بقلم: ياب بوم Yap Boum وماري روزلين بيليزير Marie Roseline Belizaire
ترجمة: سيدي.م.ويدراوغو
وصلت جهود مكافحة فيروس إيبولا في الكونغو الديمقراطية إلى منعطف حرج، فالبلاد اليوم تواجه خيارين لا ثالث لهما: إما أن تضاعف جهودها بقوة لاحتواء هذا التفشي، وإما أن تخاطر بتحوله إلى أخطر وباء إيبولا يُسجّل على الإطلاق.
حتى الأول من سبتمبر 2026م، سُجّلت 6186 إصابة مؤكدة على الأقل، و3007 وفيات، وكل ذلك منذ مايو 2026م، تاريخ الإعلان الرسمي عن بداية التفشي. هذا يجعله الأكثر دموية في تاريخ البلاد. المشكلة أن الوباء ينتشر بفعل سلالة بونديبوجيو من فيروس الإيبولا، وهي سلالة لا يوجد لها حتى اللحظة لقاح مرخص أو علاج محدد.
الأفكار العامة
- حتى الأول من سبتمبر 2026م، أودى تفشي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية بحياة 3007 أشخاص من أصل 6186 إصابة مؤكدة، منذ إعلانه في مايو الماضي، ليصبح بذلك الأكثر شراسة في تاريخ البلاد.
- يعود الفيروس المسبب إلى سلالة بونديبوجيو، ولا يزال يفتقر حتى اليوم إلى لقاح مرخّص أو علاج محدد.
- تم إحراز مكاسب مهمة، أبرزها وقف انتقال العدوى في أوغندا بفضل القيادة الوطنية والتعاون المجتمعي. لكن انعدام الأمن وتنقل السكان وتأخر الفحوصات ونقص التمويل والإمدادات وضعف المشاركة المجتمعية، لا تزال تؤجج التفشي في الكونغو الديمقراطية.
- تحتاج جهود المكافحة إلى معالجة أربعة عوائق رئيسية: قسوة الظروف الجغرافية والإنسانية، وارتفاع حركة التنقل، وتراجع الثقة وضعف التوعية المجتمعية، وندرة الأدوات العلمية لمكافحة سلالة بونديبوجيو.
- في غضون ثلاثة أشهر، بين 15 مايو و15 أغسطس 2026م، أُنشئ أكثر من 20 مركزاً لعلاج مرضى الإيبولا وعزلهم، فيما تجاوز إشغال الأسرّة 200% في ذروة الأزمة أواخر مايو، قبل أن يتراجع إلى نحو 66% بنهاية أغسطس.
إيبولا في الكونغو الديمراطية
يبدو أن الشرارة الأولى للمرض انطلقت في أواخر أبريل 2026م من منطقة التعدين النشطة في مونغبوالو بإقليم إيتوري (شمال شرق الكونغو). من هناك، انتقل الفيروس تدريجياً عبر المجتمعات المحلية والشبكات الصحية المتصلة إلى منطقتي روامبارا وبونيا الصحيتين، ثم تجاوز الحدود إلى أوغندا.
على المستوى الوطني، تقود حكومة الكونغو الديمقراطية الاستجابة لهذا التفشي بدعم من شركاء دوليين، بينهم المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض ومنظمة الصحة العالمية. وقد ساهم هذا التعاون في تعزيز عدة محاور أساسية: مراقبة أفضل للحالات، مختبرات مجهزة، مراكز علاج، حماية للكوادر الطبية من العدوى، حملات تلقيح، دعم لوجستي، تواصل مباشر مع السكان، ودفن آمن ومحترم للضحايا.
لقد تحقق تقدم حقيقي على الأرض، أبرزه وقف انتقال العدوى في أوغندا، بفضل قيادة وطنية حازمة وتعاون وثيق مع المجتمعات المحلية. لكن على الجانب الآخر، داخل الكونغو الديمقراطية، لا تزال عدة عقبات تُغذي انتشار المرض: انعدام الأمن، تنقلات السكان المستمرة، تأخر نتائج الفحوصات، نقص التمويل والمستلزمات، ومحدودية تواصل الفرق الصحية مع السكان.
لهذا السبب، الاستجابة الحالية لا تزال دون المستوى المطلوب لوقف العدوى. الأمر يتطلب اليوم إيصال خدمات المراقبة والفحص والعلاج والتطعيم والتوعية مباشرةً إلى القرى، حيث يعيش الناس.
