يُمثّل حرق الغاز وهو “الحرق المتحكَّم فيه للغاز الطبيعي الناتج عن استخراج النفط”؛ تحديًا اقتصاديًّا كبيرًا في إفريقيا والعالم، وهناك دول تُمثّل بؤرًا رئيسية لهذه المشكلة، مثل نيجيريا والجزائر وليبيا، وأنغولا ومصر. وقد عانت هذه الدول بفعل عدم كفاية البنى التحتية. الأمر الذي نجم عنه خسائر اقتصادية كبيرة تُقدَّر بمليارات الدولارات، فضلًا عن التداعيات البيئة. ويمثل الغاز المصاحب للحرق فرصة لتحقيق العوائد وتوليد الكهرباء، وخفض الانبعاثات.
ويرى الخبراء أن التداعيات البيئة الناجمة عن حرق الغاز تفوق تلك الناجمة عن انبعاثات الكربون في إفريقيا جنوب الصحراء، والتي تمثل نسبة ضئيلة جدًّا من الانبعاثات العالمية.
وغالبًا ما تفشل اللوائح المُنظِّمة لحرق الغاز، رغم حُسن النية؛ لأنها لا تُعالج جوهر المشكلة. ومع ذلك تبرز في الأفق نماذج واعدة، تُحوِّل هذا التهديد إلى فائدة.
وهو ما سنتناوله في هذه المقالة من خلال النقاط التالية:
أولًا: إحصائيات حَرْق الغاز في إفريقيا جنوب الصحراء وتطوُّرها.
ثانيًا: حَرْق الغاز في نيجيريا وتداعياته المختلفة.
ثالثًا: جهود الحدّ من حرق الغاز… الفرص والتحديات.
أولًا: إحصائيات حرق الغاز في إفريقيا جنوب الصحراء وتطوّرها
كشف تقرير البنك الدولي لتتبُّع حرق الغاز العالمي لعام 2020م، أن إنتاج النفط انخفض بنسبة 8% بين عامي 2019 و2020م، بينما انخفض حرق الغاز بنسبة 5%. ومع ذلك، لا يزال العالم يحرق كميات من الغاز تكفي لتزويد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء بالطاقة.
وتستمر سبع دول في تصدُّر المشهد العالمي على مدار تسع سنوات متتالية: روسيا، والعراق، وإيران، والولايات المتحدة، والجزائر، وفنزويلا، ونيجيريا.
وتُنتج هذه الدول مجتمعةً نحو 40% من إنتاج النفط العالمي سنويًّا، وتُساهم بنحو ثلثي (65%) حرق الغاز.
وحققت الولايات المتحدة أداءً متميزًا في عام 2020م؛ حيث خفضت حرق الغاز بنسبة 32% مقارنةً بعام 2019، ويعود ذلك جزئيًّا إلى انخفاض إنتاج النفط بنسبة 8%، فضلًا عن إنشاء بنية تحتية لاستخدام الغاز الذي كان سيُحْرَق. وشكّل هذا الانخفاض 70% من الانخفاض العالمي، أي ما يعادل 5.5 مليار متر مكعب.
في المقابل، حقَّقت نيجيريا ومنطقة خانتي-مانسيسك ذاتية الحكم في روسيا تقدمًا ملحوظًا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية؛ حيث خفَّضت نيجيريا حرق الغاز بنسبة 70% ليصل إلى 7 مليارات متر مكعب فقط في عام 2020م، بينما خفَّضت منطقة خانتي-مانسيسك كميات حرق الغاز بنسبة تقارب 80%، لتصل إلى ما يزيد قليلًا عن 4 مليارات متر مكعب.([1])
وفي عام 2024م، حرقت إفريقيا ما يقارب 40 مليار متر مكعب من الغاز- كانت نيجيريا والجزائر وليبيا أكبر المساهمين-، منها 35 مليار متر مكعب حُرِقَت في افريقيا جنوب الصحراء، ويمثل هذا الحجم 25% من إجمالي حرق الغاز عالميا.([2])
ويشير تقرير “متتبع حرق الغاز العالمي 2024م”، إلى أن الإجمالي العالمي لحرق الغاز قد بلغ 151 مليار متر مكعب، ما يُطلق 389 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون.
