تواجه جنوب إفريقيا حزمة من الأزمات الداخلية والخارجية، وعلى رأسها “الأفروفوبيا“، التي تهدد بشكل حقيقي مستقبلها ونموذجها كدولة ديمقراطية تكرس العدالة الاجتماعية ومنفتحة على مبادئ الوحدة الإفريقية والجنوب العالمي ومطالب إصلاح النظام الدولي.
ويأتي في قلب هذه الحزمة ما يواجهه الرئيس سيريل رامافوزا من مخاطر تقديمه للمحاكمة والمساءلة القضائية، وتراجع شعبية حزب المؤتمر الوطني الحاكم (بالائتلاف مع التحالف الديمقراطي الممثل لمصالح وأيديولوجيات «الأقلية البيضاء») إلى مستويات دنيا قياسية، بالتزامن مع التغير اللافت في التكوين الديموغرافي واتساع قاعدة الشباب الانتخابية ممن تجاوزوا أجواء مرحلة «التحول الديمقراطي» وباتوا يتطلعون لحلول أكثر راديكالية للمشكلات التي تواجه بلادهم محلياً، ومن بينها صعود تيار الخوف من الأفارقة “الأفروفوبيا” Afrophobia.
محتويات المقال
التحديات الداخلية: أزمات متلاحقة:
تشهد جنوب إفريقيا منذ نهاية أبريل الماضي موجة احتجاجات محلية متلاحقة، تقودها مجموعات من الشباب الجنوب إفريقي المناهض لوجود الأجانب الأفارقة تحديداً، والذين اتهمهم الشباب الجنوب إفريقي بالمسؤولية عن أخذ فرص عملهم وتفشي المخدرات في الضواحي والضغط المتزايد على الخدمات الاجتماعية. وأصدرت مجموعات الاحتجاج هذه إنذاراً للحكومة للقيام بعمليات ترحيل جماعي للمهاجرين الأفارقة في البلاد في موعد أقصاه 30 يونيو الجاري[1]، وربط ذلك بتجديد جماعات الاحتجاج أنشطتها بشكل موسع على نحو يُذكّر بأحداث العام 2008م.
وعلى خلفية هذا التوتر، يمكن ملاحظة عدد من التحديات الداخلية التي تهدد جنوب إفريقيا راهناً على النحو التالي:
1- كراهية الأفارقة (الأفروفوبيا) Afrophobia:
رغم تمكن مفهوم «كراهية الأجانب» في بيئة جنوب إفريقيا في الأعوام الأخيرة لأسباب سوسيو- اقتصادية بالأساس؛ فإن الموجة الحالية من احتجاجات الشباب الجنوب إفريقي تكشف عن عمق المخاوف التي أبداها متابعون أفارقة في الشهور الأخيرة[2] من تنامي ما بات يُعرف بنزعة كراهية الأفارقة Afrophobia داخل البلاد.
وكان ملفتاً تصاعد هذه النزعة وفعالياتها بالتزامن مع الاحتفال بيوم إفريقيا (25 مايو الفائت)، مما أبرز حجم الانقسامات العميقة داخل جنوب إفريقيا والقارة الإفريقية ككل إزاء مسألة «الوحدة الإفريقية».
واستهدفت الحملات المعادية للأفارقة جنسيات السود من زيمبابوي ونيجيريا وغانا وزامبيا وتنزانيا ومالاوي وموزمبيق، مع ملاحظة غياب توثيق الحكومة الجنوب إفريقية للاعتداءات التي تستهدف أبناء هذه الجنسيات، وأنه ثمة تعبئة شعبوية[3] بين الشباب الجنوب إفريقي لتنفيذ العدالة بحق المدانين من المهاجرين في الجرائم التي يدينونهم بها.
للمزيد حول هذه القصة: 5 أسئلة لفهم موجة كراهية المهاجرين في جنوب إفريقيا
ويُقدّر عدد العاملين الأجانب (وأغلبهم من الأفارقة) في جنوب إفريقيا بمليوني عامل، يمثلون نحو 5% من إجمالي قوة العمل الجنوب إفريقية (التي تبلغ 42.2 مليون نسمة بين 15-64 عاماً، وفق تقديرات الربع الأول من العام الجاري[4]، ونصفهم من المرحلة العمرية 15-34 عاماً، لا يعمل منهم بالفعل إلا 5.6 ملايين شاب، مما يشير إلى فجوة هائلة في البطالة التي تتركز في هذه الفئة تقريباً بعدد 15 مليون شاب، يمثلون نسبة البطالة الأعلى على المستوى الوطني- التي تجاوزت 32.7% بقليل- ببلوغها رقماً قياسياً في هذه الفئة العمرية وحدها).
