استلم الجنرال الأمريكي السابق فرانك جارسيا مهام منصبه مساعدًا لوزير الخارجية لشؤون إفريقيا رسميًّا في نهاية مايو 2026م في مرحلةٍ بدت فيها واشنطن تائهةً في دولاب العمل في إفريقيا بين خيارات صفرية ونموّ القلق الإفريقي من مُجمَل سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في القارة وفي بقية أرجاء العالم.
جاء اختيار “جارسيا” ليؤشر إلى طبيعة المقاربة الأمريكية المرتقبة في الفترة المتبقية من ولاية ترمب (التي ستنتهي في يناير 2029م)؛ بالتركيز على الجانب الأمني والعسكري وشعار “التجارة أولًا” (بدل المساعدات).
وبالنظر إلى خلفية جارسيا كمسؤول فاعل في الأمن القومي والاستخبارات لأكثر من ثلاثة عقود، وتراكم خبرته حول إفريقيا في هذا المجال، وتأكيداته الأولية على عمله على تطبيق أهداف دبلوماسية ترمب التجارية في إفريقيا؛ فإنه من الواضح أن مسعى واشنطن لإعادة صياغة سياساتها الإفريقية لا يعني بالضرورة بناء توجهات جديدة أكثر توازنًا مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، بل ربما تشديد حدة سياسات ترمب الإفريقية، وبذل مزيد من الضغوط على تلك الدول عبر الجمع بين المصالح الأمنية والعسكرية الأمريكية وروافع واشنطن الاقتصادية-التجارية.
هل يُعدّ فرانك جارسيا أجندة جديدة؟
عمل جارسيا في البحرية الأمريكية قرابة ثلاثة عقود، كما شغل مناصب كبرى في أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وعمل كبير مستشارين في لجنة الاستخبارات الدائمة بمجلس النواب House Permanent Select Committee on Intelligence.
كما عمل “جارسيا” محللًا في وكالة الاستخبارات الأمريكية. وتتضمَّن سيرته الذاتية عمله لمدة أربعة أعوام مديرًا للجنة استخباراتية فرعية تقوم بمراقبة الاستخبارات الدفاعية للولايات المتحدة. وشملت مسؤولياته خلال عمله متخصصًا في لجنة استخبارات (2006- 2014م) مراقبة جمع الاستخبارات الفنية.
ولاحظ مراقبون أن اختيار “جارسيا” يمثل تحولًا في رؤية إدارة ترمب لطبيعة المنصب في المرحلة المقبلة؛ إذ كان معتادًا أن يتولّى هذا المنصب عدد من الدبلوماسيين المعنيين بالشأن الإفريقي، وحرصت هذه المرة على اختيار شخصية عسكرية لا تملك خبرة كافية بالعمل الدبلوماسي الأمريكي في إفريقيا خارج دائرة الاستخبارات وتقديم المعلومات لصُنّاع القرار.
كما شغل جارسيا في الفترة من العام 2016 وحتى 2021م منصب رئيس شركة فيا ستيلي Via Stelle LLC، وهي شركة استشارات تكنولوجية متخصصة في سوق الدفاع والاستخبارات الحكومي الأمريكي. ونال درجات علمية من المدرسة البحرية العليا وكلية الحرب الوطنية وجامعة رودأيلاند وجامعة ساوث كارولينا، كما قضى عامين في مكتب الاستطلاع الوطني National Reconnaissance Office؛ حيث خدم نقيبًا في البحرية الأمريكية.
وتكشف مسيرة جارسيا المهنية، بالتزامن مع تأكيدات مستمرة لمكتب الشؤون الإفريقية بالخارجية الأمريكية على وقوع إفريقيا على أطراف اهتمامات واشنطن الخارجية بشكل عام، وأن وصف الإدارات الأمريكية السابقة لإفريقيا بالمنطقة الإستراتيجية لم يخدم إلا الأهداف البيروقراطية والمعنوية لتلك الإدارات، وليس المصالح الحقيقية لواشنطن؛ تكشف تلك الحقائق عن نزوع أمريكي مرتقب لسياسة أكثر برغماتية تجاه القارة الإفريقية، وخفض مستويات المساعدات الأمريكية التي كانت تُقدّم بشكل تقليدي قبل بدء الرئيس ترمب إدارته الحالية. كما كشفت حركة الدبلوماسية الأمريكية منذ مطلع العام الجاري تحديدًا عن هذا التوجُّه البرغماتي كما في حالة تقرّب واشنطن من دول الساحل الإفريقي التي شهدت انقلابات في السنوات الأخيرة، مثل حضور ممثل عن الولايات المتحدة في 18 يناير 2026م حفل تنصيب الرئيس الغيني مامادي دومبايا في كوناكري في فترة رئاسة مُقبلة بعد قيامه بالانقلاب في بلاده.