وتجاوزت القيمة العالمية للغاز المحترق 63 مليار دولار في عام 2024م، ويُهدر جزء كبير من هذه القيمة في دول تعاني من محدودية الوصول إلى الكهرباء. وبينما سجَّلت دول مثل أنغولا وليبيا تحسنًا طفيفًا في عمليات الحرق في عام 2024م، إلا أن النمط العام للقيمة المُهدَرة لا يزال ثابتًا.
ويُعدّ استخدام الغاز المحروق كوقود أرخص من الديزل، والغاز الطبيعي المضغوط، ويمكن أن يُحقق وفورات تشغيلية كبيرة لشركات النفط. كما يُطلق حرق الغاز غاز الميثان، وهو غاز دفيء أقوى بـ84 مرة من ثاني أكسيد الكربون. ويُساهم جَمْع هذا الغاز واستخدامه في خفض الانبعاثات الإجمالية.([3])
ووفقًا لتقرير “مؤشر حرق الغاز العالمي 2025م”، الصادر في 23 يونيو 2026 ، بلغ حجم الغاز المحروق عالميًّا 167 مليار متر مكعب. وقدر البنك الدولي أن قيمة الغاز المفقود عبر الحرق تبلغ حوالي 54 مليار دولار. وساهمت تسع دول بأكثر من 80% من الغاز المحروق عالميًّا، من بينها ثلاث دول إفريقية: ليبيا، والجزائر، ونيجيريا. ويقدّر البنك أن القضاء على هذا السلوك عالميًّا يتطلّب استثمارات تتراوح بين 70 و100 مليار دولار. إلا أنها أشارت إلى أن التقنيات اللازمة متوافرة بالفعل، وأن العقبات الرئيسية تتعلق بالسياسات العامة، والبنية التحتية، والتمويل.
وتتناقض هذه النتائج مع الاحتياجات الكبيرة للطاقة التي لا تزال قائمة في القارة الإفريقية. فبحسب تقرير “تتبُّع الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة لعام 2025م”، لا يزال 565 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء محرومين من الكهرباء، وهو ما يُمثّل 85% من العجز العالمي. ([4]) كما ارتبط انقطاع التيار الكهربائي بانخفاض فرص العمل بنسبة 14% في المنطقة.
وذكر التقرير أنه في حال جمع الغاز المحروق واستخدامه لتوليد الطاقة، فإنه سيوفر ما يقارب أربعة مليارات كيلوواط/ساعة من الكهرباء، وهو ما يكفي لإحداث فرق ملموس في المجتمعات المحرومة.([5])
وأفاد البنك بأن الدول التسع الأكثر حرقًا للغاز هيمنت على هذه الظاهرة عالميًّا خلال الخمسة عشر عامًا الماضية. كما أشار إلى أن الدول التسعين المتبقية التي سُجِّل فيها حرق للغاز لا تمثل سوى 17% من إجمالي حجم الحرق العالمي، على الرغم من إنتاجها 54% من نفط العالم.
وأوضح التقرير أن كثافة حرق الغاز ظلت ثابتة إلى حد كبير في نيجيريا وليبيا عام 2025م، بينما سجَّلت الجزائر زيادة بنسبة 3%. كما لفت إلى أن أنغولا وجمهورية الكونغو لا تزالان من أهم الدول الإفريقية التي تحرق الغاز، رغم أنهما ليستا ضمن الدول التسع الأولى.([6])
ثانيًا: حرق الغاز في نيجيريا وتداعياته المختلفة
1-الدوافع والأسباب الرئيسية لحرق الغاز في نيجيريا
بدأ حرق الغاز المصاحب مع بداية صناعة النفط في دلتا النيجر نهاية الحكم البريطاني، ووصل إلى مستويات قياسية بسبب شركات النفط العالمية، وبفعل تداعياته الخطيرة تم تجريمه عام 1984، فقد ساهمت شعلات الحرق في انبعاث غازات دفيئة أكثر من جميع دول المنطقة مجتمعة. فقد حوت على مزيج من السموم التي تؤثر على صحة ومعيشة المجتمعات المحلية، وتسبب في حالات وفاة مبكرة وأمراض الجهاز التنفسي لدى الأطفال والربو والسرطان. حيث يتم إهدار 2.5 مليار قدم مكعب من الغاز المرتبط بالنفط الخام يوميًّا، بينما تبلغ الخسارة السنوية لنيجيريا حوالي 2.5 مليار دولار. وعلى الرغم من فرض التزام بإيقاف الشعلات في عام 2008م، إلا أن جهود تحقيق هذا الهدف كانت بطيئة.([7])
