في ليلة السابع والعشرين من يونيو الماضي، شهدت العاصمة ياوندي جريمة أثارت صدمة واسعة داخل المجتمع الكاميروني، إذ أظهرت تحقيقات أولية أن طفلة في ربيعها الحادي عشر تعرضت لـ17 طعنة على يد امرأة تنتمي إلى كنيسة “الحياة والسلام” إحدى الكنائس الخمسينية النشطة في البلاد، قبل أن تكشف المتهمة خلال التحقيقات أنها أقدمت على فعلتها بعدما أقنعها راعي بالكنيسة وصفته بـ”النبي” بأن تقديم طفل قربانًا سيخلصها من أزماتها المالية.
ورغم أن التحقيقات لا تزال مستمرة لتحديد المسؤوليات الجنائية، فإن الأثر السياسي والاجتماعي لهذه الجريمة كان أسرع من نتائج التحقيق، إذ اعتبرتها الحكومة مؤشرًا على وجود خلل يتجاوز الواقعة نفسها، ويرتبط بانتشار مؤسسات دينية تعمل خارج الإطار القانوني، وتخضع أحيانًا لسلطة أشخاص يقدمون أنفسهم باعتبارهم أنبياء أو أصحاب رؤى روحية، دون أية رقابة رسمية.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، شهدت القارة الأفريقية توسعًا متسارعًا في انتشار الكنائس الإنجيلية، ولا سيما الحركات المنبثقة عن البروتستانتية الأنغلوساكسونية، والتي تُعرف بالكنائس الخمسينية والكاريزماتية أو كنائس الصحوة الإنجيلية، في ظل تزايد أعداد أتباعها واتساع حضورها داخل العديد من الدول الأفريقية.
جريمة ياوندي و”قرابين” الكنائس الخمسينية
أمس الأول الأربعاء، أعلن وزير الإدارة الإقليمية بول أتانغا نجي بدء تنفيذ إجراءات لإغلاق نحو 1400 كنيسة إنجيلية (إحدى كنائس الصحوة الإنجيلية التي تضم غالبية الكنائس الخمسينية والكاريزمية داخل إفريقيا) في مختلف أنحاء البلاد.
وقال الوزير الكاميروني، في بيان إن الحكومة شرعت في تنفيذ إجراءات لإغلاق الكنائس التي تم تحديدها باعتبارها تعمل خارج الأطر القانونية، مؤكدًا أن هذه الخطوة تأتي في إطار فرض سيادة القانون وحماية المجتمع من التجاوزات التي تُرتكب باسم الدين.
وجاء الإعلان بعد أيام من مقتل الطفلة في ياوندي خلال ليلة 27 إلى 28 يونيو الماضي، حيث أظهرت التحقيقات الأولية أن المشتبه بها، وهي إحدى المنتميات إلى كنيسة تحمل اسم “الحياة والسلام”، وجهت للضحية 17 طعنة، وفقًا لما خلص إليه تقرير الطبيب الشرعي.
وخلال التحقيق، أفادت المتهمة بأنها ارتكبت الجريمة بعدما تأثرت بتوجيهات أحد من تصفه بـ”النبي” داخل كنيستها، والذي أوهمها -بحسب أقوالها- بأن تقديم طفل كقربان يمكن أن يساعدها في التخلص من أزماتها المالية.
ورغم استمرار التحقيقات لتحديد المسؤوليات الجنائية في هذه القضية، فإن تداعيات الحادث دفعت السلطات إلى توسيع نطاق الإجراءات لتشمل قطاع الكنائس الإنجيلية بأكمله، إذ أكد وزير الإدارة الإقليمية أن السلطات أحصت رسميًا 1400 كنيسة منتشرة في مختلف أنحاء البلاد، وستُغلق خلال الأيام المقبلة.
سلوكيات غير أخلاقية
منذ سنوات وتطالب الكنائس البروتستانتية والمعمدانية والكاثوليكية في الكاميرون الحكومة بإغلاق بعض كنائس الخمسينية في البلاد، وذلك بعد ورود تقارير عن سلوكيات غير أخلاقية وإجرامية من قبل عدد من القساوسة.
وحسب تقارير صحفية سابقة، يُزعم أن أحد قساوسة الكنائس الخمسينية تسبب في حمل سبع نساء من رعيته، ويُعتقد أن قسًا آخر، مطلوب من قبل الإنتربول، قد فرّ من الكاميرون بعد اختلاسه أكثر من 500 ألف دولار من أتباعه.
وليست المخاوف بشأن الكنيسة الخمسينية وأساليبها بجديدة في الكاميرون، ففي أغسطس 2013، أمر الرئيس بول بيا بإغلاق أكثر من 100 كنيسة بدعوى ممارسات إجرامية يديرها قساوسة خمسينيون.
ورغم أن رقم الإغلاق المعلن هذه المرة غير مسبوق، فإن سياسة إغلاق الكنائس غير المرخصة ليست جديدة في الكاميرون، ففي فبراير ومارس 2025 أغلقت السلطات 188 كنيسة داخل إحدى مقاطعات العاصمة ياوندي، بعدما كشفت عمليات التفتيش أنها تعمل دون الحصول على التراخيص القانونية المطلوبة، قبل أن تتوسع الحملة لاحقًا ليرتفع العدد إلى نحو 300 كنيسة.
