يترقَّب العالم، ترقبًا حقيقيًّا وشاملًا، انطلاق القمة الصينية الأمريكية في العاصمة بكين منتصف مايو الجاري؛ أملًا في اتفاق الطرفين، أو قطبَي العالم حاليًّا، على تفاهمات تقود إلى خفض التوتر الذي يشهده العالم منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفترة رئاسته الثانية مُحمَّلًا بأجندة قوامها عسكرة سياسات بلاده الخارجية، وتوجيه أقصى درجات القوة (السياسية والاقتصادية وغيرها)؛ لاستهداف أيّ دولة لا تلبّي معايير الهيمنة الأمريكية “الترامبية” وضوابطها.
ولئن كانت إفريقيا ساحة مثالية لتجلّي الغطرسة الأمريكية من سخرية متكررة مِن قِبَل ترامب إزاء قادتها، أو تهديدات مرعبة “بصوملة” دولة بحجم نيجيريا، -بغضّ النظر عن آثار هذه السياسة الكارثية على كل إقليم غرب إفريقيا- إلى تحويل علاقات واشنطن بدول القارة إلى “بيزنس” يقوم على أفكار الصفقات الخاطفة والمواقف السياسية “الأمريكية” مدفوعة الثمن أو بدافع الطلب on-demand، فإن سياسات بكين منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران اتجهت إلى القيام بخطوات ملموسة في إفريقيا.
في السياق الحالي للمقال، تعزز هذه السياسات صورة الصين كدولة كبرى تلتزم بعلاقات دولية واضحة مع دول القارة الإفريقية، وربما كانت أحدث هذه الخطوات، -ومن أهمها دلالةً إفريقيًّا-؛ قرار بكين بإلغاء الرسوم الجمركية على وارداتها من جميع الدول الإفريقية (باستثناء إسواتيني التي استقبلت مطلع مايو الجاري الرئيس التايواني)، وهو القرار الذي سرى بالفعل في 1 مايو 2026 على أن يسري لمدة عامين حتى مايو 2028([1]).
ومثَّل هذا القرار خطوةً تاريخية تُعزّز الاقتصادات الإفريقية بمستويات حقيقية وملموسة للمواطن الإفريقي، مع ملاحظة خبراء استفادة الاقتصادات الإفريقية الكبرى آنيًّا وبنِسَب كبيرة للغاية؛ الأمر الذي يعكس حجم التباين بين صعود صيني في إفريقيا، متبوعًا بمكاسب هائلة لاقتصادات الدول الإفريقية، وانكماش أمريكي تعكسه تحفظات كثير من الدول الإفريقية في التعاطي المباشر مع إدارة ترامب ومشروطياتها المباغتة بين حين وآخر.
ماذا تعني قمة شي ترامب لإفريقيا؟
تأتي القمة المرتقبة بين قطبي العالم سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وسط حالة توجُّس صيني من عشوائية إدارة ترامب وقراراتها المباغتة سواء لبكين أو لكثير من عواصم الجنوب العالمي، وكذلك لحلفاء الولايات المتحدة، وحالة تحفّز أمريكي لوقف حركة الصين الأخيرة في الساحة الدولية بعد 28 فبراير الفائت والتي حقَّقت الكثير من النتائج الإيجابية في مسار إحداث قَدْر من توازن القوة مع الولايات المتحدة، ومنحت قُبْلة حياة لأفكار وجود نظام دولي يتمتع بحدود دنيا من التوازن والعدالة.
ويأتي ذلك الترقب على خلفية إجماع دولي على أن الحوار الأمريكي-الصيني مُهمّ للغاية لمنع الحسابات الخاطئة عالميًّا من المزيد من إلحاق الضرر بالمجتمع الدولي، وهو ما عبَّر عنه صراحة وزير الخارجية الصيني في مارس الفائت([2]).
ورغم كون القارة الإفريقية ساحة مباشرة للتنافس الأمريكي الصيني، وأنها تُواجه نهبًا منتظمًا وبنِسَب متفاوتة من القوتين الكبيرتين في العالم، فإنه لا يتوقع أن تحظى إفريقيا باهتمام مُحدَّد ومُباشِر من الزعيمين خلال قمتهما؛ إذ يتوقع أن ترتكز أجندة قمة الصين-أمركا (14- 15 مايو الجاري) على أربعة محاور رئيسة أبرزها، وأكثرها أهمية بشكل مطلق تقريبًا، النقاشات حول التجارة (سواء الرسوم الجمركية الأمريكية أم إجراءات الصين الجديدة بخصوص سلاسل الإمداد)؛ ثم مسألة تايوان؛ والوضع في الشرق الأوسط([3]) وتداعياته العالمية (بما في ذلك في إفريقيا وإن بشكل غير محدد بخصوصها كما أشرنا)، ثم نقاشات ثنائية حول قضية الذكاء الاصطناعي وضوابط تصدير تكنولوجياته، ولا سيما تصدير الصين الواسع لأشباه الموصلات.
