بقلم: ناريمان أمين و ليلى طارقجي
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– تشير التقديرات إلى أن نسبة تصل لـ 30% من الرقيق الأفارقة الذين جُلِبوا قسراً إلى الأمريكتين (بين القرنين 16 و19) كانوا مسلمين، ما يعيد تشكيل الفهم التقليدي للوجود الإسلامي المبكر في أمريكا.
– يواجه المسلمون في الولايات المتحدة صوراً نمطية سلبية وريبة متنامية، تصاعدت وضوحاً بعد أحداث 11 سبتمبر، إذ صار يُنظر إليهم غالباً بوصفهم «دخلاء» أو «غرباء» عن النسيج المجتمعي.
– تزامن دخول الإسلام إلى غرب إفريقيا (منذ القرن 8م) مع ازدهار المعرفة والكتابة، حيث أتقن المسلمون العربية لغة القرآن، مما مهّد لظهور نخبة مثقفة بين العبيد.
– دوّن بعض الرقيق سِيَرهم الذاتية ونصوصهم بلغة عصيّة على أسيادهم، مانحةً إياهم خصوصية ومساحة للمقاومة، إذ وجدوا في عقيدتهم مصدر أمل وصمود وملاذاً روحياً في مواجهة محنة الاسترقاق.
– في كتابها «خدام الله» (1998م)، ترصد المؤرخة سيلفيان أ. ضيوف مسار العبيد المسلمين، مؤكدةً وجود علماء، ومعلمين، وطلاب، وقادة، وتجار بين مئات الآلاف، مما يكشف غنى إرثهم الفكري والروحي.
– مع الأسف! لم تحتفظ السجلات التاريخية إلا بشظايا نادرة عن النساء المسلمات في عصر الاسترقاق، إذ تظل أسماؤهن وأدوارهن شبه غائبة عن التوثيق الرسمي.
* * *
طالما وقع المسلمون في الولايات المتحدة في فخ الصور النمطية السلبية وحالة الريبة، وازداد الأمر وضوحاً في مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث بات يُنظر إليهم في الغالب باعتبارهم «الدخلاء» أو «الغرباء» عن النسيج الاجتماعي الأمريكي.
غير أن ما يغيب عن كثير من المراقبين هو أن المسلمين شكّلوا جزءاً أصيلاً من التاريخ الأمريكي منذ نشأة البلاد. وتشير التقديرات التاريخية إلى أن نسبة تصل لـ 30% من الرقيق الأفارقة الذين جُلِبوا قسراً إلى الأمريكتين بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر كانوا من المسلمين، وهو ما يُعيد تشكيل الفهم التقليدي للوجود الإسلامي في أمريكا.
وقد تزامن انتشار الإسلام في غرب إفريقيا، ابتداءً من القرن الثامن الميلادي، مع ازدهار المعرفة والكتابة، إذ كان المسلمون يتقنون القراءة والكتابة بالعربية، لغة القرآن الكريم، مما مهّد لظهور نخبة مثقفة بين صفوف العبيد المسلمين.
وفي كتابها الصادر عام 1998م، بعنوان «خدام الله» Servants of Allah، تستعرض المؤرخة «سيلفيان أ. ضيوف» مسار هؤلاء العبيد المسلمين، وتؤكد أن بين مئات الآلاف منهم كان هناك شخصيات بارزة من علماء دين، ومعلمين، وطلاب، وقادة، وتجّار، وهو ما يكشف غنى الإرث الفكري والروحي الذي حملوه معهم.
كما تمكّن بعض هؤلاء العبيد من تدوين سيرهم ونصوصهم بلغة عصيّة على فهم أسيادهم، وهو ما منحهم مساحة من الخصوصية والمقاومة الثقافية. وتشير ضيوف إلى أن هؤلاء المسلمين الأفارقة وجدوا في عقيدتهم مصدر أمل وصمود، وإعانة على احتمال قسوة الظروف، وملاذاً روحياً في مواجهة محنة الاستعباد.
وانطلاقاً من تخصصنا في دراسة الإسلام في أمريكا، فإننا نقف بتعمّق أمام مخطوطات عدد من هؤلاء العبيد المسلمين، التي تقدّم لنا نوافذ ثاقبة على حياتهم، وتجليات هويتهم، وتفاصيل تقاليدهم التي حملوها عبْر المحيط الأطلسي. ولم تقتصر أهمية هذه النصوص على البعد التوثيقي فحسب، بل كان لإتقان هؤلاء الكتابة والقراءة دور محوري، في بعض الحالات، في تحقيق خلاصهم من أغلال الرق.
