اتهمت جبهة تيغراي، الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، بالتحضير لشن حرب جديدة ضد الإقليم، معتبرة أن اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية “قد انهار فعليًا”؛ بسبب ما وصفته بفشل حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد علي في تنفيذ التزاماتها.
جاء ذلك في بيان أصدرته سلطات إقليم تيغراي، اليوم السبت، بعد إعادة تشكيل الإدارة الإقليمية من قبل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF)، عقب حل الإدارة الإقليمية المؤقتة، وإعلان إعادة العمل بما تصفه بـ”الحكومة الإقليمية الوطنية لتيغراي”.
في هذا التقرير
جبهة تيغراي تعلن انهيار اتفاق السلام
وقالت سلطات تيغراي إنها خلصت إلى أن اتفاق السلام لم يعد يشكل إطارًا صالحًا لتسوية النزاع.
وأضافت أن تيغراي “بذلت جهودًا كبيرة” لتنفيذ اتفاق بريتوريا، إلا أن العملية أخفقت بسبب ما وصفته بـ”الإجراءات المعرقلة والهدامة” التي اتخذتها الحكومة الفيدرالية، إضافة إلى إخفاق الجهات الضامنة للاتفاق في الوفاء بمسؤولياتها.
وجاء في البيان: “بعد كثير من الصبر، أصبح من الواضح أن الاتفاق قد انهار”، مضيفًا أن ذلك استدعى عودة “حكومة منتخبة من الشعب” لتتولى قيادة تيغراي.
ويأتي هذا البيان في ظل تصاعد التوتر بين أديس أبابا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، إذ يتبادل الطرفان الاتهامات بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، والذي أنهى الحرب التي استمرت عامين في شمالي إثيوبيا.
واتهمت الإدارة الإقليمية الحكومة الفيدرالية بتكثيف جهودها لعزل تيغراي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، بالتزامن مع التحضير لجولة جديدة من الصراع.

حكومة آبي أحمد تستعد لحرب جديدة
كما اتهمت سلطات تيغراي حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد بـ”استكمال جميع الاستعدادات اللازمة لشن حرب جديدة على الإقليم”، وبإطلاق ما وصفته بحملة واسعة من “خطاب الكراهية” ضد تيغراي عبر القيادات السياسية والعسكرية وأنصار الحكومة.
وأضافت الإدارة أن مؤشرات على “هجمات بالطائرات المسيّرة، وحشد للقوات، واستفزازات عسكرية” بدأت تظهر بالفعل، معتبرة أن من حق تيغراي “أخلاقيًا وقانونيًا” تعزيز قدراتها الداخلية والاستعداد للدفاع عن نفسها في مواجهة ما وصفته بـ”خطر تجدد الإبادة الجماعية”.
وجاء في البيان: “إن تعزيز قدراتنا الداخلية واعتمادنا على الذات، سواء من أجل الحوار السلمي أو لمواجهة الخطر الوشيك، ليس حقًا أخلاقيًا وقانونيًا فحسب، بل هو أيضًا واجب علينا”.
اقرأ أيضًا:
إثيوبيا وإريتريا وجبهة تيغراي: من يجر القرن الإفريقي إلى الحرب؟ (مناظرة افتراضية)
واتهمت سلطات تيغراي أيضًا أشخاصًا لم تسمهم، قالت إنهم يعملون بالوكالة لصالح الحكومة الفيدرالية، بمحاولة تقويض مقاومة تيغراي من خلال تشجيع الشباب على مغادرة الإقليم، ونشر معلومات مضللة تهدف إلى إضعاف التأييد الشعبي.
ودعت شباب تيغراي إلى البقاء في الإقليم، محذرة مما وصفته بمحاولات تضليلهم ودفعهم إلى مغادرة وطنهم، كما زعمت أن أبناء تيغراي الموجودين خارج الإقليم يظلون عرضة للملاحقة من قبل السلطات الفيدرالية.

