تتزامن التحولات الأمنية المتسارعة في شمال إثيوبيا مع مرحلة سياسية حساسة تشهدها البلاد عقب الانتخابات العامة السابعة، ما يمنح التطورات الجارية في إقليمي تيغراي وأمهرة أبعادًا تتجاوز النزاعات المحلية إلى أسئلة تتعلق بمستقبل الاستقرار الإثيوبي بأكمله، خاصة مع التقارب المحتمل بين جبهتي تيغراي وفانو.
في هذا السياق، يضع تقرير دولي صادر عن “مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED” التقارب المتنامي بين جبهة تحرير شعب تيغراي وبعض فصائل فانو في قلب المشهدين السياسي والأمني في إثيوبيا، باعتباره أحد أبرز المتغيرات القادرة على إعادة تشكيل موازين القوى في البلاد، وفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهات حول غرب تيغراي، المنطقة التي ما تزال تمثل إحدى أعقد القضايا العالقة منذ اتفاق بريتوريا للسلام 2022.
ويُعد ACLED من أبرز المراكز الدولية المتخصصة في رصد النزاعات والاحتجاجات والعنف السياسي حول العالم؛ إذ يجمع ويحلل بيانات الصراعات ويقدم خرائط وقواعد معلومات تستخدمها المؤسسات البحثية والمنظمات الدولية وصناع القرار في متابعة الأزمات وتقييم المخاطر.
ويحمل المشروع صفة منظمة غير ربحية مستقلة مسجلة في الولايات المتحدة، ويتلقى دعمًا ماليًا من صندوق تحليلات المخاطر المعقدة “United Nations Complex Risk Analytics Fund (CRAF’d)” التابع للأمم المتحدة.
تيغراي وفانو وانتخابات “خارج الصندوق”
صدر التقرير بالتزامن مع إعلان الحكومة الإثيوبية نجاح الانتخابات العامة السابعة، واعتبارها محطة ديمقراطية مهمة عززت المؤسسات الدستورية في البلاد. غير أن العملية الانتخابية لم تشمل كامل الأراضي الإثيوبية، بعدما استُبعدت 46 دائرة انتخابية من الاقتراع، بينها جميع الدوائر الـ38 في إقليم تيغراي، إضافة إلى ثماني دوائر في إقليم أمهرة.
ويعكس غياب تيغراي الكامل عن العملية الانتخابية استمرار تداعيات الحرب التي اندلعت بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على توقيع اتفاق السلام في بريتوريا. كما تزال ملفات الأمن والإدارة المحلية والمناطق المتنازع عليها تلقي بظلالها على الإقليم، في وقت تتواصل فيه الخلافات بين القوى السياسية التيغرانية بشأن مستقبل الحكم وترتيبات المرحلة الانتقالية.
قد يهمك: دليل “قراءات” لفهم انتخابات إثيوبيا 2026
أما إقليم أمهرة، فلا يزال يعيش على وقع مواجهات متواصلة بين القوات الحكومية ومقاتلي فانو منذ عام 2023، وهي المواجهات التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكبر التحديات الأمنية التي تواجهها أديس أبابا، مع اتساع نطاق الاشتباكات وارتفاع أعداد الضحايا والنازحين في عدد من المناطق.

تيغراي تستعيد مؤسسات 2020
في خضم هذه الأجواء، أعادت جبهة تحرير شعب تيغراي خلال مايو الماضي تفعيل مؤسسات الحكم التي كانت قائمة قبل الحرب، وفي مقدمتها الحكومة الإقليمية المنتخبة عام 2020، في خطوة تعكس سعيها لاستعادة السيطرة السياسية الكاملة على الإقليم.
وتترافق هذه التحركات مع عملية متدرجة لإزاحة الإدارة الانتقالية المدعومة من الحكومة الفيدرالية، بما يعزز نفوذ الجبهة داخل تيغراي ويقربها من استعادة موقعها السابق في إدارة الإقليم.
اقرأ المزيد: أزمة تيغراي في إثيوبيا: الجذور والحرب وآفاق اتفاق بريتوريا
غير أن هذه المساعي تتقاطع مع ملف بالغ الحساسية يتمثل في المناطق المتنازع عليها في غرب تيغراي، حيث تنظر أديس أبابا إلى أي محاولة لفرض السيطرة عليها بالقوة باعتبارها تجاوزًا لخط أحمر قد يعيد إشعال الحرب.
ومن هنا تبدو المخاوف من أن تتحول عملية إعادة ترتيب السلطة داخل تيغراي إلى مقدمة لتحرك عسكري جديد يفتح جبهة قتال واسعة في شمال البلاد.