وهكذا تبدو الأولوية في قيادة جارسيا لملف السياسات الإفريقية في إدارة ترمب لفرض خيارات واشنطن الأمريكية والعسكرية وبمستويات أعمق (في تكريس مُرجَّح لسيناريو موقف ترمب من الإرهاب في نيجيريا وإعلانه التدخل هناك لحماية المسيحيين النيجريين كمدخل لصوملة الحالة النيجيرية)، وربط مجمل العلاقات الاقتصادية مع الدول الإفريقية بهذه الرؤية الأمريكية، والتقليل من أهمية موقع إفريقيا في سياسات واشنطن الخارجية باعتبار الأولى ساحة هامشية لهذه السياسات، وبغضّ النظر عن جدية هذه الأجندة واتساقها مع الرؤية الأمريكية الحقيقية للقارة وأهميتها الواقعية لواشنطن.
واشنطن ومأسسة التناقضات في إفريقيا:
تبدو سياسات واشنطن الإفريقية -في النصف الثاني من العام الجاري-، مُكرَّسة تمامًا لتناقضات رؤيتها المعلنة مع سياساتها الواقعية؛ ويتبدَّى ذلك في المواقف الأخيرة من الأزمة في السودان؛ حيث مالت مواقف الإدارة الأمريكية (The Africa Report, July 3, 2026) العملية لدعم مواقف ميليشيات الدعم السريع؛ خلافًا لما تعلنه الإدارة من حين لآخر بدعم المؤسسات الوطنية وفرض عقوبات على مثل هذه الميليشيات.
وامتد هذا التناقض -بحسب كثير من المراقبين- لسياسات واشنطن في القرن الإفريقي. كما تتبلور تلك النزعة العدائية تجاه دول القارة وعدم بذل جهد ممكن وكافٍ لإنهاء عدد من أزماتها مثل الأزمة في شرقي الكونغو؛ فقد أعلنت واشنطن نهاية العام الماضي عن شراكة معادن إستراتيجية مع كينشاسا تُتيح للولايات المتحدة وصولًا أكبر لموارد الكونغو المعدنية. وفي فبراير 2026م أعلن تحالف “أوريون” للمعادن الهامة Orion Critical Mineral Consortium (ومقرّها الولايات المتحدة) قُرْب توقيعه مذكرة تفاهم بقيمة 9 بلايين دولار للاستحواذ على حصة تبلغ 40% في شركة جلنكور السويسرية-الكونغولية، وهي عملاق التعدين الكونغولي الأبرز، وفي نهاية مارس الفائت استحوذت شركة فيرتوس للمعادن Virtus Minerals الأمريكية على مجموعة كيماف Chemaf الكونغولية بقيمة 700 مليون دولار. ولم يَحْدُث، في المقابل، تطوُّر يُذْكَر في المسار السياسي لتسوية الأزمة في شرق الكونغو كما وعدت إدارة ترمب حينذاك، ويبدو أن واشنطن تتطلع لمزيد من الاستحواذات (وأبرز الأهداف المتوقعة هي شركة Tenke Fungurume التي تدير أكبر منجم للكوبالت في العالم تملك الصين فيها (إلى جانب 14 شركة كونغولية أخرى) حصة مهمة.
ويبدو التخاذل الأمريكي الراهن في ملف شرقي الكونغو دالًا على استدامة توجُّه واشنطن لدعم التناقضات القائمة داخل الدول الإفريقية، وفيما بينها وبعضها البعض؛ فقد أعلنت رواندا، الداعمة لحركات التمرد الفاعلة في أزمة شرق الكونغو لوجستيًّا وعسكريًّا، نهاية يونيو الفائت على لسان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي أوليفير ندوهونجيرهي Olivier Nduhungirehe (New Times, June 30,2026) عدم رضاها عن مسار الوساطة الأمريكية في أزمة شرق الكونغو، وأن واشنطن تُظهر انحيازًا لكينشاسا، وأن الأولى فشلت في وضع الحكومة الكونغولية أمام مسؤولياتها في “شرق الكونغو”، وتجاهلت انتهاكات كينشاسا في الميدان.
ويُقصد هنا ملاحظة أن واشنطن لا تريد الضغط في مسار التسوية حتى تُقدِّم كينشاسا مزيدًا من التنازلات الاقتصادية ومنح الشركات الأمريكية الأخرى استحواذات أكبر في قطاعي التعدين والبنية التحتية من أجل تحقيق توازن معقول –من وجهة النظر الأمريكية- مع النفوذ الصيني في الكونغو، وفي المقابل فإنه يمكن ملاحظة أن المواقف الرواندية (التي لاقت إدانة من منظمات دولية في مقدمتها الأمم المتحدة وإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي) تصبّ في اتجاه الضغوط الأمريكية على حكومة الرئيس الكونغولي فيلكس تشيسيكيدي، بالنظر إلى طبيعة العلاقات الأمريكية الوطيدة (والعضوية) بنظام الرئيس الرواندي بول كاغامي بغض النظر عن الخطابات الرسمية الأخيرة.