ويؤشر ذلك إلى توقع استدامة الأزمة الحالية وتصاعد كراهية المهاجرين الأفارقة مع تصاعد نسبة البطالة بين الشباب صغير السن، والأكثر افتراقاً عن التأثير التاريخي التقليدي لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي ورؤيته الأفريقانية، مما يبرز التداعيات السلبية على التوازن السياسي القائم وربما التوجه نحو خيارات راديكالية مستقبلاً.

2- رامافوزا وتصاعد أزمة تقرير فالا فالا Phala Phala:
جاء التقرير المذكور متضمناً إشارات بخصوص الأموال التي عُثر عليها في أريكة بمنزل الرئيس سيريل رامافوزا قبل سنوات. وجاءت أحدث حلقات هذه الأزمة في أول يونيو الجاري مع مناقشة البرلمان الجنوب إفريقي أول اجتماعاته بخصوص القضية بناءً على طلب من «التحالف الديمقراطي»[5] شريك رامافوزا في الحكم.
قد يهمك: فضيحة فالا فالا.. هل ينجو رامافوزا من فخ المادة 89؟
ومثّل الاجتماع الخطوة التالية في إجراءات الاتهام ضد رامافوزا عقب تجديد الاتهام له في مايو من قِبل المحكمة الدستورية. ومن المتوقع حال إدانة رامافوزا بشكل قاطع خروجه من رئاسة البلاد، وتوجيه ضربة قاصمة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، ولاسيما مع تداول قطاعات من الشباب الجنوب إفريقي فرضية تواطؤ رامافوزا في تسهيل اغتيال الزعيم الجنوب إفريقي الشاب وزميله وقتها ستيف بيكو (سبتمبر 1977م)، الأمر الذي يضع مجمل شعبية حزب المؤتمر الوطني وقياداته[6] على محكات خطيرة ستحسم بكل تأكيد فشل الحزب في تحقيق فوز ولو ضئيل في الانتخابات المقبلة.
لا يفوتك: وداعًا “ستالينغراد”.. هل تطوي جنوب إفريقيا عصر هروب الرؤساء من العدالة؟
3- عائق حقيقي أمام التعافي الاقتصادي:
لا تقتصر التداعيات السياسية والاحتجاجية الخطيرة في مدينة جوهانسبرج على حدودها فحسب؛ بل إن مؤسسات التمويل الدولية (مثل البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي وغيرهما) وجمعيات أعمال محلية تنظر لهذه الاحتجاجات[7] على أنها عائق حقيقي أمام التعافي الاقتصادي في جنوب إفريقيا، وجهود إصلاح قطاعات بعينها مثل الطاقة والزراعة، أخذاً في الاعتبار أن جوهانسبرج وحدها مسؤولة عن نحو 16% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
4- أزمة سياسية شاملة:
يلاحظ المواطنون الجنوب أفارقة عجز الأحزاب السياسية الفاعلة في البلاد (المؤتمر الوطني الإفريقي والتحالف الديمقراطي في مقدمتهما) عن مواجهة مشكلات البلاد الداخلية مواجهة حقيقية، ويرجع ذلك لسبب رئيس وهو التصرف بعقلية «الأيديولوجيا»؛ فحزب المؤتمر الوطني يصر على أنه تنظيم حزبي يساري (بالمخالفة للحقيقة).
بينما يؤكد التحالف الديمقراطي أنه حزب ليبرالي (متجاهلاً أُسسه العرقية الواضحة)، بينما ترى أحزاب معارضة أخرى أنها راديكالية أو أنها تمثل المستقبل السياسي[8] في البلاد. وهكذا فإن الاستقطاب السياسي المتصاعد، ووفق قواعد التحول الديمقراطي التي جرت منذ أكثر من ثلاثة عقود، يمثل أزمة حقيقية في جنوب إفريقيا يصعب تجاوزها إلا بالتوصل لمعادلة سياسية جديدة تعزز التوافق الوطني، أو ما يطلق عليه معارضون مرحلة «الجمهورية الثانية» بعد فشل جمهورية ما بعد التحول الديمقراطي.
