دخلت خطط إنشاء مصفاة نفط إقليمية مشتركة في شرق إفريقيا مرحلة جديدة، بعد إعلان الرئيس الكيني ويليام روتو أن دول المنطقة تناقش إقامة “مصفاة تانغا” المشروع الضخم المخطط تنفيذه في ميناء تانغا التنزاني، وذلك على غرار مصفاة دانغوتي النيجيرية.
وعرض رجل الأعمال النيجيري أغنى رجل في إفريقيا أليكو دانغوتي تولي تنفيذ المشروع خلال أربع إلى خمس سنوات إذا توافقت الحكومات المعنية ووفرت الدعم المطلوب.
وجاءت التصريحات خلال فعاليات قمة إفريقيا التي نبنيها 2026 التي عقدت في العاصمة الكينية نيروبي يومي الأربعاء والخميس.
وركزت القمة على الاستثمار والبنية التحتية والتصنيع. في وقت تواجه فيه الاقتصادات الإفريقية تحديات متزايدة تتعلق بأمن الطاقة، وارتفاع تكلفة الواردات، والحاجة إلى بناء قدرات إنتاجية محلية تقلل الاعتماد على الخارج.
وقال روتو إن شرق إفريقيا تستورد حاليًا كامل احتياجاتها تقريبًا من المنتجات النفطية المكررة، يأتي معظمها من الشرق الأوسط، وهو ما يجعل المنطقة عرضة لتقلبات الأسعار واضطرابات الإمداد الناتجة عن الأزمات الجيوسياسية.
كما ظهر في تداعيات التوترات الأخيرة بالشرق الأوسط المرتبطة بالحرب على إيران وسلاسل الشحن الدولية.
وأضاف أن مشروع مصفاة تانغا المقترح تنفيذه في ميناء تانغا سيكون ذا طابع إقليمي، موضحًا أن المصفاة ستعالج خامات قادمة من عدة دول، تشمل جمهورية الكونغو الديمقراطية، وكينيا، وجنوب السودان، وأوغندا.
وأشار إلى أن المشروع يعزز التكامل الاقتصادي ويخفض فاتورة الاستيراد ويوفر سوقًا مستقرة للمنتجين المحليين.
ويحمل اختيار ميناء تانغا دلالات استراتيجية، إذ يتمتع بموقع بحري مهم على المحيط الهندي، ما يمنحه قدرة على استقبال الخام وتصدير المشتقات إلى الأسواق الإقليمية.
كما يضعه في قلب شبكة لوجستية يمكن أن تربط دول الساحل الشرقي بالدول الحبيسة في الداخل الإفريقي.

النموذج النيجيري
حضور أليكو دانغوتي إلى القمة يمنح المشروع بعدًا عمليًا، إذ أعلن استعداده لتكرار تجربة مصفاته في نيجيريا، التي تعد أكبر مشروع تكرير منفرد في إفريقيا، بطاقة تبلغ 650 ألف برميل يوميًا.
وقال دانغوتي إن بإمكانه الالتزام ببناء مصفاة مماثلة في شرق إفريقيا إذا اتفقت ثلاث أو أربع حكومات على المشروع. وأكد أن تنفيذ مصفاة تانغا ممكن خلال أربع أو خمس سنوات، وأن التجربة النيجيرية أثبتت أن القارة قادرة على إنجاز مشروعات صناعية عملاقة إذا توافرت الإرادة السياسية والدعم المؤسسي.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأن مصفاة دانغوتي في نيجيريا تحولت خلال الأشهر الماضية إلى نموذج يُستشهد به في النقاشات الاقتصادية الإفريقية.
ويأتي ذلك بعدما ساهم تشغيلها في تقليص اعتماد نيجيريا على واردات الوقود، وتحويلها تدريجيًا إلى مصدر صافٍ لبعض المنتجات البترولية.
كما أشار دانغوتي إلى أن المشروع النيجيري ما زال في مسار توسعي يستهدف رفع إجمالي الطاقة الإنتاجية إلى 1.4 مليون برميل يوميًا، ما يعكس طموحًا يتجاوز السوق المحلية إلى تلبية احتياجات إقليمية أوسع.
لماذا تحتاج شرق إفريقيا إلى مصفاة تانغا المشتركة؟
رغم اكتشافات النفط في عدد من دول شرق إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، لا تزال المنطقة تفتقر إلى طاقة تكريرية كافية، ما يجبرها على تصدير الخام أو استيراد الوقود المكرر بأسعار أعلى.
وتبرز أوغندا مثالاً واضحًا على ذلك، إذ تستعد لبدء الإنتاج التجاري للنفط هذا العام، بينما أعلنت سابقًا خططًا لإنشاء مصفاة بطاقة 60 ألف برميل يوميًا بالتعاون مع شركة ألفا إم بي إم للاستثمارات الإماراتية.