ويحدث حرق الغاز لعدة أسباب؛ فقد يكون لأسباب تتعلق بالسلامة؛ حيث يُحرق الغاز لتخفيف الضغط على النظام التشغيلي في حالات الطوارئ أو في أثناء الصيانة؛ أو كجزء من إجراءات ضمان الجودة في أثناء اختبارات الآبار أو بدء تشغيل المنشآت الجديدة. ومن الأسباب الرئيسية لاستمرار حرق الغاز هو نقص البنية التحتية، ففي نيجيريا يستمر الحرق بسبب محدودية عدد الخزانات المناسبة لإعادة حقن/تخزين الغاز، وارتفاع تكاليف تطوير شبكة رئيسية ومترابطة من خطوط أنابيب الغاز، وضعف القاعدة التكنولوجية والصناعية لاستهلاك الطاقة في البلاد، فضلًا عن عدم كفاية السياسات المالية وسياسات تسعير الغاز لتشجيع الاستثمار. وقد لُوحِظ أن نقص البنية التحتية يؤدي إلى حرق ما يقرب من 76% من الغاز المصاحب في نيجيريا، كما أن شركات النفط قد تجد أنه من الأرخص دَفْع الغرامات التي قد تُفرَض عليها لحرق الغاز، بدلًا من تمويل إعادة حقن الغاز في آبار النفط ([8]).
2-اتجاهات إنتاج الغاز واستخدامه وحرقه في نيجيريا
خلال فترة 22 عامًا، من 2002 إلى 2024م، أنتجت نيجيريا ما يُقدَّر بنحو 55.91 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. من هذا الإجمالي، استُخدِمَ ما يقارب 44.85 تريليون قدم مكعب (80.21%)، بينما تم حرق 11.06 تريليون قدم مكعب (19.79%). فقد اتّبع كلٌّ من إنتاج الغاز واستخدامه مسارًا تصاعديًّا بشكل عام، مع انخفاضات ملحوظة في عامي 2009 و2013م، والتي يُرجَّح ارتباطها بصدمات أسعار النفط العالمية والاضطرابات التشغيلية المحلية. في المقابل، أظهرت كميات الغاز المحروق اتجاهًا تنازليًّا مستمرًّا؛ حيث انخفضت بنسبة 74.41% من ذروة بلغت 0.89 تريليون قدم مكعب في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية إلى 0.19 تريليون قدم مكعب في عام 2024م.([9])
3-اتجاهات انبعاثات الغازات الدفيئة وتأثيرها البيئي
ويعد حرق الغاز مصدرًا رئيسيًّا لانبعاثات الغازات الدفيئة في نيجيريا. فبين عامي 2002 و2024م، قدرت انبعاثات عمليات الحرق بنحو 714.62 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، منها حوالي 625.23 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، و89.37 مليون طن على شكل ميثان، و11.65 ألف طن على شكل أكسيد النيتروز.
وقد انخفضت الانبعاثات السنوية انخفاضًا ملحوظًا، من 48.30 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في عام 2002م إلى 12.85 مليون طن في عام 2024م، نتيجةً لانخفاض كميات الحرق. ومع ذلك، لا يزال التأثير المناخي التراكمي كبيرًا مما يساهم بشكل كبير في ظاهرة الاحتباس الحراري على المدى القصير.([10])
4-الآثار الاقتصادية والبيئية لحرق الغاز في نيجيريا
يتجلَّى الأثر الاقتصادي في جانبين؛ الخسارة المباشرة لسلعة طاقة قيِّمة، والتكاليف غير المباشرة المرتبطة بالتدهور البيئي، مما يُؤثّر سلبًا على سُبل العيش المحلية، والإنتاج الزراعي، والصحة العامة، ففي دلتا النيجر يُغيِّر حرق الغاز خصائص التربة والمناخات المحلية، مما يؤثر بشكل مباشر على إنتاجية الذرة وغيرها من المنتجات الزراعية.([11])
وفي عام 2020م حرقت نيجيريا وحدها 23 مليار متر مكعب من الغاز. وكشف بحثٌ أجراه “تحالف المناخ والهواء النظيف” أن بعض سكان نيجيريا لم يروا السماء ليلًا لسنوات. ويعيش نحو مليوني شخص على طول دلتا النيجر على بُعْد كيلو مترات من شعلة غاز تُنافس الشمس في سطوعها.([12])
وبجانب الأثر البيئي؛ يُقدَّر أن حوالي 3 مليارات دولار تُفْقَد سنويًّا بسبب حرق الغاز في إفريقيا جنوب الصحراء. وبالمثل، فإن موارد الطاقة المُهْدَرة في نيجيريا وحدها تعادل 45% من احتياجات فرنسا من الطاقة([13]).