وهكذا فإن القمة تُمثّل لإفريقيا فرصة لالتقاط الأنفاس، دون أن يعني ذلك جنوحًا صينيًّا غير مشروط لدعم القارة الإفريقية في مواجهة سياسات ترامب؛ وعلى سبيل المثال فإن بكين مارست ضغوطًا ملموسة على الدول الإفريقية، بالتزامن مع قرار رفع الرسوم الجمركية عن صادرات هذه الدول للصين، في عدة ملفات مثل عدم فتح المجال الجوي أمام طائرة الرئيس التايواني خلال زيارته الأخيرة لإسواتيني، والضغط على الحكومة الزامبية الذي أفضى إلى إلغاء قمة كانت مقررة لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان (من تنظيم جماعة حقوقية مقرها في نيويورك وهي Access Now)؛ إذ طالبت بكين باستبعاد نشطاء من تايوان؛ ما دفَع لوساكا لقرار الإلغاء مطلع مايو الجاري([4]).

إفريقيا والعامل الإيراني في القمة الصينية-الأمريكية:
فيما يتعلق بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران؛ فإن الصين تنظر لتلك الحرب على أنها ميزة نسبية في مواجهتها للولايات المتحدة، مع فقدان الأخيرة لكميات غير متوقعة من الذخيرة والمخزون العسكري، مما سيؤثر سلبًا على قدرات الولايات المتحدة مستقبلًا في حالة نشوب أيّ صراع عسكري مع الصين (بحسب إدوارد وونج في تحليله الأخير في النيويورك تايمز)؛ ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن بكين تسعى للاستفادة القصوى من أيّ دور لها في تسوية هذه الحرب، ووضع نهاية “لائقة” لها تُرضي غرور ترامب، أو ربما تَحفظ ماء وجهه.
كما اتضح من الساعات الأولى في مايو الجاري عزم الصين على مقارعة ترامب القوة بالقوة، على الأقل اقتصاديًّا؛ إذ استبقت بكين القمة في 2 مايو بإصدار وزارة التجارة الصينية الإعلان رقم 21، والذي تضمن ثلاثة توجيهات رئيسة لجميع المواطنين والشركات والهيئات الصينية بعدم الاعتراف بالعقوبات الأمريكية، أو تفعيلها أو الالتزام بها، في إشارة لقرار ترامب التنفيذي رقم 13902 بتاريخ 10 يناير 2020، والأمر التنفيذي رقم 13846 بتاريخ 6 أغسطس 2018 “اللذان يُعاقبان أيّ فرد أو شركة تقوم بعمليات تجارية مع النظام الإيراني”، ومثلت الخطوة الصينية ضربة مُوجعة لواشنطن التي فرضت وزارة الخزانة بها في 24 أبريل الفائت عقوبات على خمسة مصافي نفط صينية لشرائها خام النفط الإيراني([5]).
إضافة إلى ذلك، لا يبدو أن الأمور تسير على ما يُرام في مسار “وضع نهاية للحرب في إيران”، مع تجدد عمليات عسكرية إيرانية استهدفت مواقع في دولة الإمارات (4 مايو الجاري)([6])، وهو تطور خطير، حتى لو وضعه بعض المراقبين في سياق الضغوط المتوقعة قبيل قمة شي-ترامب. والمهم إفريقيًّا هنا أن فرص تجدد الحرب ستُعمّق تهميش القارة الإفريقية في القمة، وتفرض عليها خيارات صعبة تُصاحب مزيدًا من التراجع الاقتصادي الكبير، وتخصم بشكل مباشر من العائدات التي كانت متوقعة من خطوة الصين فتح أسوقها أمام الصادرات الإفريقية في ضوء الارتفاعات الكبيرة المتوقعة في تكلفة هذه الصادرات حال استمرار الحرب.
إفريقيا وخياراتها المحدودة: الفكاك من التنافس الصيني-الأمريكي؟
يتضح من سلوك الكثير من قادة الدول الإفريقية، لا سيما منذ وصول الرئيس ترامب للسلطة قبل نحو عام ونصف، أنه ثمة جنوح لاستغلال حالة الاستقطاب الدولي والإقليمي لصالح تبنّي خيارات “مستقلة” بهامش كبير من المناورة، أو حسبما لاحظه مراقبون كثيرون من رغبة هؤلاء القادة في إقامة صلات سلسة مع القوى الكبيرة والمتوسطة في آسيا وأوروبا والأمريكيتين بدلًا من الوقوع في شرك التنافس الأمريكي-الصيني([7]).