أما كينيا فتملك بنية تحتية لوجستية مهمة وميناء مومباسا الحيوي، لكنها لا تمتلك قدرة تكريرية كبيرة منذ توقف مصفاة مومباسا قبل سنوات. وفي المقابل، يملك جنوب السودان احتياطيات نفطية لكنه يعتمد على مسارات تصدير خارجية معقدة ومكلفة.
ومن هنا، فإن إنشاء مصفاة تانغا كمشروع إقليمي مشترك قد يخلق معادلة جديدة، تقوم على جمع الخام من عدة دول، وتكريره في مركز واحد، ثم إعادة توزيع المنتجات على الأسواق المجاورة، بما يحقق وفورات الحجم، ويخفض تكاليف النقل، ويعزز أمن الطاقة.
Uganda 🇺🇬 and Kenya 🇰🇪 are in discussions with Aliko Dangote to build a major oil refinery in Tanzania 🇹🇿.
The project is planned for Tanga and aims to reduce East Africa’s reliance on fuel imports from the Middle East.
It would process crude from regional producers, including… pic.twitter.com/AvZub91MXk
— Africa View Facts (@AfricaViewFacts) April 23, 2026
قمة نيروبي.. من التمويل إلى التنفيذ
لم تأت مناقشة مشروع مصفاة تانغا في فراغ، بل ضمن سياق أوسع طرحته قمة إفريقيا التي نبنيها 2026، المنظمة من قبل المؤسسة المالية الإفريقية بالشراكة مع الحكومة الكينية.
وركزت القمة على سؤال جوهري يتعلق بكيفية تحويل الطموحات الصناعية الإفريقية إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، في ظل فجوة تمويل البنية التحتية التي يقدّرها البنك الإفريقي للتنمية بما بين 68 و108 مليارات دولار سنويًا.
وشددت المناقشات على أن المشكلة لم تعد فقط نقص رأس المال، بل ضعف توجيهه إلى القطاعات الإنتاجية. لذلك برزت مشاريع مثل المصافي، والموانئ، والسكك الحديدية، وممرات النقل، باعتبارها أدوات مباشرة لخلق قيمة اقتصادية مستدامة.
وفي هذا الإطار، تبدو مصفاة تانغا الإقليمية المقترحة أكثر من مجرد مشروع طاقة؛ فهي تمثل نموذجًا لما تسعى إليه القارة من انتقال من التخطيط النظري إلى التنفيذ العملي.

مكاسب وتحديات
إذا تم تنفيذ مصفاة تانغا، فمن المرجح أن يحقق عدة مكاسب للمنطقة، أبرزها تقليل فاتورة الاستيراد، وتحسين ميزان المدفوعات، وخلق وظائف مباشرة وغير مباشرة، وتطوير الصناعات المرتبطة مثل البتروكيماويات والخدمات اللوجستية.
كما يمكن أن تساهم مصفاة تانغا في استقرار أسعار الوقود محليًا، عبر تقليص الاعتماد على الأسواق الخارجية المتقلبة، فضلًا عن تشجيع الاستثمارات في خطوط الأنابيب والتخزين والنقل البحري والبري.
وسيمنح مشروع مصفاة تانغا كذلك دفعة للتكامل الاقتصادي بين دول شرق إفريقيا، في وقت تسعى فيه القارة لتفعيل منطقة التجارة الحرة الإفريقية، التي تتطلب بنية تحتية قادرة على دعم التجارة البينية.
لكن الطريق لن يكون سهلاً. فالمشروع يحتاج إلى توافق سياسي بين عدة حكومات، وهيكلة تمويلية ضخمة، وضمانات استثمارية، واتفاقات واضحة بشأن الإمدادات وتقاسم العوائد.
كما أن تجارب المشاريع العابرة للحدود في إفريقيا غالبًا ما تواجه تحديات تتعلق بالبيروقراطية، وتباين الأولويات الوطنية، وضعف شبكات النقل والطاقة المساندة.
إضافة إلى ذلك، فإن تقلب أسعار النفط عالميًا، والتحول المتسارع نحو الطاقة النظيفة، قد يفرضان على المستثمرين حسابات دقيقة بشأن الجدوى طويلة المدى.
لحظة إفريقية جديدة
مع ذلك، فإن طرح مشروع مصفاة تانغا بهذا الوضوح، ووجود شخصية بحجم دانغوتي مستعدة للاستثمار والتنفيذ، يعكس تحولاً مهمًا في التفكير الاقتصادي الإفريقي.
كما أن القارة لم تعد تكتفي بالحديث عن الموارد الطبيعية، بل باتت تبحث عن كيفية تحويلها إلى صناعة وقيمة مضافة.
وقد يكون مشروع مصفاة تانغا، إذا أبصر النور، اختبارًا حقيقيًا لقدرة إفريقيا على بناء مشروعات إقليمية كبرى بقيادة إفريقية، وتمويل إفريقي، ورؤية تستهدف الاكتفاء والتنمية المستدامة.
نقلاً عن:











