وبين عامي 2002 و2024م، تم حرق نحو 11.06 تريليون قدم مكعب من الغاز المصاحب في نيجيريا، ممَّا أدَّى إلى خسائر مباشرة في الإيرادات تُقدَّر بنحو 56.75 مليار دولار. وعند احتساب تكاليف الفرصة البديلة الأوسع، مثل عائدات تصدير الغاز الطبيعي المسال الضائعة والاستخدام المحلي غير المُستغَلّ للطاقة، يرتفع إجمالي الخسائر إلى 120.15 مليار. وقد تذبذبت الخسائر المباشرة في الإيرادات بشكل ملحوظ على مدار 22 عامًا؛ حيث بلغت ذروتها عند 7.35 مليار دولار في عام 2005م وسط فترة ارتفاع أسعار الغاز العالمية واضطرابات الإمداد الإقليمية. وسُجِّلت أدنى خسارة سنوية في عام 2020م؛ حيث بلغت 403.93 مليون دولار، مما يعكس انخفاض الطلب العالمي على الطاقة وتقلّبات الأسعار المرتبطة بجائحة كوفيد-19. وبحلول عام 2024م، كان حرق الغاز مسؤولاً عن خسائر مباشرة بقيمة 434.49 مليون دولار وتكاليف فرصة بديلة متعلقة بالغاز الطبيعي المُسال بقيمة 1.57 مليار دولار تقريبًا.([14])
وأفاد تقرير صادر عن شركة برايس ووترهاوس كوبرز أن نيجيريا تخسر 750 مليون دولار سنويًّا بسبب حرق الغاز. وتشير التحقيقات إلى أن أكثر من 250 مادة سامة ومعدنية تُطلق في دلتا النيجر نتيجة حرق الغاز، مع وعود حكومية بالوصول إلى صفر حرق بحلول عام 2025م. وهو ما لم يحدث.([15])
وتعاني الدولة من ضعف موثوقية شبكة الكهرباء؛ فخلال عام 2024م، شهدت البلاد ستة انهيارات على الأقل في شبكة الكهرباء الوطنية، وانقطاعات مطولة للتيار. ووفقًا للبنك الدولي، استمر حرق الغاز في الدولة بنفس الكثافة رغم انخفاض إنتاجها النفطي بنحو 50% بين عامي 2012 و2022م، مع وجود أكثر من 174 موقعًا لحرق الغاز حتى عام 2022م.([16])
ثالثًا: جهود الحد من حرق الغاز: الفرص والتحديات
تُشدّد الحكومات في القارة على مكافحة حرق الغاز؛ حيث فرضت هيئة تنظيم البترول في نيجيريا عقوبات في عام 2023م، بما في ذلك غرامة قدرها دولاران لكل 1000 قدم مكعب قياسي من الغاز المحروق بشكل روتيني. وتشمل مبادرة البنك الدولي “صفر حرق روتيني للغاز بحلول عام 2030” الآن نيجيريا، وأنغولا، والغابون، والكاميرون، وجمهورية الكونغو.([17])
وبدراسة الفوائد المحتملة للحد من حرق الغاز في أربع قرى في نيجيريا، تُظهر النتائج أن الحدّ من الحرق يُمكن أن يُحسِّن صحة الإنسان والبيئة. وأن سُبل العيش في دلتا النيجر يُمكن تحسينها من خلال تشجيع التحوُّل من حرق الغاز المصاحب إلى جَمْعه لاستخدامه كوقود غازي ولتوليد الكهرباء. ورغم أن الجدوى السياسية تُشكّل عائقًا كبيرًا، إلا أنه يمكن دَمْج المبادرات الاقتصادية ومبادرات الطاقة بشكل وثيق مع السياسات الأخرى التي تُعزز التنمية.([18])
كما يمكن استخدام الغاز المُعالَج في الموقع أو استثماره. فمثلًا يمكن استخراج سوائل الغاز الطبيعي وبيعها، مما يفتح آفاقًا جديدة للدخل أمام الشركات الصغيرة التي لم تكن قادرة سابقًا على تبرير إنشاء بنية تحتية لاستعادة الغاز. ويمكن لأنظمة تحويل الغاز المحترق إلى طاقة تزويد حقول النفط المعزولة والمراكز الصناعية بالطاقة دون الوصول إلى شبكات الكهرباء أو خطوط الأنابيب. فالغاز الطبيعي يحترق بشكل أنظف من أيّ وقود أحفوري آخر، ويُستخدَم لتوليد الكهرباء، كما يُستخدَم كمادة خام في إنتاج الأسمدة. ولأنه يُمكن استخدامه أيضًا لتشغيل شبكات الكهرباء بالتزامن مع تطوير مصادر الطاقة المتجددة كالرياح والطاقة الشمسية، فإنه يُعدّ أداةً ممتازةً للانتقال إلى الطاقة النظيفة.