نحن، بوصفنا متخصصين في الصحة العامة، عملنا على خطوط المواجهة الأمامية خلال تفشيات سابقة للإيبولا في الكونغو، نؤكد أن الوقت لا يسعفنا، وأن هناك حاجة ملحّة لمزيد من الجهود. ولكي تكون هذه الجهود فعّالة، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أربعة تحديات رئيسية جعلت السيطرة على هذا التفشي أمراً صعباً للغاية:
- الظروف الجغرافية والإنسانية الصعبة في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
- حركة السكان المكثفة التي تسهّل انتقال الفيروس.
- ضعف الثقة بين السكان والفرق الصحية، إلى جانب حاجة ملحّة لتعزيز التوعية المجتمعية.
- النقص المتواصل في الأدوات العلمية لمكافحة فيروس بونديبوجيو.
4 عوامل تعرقل السيطرة
أولاً، البيئة بالغة الصعوبة:
فالمناطق المتضررة شاسعة ومعزولة، وفي كثير من الأماكن غير آمنة. وقد تستغرق الرحلات القصيرة يوماً أو أكثر على الطرق الوعرة، ولا سيما خلال موسم الأمطار الذي بدأ بالفعل.
ثانياً، كثرة تنقل السكان:
فالمجتمعات العاملة في التعدين، والنقل بالدراجات النارية، والنزوح السكاني، والحركة عبر الحدود، كلها تربط القرى والمناطق الصحية التي يصعب رصدها. وقد تركز التفشي في عدة مناطق مترابطة، أبرزها إيتوري، التي تبعد حوالي 2886 كيلومتراً عن كينشاسا، عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية. وترتبط بونيا، المركز الحضري الرئيسي في إيتوري، بمناطق انتقال العدوى المحيطة بها. ويلعب تنقل السكان دوراً مهماً في الاستجابة.
ثالثاً، الثقة ومشاركة المجتمع:
فلا تزالان تشكلان تحديات. فعندما يشعر الناس بالخوف، أو عندما تُغلق المرافق الصحية بعد وفاة العاملين فيها، أو عندما تواجه العائلات مرض الإيبولا دون أن ترى استجابة فعّالة، فقد يتأخرون في طلب المساعدة أو يتجنبونها. وهذا يؤثر بشكل مباشر على عمليات الترصد. وتشير التحقيقات الحالية إلى أن نسبة كبيرة من الحالات تُكتشف خارج قوائم الاتصال المعتمدة. لذا، لا يمكن الاعتماد كلياً على تتبع المخالطين بالطرق التقليدية.
رابعاً، ندرة الأدوات العلمية:
فعلى عكس فيروس إيبولا من نوع زائير، لا يوجد لقاح مرخص أو علاج محدد لفيروس بونديبوجيو. ولذلك؛ يُعدّ البحث السريري جزءاً لا يتجزأ من الاستجابة. وقد أطلقت جمهورية الكونغو الديمقراطية حملة تطعيم ضد الإيبولا في كيسانغاني، وأُعطيت الجرعات الأولى للعاملين في مجال الرعاية الصحية وغيرهم من المستجيبين في الخطوط الأمامية. وقد تم استلام أكثر من (50,000) جرعة.
ووافقت المجموعة الدولية لتنسيق إمدادات اللقاحات على استخدام (70,000) جرعة من لقاح إيرفيبو في البلاد، وسيتم استخدام حوالي (20,000) جرعة منها في تجربة سريرية لتقييم فعاليته ضد سلالة بونديبوجيو.
التقدم المحرز في الاستجابة حتى الآن
من المهم تسليط الضوء على كل ما تم إنجازه خلال ثلاثة أشهر فقط، بين 15 مايو و15 أغسطس 2026م.
تم إنشاء أو دعم أكثر من 20 مركزاً للعلاج والعزل لمرضى الإيبولا. وفي ذروة الأزمة، أواخر مايو 2026م، تعدت الطاقة الاستيعابية للعلاج الحد الأقصى، حيث تجاوزت نسبة إشغال الأسرّة 200%. وبحلول نهاية أغسطس، انخفضت هذه النسبة إلى حوالي 66%.