كتابات عمر بن سعيد: الذي أُسر وبِيعَ في كارولاينا الجنوبية:
ومن أبرز النماذج التي تختزنها الذاكرة التاريخية، سيرة عمر بن سعيد، الذي وُلد في غرب إفريقيا (في السنغال حالياً) عام 1770م، وأمضى ربع قرن في دراسة اللغة العربية والقرآن والفقه الإسلامي، قبل أن يُؤسر ويُباع في سوق تشارلستون بكارولاينا الجنوبية عام 1807م، وهو في السابعة والثلاثين من عمره.
وفي عام 1831م، دوّن ابن سعيد سيرته الذاتية بالعربية، وهي من النصوص التي وصلتنا سالمة، ويسرد فيها تفاصيل احتجازه على يد رجل عديم الخشية من الله، بالغ الإساءة، كما يحكي محاولاته للهروب التي باءت بالفشل، وقبض عليه الرجل مجدداً وسجنه، حيث كتب ابن سعيد على جدران زنزانته نصوصاً عربية لفتت انتباه جون أوين، الذي أصبح لاحقاً حاكماً لكارولاينا الشمالية، فاشتراه وأهداه إلى أخيه. ورغم أن المعرفة أنقذت ابن سعيد من السجن؛ فإنها لم تخلّصه من أغلال العبودية ذاتها.
وتتألف سيرته الذاتية من خمس عشرة صفحة، افتتحها بسورة المُلك من القرآن الكريم، مبتدئاً بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]. ويذهب المؤرخ علاء الريس إلى أن هذا الافتتاح يحمل دلالة مقاومة صريحة، إذ يُقرّ بأن الله وحده هو المالك المطلق والخالق، وهو ما يشكّل تحدياً رمزياً وجوهرياً لمنظومة الاسترقاق.
وقد وافاه الأجل عام 1864م، بعد أن قضى نحو ستين عاماً في العبودية، وذلك بعد نحو قرن من وثيقة الاستقلال، وقبل عام واحد فقط من إلغاء الرق في الولايات المتحدة، تاركاً خلفه إرثاً نادراً يعيد تشكيل فهمنا للحضور الإسلامي المبكر في العمق الأمريكي.
الرجل الذي فرّ بحثاً عن الحرية: رحلة أيوب سليمان ديالو:
وُلِد أيوب سليمان ديالو، المعروف أيضاً باسم «جوب بن سليمان»، عام 1701م، في أسرة عريقة من غرب إفريقيا، تنعم بالثراء والجاه، إذ كان والده عالماً جليلاً من علماء المسلمين، حرص على تحفيظه القرآن الكريم كاملاً في سن مبكرة. وفي سن الثلاثين، أُسِر ديالو ونُقِل قسراً عبر المحيط الأطلسي في رحلة قاسية نحو المجهول.
وتُعدّ سيرته الذاتية التي دوّنها القاضي والوزير البريطاني توماس بلوت عام 1734م تحت عنوان «بعض مذكرات حياة جوب بن سليمان»، أول نموذج معروف للسيرة الذاتية لأمريكي من أصول إفريقية، وهي وثيقة تاريخية فريدة تضع ديالو في مصاف الرواد الأوائل للأدب الأمريكي الإفريقي.
ويُظهر بلوت في سرديته إعجاباً كبيراً بالتزام ديالو الديني، خاصةً حفظه المتقن للقرآن الكريم، حيث كتب: «كانت ذاكرته خارقة؛ إذ أتم حفظ القرآن كاملاً عن ظهر قلب وهو في الخامسة عشرة من عمره». ويضيف بلوت أنه رغم قسوة حياة الاستعباد، واظب ديالو على أداء صلواته الخمس في أوقاتها، تاركاً عمله معتزلاً إلى الغابة لأداء فريضته، في مشهد كان كثيراً ما يتحول إلى مواجهات مؤلمة، حيث كان أطفال البيض يتبعونه ساخرين، ويتربصون به رمياً بالتراب.
وبعد نحو عام من الاستعباد، وبعد إحدى تلك المواجهات، قرر ديالو الفرار بحثاً عن حريته، لكنه سرعان ما أُعيد اعتقاله وسُجن. وفي زنزانته التقى ببلوت، الذي أبدى اهتماماً استثنائياً به، وتمكن من العثور على مترجم يتحدث لغة الولوف، لغة ديالو الأم، المنتشرة في السنغال وغرب إفريقيا. وقد تأثر بلوت بقصة ديالو، فدوّن سيرته وسعى لإطلاق سراحه، وهو ما تحقق بعد نشر السيرة عام 1734م، التي وجّهها إلى النبلاء الإنجليز، فعاش ديالو سنواته الأخيرة حرّاً في السنغال إلى أن توفي عام 1773م.
