بقلم: محمد أغ محمدن
باحث في شؤون دول الساحل
مدخل:
تتجه الأنظار هذه الأيام إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مع انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم[1] FIFA 2026، في حدث عالمي كبير يؤكد المكانة الاستثنائية التي تحظى بها كرة القدم باعتبارها الرياضة الأكثر شعبية في العالم، والقادرة على جمع ملايين الأشخاص من مختلف الدول حول شغف فريد يتجاوز كل الحدود.[2]
وفي إفريقيا خصوصاً، تبقى كرة القدم ظاهرةً مميزة تتجاوز الأجيال، كما يتجلى ذلك في كل نسخة من بطولة كأس الأمم الإفريقية CAN أو كأس العالم. وتمثل كرة القدم وسيلة للتعبير عن الانتماء والهوية الوطنية[3]، وتشكل لغة مشتركة توحد الشعوب على اختلاف أعراقها ولغاتها وظروفها الاجتماعية.[4] وفي الأحياء الفقيرة والقرى النائية، تصبح الكرة البسيطة حلماً للأطفال وأملاً بمستقبل أفضل لكثيرٍ من الشباب، وتفتح أمامهم أبواب الشهرة والنجاح وتحسين ظروف معيشة أسرهم، خاصةً عندما يصبحون لاعبين محترفين في أندية دولية[5].
ولا يقتصر تأثير كرة القدم على الجانب الاجتماعي والاقتصادي فقط، بل قد يمتد إلى المجال السياسي أيضاً، كما حدث مع جورج ويا[6] George Weah الذي انتقل من مسيرة احترافية ناجحة في عالم كرة القدم إلى رئاسة دولة ليبيريا، في تجربةٍ تُجسّد كيف يمكن للنجومية الرياضية أن تصنع رموزاً مؤثرة داخل المجتمع. وهكذا، تبقى كرة القدم في إفريقيا أكثر من مجرد رياضة؛ بل هي مصدر أمل وحلم لفتح آفاق جديدة وضمان مستقبل أفضل للشباب الإفريقي.
- بدايات كرة القدم في إفريقيا:
شهدت كرة القدم في إفريقيا بدايات متواضعة في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تبدأ في الانتشار والاستقرار تدريجياً مع بداية القرن العشرين[7]، حيث أُدخلت لأول مرة في جنوب إفريقيا من قِبل المستعمرين الإنجليز، وكانت ممارستها في البداية مقتصرة على الأوروبيين فقط[8]. وقد استند هذا الإقصاء للسكان الأصليين إلى اعتبارات عنصرية شديدة. وعلى سبيل المثال، اعتبر الجنرال جونغ Jung، قائد القوات في إفريقيا الغربية الفرنسية AOF، سنة 1928م، أن هذه اللعبة معقدة جداً لـ«السود» بقوله: «مع بعض الصبر، يمكن الوصول إلى جعلهم يفهمون دور كل لاعب، والموقع الذي يجب أن يشغله، وقبل كل شيء أهمية التمريرات وتسجيل الأهداف»[9].
وفي المستعمرات البلجيكية، استُخدمت كرة القدم من قِبل المنصرين الكاثوليك كأداة دينية واجتماعية لنشر المسيحية والتحكم في السكان المحليين، حيث كان يتم تنظيمها داخل هياكل دينية، مع فرض قيود على استقلالية الفرق الإفريقية[10].
- كأس الأمم الإفريقية رمز الحرية والاستقلال:
تاريخياً، واكبت كرة القدم مسار تحرر القارة وبناء هويتها الحديثة، وتجسدت أبعادها السياسية مبكراً مع فكرة إنشاء كأس الأمم الإفريقية، التي تعود إلى يونيو 1956م، حين تم اقتراح تأسيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم CAF في خطوةٍ حملت دلالات رمزية قوية ضد النظام الاستعماري والهيمنة الغربية، التي كانت تمثلها آنذاك كلٌّ من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم UEFA والاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA، وقد شكّل هذا التأسيس تعبيراً عن رغبة الأفارقة في امتلاك فضائهم الرياضي المستقل.
وفي فبراير 1957م، احتضنت الخرطوم (السودان) أول نسخة من كأس أمم إفريقيا، بمشاركة الدول الأربع المؤسسة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم: (مصر، السودان، إثيوبيا، جنوب إفريقيا)، غير أن إصرار جنوب إفريقيا على إشراك لاعبين بيض فقط، حسب سياسة الفصل العنصري، أدى إلى استبعادها من البطولة. وفي النهاية، تُوّج المنتخب المصري باللقب على حساب الإثيوبي. ومن الجدير بالذكر، أن هذه الدول الأربع كانت من بين الدول الإفريقية القليلة التي نالت استقلالها قبل عام 1960م[11]. ومنذ ذلك الحين، أصبحت كرة القدم في إفريقيا سلاحاً سياسياً في مواجهة الاستعمار، وفضاءً للتعبير عن الهوية الوطنية.