ومنذ عام 2016م، خفَّضت مصر حرق الغاز بنسبة 26%، ويعود 10% من هذا الانخفاض إلى إصلاحات الطاقة المصرية لعام 2017، التي أتاحت للمستهلكين والشركات الخاصة الوصول إلى شبكة الغاز الوطنية. كما ساهمت البيئة الاستثمارية المواتية في إنجاح مشاريع إعادة تدوير الغاز؛ حيث نفَّذت شركات كبرى مثل شل وشركات النفط العالمية فاروس وأباتشي بنجاح مشاريع لتحويل الغاز المحروق إلى طاقة.
وقد خفَّضت نيجيريا والجزائر كثافة حرق الغاز عام 2023م، وبدأت شركات النفط النيجيرية باستخدام الغاز لتشغيل عملياتها، وبدأت استثمارات الجزائر في تقنيات إعادة الحقن واستعادة الغاز تُؤتي ثمارها. ورغم أن أيًّا من دول جنوب الصحراء ليست مستعدَّة بعد لتسويق الغاز المستعاد تجاريًّا، إلا أنها خطت خطوة قيّمة في الاتجاه الصحيح.([19])
وقد أنجزت شركة “أغريكو” مؤخرًا مشاريع بقدرة جيجاوات تستخدم مفهوم تحويل الغاز المحروق إلى طاقة. حيث طوّرت الشركة حلولًا جعلتها الخيار الأمثل لهذا النوع من المشاريع في القارة، وهذه ليست مشاريع بملايين الدولارات تتطلّب التزامًا ماليًّا ضخمًا من شركات الغاز، بل هي حلول بسيطة وذكية يُمكن استخدامها، حيث تقوم الشركة بأخذ الغاز الذي كان سيُحْرَق عادةً، وتضعه في مولد كهربائي، لتوليد الطاقة. ورغم أن المولدات لها انبعاثاتها الخاصة، إلا أنها أقل بكثير وأقل تأثيرًا من حرق الغاز، وبالتالي لا تُساهم في زيادة التلوث. وإذا شرعت شركات الطاقة في تحويل حرق الغاز إلى طاقة، فبإمكانها تحسين ميزانياتها العمومية، وتغيير تأثيرها على البيئة.([20])
مع ذلك، توجد تحديات؛ ففي إفريقيا، يؤثر نقص خطوط الأنابيب ومحطات معالجة الغاز، وصعوبة الحصول على التمويل، وتشتت الأنظمة، ومحدودية الوصول إلى الأسواق، على عملية استثمار هذا الغاز أو تحويله. ورغم أن جمع الغاز المحترق في إفريقيا قد يوفر 10 جيجاواط من قدرة توليد الطاقة -أي أكثر من مثل إجمالي القدرة المُركّبة في كينيا- إلا أنه لم يُستغلّ بكامل طاقته بعد. حيث يتطلب التغيير تطوير تشريعات، وتقديم الدعم للشركات لتحويل الغاز المحروق إلى طاقة قابلة للاستخدام.([21])
وبالاستفادة من تجارب بعض البلدان يمكن أن تتخذ نيجيريا المسارات التالية لتحقيق الاستفادة من حرق الغاز، وتلافي تأثيراته السلبية وهي([22]):
- تعزيز الأطر التنظيمية وآليات الإنفاذ: قانون تقييم الأثر البيئي النيجيري ولوائح حرق الغاز يوفران إطارًا قانونيًّا، إلا أن الإنفاذ لا يزال غير متَّسق. لتحسين الامتثال، ينبغي -بالاستفادة من تجربة النرويج-، فرض عقوبات أشد على المخالفات، وتطبيق أنظمة مراقبة عبر الأقمار الصناعية لضمان إشراف دقيق آني، وإنشاء هيئة مستقلة تتمتع بصلاحيات واستقلالية وموارد كافية لتدقيق العمليات وإنفاذ العقوبات.
