الأفكار العامة:
– حين يندلع نزاع مسلح في إفريقيا، تتجه الأنظار تلقائياً إلى الأمم المتحدة أو القوى الكبرى أو المانحين الدوليين.
– على مدى عشرين عاماً، رسّخ الاتحاد الإفريقي موقعه بوصفه الفاعل الأمني والسياسي الأقرب إلى مسارح النزاع، والأجدر إقليمياً بفهم تعقيداتها.
– من بوروندي إلى السودان، ومن الصومال إلى مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى، لم تقتصر جهود الاتحاد على نشر القوات، بل شملت الوساطة السياسية، والإشراف على الانتخابات الحساسة، ومتابعة التحولات الحكومية الهشة، بما يعكس حضوراً مؤسسياً متكاملاً على الأرض.
– راجعنا 186 دراسة أكاديمية رصينة، نُشرت بين عامي 2000 و2026م، ونظّمنا تحليلنا حول أربعة أسئلة محورية: كيف يصوغ الاتحاد آليات تدخله؟ وما مدى قبول المجتمعات المحلية لهذه العمليات؟ وهل حققت استقراراً طويل الأمد؟ وإلى أي درجة تملك الشعوب والمؤسسات الإفريقية هذه التجارب في الواقع؟
– يضعنا التقرير أمام حقيقة غائبة عن النقاش السائد، حيث نتأرجح دائماً بين تمجيد الحلول الإفريقية كخلاص نهائي، وبين جلد الذات عبر حصر الأزمات في ضعف التمويل وتخبط الميدان.
– تجربة الاتحاد الإفريقي في حفظ السلام ليست نجاحاً تاماً، ولا هي ارتهان للقرار الغربي. هي محاولة إفريقية متأنية لشق طريقها الخاص، تُدار بشراكات دولية تتقاطع مع الأهداف الدولية ولكنها تظل متمسكة بالهوية والأجندة الإفريقية.
* * *
بقلم: ريتشارد فوسو، أيوتوندي جيوا، كريستوفر أمروبو إنيموي
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
عندما يندلع نزاع مسلح في إفريقيا، يذهب تفكيرنا تلقائياً إلى الأمم المتحدة أو القوى العظمى أو المانحين الدوليين، لكن الواقع شيء آخر تماماً. على مدى عشرين عاماً، اتخذ الاتحاد الإفريقي خطوات ثابتة ليصبح الفاعل الأمني والسياسي الأكثر اقتراباً من الأرض، والأجدر بفهم تعقيداته إقليمياً.
من بوروندي إلى السودان، ومن الصومال إلى مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى، لم تقتصر جهود الاتحاد على نشر الفرق العسكرية وحدها، بل تداخلت أدواره فعلياً بين الوساطة السياسية، والإشراف على الانتخابات الحساسة، ومتابعة التحولات الحكومية الهشة. وراء كل هذه الأنشطة قراءة أعمق: فهي تجسيد واضح للإرادة التي تقول إن الأفارقة أنفسهم هم مَن يجب أن يقودوا حلول أزماتهم، وليس كضحايا أو مراقبين خارجيين.
ومع ذلك، وفي خضم هذا التوسع الواضح في دور الاتحاد، لا يزال الفضاء البحثي غامضاً إلى حد كبير. بينما تتكاثر التقارير والدراسات المتخصصة، يظل جمع تجارب الميدان وتحليلها بعمق أمراً يتطلب جهداً أكبر، ولهذا السبب، قررنا الغوص في عمق تلك التجربة. لقد راجعنا 186 دراسة أكاديمية موثوقة نُشرت بين عامي 2000 و2026م، وقسمنا تحليلنا إلى أربعة أبواب بحثية رئيسة:
– كيف يصمم الاتحاد آليات تدخله؟
– وما مدى قبول الجماهير المحلية لتلك العمليات؟
– وهل حققت الغايات المرجوة منها استقراراً طويل الأمد؟
– وإلى أي مدى تمتلك الدول والمؤسسات الإفريقية تلك التجارب حقاً؟
وكما يكشف التقرير، هناك ثغرة واضحة في النقاش السائد. إما أن نرفع شعار «الحلول الإفريقية» بوصفه بديلاً طبيعياً للنموذج الغربي أو الأممي، أو نغوص في سرديات الاعتماد المالي، وضعف المؤسسات، وفشل بعض العمليات في الميدان.