وفي 15 أبريل 1958م، ومن تونس، أعلنت جبهة التحرير الوطني FLN عن إنشاء فريق لكرة القدم. وقد قام هذا الفريق بجولة واسعة عبر مختلف أنحاء العالم بهدف توعية الرأي العام الدولي بـ«حرب التحرير الجزائرية» والتعريف بقضية استقلال الجزائر.[12]
كما سارعت العديد من الدول الإفريقية التي نالت استقلالها حديثاً إلى الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وأحياناً قبل انضمامها إلى بعض المؤسسات الدولية، إدراكاً منها لقوة الرياضة في توحيد الشعوب وبناء الرمزية الوطنية[13].
- كرة القدم رمز السلام والتنمية في إفريقيا:
لقد لعبت كرة القدم أيضاً دوراً مهماً في تعزيز السلام وحل النزاعات داخل القارة السمراء. ومن أبرز الأمثلة على ذلك: ما حدث في ساحل العاج عام 2005م، وبعد مباراة ضد السودان في أبيدجان (انتصار 3-1)، وجّه القائد ديدييه دروغبا[14] Didier Drogba نداءً متلفزاً للسلام، جاثياً على ركبتيه ومحاطاً بزملائه، طالباً من الإيفواريين إلقاء أسلحتهم. كان لهذا النداء الرمزي أثر عاطفي بالغ في بلدٍ مزّقته الحرب الأهلية منذ عام 2002م. وبعد ذلك، نُقلت مباراة للمنتخب الوطني إلى مدينة بُواكي Bouaké، معقل المتمردين عام 2007م. وسجّل دروغبا هدفاً هناك، واعتُبر ذلك بادرة قوية للمصالحة الوطنية[15].
وكذلك، في جنوب إفريقيا، خلال بطولة كأس الأمم الإفريقية لعام 1996م، التي استضافتها وفازت بها، كان ذلك حدثاً موحداً بين السود والبيض بعد نهاية نظام الفصل العنصري الذي عانى منه هذا البلد كثيراً[16].
إلى جانب أبعادها السياسية والاجتماعية، ساهم تنظيم كأس الأمم الإفريقية في تطوير البنية التحتية للعديد من الدول الإفريقية، من خلال تحديث الطرق والمطارات، وبناء الملاعب والفنادق، وخلق فرص عمل عديدة للشباب في مجالات متعددة مثل السياحة والفندقة وغيرهما.
ويُعدّ ما قام به المغرب في سياق تنظيم كأس أمم إفريقيا الأخيرة CAN 2025 مثالاً واضحاً للاستثمار في البنية التحتية الوطنية. وحسب الصحيفة الاقتصادية الفرنسية La Tribune، ساهمت بطولة كأس أمم إفريقيا في المغرب في تحقيق عائدات مباشرة تُقدَّر بين 1 و1.5 مليار يورو، مع خلق ثروة إجمالية تصل إلى 2.2 مليار يورو. كما أن كل 1 يورو تم استثماره ولّد حوالي 2 يورو من النشاط الاقتصادي، مما يعكس تأثيراً كبيراً على عدة قطاعات، مثل البناء والنقل والخدمات والتجارة، وهو ما أدى إلى خلق نحو 100 ألف فرصة عمل. وقد أدى الحدث أيضاً إلى تدفق كبير للزوار[17]، مما ساهم في تنشيط قطاع السياحة، خاصةً الفنادق والمطاعم، بعائدات مباشرة تُقدَّر بحوالي 250 مليون يورو[18].
ومن جهةٍ أخرى؛ مثّل تنظيم كأس العالم 2010م في جنوب إفريقيا لحظة تاريخية بارزة، إذ ساهم في تقديم صورة إيجابية عن القارة الإفريقية، وأثبت قدرتها على تنظيم فعاليات رياضية دولية كبرى بكفاءة عالية[19].
وختاماً:
لا شك أن لكرة القدم نفوذاً عالمياً قوياً، ما يجعلها إحدى أدوات ما يُسمّى «القوة الناعمة»[20] Soft Power، ولهذا السبب تستثمر العديد من الدول فيها أموالاً طائلة، كما هو الحال في الدول الخليجية. غير أن هذه القوة الناعمة قد تُستغل أحياناً بشكل سلبي، إذ يمكن أن تتحول كرة القدم إلى أداة لتنويم الشعوب في ظل بعض الأنظمة الاستبدادية[21].