تيغراي تؤكد تمسكها بالحل السلمي
ورغم هذه الاتهامات، أكدت الإدارة تمسكها بالتوصل إلى حل سلمي للأزمة.
وجاء في البيان: “بابنا مفتوح دائمًا أمام أي طرف يختار السلام بديلاً”، مضيفًا أن محاولات حل النزاع بالقوة “ستجلب أخطر العواقب”، وأنه ينبغي تسوية المشكلات عبر الحوار.
في المقابل، لا تعترف الحكومة الفيدرالية بالإدارة التي أعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تشكيلها، إذ تواصل أديس أبابا الاعتراف بالإدارة الإقليمية المؤقتة لتيغراي التي أُنشئت بموجب اتفاق بريتوريا، رغم أن هذه الإدارة تواجه انقسامات داخلية متزايدة وخلافات بشأن صلاحياتها وآليات تنفيذ الاتفاق.
ويأتي هذا البيان أيضًا بعد أيام من اتهام رئيس الوزراء آبي أحمد للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بالتحالف مع إريتريا والسودان ضد إثيوبيا، وهو اتهام نفته الجبهة.
كما اتهمت الجبهة الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ البنود الأساسية لاتفاق بريتوريا، بما في ذلك انسحاب القوات الإريترية، وإعادة المناطق الواقعة خارج سيطرة إدارة تيغراي، وضمان عودة النازحين داخليًا.
إثيوبيا تتهم قادة تيغراي بتجنيد الشباب قسرًا
وقبل أيام، أكد غيتاشيو ردا، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق إفريقيا، أن عمليات التجنيد الإجباري للشباب من المدارس ودور العبادة والشوارع، التي قال إن قادة جبهة تحرير شعب تيغراي ينفذونها، تمثل “عملاً لا إنسانيًا وخبيثًا”، محذرًا من تداعياتها على مستقبل الإقليم واستقراره.
وجاءت تصريحات ردا خلال حلقة نقاش نظمها مركز السياسة المسؤولة والسلمية بالتعاون مع هيئة إذاعة تيغراي، تحت عنوان “السلام والديمقراطية والتنمية في تيغراي: دور الإعلام والناشطين“، بحضور نائب المدير العام لهيئة الإعلام الإثيوبية يوناتان تسفاي، إلى جانب مسؤولين وصحفيين وشخصيات عامة.
وخلال كلمته، شدد مستشار رئيس الوزراء على ضرورة جعل السلام والاستقرار في إقليم تيغراي أولوية قصوى، داعيًا إلى توسيع الأنشطة التنموية التي تشهدها مناطق أخرى من إثيوبيا لتشمل الإقليم، بما يضمن استفادة سكانه من جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وأشار إلى أن شعب تيغراي، الذي وصفه بالصامد والمجتهد، لا ينبغي أن يُحرم من المشاركة الفاعلة في التنمية بسبب ما وصفه بممارسات قادة جبهة تحرير شعب تيغراي، محذرًا من أن هذه القيادات تسعى إلى جر الإقليم إلى موجة جديدة من الدمار والمعاناة. ودعا ردا المجتمع بمختلف مكوناته إلى التكاتف لمنع تكرار دوامة الصراع، والعمل على ترسيخ الأمن والاستقرار بما يخدم مصالح سكان تيغراي.

الحرب في تيغراي
اندلعت الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد علي وجبهة تحرير شعب تيغراي، التي كانت لعقود القوة السياسية والعسكرية الأكثر نفوذًا داخل الدولة الإثيوبية قبل وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018.
وسرعان ما تحولت المواجهة إلى حرب واسعة النطاق، بعدما انضمت إليها القوات الإريترية، إلى جانب قوات إقليم أمهرة، دعمًا للحكومة الفيدرالية.
وأسفرت الحرب عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، وتسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في إفريقيا، قبل أن تنتهي بتوقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022، برعاية الاتحاد الإفريقي.
ونص الاتفاق على:
- وقف دائم لإطلاق النار.
- نزع سلاح قوات جبهة تحرير شعب تيغراي.
- استعادة الحكومة الفيدرالية سلطتها في الإقليم.
- عودة الخدمات الأساسية.
- تهيئة الظروف لعودة النازحين.
- فضلاً عن إطلاق مسار للعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار.
ورغم أن الاتفاق نجح في إنهاء العمليات العسكرية، فإنه لم ينهِ الخلافات التي قادت إلى الحرب، كما لا يزال تنفيذ عدد من بنوده محل جدل مستمر، خاصة ما يتعلق بعودة النازحين، واستعادة الإدارة المدنية، وترتيبات الأمن، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، والعدالة الانتقالية وغيرها.
في الوقت نفسه، شهدت العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة تحولاً لافتًا، فبعد أن خاض البلدان الحرب جنبًا إلى جنب ضد (عدو مشترك) جبهة تحرير شعب تيغراي، بدأت مؤشرات التباعد تظهر تدريجيًا عقب توقيع اتفاق بريتوريا، الذي لم تكن إريتريا طرفًا مباشرًا فيه.
مع مرور الوقت، اتسعت فجوة الخلاف، لا سيما مع تصاعد الحديث داخل النخبة الإثيوبية عن ضرورة حصول البلاد على منفذ بحري يتمتع بطابع “تجاري وعسكري”، وهو الطرح الذي أثار قلقًا إقليميًا بالغًا، رأت فيه إريتريا والصومال وجيبوتي -تحديدًا- تهديدًا مباشرًا لسيادتها الوطنية.
أحدث المقالات:











