- تعزيز استخدام الغاز من خلال الحوافز والاستثمار في البنية التحتية: بالاستفادة من تجربة أنجولا. ينبغي لنيجيريا إعطاء الأولوية لمشاريع تحويل الغاز، وتطوير سوق غاز البترول المسال، وتطبيقات الغاز الصناعية. وأن تشمل التدابير حوافز مالية، مثل الإعفاءات الضريبية وبدلات رأس المال لمعالجة الغاز واستخدامه، إلى جانب تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل تجميع الغاز وضَغْطه، وتطوير البنية التحتية لمحطات الغاز الطبيعي المُسال الصغيرة.
- الاستفادة من الشراكات الدولية للحصول على الدعم الفني والمالي: تُوفّر المبادرات العالمية، مثل مبادرة البنك الدولي العالمية للغاز الطبيعي المسال (GGFR) وحملة “صفر حرق روتيني للغاز بحلول عام 2030″، موارد فنية وتمويلًا وفرصًا لبناء القدرات. وينبغي لنيجيريا أن تُشارك بفعالية في هذه الأُطر، وأن تتعاون مع شركاء التنمية، لا سيما في المناطق النائية والمحرومة، وأن تستثمر في التدريب والدعم المؤسسي لتعزيز الرقابة والتنفيذ التنظيمي.
- تطبيق تسعير الكربون والحوافز السوقية: بإمكان نيجيريا تطبيق آليات سوقية -بالاستفادة من تجربة روسيا-، مثل ضرائب الكربون المحلية أو تسعير الميثان، لاستيعاب التكاليف البيئية. ويمكن أن يُحفّز التكامل مع أسواق تعويض الكربون من خلال آلية التنمية النظيفة أو أنظمة أرصدة الكربون الطوعية المنتجين على الحدّ من حرق الغاز مع تمويل تحسينات البنية التحتية.
- تكييف أفضل الممارسات العالمية مع السياق الاجتماعي والاقتصادي لنيجيريا: يجب تكييف النماذج الناجحة مع الواقع المحلي. ومن المرجّح أن تكون الإستراتيجية الهجينة التي تجمع بين صرامة الإنفاذ في النرويج ونهج التمويل النقدي في أنجولا هي الأكثر فعالية. وتشمل التعديلات الموصى بها استعادة الغاز المحروق إلزاميًّا للمشاريع الجديدة في قطاع التنقيب والإنتاج، وصندوقًا لإعادة استثمار غرامات حرق الغاز مخصصًا لتقنيات التقاط الغاز المحروق وتنمية المجتمعات المحلية، وتدخلات مصمَّمة خصيصًا لكل منطقة لمعالجة التحديات التقنية واللوجستية والأمنية في المناطق التي تشهد استخدامًا مكثفًا للغاز المحروق، مثل دلتا النيجر.
خاتمة:
يتسبّب حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط في خسائر اقتصادية وبيئية كبير لكبار مُنتجي النفط في إفريقيا جنوب الصحراء، وبالأخص نيجيريا، التي تقع بين الدول الكبرى في حرق الغاز منذ أكثر من عقد؛ حيث ورثت تلك العادة مع خروج الاحتلال البريطاني، متسببة خلال العقدين الماضيين فقط في خسائر اقتصادية قُدِّرت بنحو 120 مليار دولار، فضلًا عن التداعيات البيئة والصحية الخطيرة، على المجتمعات المجاورة لحقول استخراج النفط. مما يُسلّط الضوء على التكلفة الاقتصادية الكبيرة لموارد الغاز غير المستغلة.
وعلى الرغم من انخفاض أحجام حرق الغاز مدفوعة بانخفاض إنتاج النفط، والتوسع التدريجي في البنية التحتية، والإصلاحات التنظيمية. والانخراط في المبادرات الدولية إلا أن التقدم في إفريقيا جنوب الصحراء لا يزال مرهونًا باستثمارات كبيرة في البنية التحتية وتعزيز الأُطُر التنظيمية.