ورغم الأهمية الكبيرة لكرة القدم خاصةً والرياضة عامة، من الناحية الاجتماعية والصحية، فإنها لا ينبغي أن تكون على حساب التعليم وبقية الأولويات الأساسية للدولة. لكن، من الضروري أن يهتم الساسة بالرياضة[22] ويدعموها دون التدخل في شؤونها، لأن تسييس الرياضة يفسدها ويزرع الفتنة والتعصب بين المشجعين. فالأصل أن تبقى كرة القدم مجرد هواية جامعة، تحمل قيم اللعب النظيف والتعايش، وتقبّل الانتصارات والهزائم بروح رياضية حقيقية، كما كانت في بداياتها الأولى في إنجلترا[23].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر العامة والهوامش:
– Luc Arrondel et Richard Duhautois, L’argent du football, Les Editions du Cepremap, 2018.
– https://www.ufolep.org/modules/kameleon/upload/dossier-ej-437.pdf
[1] تأهلت عشر دول إفريقية إلى هذه النسخة من كأس العالم: المغرب، مصر، غانا، الجزائر، السنغال، تونس، ساحل العاج، الرأس الأخضر، الكونغو الديمقراطية، وجنوب إفريقيا. يُعدّ هذا رقماً قياسياً للقارة، وقد تحقق بفضل توسيع البطولة لتشمل 48 فريقاً. للمقارنة، تأهلت خمس دول إفريقية فقط من أصل 32 دولة شاركت في كأس العالم الأخيرة التي أقيمت في قطر عام 2022م. يشهد هذا الحضور الإفريقي القوي والمتنامي باستمرار على تنوع كرة القدم الإفريقية وتطورها.
[2] يُتابع كرة القدم ما بين 4 إلى 5 مليارات مشجع، أي نصف البشرية، تُقدّر الفيفا FIFA أن عدد اللاعبين المسجلين رسمياً يتراوح بين 250 و300 مليون لاعب، بينما يتجاوز العدد الإجمالي للاعبين، بمن فيهم الهواة، مليار لاعب. وقد شاهد المباراة النهائية لكأس العالم الأخيرة في قطر Qatar 2022 بين فرنسا والأرجنتين 1.5 مليار شخص حول العالم.
[3] وفقًا لبعض الدراسات السوسيولوجية التي أُجريت في إفريقيا، يُعدّ المنتخب الوطني لكرة القدم من بين المؤسسات الأكثر شعبية في العديد من الدول الإفريقية، بل ويتفوّق أحياناً في شعبيته على الجيش والأحزاب السياسية وحتى بعض المؤسسات الإدارية التي تتصدر هرم السلطة.
[4] من بين الجوانب الإيجابية لكأس الأمم الإفريقية أنها تحظى باهتمام معظم الأفارقة من شمال القارة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها. وتُعدّ من الأحداث القليلة القادرة على جمع الشعوب رغم اختلافات اللون واللغة والدين أو الأصل الاجتماعي. وبالتالي فهي تمثل لحظة وحدة وتبادل وفخر جماعي لكل القارة الإفريقية.
[5] يُقدم العديد من لاعبي كرة القدم الأفارقة المحترفين في الخارج، وخاصةً في أوروبا، مساعدات إنسانية كثيرة في إفريقيا. فعلى سبيل المثال، قام ساديو ماني Sadio Mané، لاعب المنتخب السنغالي، ببناء مستشفى ومدرسة في قريته Bambali جنوب السنغال، وأنفق ما يقارب مليون دولار لمساعدة سكانها.
[6] جورج ويا) George Weah مواليد 1966م) سياسي ليبيري ولاعب كرة قدم محترف سابق. شغل منصب الرئيس الخامس والعشرين لليبيريا من عام 2018م إلى عام 2024م. خلال مسيرته الاحترافية، لعب «ويا» كمهاجم لعدة أندية دولية في فرنسا وإيطاليا وإنجلترا، قبل أن يختتم مسيرته في الإمارات عام 2003م. وهو أول لاعب كرة قدم إفريقي محترف يتولى منصب الرئيس، والإفريقي الوحيد الذي فاز بجائزتي الكرة الذهبية وجائزة أفضل لاعب في العالم من الفيفا، والتي فاز بها عام 1995م. كما نال لقب أفضل لاعب إفريقي ثلاث مرات، ويُعتبر أحد أعظم المهاجمين على مر التاريخ.
[7] في 23 أغسطس 1862م، في كيب تاون بجنوب إفريقيا، أُقيمت مباراة كرة قدم جمعت بين التجار والبحارة. ويُعتقد أنها كانت أول مباراة تُقام على أرض إفريقية.