كما أوضحت السلطات حينها أن المخالفات لم تقتصر على غياب التراخيص، بل شملت الضوضاء، والاحتيال المالي، واستغلال المواطنين، والترويج لتعاليم وصفت بأنها مضللة، مؤكدة أن هذه المؤسسات تستغل هشاشة الأوضاع الاقتصادية والنفسية لبعض المواطنين لتحقيق مكاسب مالية.
ورغم إصدار قرارات الإغلاق، إلا أنه بعد مرور أكثر من عام على حملة 2025، لم تصدر الحكومة بيانات رسمية توضح عدد الكنائس التي أغلقت بالفعل بصورة نهائية، أو تلك التي تمكنت من العودة إلى العمل بعد تسويات إدارية، الأمر الذي يثير تساؤلات عما إذا كانت الحملة الحالية ستختلف عن سابقاتها.
وبموجب التشريعات الكاميرونية، فإن رئاسة الجمهورية وحدها تملك صلاحية الترخيص بإنشاء الكنائس، وحتى أوائل العام الماضي، تم إصدار 48 مرسومًا رئاسيًا فقط لهذا الغرض، في حين ظهرت خلال السنوات الأخيرة مئات الكنائس، لا سيما في الأحياء الشعبية، دون الحصول على أي ترخيص قانوني.
وضع الكنائس الخمسينية في إفريقيا
حسب دراسة سابقة منشورة على مجلة قراءات إفريقية، يحتل الخمسينيون الأفارقة مركز النمو المسيحي في القرن 21، ففي عام 2020 كان ربع المسيحيين البالغ عددهم 2.5 مليار حول العالم من الخمسينيين/الكاريزميين، وكانت إفريقيا تتصدر معدلات النمو لهذه الفئة على مستوى العالم، وبالإضافة إلى قوتهم السكانية، انتقل الخمسينيون الأفارقة من الهامش إلى مركز النقاش في المجال العام، إذ يتضح تأثيرهم في إفريقيا جنوب الصحراء من خلال السياسة، والإعلام، والفنون.
وفي عام 2015، قُدِّر عدد الخمسينيين بنحو 36% من إجمالي المسيحيين في إفريقيا جنوب الصحراء المقدر عددهم آنذاك بـ564.5 مليون نسمة، بعد أن كانت نسبتهم عام 1970 حوالي 13% فقط من المسيحيين، وقد غذى هذا النمو الهائل عوامل منها: التحولات من الديانات الإفريقية التقليدية، والترجمات العامية للكتاب المقدس، والنمو السكاني الإجمالي، وتحسين أنظمة النقل والاتصالات، والتبشير من قبل الأفارقة أنفسهم بدلاً من المبشرين الأجانب.
اقرأ أيضًا:
الخطاب الديني على شبكات التواصل الاجتماعي في إفريقيا جنوب الصحراء: القضايا والتحديات والتأثير
الكنائس الخمسينية في إفريقيا من القداسة إلى السياسة
زيارة بابا الفاتيكان إلى إفريقيا.. تنافس كنسي مع الإنجيليين!
الحركات الخلاصية المسيحية في إفريقيا.. الكيمبانغوية والصهيونية نموذجًا
وعموم الكنائس الخمسينية الإفريقية، تتراوح في الحجم بين كنائس صغيرة مكونة من بضع عشرات الأفراد إلى الكنائس الضخمة التي لها عشرات الفروع في إفريقيا وخارجها.
وعادة ما يصف رعاة الكنائس الخمسينية وقساوستها أثناء صلاتهم الكاريزمية أنفسهم أنهم يمتلكون روح الله في أجسادهم، ورغم أن حديثهم قد يبدو للمتابع “مجازيًا” إلا أنهم يقدمونه باعتباره واقعيًا، كما تتبنى هذه الكنائس خطابًا يركز على التفسير اللاهوتي للفقر والازدهار، من خلال التبشير بـ”إنجيل الرخاء”، الذي يقول إن الله يريد أن يكون الجميع أغنياء، ويربط بين الإيمان (المسيحي) والثروة المادية والروحانية، وذلك عبر تسليط الضوء على حياة القساوسة الكاريزماتيين، على غرار منازلهم وسياراتهم بل وحتى طائراتهم الفخمة الخاصة، وغيرها من المظاهر شديدة البذخ.
وقد يفسر ذلك وضع رعاة الكنائس الخمسينية ومؤسسوها ضمن قائمة أثرياء إفريقيا والعالم، في وقت تعاني فيه نسبة معتبرة من مواطني إفريقيا من ارتفاع نسب الفقر، ما يثير بدوره تساؤلات حول أسباب تصاعد الفقر في إفريقيا جنوب الصحراء بالتوازي مع النمو السريع للمسيحية الخمسينية التي تركز على الرخاء.
المصدر: قراءات إفريقية وRFI وDW وKoaci











































