو أن تعطي الأولوية لعلاقات ثنائية مجزأة قد توفّر استثمارات فورية ودعمًا دبلوماسيًّا ومساندةً بشأن قضايا أمنية مُلِحّة.
وقد يُفضي هذا النهج الأخير إلى مكاسب فردية قصيرة الأجل؛ غير أن ذلك سيتحقق على حساب مكاسب تنموية مشتركة ورصينة وطويلة الأمد (ترتبط بالتكامل الإقليمي، والتصنيع، وتطوير مؤسسات الحوكمة والسياسات المالية على مستوى القارة).
وبناءً على ذلك، يمكن لاستجابة قارية أكثر توجيهًا واستهدافًا أن تمنح دول شمال وشرق إفريقيا دورًا قياديًّا في صياغة وتشكيل انخراط القارة مع قوى الشرق الأوسط؛ إذ يتيح لها موقعها الجغرافي القريب -مقترنًا بتنامي الأهمية الإستراتيجية- فرصًا ونفوذًا استثنائيين يمكن توظيفهما لصالح القارة.
وتكمن المسألة الجوهرية فيما إذا كانت إفريقيا سوف تستثمر هذه القيمة الجديدة لدَفْع عجلة التنمية المشتركة، أم ستسمح لها أن تُعمّق حالة التشرذم في القارة.
—————————–
هوامش:
The Future of African-EuropeanRelations *: يبحث تقرير “مستقبل العلاقات الإفريقية-الأوروبية” في سبل بناء شراكات أقوى بين المنطقتين في ظل حقبة تتسم بالتشرذم الجيوسياسي، والمنافسة الاقتصادية، وتغيُّر موازين القوى العالمية. وهذه السلسلة من التقارير ثمرة تعاون مشترك بين “برنامج المستقبل والابتكار في إفريقيا” التابع لمعهد الدراسات الأمنية (ISS)، واتحاد الصناعات الألمانية (BDI)، ومؤسسة “هانس زايدل” (Hanns Seidel Foundation)، ومجموعة “ميجاتريندز أفريكا” (Megatrends Afrika) الذي تضم مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (SWP)، والمعهد الألماني للتنمية والاستدامة (IDOS)، ومعهد كيل للاقتصاد العالمي. واستنادًا إلى خبرات المؤسسات المشاركة وأبحاثها وأُطرها التحليلية، يستكشف المشروع كيف يمكن للسيناريوهات المستقبلية العالمية المختلفة أن تُشكّل ملامح التجارة والاستثمار والتعاون الإنمائي والازدهار المشترك بين إفريقيا وأوروبا، كما يهدف إلى صياغة توصيات سياساتية مُوجّهة لمختلف الأطراف المعنية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط التقرير:











