[8]أقدم «نادي إفريقي» هو Savages FC الجنوب الإفريقي، الذي تأسس عام 1882م. أما أكبر «نادي إفريقي» فهو (الأهلي المصري) الذي تم تأسيسه سنة 1907م.
[9] Bernadette Deville-Danthu, Le sport en noir et blanc : Du sport colonial au sport africain dans les anciens territoires français d’Afrique, Paris, Harmattan, 1997, p.117.
[10] Pierre Chazaud et Tado Oumarou, Football, religion et politique en Afrique. Sociologie du football africain, Paris, Harmattan, 2010, p.184.
[11] Paul Dietschy et David-Claude Kemo-Keimbou, Le football et l’Afrique, EPA, Paris, 2008. p.109.
[12] لعب هذا الفريق مباريات عديدة ضد فرق رسمية وهي: بلغاريا، الصين، المجر، العراق، الأردن، ليبيا، المغرب، فيتنام الشمالية، بولندا، رومانيا، تشيكوسلوفاكيا، تونس، الاتحاد السوفييتي، يوغوسلافيا..
[13] Paul Dietschy, Histoire du football, Éditions Perrin (Histoire), Paris, 2010. P.319.
[14] ديدييه دروغبا) Didier Drogba مواليد 1978م)، هو لاعب كرة قدم وهداف منتخب ساحل العاج التاريخي وقائده السابق. بدأ مسيرته في فرنسا ثم انتقل إلى نادي تشيلسي الإنجليزي، الذي سجل له أهدافًا أكثر من أي لاعب أجنبي آخر. وقد حصل على الكرة الذهبية الإفريقية مرتين في عامي 2006 و2009م. يعتبر واحداً من أفضل المهاجمين في جيله، وأحد أفضل اللاعبين في تاريخ كرة القدم الإفريقية.
[15] https://www.bbc.com/afrique/sports-52120608
[16] https://www.lequipe.fr/Football/Article/Coupe-d-afrique-des-nations-1996-et-l-afrique-du-sud-decolla/631629
[17] في عام 2025م، أصبح المغرب الوجهة السياحية الأولى في إفريقيا، متجاوزاً الرقم القياسي 20 مليون زائر سنوياً.
[18] https://www.latribune.fr/article/idees/20159879515492/opinion-la-can-accelerateur-de-croissance-pour-le-maroc-et-l-afrique
[19] كانت أول بطولة كأس العالم لكرة القدم تُقام في إفريقيا. ولقد نال المغرب شرف استضافة كأس العالم 2030م، بتنظيم مشترك مع إسبانيا والبرتغال.
[20] القوة الناعمة Soft Power هي مفهوم في العلاقات الدولية صاغه الباحث الأمريكي جوزيف ناي Joseph Nye، ويشير إلى قدرة دولة ما على التأثير في الدول والشعوب الأخرى من خلال الجاذبية والإقناع بدلًا من الإكراه أو استخدام القوة العسكرية والاقتصادية. وتعتمد هذه القوة على أدوات مثل الثقافة والإعلام والتعليم والدبلوماسية والرياضة، بهدف تحسين صورة الدولة وتعزيز نفوذها وتقوية علاقاتها الدولية عبر الإقناع لا الإكراه.
[21] من خلال سياسة توفير: «الخبز واللعب» Panem et circenses.
[22] لا ينبغي أن تقتصر الممارسة الرياضية على كرة القدم وحدها؛ فهناك رياضات أخرى لا تقل أهمية، مثل كرة السلة وكرة اليد والسباحة… وغيرها. في إفريقيا، يمارس نحو 90% من الشباب كرة القدم، وهو أمر مفهوم، فهي رياضة بسيطة لا تتطلب سوى مساحة مفتوحة وكرة، كما أنها لا تحتاج إلى موارد كبيرة. ومع ذلك، من الضروري أن يستثمر المسؤولون في تطوير رياضات أخرى، وأن يشجعوا الشباب على ممارستها، بل ينبغي أن يشمل هذا التشجيع جميع الفئات العمرية، من الأطفال إلى كبار السن، وكذلك النساء، مع مراعاة خصوصية كل فئة. فالرياضة ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل هي قضية وطنية تسهم في تحسين الصحة العامة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتنمية المواهب.
[23] تم اختراع كرة القدم الحديثة في بريطانيا، وظهرت بداياتها الأولى في المدارس الإنجليزية في أوائل القرن التاسع عشر، وتم وضع قواعدها الرسمية الأولى في عام 1863م. ويُقال إن أصلها القديم يعود إلى الصين.











