قضايا السياسات الخارجية: معضلة الهوامش الضيقة:
1- مواجهة الضغوط الأمريكية:
بدأت بريتوريا في مطلع يونيو الجاري تكثيف جهودها لمواجهة تداعيات القرار الأمريكي برفع الرسوم الجمركية على واردات الولايات المتحدة من جنوب إفريقيا إلى 30%، وما تلاها من اقتراحات للإدارة الأمريكية بفرض نسبة أخرى تصل إلى 12.5%، ليبلغ إجمالي الرسوم الجمركية الأمريكية على وارداتها من جنوب إفريقيا 42.5%[9]، وهي نسبة بالغة التأثير السلبي على مجمل صادرات جنوب إفريقيا (إذ تبلغ الصادرات الجنوب إفريقية للولايات المتحدة 16.5 مليار دولار في العام 2025م، تمثل نسبة 14.1% من إجمالي صادرات البلاد التي بلغت في العام نفسه 116.8 مليار دولار، ويتوقع أن تشهد تراجعاً إضافياً في العام الجاري).
وتتركز تلك الجهود راهناً في اتباع السبل الدبلوماسية والقانونية لحث واشنطن على مراجعة قراراتها. وإن بدا هذا السيناريو مستبعداً في الوقت الراهن، ولاسيما عند ملاحظة ربط واشنطن مقترحها الجديد بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 12.5% على جنوب إفريقيا (ضمن بلدان أخرى) بقضايا مثل العمل الإجباري وأوضاع اللاجئين والعمالة الوافدة، مما يوضح حجم المأزق الجنوب إفريقي في واقع الأمر.
للمزيد: رولف ماير.. 5 نقاط تشرح حدود تأثير “رهان” رامافوزا في واشنطن
2- التعاون مع الصين:
منحت الصين قبلة حياة مهمة للاقتصاد الجنوب إفريقي بوضع الجمارك الصينية المفروضة على الواردات الجنوب إفريقية عند رقم 0%، وهي خطوة بالغة الأهمية لجنوب إفريقيا، ولاسيما مع ربطها بحرص بكين على التعاون مع جنوب إفريقيا من أجل تحقيق أهدافهما المشتركة في إفريقيا، مثل التنسيق الكبير في تحديث القطاع الصناعي في إفريقيا وفق مبادرة مهمة بهذا الصدد (نوفمبر 2025)[10]، وغيرها من المبادرات والاتفاقات ذات الصلة بالتنسيق الصيني-الجنوب إفريقي في القارة.
لكن تظل الإشكالية الرئيسة هنا هي عجز الميزان التجاري بين البلدين[11] بشكل كبير لصالح الصين. فقد ارتفعت التجارة بين البلدين من 1.34 مليار دولار في عام 2000م إلى 34.18 مليار دولار في عام 2023م، مع ارتفاعات مستمرة منذ ذلك الوقت. لكن توقيع البلدين على اتفاق الشراكة الاقتصادية الصينية-الإفريقية China- Africa Economic Partnership Agreement CAEPA مطلع العام الجاري يخفف من حدة العجز في الميزان التجاري بشكل ملموس في الفترة المقبلة.

3- جنوب إفريقيا وروسيا نحو شراكة إستراتيجية جديدة:
تتعمق شراكة جنوب إفريقيا وروسيا على نحو متزايد، مع ملاحظة تقاطع دوائر حركة البلدين في أكثر من دائرة، وأهمها راهناً مجموعة البريكس وإطار «الجنوب العالمي». ورغم إعلان بريتوريا تبنيها موقف الحياد تجاه الحرب الروسية-الأوكرانية؛ فإن أغلب المراقبين يعتبرون هذا الحياد «تحيزاً غير معلن» لبريتوريا في صف موسكو. بأي حال، فإن الشراكة الجنوب إفريقية-الروسية بدأت تكتسب ملامح جديدة، مثل التعاون الثنائي في مواجهة الحركات الإرهابية في إفريقيا الجنوبية، ولاسيما الاستفادة من الخبرة الروسية[12] في مواجهة مثل هذه الجماعات في موزمبيق بتنسيق جنوب إفريقي.
يبدو من حزمة القضايا الداخلية وإشكالات السياسة الخارجية التي تواجه جنوب إفريقيا، أنها عند منعطف حقيقي قد تدخل من خلاله مرحلة الجمهورية الثانية بقدرٍ لا يستهان به من الأزمات الداخلية المتراكمة
وحسب تقارير مهمة[13] (6 يونيو الجاري) فإن مجالات التعاون الروسي-الجنوب إفريقي ستزداد في الفترة المقبلة في قطاعات البنية الأساسية والطاقة والزراعة، كما عرضت روسيا مؤخراً المساهمة في مشروعات ربط السكك الحديدية ضمن المشروع الشهير باسم «من الكيب إلى القاهرة»، وهي خطوة ستعزز بشكل كبير عوائد تطبيق اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية، ولاسيما بالنسبة للاقتصاد الجنوب إفريقي الذي يوصف تقليدياً «بالاقتصاد الأكثر تقدّماً صناعياً في القارة».