لكن كلا الطرفين يختزل تعقيد المشهد إلى سردية واحدة. والحقيقة، كما يُظهرها الواقع، أكثر تشابكاً بكثير من ذلك، فلا تجربة الاتحاد الإفريقي في حفظ السلام قصة نجاح كاملة خالية من العيوب، ولا هي مجرد فواتير اعتماد على الداعمين الخارجيين. بل هي مسار تدريجي يأخذ فيه المسؤولون والعسكريون والدبلوماسيون الأفارقة بزمام المبادرة، ويصممون مع شركائهم الدوليين نماذج مشتركة دون أن يفقدوا هويتهم أو رؤيتهم الخاصة.
هكذا، خطوة بخطوة، يرسم القادة الأفارقة معالم الأمن الجماعي للمستقبل الذي يجعلون فيه أنفسهم أصحاب القرار النهائي.
قفزة نوعية في حجم العمليات الميدانية:
حين تأسس الاتحاد الإفريقي عام 2002م، خلفاً لمنظمة الوحدة الإفريقية، كان يحمل في طياته ردّاً على انتقادات وجهت لسلفه بسبب حذره المفرط أو امتناعه المتكرر عن وقف فظائع النزاعات المسلحة. غير أن الوثيقة التأسيسية للاتحاد الجديد جاءت بصراحة لتعيد تعريف السيادة؛ فلم تعد حقاً مطلقاً، بل التزاماً تجاه السكان. ومنحت المادة الرابعة- h من القانون التأسيسي الاتحاد الحق صراحةً في التدخّل داخل الدول الأعضاء حال وقوع إبادة جماعية أو جرائم حرب أو انتهاكات منهجية ضد الإنسانية.
لم يبقَ هذا المبدأ حبراً على ورق، فقد شهد العقدان الماضيان قفزة نوعية في حجم العمليات الميدانية، فأرسل الاتحاد والمنظمات الإقليمية الإفريقية ما لا يقل عن 28 بعثة، لم تقتصر مهمتها على حضور عسكري فحسب، بل شملت وساطة سياسية نشطة، وإشرافاً على انتخابات حساسة، ومتابعة دقيقة لمسارات الانتقال التي تمر بها العديد من دول القارة. وراء هذه الأرقام قراءة أوسع: فهي تجسيد إرادة واضحة بضرورة أن يتولى الأفارقة قيادة حلول أزماتهم بأنفسهم.
مشروعية الوجود في الميدان:
تشير معظم التحليلات الأكاديمية التي راجعناها إلى أن شرعية هذه العمليات لا تُبنى فقط على الأسس القانونية، بل على تقبلها الشعبي والمجتمعي. غالباً ما يُشار إليها بوصفها «حلولاً إفريقية لقضايا إفريقية»، تعكس قناعة راسخة بأن الأمن القاري مسؤولية مشتركة يجب ألا تنتقل إلى أطراف خارجية، وهذا القبول ليس مجرد شعار، فالدراسات الميدانية تُظهر أن الوساطة الإفريقية وعمليات السلام يحظيان عادةً بقرب أكبر من الواقع المحلي مقارنةً ببعثات المنظمات الدولية. وفي سياقات عديدة، يسهل التشابه الثقافي والخبرة المشتركة كسر الجدران النفسية، مما يدفع الجهات المحلية للانخراط بجدية أكبر في مبادرات يقودها نظراء لهم.
فعّالية تتجاوز الخطاب:
وتؤكّد المعطيات المتاحة أن دور الاتحاد أصبح محورياً بالتحديد؛ لأنه يملأ فراغاً عملياً. ومع تراجع وتيرة عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وتحوّل الأنظار الدولية نحو مناطق أخرى، أصبحت المنظمات الإفريقية غالباً خط الدفاع الأول أمام الأزمات الناشئة. وقد نشرت بعثاتها وجودها في مناطق تردد فيها الآخرون لسبب بسيط: استمرار اشتعال النار. الصومال والسودان يقدّمان مثالاً واضحاً على هذا. ولا يقتصر الأمر على الحضور فحسب، فالأدبيات المتخصّصة ترجّح بشدة أن الوضع الميداني كان سيصل إلى مرحلة متقدمة من الانفجار لو لم يتدخل الاتحاد في محطات حرجة، كما حدث في جزر القمر عام 2008م وبوروندي عام 2003م، حيث ساهمت العمليات الإفريقية فعلياً في احتواء العنف وإعادة ترتيب البيت السياسي.