وشهدت القدرة المختبرية توسعاً كبيراً، حيث يعمل 22 مختبراً في المقاطعات الخمس المتضررة. سابقاً، كان هناك مختبر واحد فقط في كينشاسا قادر على الكشف عن فيروس بونديبوجيو. وقد أدى هذا الارتفاع في عدد المختبرات إلى تقليص الفترة الزمنية بين جمع العينات والحصول على النتائج من أكثر من أسبوع إلى بضع ساعات فقط.
كما تحسنت الجنازات بشكل ملحوظ، حيث تُقام الآن بأمان وكرامة، وتُجرى غالبيتها العظمى في غضون 24 ساعة.
يُعدّ هذا التقدم بالغ الأهمية، إذ يُظهر أن الاستجابة قادرة على عكس مسار الوباء عند تضافر الموارد والتنسيق والقدرات التقنية. وتُلاحَظ أيضاً مؤشرات وبائية مُشجّعة. فقد انخفض معدل التكاثر الفعّال بشكل ملحوظ مقارنةً بالمستوى المرتفع جداً (4.0) الذي سُجّل في مايو. وانخفض متوسط عدد الأشخاص الذين يُصابون بالعدوى من كل حالة من أربعة إلى ما يزيد قليلاً عن شخص واحد.
ويُعدّ حجم الموارد المُعبأة لمواجهة الوباء كبيراً، حيث بلغت التعهدات حوالي 1.72 مليار دولار أمريكي، منها 118.5 مليون دولار أمريكي مُلتزم بها من قِبَل الدول الإفريقية. وتشير التقارير إلى أنه قد تم صرف حوالي 867 مليون دولار أمريكي (ما يقرب من نصف التعهدات).
وقد صُمّمت خطة الاستجابة القارية، التي أُطلقت في 27 يونيو 2026م من قِبَل المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (مركز مكافحة الأمراض في إفريقيا) ومنظمة الصحة العالمية، وفقاً لمبدأ بسيط: خطة، وميزانية، وفريق، وإطار للرصد والتقييم، مع وضع المجتمعات المحلية في صميم العمل.
ما يجب فعله
ومن الضروري أن تتمحور المرحلة التالية حول القرى. فالممثلون المحليون والعاملون الصحيون والقادة يجب أن يصبحوا شركاء فاعلين في المراقبة والكشف المبكر والإحالة إلى الرعاية المتخصصة والتوعية بالمخاطر وحماية المجتمع.
ويمكن للأدوات الرقمية أن تُسهم في هذا الجهد، لكن بشرط أن تخدم التكنولوجيا المجتمع، لا أن تحل محله.
ويتعين إشراك سائقي الدراجات النارية، الذين يربطون المجتمعات عبر مسافات طويلة، في الاستجابة كشركاء، لا كمجرد مصدر خطر.
كما يجب تقريب التطعيم من المجتمعات، وإجراء البحوث في أماكن تفشي المرض، وإجراء التجارب السريرية للقاحات والعلاجات بشكل عاجل وبدقة علمية.
استعادة الثقة
يجب أن تستمر الخدمات الصحية الأساسية جنباً إلى جنب مع مكافحة الإيبولا. وينطبق الأمر نفسه على إعادة فتح المدارس. ويجب أن يصاحب ذلك تدابير للوقاية من العدوى، بما في ذلك تدريب المعلمين، وتوفير مرافق الصرف الصحي، وإنشاء آليات إحالة واضحة، وتكييف التواصل بشأن الوباء لتلاميذ المدارس وعائلاتهم.
كما يجب دمج التدخلات الإنسانية والتدخلات المتعلقة بالإيبولا، فلا يُمكن توقع أن يتمكن مجتمعٌ يواجه انعدام الأمن والنزوح والأمراض من التعامل مع أنظمة منفصلة لكل أزمة.
وأخيراً، لا يعترف فيروس إيبولا بالحدود. ويُبرهن التعاون بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا على إمكانات التضامن الإقليمي، إذ يقوم على المراقبة المشتركة، وتوحيد القدرات التشخيصية في المجتمعات الحدودية، وتبادل المعلومات، والعمل المنسق.
كما يجب تعميم الدروس المستفادة من هذا التعاون على جنوب السودان وجمهورية الكونغو وغيرها من الدول المجاورة، وفقاً لما تم الاتفاق عليه في بانغي، جمهورية إفريقيا الوسطى، منتصف أغسطس.
رابط المقال متاح على











