4- جنوب إفريقيا وتجريم إسرائيل:
لم تتراجع بريتوريا حتى يونيو الجاري، رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتزايدة عليها، ولاسيما منذ نهاية فبراير الفائت بعد اندلاع حربهما على إيران، عن موقفها في محكمة العدل الدولية بوضع إسرائيل مسؤولة عن جرائم الإبادة في فلسطين أمام هذه المحكمة.
وعلى خلاف ما كان متوقعاً من الضغوط الأمريكية فقد انضمت في يونيو الجاري كلٌّ من هولندا وآيسلندا وتشيلي للدعوى الجنوب إفريقية ضد إسرائيل، مما يمثل اختراقاً دولياً مهماً، ولاسيما في حالة دولة مثل هولندا ومواقفها الداعمة لإسرائيل. وأبدت الأخيرة تخوفاً حقيقياً[14] (7 يونيو الجاري) من مسار القضية الجنوب إفريقية بعد هذه الخطوات.
لا يفوتك: طرد القائم بالأعمال الإسرائيلي من جنوب إفريقيا: قراءة في دوافع القرار وسيناريوهاته المستقبلية
لكن مراقبين لاحظوا تراجعاً عملياً لبريتوريا عن المضي قُدماً في القضية في الوقت الراهن، ما يمكن اعتباره تراجعاً تكتيكياً، يضاف إلى مخاوف من تبعات موجة كراهية الأفارقة في البلاد وما ألحقته من أضرار بعلاقات بريتوريا الإفريقية.
وهكذا، يبدو من حزمة القضايا الداخلية وإشكالات السياسة الخارجية التي تواجه جنوب إفريقيا، أنها عند منعطف حقيقي قد تدخل من خلاله مرحلة الجمهورية الثانية بقدرٍ لا يستهان به من الأزمات الداخلية المتراكمة، ومنها مسألة البطالة التي لم تستطع حكومة حزب المؤتمر الوطني الحاكم التغلب عليها رغم انفرادها تقريباً بحكم البلاد منذ عام 1994م.
ومع تزايد أعداد العاطلين عن العمل من بين من يعرفون بـ«الجيل زد»، والذين لا يلقون بالاً لإرث الأبارتهايد ودور حزب المؤتمر الوطني الإفريقي التاريخي في محاربته وصولاً لمرحلة التحول الديمقراطي، فإن سيناريو وجود فوضى في مرحلة الانتقال المحتملة «للجمهورية الثانية» يظل حاضراً بقوة.
أما على صعيد السياسات الخارجية، فإن جنوب إفريقيا تواجه تحدي مواجهة الضغوط الأمريكية حتى اللحظة الأخيرة من نهاية إدارة ترامب الحالية، وتعوّل في ذلك على علاقات أوثق مع الصين وروسيا ودول الجنوب العالمي، في اختبار عسير للغاية في واقع الأمر.
ــــــــــــــ
المراجع:
[1] https://www.ips-journal.eu/topics/democracy-and-society/south-africas-fading-rainbow-9106/
[2] https://allafrica.com/stories/202605110677.html
[3] https://mg.co.za/thought-leader/opinion/2026-06-05-in-a-world-of-afrophobia-be-malema/
[4] https://www.statssa.gov.za/?p=19526
[5] https://www.africanews.com/2026/05/28/parliament-sets-first-meeting-in-ramaphosa-farmgate-impeachment-case/
[6] https://www.thecommonsense.co.za/Politics/what-section-89-report-damning-case-against-ramaphosa-phala
[7] بلومبرج 4 يونيو 2026، على الرابط:
[8] https://www.magzter.com/stories/newspaper/Sunday-Tribune/SOUTH-AFRICAS-CRISIS-NEEDS-SOLUTIONS-NOT-IDEOLOGICAL-PURITY
[9] https://africa.businessinsider.com/local/markets/after-trumps-30-tariff-south-africa-mounts-defence-against-fresh-us-trade-penalties/sjb9f9h
[10] https://www.fmprc.gov.cn/eng/gjhdq_665435/2913_665441/3094_664214/3096_664218/202602/t20260227_11865495.html
[11] https://issafrica.org/iss-today/south-africa-s-trade-deficit-dilemma-with-china
[12] https://iz.ru/en/node/2107363
[13] https://tvbrics.com/en/news/experts-infrastructure-energy-and-agriculture-priorities-for-russia-south-africa-cooperation/
[14] https://blogs.timesofisrael.com/icj-case-kicked-further-down-the-road/











































