أصدرت بكين في 17 يونيو الفائت ورقة بيضاء حملت عنوان: “حوكمة عالمية أكثر عدلًا ومساواة: مبادئ الصين واقتراحاتها وأعمالها” More Just and Equitable Global Governance: China’s Principles, Proposal and Actions.
تهدف الورقة -الصادرة عن المكتب الإعلامي التابع لمجلس الدولة- إلى التعريف بمبادئ الصين واقتراحاتها وأعمالها بخصوص الحوكمة العالمية، وتعزيز إجماع أكبر داخل المجتمع الدولي، وضمان استجابات فعّالة.
وقد حظيت الورقة باهتمام دولي خاص؛ لتركيزها على قضايا مهمة مثل: الأزمة في أوكرانيا، وتفاعلات العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، إضافةً إلى عناية الورقة بتجاوز التقسيمات الإقليمية في “الجنوب العالمي” لصالح رؤية متصاعدة تدعمها الصين بوحدة مقاربتها لهذا الجنوب باعتباره مجالًا سياسيًّا دوليًّا واحدًا.
وباستقراء موضع إفريقيا في هذه الورقة (والذي جاء ضمن إشارات عامة للجنوب العالمي)؛ نرى أنه ثمة ملاحظة أولية، وهي حديث بكين عن القارة كمتلقٍّ صافٍ لسياسات الدول الكبرى ومساعداتها، وما تراه ضروريًّا لتنمية القارة ودولها وشعوبها، فيما غابت -على سبيل المثال-، فكرة الندّية وطرح مخاوف القارة من بعض سياسات بكين (دوليًّا وإقليميًّا)، أو تداعيات هذه السياسات على إفريقيا.
ورقة بكين البيضاء: بروباغندا صينية؟
أشارت الورقة البيضاء إلى كون “الحوكمة العالمية” غاية مشتركة تؤثر على رفاهية البشرية، وأن بناء نظام حوكمة عالمي عادل ومنصف هو “رؤية مشتركة لطالما سعَى إليها الناس في جميع أنحاء العالم”، وأشارت الورقة إلى استمرار كون الصين مشاركًا فاعلًا ومساهمًا وفاعلًا في بناء الحوكمة العالمية.
وتستند الورقة البيضاء، في واقع الأمر، إلى إرث من خطاب الصين “التصالحي” مع العالم، ولا سيما مع طرح الرئيس “شي جين بينغ” بخصوص “بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية”، ودعوته سابقًا، وفي مناسبات متنوعة، إلى “تعزيز نظام حوكمة عالمي يتّسم بالتشاور الواسع والمساهمة المشتركة لتحقيق المنفعة العامة”، وكذلك إلى “تعددية حقيقية لتعزيز عالم متعدد الأقطاب متساوٍ ومنظَّم، وعولمة اقتصادية شاملة ومفيدة للجميع، وفقًا للورقة البيضاء”.
وتأتي الورقة الحالية امتدادًا لنظيرتها الصادرة في العام ٢٠٢٥، عندما اقترح الرئيس الصيني “شي جين بينغ” “مبادرة الحوكمة العالمية”، بغرض تقديم حلّ صيني لمسألتين مُلِحّتين في العالم راهنًا: ما نوع نظام الحوكمة العالمية الذي ينبغي إنشاؤه؟، وكيف يمكن إصلاح الحوكمة العالمية وتعزيزها؟ وبحسب وسائل الإعلام الصينية الرسمية، فإن المبادرة حظيت فور صدورها “بدعم سريع من نحو ١٦٠ دولة ومنظمة دولية، وانضمت أكثر من ٦٠ دولة إلى مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية”، أغلبها من دول الجنوب العالمي. ورأى قطاع كبير من المجتمع الدولي (الجنوب عالمي) أن المبادرة تحمل رسالة واضحة: دعم التعددية، وتوحيد الجهود، والسعي نحو مستقبل عادل؛ وفقًا لما نصت عليه الورقة البيضاء.
وتنسجم مبادرة الحوكمة العالمية، بحسب رؤية بكين التي تميل إلى تبنّي خطاب دبلوماسي مثالي يستدر تعاطف دول الجنوب العالمي، ويَعِد دون أفق محدد بتلبية تطلعاتها في المدى المنظور، مع “التوجه المتنامي نحو مزيد من الديمقراطية في العلاقات الدولية، وتعزّز الثقة الدولية في ممارسة التعددية”، مع ملاحظة تنافي هذا الخطاب مع تطورات الاستقطاب الدولي الراهن بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران نهاية فبراير 2026م، وجنوح التفاهمات الدولية (بين الصين والولايات المتحدة في السياق الحالي) إلى تغليب المحاصصات الفوقية (بين بكين وواشنطن)، وسياسة “عضّ الأصابع” حتى اللحظة الأخيرة على حساب الدول المتضررة من تداعيات التنافس/ الصراع الأمريكي الصيني في نهاية المطاف.