ويتمثل ذلك في ترحيب هذه الدول الواضح بالاستثمارات الأمريكية-الأوروبية في مشروعات كبرى مثل ممر لوبيتو، في الوقت الذي تشهد فيه دول الممر هيمنة صينية واضحة في قطاع التعدين، على نحوٍ يبلور في نهاية المطاف نمطًا تكامليًّا بين هذه الاستثمارات المختلفة، واستفادة الدول الإفريقية من هذا التراكم بشكل أوضح، مع احتمال ضعيف بوجود تنسيق ما بين الأطراف المستثمرة من أجل تعظيم استفادتها “المشتركة” من الموارد المعدنية الوفيرة في الإقليم.
على أيّ حال، فإن الصين تواصل صعودها الكبير هذه المرة في إفريقيا على حساب الولايات المتحدة، بشكل لافت ومباشر. بينما تواصل إدارة الرئيس دونالد ترامب سياسة التعامل مع دول القارة الإفريقية عبر “قفازات” ومن منطق كولونيالي بحت، يُعبِّر عن جانب من جوانب اللجوء للقوة الأمريكية، وبالقَدْر نفسه عن انكماش أمريكي كبير في التواصل الحقيقي مع شعوب القارة وحكوماتها.
ختامًا؛ تستبق الصين قمتها مع الولايات المتحدة بحزمة ذكية من الفاعليات والمؤتمرات والسياسات المشتركة مع دول القارة الإفريقية، ليس آخرها القمة الصينية الإفريقية لرواد الأعمال China-Africa Entrepreneurs Summit (أديس أبابا 5 مايو الجاري)([8])؛ وعززت جميع هذه الخطوات الصينية مكانة بكين كقوة رئيسة وقادرة على إحداث التغيير في إفريقيا، وتعزيز قدرة الأخيرة على مواجهة التحديات العالمية المختلفة، والتي تعتبر الولايات المتحدة طرفًا رئيسًا، ومُحرّكًا، لتعاظم هذه التحديات، مع الاستهانة بتداعياتها الخطيرة في إفريقيا، بل والعمل على تعميق خسائر القارة جرائها.
……………………….
[1] China has now dropped tariffs on imports from every African country except 1, AP News, accessed on May 1, 2026 https://apnews.com/article/china-tariffs-africa-trade-us-7da631f9be17069ec92e1d7f432058d7
[2] China’s Top Diplomat Warns That U.S.-China Estrangement Risks Global Catastrophe as Xi-Trump Summit Looms, China Global South Project, March 8, 2026 https://chinaglobalsouth.com/2026/03/08/world-2026-03-us-china-summit-developing-countries-caught-between-superpowers/
[3] Edward Wong, China Seeks an Advantage With Both Trump and Iran as War Evolves, The New York Times, May 3, 2026 https://www.nytimes.com/2026/05/03/us/politics/trump-china-iran-war.html
[4] Chinese pressure to exclude Taiwanese activists shuts down rights summit, ABC News, May 2, 2026 https://abcnews.com/International/wireStory/rights-summit-zambia-canceled-after-chinese-pressure-exclude-132599452
[5] Steve H. Hanke, China has a welcome mat for Trump: it just rewrote the rules on U.S. sanctions, Fortune, May 4, 2026 https://fortune.com/2026/05/04/china-announcement-21-us-sanctions-trump-xi-beijing-summit/
[6] UAE says it’s under attack from Iranian missiles and drones despite ceasefire, CNBC, May 4, 2026 https://www.cnbc.com/2026/05/04/iran-war-uae-trump-ceasefire-missiles.html
[7] Why African leaders value seamless transcontinental links over US-China rivalry, South China Morning Post, May 4, 2026 https://www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3352324/why-african-leaders-value-seamless-transcontinental-links-over-us-china-rivalry
[8] China-Africa entrepreneurs summit calls for deepened cooperation, African News, May 4, 2026 https://www.msn.com/en-us/money/other/china-africa-entrepreneurs-summit-calls-for-deepened-cooperation/ar-AA21DhmY?apiversion=v2&domshim=1&noservercache=1&noservertelemetry=1&batchservertelemetry=1&renderwebcomponents=1&wcseo=1









