عبد الرحمن إبراهيم بن سوري، أمير إفريقي مُستعبد:
ومن أبرز الحكايات وأكثرها إدهاشاً في تاريخ المسلمين الأوائل بأمريكا، قصة عبد الرحمن إبراهيم بن سوري، الأمير الإفريقي الذي وُلد في غرب إفريقيا، واستُعبد عام 1788م عن عمر 26 عاماً، أي بعد اثنتي عشرة سنة من توقيع إعلان الاستقلال الأمريكي، وبقي في العبودية أربعين عاماً. عمل ابن سوري في الحقول الزراعية، بعيداً عن متناول القرآن، فكان يعبّر عن شوقه لوطنه ودينه وثقافته عبر نقش الحروف العربية على الرمال، في مشهد يُجسّد صمود الهوية في وجه الطمس.
وإعجاباً بنسبه الملكي وإتقانه للغة العربية، مدّ له الناشر والمحرر أندرو مارشالك يد العون، وساعده في إرسال رسالة إلى وطنه الإفريقي، فكتب ابن سوري عام 1826م من حفظه آيات قرآنية، أُرسلت مع رسالة مارشالك إلى السيناتور توماس باك ريد، لكن مارشالك أخطأ في تعريف ابن سوري حيث اعتبره من الأسرة المالكة المغربية، وهو في الأصل من منطقة فوتا جالون (غينيا الحالية). وقد لفتت الرسالة انتباه شخصيات سياسية، حتى وصلت إلى السلطان المغربي عبد الرحمن بن هشام، الذي تدخّل لدى الرئيس جون كوينسي آدامز للضغط من أجل إطلاق سراحه.
وفي كُتيب أصدره المربي توماس هـ. غالوديت، مؤسس أول مدرسة أمريكية للصُّم، بعنوان «إعلان بشأن الأمير المغربي عبد الرحمن»، جرى سرد قصته، وبيعت نسخ الكتيب لجمع التبرعات لإطلاق سراحه هو وعائلته وإعادتهم إلى ديارهم. لكن الأموال التي جُمعت لم تكفِ سوى لإطلاق سراح ابن سوري وزوجته إيزابيلا دون أبنائه، فلم يعودا إلى إفريقيا، وتوفي ابن سوري بعد فترة وجيزة من استعادة حريته جراء وباء الكوليرا، في حين بقي سبعة من أبنائه على الأقل مستعبدين في ولاية ميسيسيبي، في خاتمة تختزل مأساة الاسترقاق وتعقيدات التحرر في تاريخ أمريكا المبكر.
النساء المسلمات: لماذا لا يُعرف عنهن إلا القليل؟
من المؤسف أن السجلات التاريخية لم تحتفظ إلا بنتفٍ ضئيلة من حكايات النساء المسلمات في عصر الاسترقاق، إذ تظلّ أسماؤهن وأدوارهن غائبةً إلى حدّ كبير عن دائرة التوثيق الرسمي. وفي محاولة منها لإعادة بناء ملامح تلك الحياة المُغيَّبة، لجأت المؤرخة ضيوف إلى استقراء الأرشيفات التاريخية، ومنها إعلانات المكافآت عن العبيد الهاربين، حيث عُثر على أسماء ذات طابع إسلامي مثل: «فاتو» و«جينابة» و«صفية»، وهي شظايا رمزية تفتح نوافذ على حضور نسوي إسلامي في تلك الحقبة.
وقد خلصت المؤرّخة ضيوف إلى أن النساء قمن بدورٍ محوري في حفظ الهوية الإسلامية لمجتمعاتهن، رغم أن سيرتهن لم تحظَ بالاهتمام ذاته الذي حظيت به روايات بعض الرجال المتعلمين من العبيد، الذين اعتادت المصادر التاريخية التركيز عليهم. فقد حرصن، بوعي أو بفطرة، على التمسك بأسمائهن الإسلامية، وكنَّ مثالاً في الكرم والعطاء، يتصدقن بما يملكن من قليل، ويضطلعن بمسؤولية نقل العقيدة والممارسات الإسلامية إلى أبنائهن، في دائرة من التحدي اليومي والصمود الخفي.
وفي الزمن الراهن، يتوزع المسلمون الأمريكيون اليوم على خلفيات عرقية وإثنية متنوعة، وتشير الإحصائيات إلى أن الفئة الأكبر بينهم، وبنسبة تقارب 30%، هم الأمريكيون من أصول إفريقية، الذين يحمل بعضهم في دمائه إرث أولئك العبيد المسلمين. وهكذا، فإن استعادة التاريخ المبكر للمسلمين في أمريكا ليست مجرد استذكار أكاديمي، بل هي وثيقة إنسانية تسلط الضوء على استمرارية حضور إسلامي ضارب في عمق التاريخ الأمريكي، مساهمٍ في بناء الجمهورية، ويظل دوره ممتداً حتى لحظتنا الراهنة، في سياقٍ تتفاعل فيه الهويات والأصول لتشكل النسيج المتعدد للولايات المتحدة.
ــــــــــــ
رابط المقال:











