على أيّ حال فإن السردية الصينية الرسمية ترى أن المبادرة تقدّم “خارطة طريق واضحة وقابلة للتنفيذ لتحسين الحوكمة العالمية، مما يُسهم في تحقيق استقرار قِيَم وطاقة إيجابية في عالم مضطرب”.
وتداركت بكين في الورقة البيضاء جانبًا مهمًّا لإضفاء الواقعية على الوثيقة بتأكيدها: “أن نجاح (الحوكمة العالمية العادلة) سيتوقف على تحمّل الدول الكبرى مسؤوليةً تجاهها، وعلى توحّد جميع الدول وتعاونها لمعالجة أوجه القصور في السلام والتنمية. (وأنه) ينبغي على جميع الدول، وفقًا للورقة، التمسك بقوة بالنظام الدولي الذي تُشكّل الأمم المتحدة جوهره، وحماية النظام الدولي القائم على القانون الدولي، والتمسك بالمعايير الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية والمستندة إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، بدلًا من إعادة اختراع العجلة”.
ووإجمالًا فإن الورقة البيضاء تتألف، إلى جانب المقدمة والخاتمة، من خمسة أجزاء: “العالم اليوم يواجه تحديات جسيمة ومعقدة”، و”مبادرة الحوكمة العالمية تستجيب لتحديات عصرنا”، و”مساهمة الصين في تعزيز الحوكمة العالمية”، و”توجيه مسار التغيير نحو مستقبل مشرق”، و”المضي قدمًا جنبًا إلى جنب في منعطف حاسم من التاريخ”، قدّمت جميعها لمحات سريعة عن سياسات الصين وأدوارها وتصوراتها “للنظام العالمي” أو ما يبدو أنه تسمية جديدة لهذا النظام؛ أي “الحوكمة العالمية”.
الورقة البيضاء ودمج إفريقيا في النظام المالي الدولي:
ترى تحليلات هامة (China Daily, July 6, 2026) أن ورقة بكين البيضاء تمثّل نقطة بداية لربط الأهداف الإستراتيجية لأجندة 2063 التي يتبناها الاتحاد الإفريقي ومنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وأن بكين ترى في ميثاق الأمم المتحدة درعًا قانونيًّا لحماية الدول من الضغط السياسي الخارجي وكثقل مُوازِن للنزعة الأُحادية الغربية، وهو توجُّه يتزامن مع التغيُّر نحو قطبية تعددية ونظام عالمي متعدّد الأسواق multi-market global system يمثل “فرصة فريدة لإعادة بناء التجارة والتمويل” تتيح مكاسب هائلة لصالح تنوع إفريقيا؛ إذ تناهض الورقة الإجراءات الحمائية وتعزز “أبنية تجارة مفتوحة وشاملة وغير تمييزية”، وهو مبدأ عززته بكين في سياساتها تجاه إفريقيا والتي طبقتها في 1 مايو الماضي بإعفاء صادرات 53 دولة إفريقية للصين من أيّ رسوم جمركية (ولم يُشِر التحليل للسقف الزمني لهذا الإعفاء، وما تتوقّعه الصين من سياسات مماثلة من جانب الدول الإفريقية تُعزّز بشكل مباشر ميزان الأولى التجاري مع إفريقيا الذي يسجل بالفعل مستويات قياسية من العجز لصالح بكين).
على أيّ حال، فإن الخطوة الصينية المشار لها تتيح فرصة كبيرة للقطاع الخاص للاستثمار في مشروعات القيمة المضافة داخل إفريقيا لخدمة السوق الصيني الذي يبلغ حجمه 1.4 بليون نسمة ويُحقّق ناتجًا محليًّا إجماليًّا قدره 20.6 تريليون دولار (أي: نحو عشرة أضعاف نظيره لمجمل دول القارة الإفريقية التي تبلغ 2.8 تريليون دولار في العام 2026م، بحسب تقديرات لصندوق النقد الدولي). وتتطلع الصين لتطبيق معايير سوق موحدة في جميع الدول الإفريقية الـ53 مما سيسهل، -بحسب رؤية بكين التي تثير بدورها تساؤلات مقلقة-، على دول اتفاق التجارة الحرة القارية تبني مثل هذه المعايير في السوق الإفريقي.
وتقترح الورقة البيضاء أُطُر تمويل بديلة مثل بنك التنمية الجديد، وترى ضرورة صندوق نقدي إفريقي African Monetary Fund. وأن تنوّع نُظم العُملة وتوسيع آليات تسوية العملة المحلية يمكن أن يحمي إفريقيا من مخاطر المبادلات والتضخم المرتبط بالتعامل بالدولار الأمريكي والعملات الأجنبية الأخرى. كما ركزت الورقة على ضمان السيادة التكنولوجية في القطاعات الرائدة، لا سيما في ضوء واقع ضآلة مشاركة إفريقيا في مجال الذكاء الاصطناعي؛ إذ لا تتجاوز حصتها 1% من القدرة الحاسوبية العالمية، بينما تقل نسبة الكفاءات المتاحة فيها عن 2%، الأمر الذي نظرت له الورقة البيضاء كتهديد خطير لمستقبل القارة في عالم يزداد فيه هيمنة ما يُسمَّى بـ”الاستبداد التكنولوجي”.