عدو عدوي صديقي!
أحد أكثر الجوانب لفتًا للانتباه في المشهد الحالي يتمثل في التقارب بين بعض فصائل فانو وجبهة تحرير شعب تيغراي، رغم أن الطرفين كانا يقفان على طرفي نقيض خلال الحرب الأخيرة.
هذا التقارب يندرج ضمن قاعدة “عدو عدوي صديقي”، بعدما تدهورت علاقة فانو بالحكومة الفيدرالية منذ اتفاق بريتوريا، ثم ازدادت حدة التوتر عقب حل القوات الخاصة الإقليمية عام 2023.
وتشير التطورات الميدانية إلى وجود تقاطعات عملياتية بين الجانبين، ظهرت من خلال تحركات متزامنة في غرب تيغراي خلال الأشهر الماضية، بما يعزز الانطباع بأن المصالح المشتركة باتت تتقدم على الخصومات السابقة.
وفي حال اندفعت قوات دفاع تيغراي نحو المناطق المتنازع عليها، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في فتح فانو جبهات ضغط موازية داخل إقليم أمهرة أو المشاركة المباشرة في استنزاف القوات الحكومية على أكثر من محور.
غرب أوروميا.. جبهة إضافية
ولا تتوقف تداعيات هذا المشهد عند حدود تيغراي وأمهرة، إذ تظهر منطقة غرب إقليم أوروميا بوصفها ساحة مرشحة لمزيد من التوتر.
فقد شهدت المنطقة خلال عام 2026 ارتفاعًا ملحوظًا في أعمال العنف المرتبطة بفانو، بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت تفاهمات محلية مع بعض فصائل جيش تحرير أورومو.
ومع تصاعد النشاط المسلح، تتزايد المخاوف من عودة دوائر العنف العرقي بين مجتمعات الأمهرة والأورومو، في منطقة ظلت خلال السنوات الماضية إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية في البلاد.

تطويق غرب تيغراي
على المستوى الإقليمي، تتقاطع التحركات العسكرية والسياسية حول غرب تيغراي بصورة تعكس اتساع دائرة اللاعبين المنخرطين في الأزمة.
فخلال الأشهر الماضية، تحركت قوات دفاع تيغراي والقوات الإريترية نحو مناطق أقرب إلى غرب الإقليم، بالتوازي مع نشاط متزايد لتحالفات معارضة للحكومة الإثيوبية، من بينها تحالف “تسيمدو” (التحالف باللغة التغرينية) الذي عقد اجتماعًا في بورتسودان بمشاركة أطراف إثيوبية وإقليمية متعددة.
وفي المقابل، عززت الحكومة الإثيوبية وجودها العسكري في منطقة غرب تيغراي المعروفة بـ”ولكايت” عبر نشر أسلحة ثقيلة ودبابات ومركبات مدرعة، في مؤشر على الاستعداد لاحتمالات التصعيد.
لا يفوتك: السلام “الهش” في إثيوبيا.. ماذا تعني استعادة “الجبهة الشعبية” حكم تيغراي؟
وتفتح هذه التحركات المجال أمام سيناريو تطويق غرب تيغراي من عدة محاور في حال اندلاع مواجهة جديدة، مع تداخل أدوار قوى محلية وإقليمية تتجاوز حدود النزاع الإثيوبي الداخلي.
وتعتبر “ولكايت” أو “غرب تيغراي” جزءًا من “إقليم تيغراي” بموجب دستور إثيوبيا، لكنها خضعت لاحتلال قوات من ولاية “أمهرة” المجاورة، عندما اندلعت الحرب في نوفمبر 2020 بين القوات الحكومية الإثيوبية، ومقاتلي تيغراي. ولا تزال المنطقة موضع نزاع حاد، حيث أكد الكثيرون في أمهرة أن المنطقة اُنتزعت منهم قبل 27 عامًا، عندما قادت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تحالفًا حاكمًا في إثيوبيا.
صراع الوكلاء في إثيوبيا
ولا تبدو إثيوبيا بعيدة عن لعبة التحالفات المضادة؛ فإلى جانب المواجهة مع خصومها الداخليين، تتداخل حسابات أديس أبابا مع ملفات إقليمية تشمل إريتريا والسودان، عبر علاقات مع جماعات معارضة للطرفين.
ومع تزايد انخراط القوى الإقليمية في دعم حلفائها المحليين، تتسع احتمالات انتقال الأزمة من نزاع داخلي إلى صراع نفوذ متعدد الأطراف تتداخل فيه الحسابات الأمنية والسياسية والعسكرية.
ويخلص تقرير “مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED” إلى القول إنه لم يعد الخلاف حول غرب تيغراي مجرد نزاع على حدود إدارية أو مناطق متنازع عليها، بل تحول إلى نقطة ارتكاز لإعادة تشكيل التحالفات والصراعات في القرن الإفريقي، وأن بين تيغراي وفانو، وبين أديس أبابا وخصومها الإقليميين، تتشكل معادلة جديدة قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة في إثيوبيا والمنطقة بأسرها.
نقلاً عن:
مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED
…………………………………………..
أحدث المقالات
- تيغراي وفانو.. هل إثيوبيا على أعتاب تحالف “عدو عدوي صديقي”؟
- موزمبيق تعلن عن مقتل خمسة من مواطنيها في هجمات بجنوب إفريقيا
- مدغشقر: ملاحقة أربعة قضاة بالمحكمة الدستورية بتهمة زعزعة استقرار النظام
- الرئيس الغاني: مشروع قانون تجريم الشذوذ الجنسي سيخضع للتدقيق
- الولايات المتحدة تفرض عقوبات على قادة بسبب القتال في شرق الكونغو










