وتشير المعالم السياسية، بما في ذلك خطة النمو الوطنية للمناخ (2016)، وبرنامج تنفيذ المشروع (2021)، واللوائح التنظيمية لعام 2023، إلى تزايد الالتزام السياسي، ولكن تحقيق نتائج دائمة سيتطلب مراقبة قوية، وعقوبات موثوقة، وتنفيذًا منسقًا. وتشير الأدلة المقارنة من النرويج وأنجولا وروسيا إلى أن الجمع بين التنفيذ الصارم، والاستثمار في البنية الأساسية، وتقديم الحوافز من الممكن أن تدعم المزيد من التخفيضات. وبالنسبة لنيجيريا، يُمثّل الحد من حرق الغاز أولوية بيئية ووسيلة محتملة لتعزيز الوصول إلى الطاقة، وتنويع مصادر الإيرادات، وتعزيز أهداف التنمية المستدامة.
……………………………………….
[1] ) Global Gas Flaring Tracker Report.28/4/2021.at:
https://www.worldbank.org/en/programs/gasflaringreduction/publication/global-gas-flaring-tracker-report
[2] ) Guest Contributor,Op.cit.
[3] ) africanreview, Africa’s flaring problem: less waste, more watts.14/11/2025.at: https://africanreview.com/energy/aggreko-thought-piece-to-follow
[4] ) ecofinagency, Global Gas Flaring Reaches 167 Billion Cubic Meters, Matching Africa’s Annual Consumption.23/6/2026.at: https://www.ecofinagency.com/news-industry/2306-56726-global-gas-flaring-reaches-167-billion-cubic-meters-matching-africas-annual-consumption
[5] ) Financial Nigeria, Global gas flaring hits six-year high as wasted gas reaches $54 billion.28/6/2026.at: https://www.financialnigeria.com/global-gas-flaring-hits-six-year-high-as-wasted-gas-reaches-54-billion-news-2999.html
[6] ) Ayodeji Adegboyega, Three African countries rank among world’s top gas-flaring nations.25/6/2026.at:
[7] ) landportal, Gas flaring in Nigeria: a human rights, environmental and economic monstrosity. december 2004.at: https://landportal.org/nl/library/resources/eldisa20035/gas-flaring-nigeria-human-rights-environmental-and-economic
[8] ) Ikechukwu A. Diugwu et al, The Effect of Gas Production, Utilization, and Flaring on the Economic Growth of Nigeria . Vol. 4 No. 4 (2013).at : https://file.scirp.org/Html/5-2000248_35176.htm
[9] ) Okwilagwe, O.O., Olubusoye, O.E. Environmental economic impacts and policy pathways of gas flaring in Nigeria from 2002 to 2024. Discov Environ 3, 183 (2025). https://doi.org/10.1007/s44274-025-00332-5
[10] ) Idem.
[11] ) Alola AA, Onifade ST, Magazzino C, Obekpa HO. The effects of gas flaring as moderated by government quality in leading natural gas flaring economies. Sci Rep. 2023 Sep 1;13(1):14394. doi: 10.1038/s41598-023-38032-w. PMID: 37658056; PMCID: PMC10474027.
[12] ) Guest Contributo r,Op.cit.
[13] ) Ikechukwu A. Diugwu et al, Op.cit.
[14] ) Okwilagwe, O.O., Olubusoye, O.E. Environmental economic impacts and policy pathways of gas flaring in Nigeria from 2002 to 2024. Discov Environ 3, 183 (2025). https://doi.org/10.1007/s44274-025-00332-5
[15] ) dailytrust, ‘Nigeria loses $750m annually to gas flaring’.16/2/2021.at: https://dailytrust.com/nigeria-loses-750m-annually-to-gas-flaring/
[16] ) africanreview, Op.cit.
[17] ) africanreview, Op.cit.
[18] ) mzee, jongo. “Gas Flaring in the Niger Delta: the Potential Benefits of Its Reduction on the Local Economy and Environment,” n.d.
[19] ) NJ Ayuk, We’ve Got to Get Serious About Ending Gas Flaring in Africa.3/12/2023.at: https://energychamber.org/weve-got-to-get-serious-about-ending-gas-flaring-in-africa/
[20] ) Guest Contributor, Op-ed: Solving the flare gas challenge in sub-Saharan Africa.6/11/2020.at: https://www.esi-africa.com/industry-sectors/generation/op-ed-solving-the-flare-gas-challenge-in-sub-saharan-africa/
[21] ) africanreview, Op.cit.
[22] ) africanreview, Op.cit










