وبناء على ذلك، تدعو الصين إفريقيا إلى أخذ زمام المبادرة في صياغة حوكمة التكنولوجيا، وأنه على الاتحاد الإفريقي اتخاذ خطوات استباقية للمشاركة في وضع قواعد للقطاعات الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي؛ لضمان أن تعكس هذه القواعد توافقًا دوليًّا بدلًا من معايير تضعها جهات فاعلة قليلة.
ويرى المدافعون عن الورقة ومقارباتها أنها توفّر للدول الإفريقية فرصة للحوار والنقاش والتكيُّف مع محتوياتها كي تلائم الأوضاع المحلية بها، وأن على القارة أن تستخدم الوثيقة لفهم الصين على نحو أفضل، والاستفادة من التزام بكين تجاه تضامن الجنوب العالمي لخوض مفاوضات جادة بشأن الاستثمار والتجارة وتبادلات تكنولوجية أعمق من أجل تحسين القيمة المضافة المحلية، لا سيما أن القارة قد تبنَّت تاريخيًّا أُطُرًا مؤسسية تطورت في خارجها دون تكيُّف كافٍ مع سياقاتها الإفريقية المحلية.
إفريقيا في الرؤية الصينية: توسُّع الجنوب العالمي؟
نصّت الورقة، لا سيما في قسمها الثالث، الذي جاء تحت عنوان “إسهام الصين في تعزيز الحوكمة العالمية”، على ضرورة أن تَلْقى أصوات الجنوب العالمي، بما فيها الخارجة من إفريقيا، آذانًا صاغية في المجتمع الدولي؛ إذ إن هذا الجنوب قوة هامة في السعي لتحقيق السلام والتنمية وتعزيز التعاون، وأن صعوده الجماعي يُمثّل تقدمًا إنسانيًّا. وترى الورقة أنه من أجل تحقيق الاستقرار وتحسين الأوضاع في العالم فإن المجتمع الدولي بحاجة ماسَّة لأن يكون أكثر استجابة لمخاوف الجنوب العالمي في الشؤون الدولية ودعم دوره بالكامل.
ولم تنص فقرات الورقة صراحة على جزء مخصَّص للقارة الإفريقية (باستثناء فقرة حصرية واحدة سندرجها في السطور التالية)، بل تم تضمين رؤية الصين لها في مواضع متفرقة وتحت مظلة “الجنوب العالمي”؛ وعلى سبيل المثال ورد اقتراح الصين “مبادرة للتعاون العالمي المفتوح والشامل بين دول الجنوب، ونفّذت ثمانية تدابير لدعم هذا التعاون، وشجّعت دول الجنوب على أن تصبح قوةً فاعلةً للسلام، ومحركًا للتنمية المفتوحة، وبانيًا للحوكمة العالمية، وداعمًا للتبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات: “وأن بكين أقدمت في قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي، على ترقية العلاقات الثنائية بين الصين وجميع الدول الإفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية رسميًّا إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية، ورُفعت مكانة العلاقات الصينية الإفريقية الشاملة إلى مستوى “مجتمع المصير المشترك الصيني الإفريقي” في العصر الجديد. كما تعهّدت الصين بالعمل مع الدول الإفريقية لتعزيز التحديث في ستة مجالات، وتنفيذ عشرة إجراءات شراكة (لم تحصرها الوثيقة)”.
وتشير تلك الفقرة إلى غلبة التصور الصيني التقليدي لإفريقيا ليس فحسب باعتبارها الطرف المتلقي لمبادرات بكين، بل والخاضعة لتصوُّر بكين المباشر والضمني “للجنوب العالمي” باعتباره -واقعيًّا وكما يُفهَم من سياسات بكين على الأرض في إفريقيا على الأقل- فناءً خلفيًّا لسياسات بكين الدولية ورافعة مهمة لها في مواجهتها لمتغيراتها.
على أيّ حال فإن إعلان بكين الورقة البيضاء حول الحوكمة العالمية جاء فيما تحقّق الصين اختراقات مهمة في النظام الدولي، وتُعزّز موقعها كقوة عظمى قادرة على مقارعة الولايات المتحدة وحلفائها في أكثر من ملف، وكذلك على حماية مصالحها بشكل غير مسبوق.
لكن تظل إفريقيا في موقع هامشي للغاية في سياسات بكين، لا سيما إذا لاحظنا اتفاق سياسات بكين في المحصلة مع غايات وأدوات مختلف الدول التي “تتنافس” على موارد إفريقيا ومستقبلها، وفي مقدمتها طرح رؤية مُلزمة لدول القارة للاندماج في نظام دولي لا تُساهم في صياغة ملامحه.












