ويمكن ملاحظة نفس السلوك الأمريكي الداعم للتناقضات والأزمات في إفريقيا في حالة الصومال وموقف واشنطن الملتبس وغير الواضح من تطورات الأوضاع في إقليم أرض الصومال الانفصالي بجمهورية الصومال الفيدرالية، والقبول الأمريكي الحزبي “غير الرسمي” لخطوة إسرائيل الاعتراف بالإقليم دولة مستقلة، وإعلان قطاعات رسمية بإدارة دونالد ترمب “تفهُّم” الخطوة التي تنذر في نهاية المطاف بصراعات عسكرية مفتوحة في جنوبي البحر الأحمر وتهديد الممر الملاحي الأهم في العالم بأزمة ربما تفوق في خطورتها أزمة غلق مضيق هرمز خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران (28 فبراير 2026م)، إضافة إلى دفع دول في إقليم البحر الأحمر (لا سيما مصر والسعودية) للدخول في مواجهات صراعية غير مسبوقة منذ عقود لتأمين الممر الملاحي، ومنع تحكم إسرائيل في مدخله الجنوبي خلف واجهة إقليم أرض الصومال.
وعلى ذِكْر الصومال وأزماته، فإن الولايات المتحدة تسعى بقوة وبسرعة مذهلة قبل نهاية ولاية ترمب إلى ما يمكن وصفه “بصوملة” نيجيريا من باب مكافحة الإرهاب في أكبر دولة إفريقية سكانًا، ومن أهمها سياسيًّا واقتصاديًّا. وعلى سبيل المثال أعلنت واشنطن مطلع يوليو الجاري عن سحب جزء من قواتها العاملة في شمال شرق نيجيريا في مكافحة الإرهاب من هذه المنطقة، بعد نجاح نسبي في عمل القوات الأمريكية والنيجيرية في هذا المسار في مايو 2026م (وهي عملية كانت مقررة بالفعل خلال الشهر المذكور)؛ واللافت في الخطوة الأمريكية أنها جاءت في ذروة تجدُّد الأنشطة الإرهابية في منطقة حوض بحيرة تشاد وشمالي نيجيريا وعدد من دول جوارها، وأن الميديا الأمريكية حرصت طوال العملية على تأكيد نجاح القوات الأمريكية في “حماية المسيحيين النيجيريين” من هجمات “داعش”.
هل فات أوان التغيير الأمريكي في إفريقيا؟
بالنظر إلى أداء إدارة ترمب في إفريقيا فإنّ أيّ تغيير يُرتقب بشأن سياساتها الإفريقية (لا سيما في إفريقيا جنوب الصحراء)، سيكون عمليًّا عبارة عن مزيد من التراجُع في معاملة دول القارة كدول مستقلة أو ذات سيادة أو التعامل بجدية مع مخاوفها والمخاطر التي تهددها. ومن هنا فإن ما لمَّح له الرئيس ترمب وعدد من مسؤولي إدارته في يونيو-يوليو 2026م مِن تبنّي إستراتيجيات جديدة في إفريقيا لا يدل بالضرورة على تغيير “إيجابي” في تلك الإستراتيجيات، وأن تولّي فرانك جارسيا ملف “إفريقيا جنوب الصحراء” سيدفع بقوة نحو تعميق أفكار ترمب إزاء هامشية إفريقيا وعدم استحقاقها مكانة أكبر في “النظام الدولي”، إضافة إلى احتقاره التقليدي المعهود لقادتها.
ومن هنا يمكن تصوُّر أن الآوان قد فات في تغيير الولايات المتحدة سياساتها الإفريقية، وأنه لا سبيل إلى تدارك ذلك فيما تبقى من إدارة ترمب حتى مطلع العام 2029م، بل إن تداعيات إدارة ترمب الحالية في إفريقيا ستظل ماثلة لدى أيّ إدارة تالية (سواء جمهورية أم ديمقراطية، مع فوارق طفيفة بينهما فيما يخص القارة)، وأن أيّ جهد سيُبْذَل لاحقًا لتصحيح سياسات ترمب أو التراجع عنها سيُواجه تحديات أمريكية وإفريقية حقيقية. وستبرهن مقاربة “غارسيا” في الغالب على صحة هذه الفرضيات في الأسابيع المقبلة.










