المهمة عملية بامتياز:
في تحليلنا، تبيّن أن الاتحاد الإفريقي طوّر منطقاً يتفوّق على النموذج الأممي التقليدي، الذي يركز على الموافقة المسبقة والحياد المطلق والحذر في استخدام القوة. أمّا هنا، فالمهمة عملية بامتياز: تهيئة الظروف الأولية لحوار سياسي وبناء ثقة، لا مجرد مراقبة اتفاقيات قائمة. والدور الأبرز في إطار هذا المنهج هو الوجود في الصومال، حيث تعدّت المهمة حدود الرقابة لتشمل عمليات عسكرية استباقية ضد الجماعات المسلحة، إلى جانب دعم مؤسسي لإعادة بناء الدولة وترسيخ الحوكمة.
تحديات التبعية:
لكن الصورة لا تخلو من عقبات، فالعقبة الأكبر تبقى التمويل الخارجي، فهذه العمليات وإن قُدّمت رسمياً كمبادرات إفريقية محضة، إلا أن ميزانياتها تعتمد بشكل كبير على شركاء مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وينتقد محللون هذه التبعية المالية باعتبار أنها قد تحدّ من حرية الاتحاد في تحديد أولوياته الأمنية. وطرح باحثون تساؤلاً مشروعاً: كيف يمكن الحديث عن «حلول إفريقية» بينما تُحمّل على كاهل موارد غربية؟
إلا أن الدراسات الحديثة تقدّم قراءة أكثر توازناً، فبدلاً من رسم صورة الطرف الإفريقي كمتلقٍ سلبي للدعم، تُظهر هذه الدراسات كيف يتفاوض القائمون على البعثات ويوظّفون الموارد الخارجية بما يخدم أجندتهم المحلية وأولوياتهم الإستراتيجية.
بعبارة أخرى، لا يلغي الاعتماد المالي الاستقلالية السياسية تماماً، بل يعيشان معاً في حالة توازن دقيق، تتحول فيها الموارد الأجنبية إلى أدوات تفاوض لا شروط مفروضة.
عقبات عملية وهيكلية:
شرعية عمليات التدخل الإفريقي نقطة محورية في تحليلنا، لكنها ليست مجرد مسألة نيات. فغالباً ما يُلقى على عاتق الاتحاد الإفريقي عبء حل أعقد الأزمات الأمنية في القارة، وسط عقبات عملية وهيكلية تعترض طريقه. أبرزها: ضيق الموارد المالية واللوجستية التي لا تواكب الطموحات المعلنة، وضعف آليات التنسيق مع المنظمات دون الإقليمية، وتذبذب التطبيق العملي للمعايير، ولا سيما فيما يخص الانقلابات العسكرية والتغييرات غير الدستورية. كما يواجه الاتحاد دعماً سياسياً إقليمياً ودولياً متفاوتاً بين مبادرة وأخرى.
ولا يتوقف النقاش الأكاديمي عند الإطار القانوني أو التفويض الدولي للبعثات، بل يتخطاه إلى سؤال جوهري: كيف تقبل المجتمعات المحلية هذه العمليات؟ وما مدى شرعيتها في أعين من يعيشون تبعاتها؟ وتشير المعطيات الميدانية إلى أن المواطن العادي لا يقيّم النجاح بمقررات دبلوماسية أو صيغ قانونية مجردة، بل يراه فيما تطرحه العملية على الأرض: هل تحسّن مستوى الأمن؟ هل رسّخت الاستقرار؟ وهل غيّرت ظروف الحياة اليومية نحو الأفضل؟
العمل المشترك أو «الهجين»:
ومع استمرار تهديد عدم الاستقرار في مناطق متفرقة من إفريقيا، وتسارع تراجع دور بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، يبدو نموذج العمل المشترك أو «الهجين» هو الخيار الأكثر واقعية واستدامة. وعليه، فإن التحدي الحقيقي للاتحاد الإفريقي لا يكمن في مضاعفة عدد البعثات فحسب، بل في ترسيخ الملكية المحلية لهذه المشاريع، وخفض هشاشة الاعتماد المالي الخارجي، وصقل آليات التنسيق الإقليمي، وقياس الأداء بنتائج ملموسة تنال قبول المجتمع ورضاه السياسي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































