أصدر البيت الأبيض في 6 مايو 2026 “إستراتيجية مكافحة الإرهاب”، والتي أعلنت عن تبنّي نهج “أمريكا أولًا” لتحقيق الأمن القومي. وركزت الخطة على مواجهة ثلاثة تهديدات رئيسية؛ تشمل: عصابات الإرهاب العابرة للحدود، والحركات المتطرفة، إلى جانب الحركات اليسارية.
وتستعرض الإستراتيجية، التي جاءت مكوّنة من (16) صفحة، العمليات التي قامت بها الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، والتي زعمت بأنها شهدت نجاحات كبيرة مثل عملياتها في فنزويلا وإيران، مع التأكيد على حماية الحدود، والتشديد على ضرورة ما تسميه “تطهير المؤسسات الاستخباراتية” من التسييس، وضمان عدم استخدام أدوات مكافحة الإرهاب ضد المواطنين لأغراض حزبية. وتهدف الرؤية إلى تحقيق السلام من خلال القوة مع إعطاء الأولوية القصوى لمنع وصول الإرهابيين إلى أيّ تقنيات حديثة أو إلى أسلحة متطورة.
وفيما يتعلق بالقارة الإفريقية، أظهرت إدارة ترامب أن السياسات التي اتخذتها إدارة بايدن في إفريقيا، وبخاصة فيما يتعلق بسياسات ما أسمتها الوثيقة “الاستعمارية الجديدة”، والتي حدّدتها بدعم “مجتمع الشواذ جنسيًا” في القارة؛ دفع هذا الحكومات الإفريقية للتوجُّه نحو التعاون مع الصين وروسيا. واقترحت الوثيقة تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والاستقرار الاقتصادي مستشهدةً باتفاقية السلام بين رواندا والكونغو الديمقراطية كنموذج يُحتذَى به.
لكن في الوقت نفسه، شهدت قارة إفريقيا تراجعًا في الأولويات مقابل مناطق أخرى، واعتمدت الإستراتيجية نهجًا عسكريًّا يُحمّل الحلفاء الإقليميين مسؤولية أكبر. لذلك ركّزت الإستراتيجية في تناولها للقارة على دعم مناطق بعينها؛ وهي: (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، نيجيريا، تشاد، الصومال، كينيا، السودان، الكونغو الديمقراطية، موزمبيق)؛ حيث تؤكد أن هذه المناطق تُشكّل بؤرًا قوية للجماعات الإرهابية في التمدد والانتشار.
وعليه، يهدف هذا التقرير إلى مناقشة الجديد في الإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب فيما يتعلق بإفريقيا، وذلك من خلال المحاور التالية
أولًا: الأهداف الأمريكية من هذه الإستراتيجية… ما الجديد في إفريقيا؟
ثانيًا: وسائل التنفيذ… فلسفة الاشتباك الحذر.
ثالثًا: معضلات ضاغطة… الإستراتيجية المجزَّأة.
رابعًا: السيناريوهات المستقبلية بين الانسحاب والمشروطية
أولًا: الأهداف الأمريكية من هذه الإستراتيجية… ما الجديد في إفريقيا؟
تستعرض الإستراتيجية في رؤيتها للقارة الإفريقية مبدأ “أمريكا أولًا” والتحول من سياسات “التدخل شبه المباشر” للبحث عن تعزيز المصالح الاقتصادية بصبغة أمنية. إذ تشير الإستراتيجية بصورة ضمنية إلى التركيز على التنافس بين القوى الأخرى في إفريقيا وبناء القدرات المؤسسية للدول الإفريقية. كما ربطت الوثيقة بين التنظيمات الإرهابية الثلاثة الأشهر في القارة وهم: (داعش، وحركة الشباب، والقاعدة)، واعتبرت أنها تُعبِّر عن أيديولوجية واحدة، مع الإشارة إلى ضرورة التصدي لإعادة بناء قدرات هذه التنظيمات في مناطق مثل الساحل الإفريقي، وتشاد، وموزمبيق، والسودان، والصومال.
وتهدف إدارة ترامب من هذه الإستراتيجية، وفقًا لما تشير إليه، إلى معالجة أوجه القصور في قضايا الحوكمة والتهميش الاقتصادي والتصدي لمنافسة روسيا والصين في القارة، للتركيز على المصالح الأمنية الأمريكية. كما استندت الرؤية على تقييم الجماعات المتطرفة مثل “داعش” و”القاعدة” و”حركة الشباب”، ورأت أنها أعادت تموضع نفسها بشكل جديد في القارة، وتوسعت في مناطق مصالحها الإستراتيجية. لذلك، وضعت الإدارة في هذه الوثيقة هدفين سعت لتحقيقهما؛ هما: الأول يتمثل في تقويض التمدد الجغرافي للجماعات الإرهابية، والثاني توفير الحماية للمجتمعات المسيحية التي تتعرض للاستهداف([1]).
1-تقويض التمدد الجغرافي للجماعات الإرهابية:
الإستراتيجية تركز بصورة أساسية على مكافحة الجماعات الإرهابية ذات القدرات الخارجية، وعلى رأسها تنظيما داعش والقاعدة وحركة الشباب، والتي يُنظَر إليها كتهديد مباشر للمصالح الأمريكية. وتُظهر الإستراتيجية أيضًا أن هناك تحولًا نحو نهج انتقائي ومتكيّف يركّز على توزيع الجهود بناءً على أهمية المصالح الأمريكية؛ حيث تعتبر الإستراتيجية أن الصومال تُعدّ الوجهة المباشرة للعمليات العسكرية في إفريقيا؛ ولذلك ستُعزّز الإدارة من العمليات التي تُنفّذها قوات “أفريكوم” ضد عناصر “حركة الشباب” و”تنظيم داعش” بالتنسيق مع الحكومة الصومالية، بهدف تقويض قدرات هذه الجماعات التي تُشكّل خطرًا مباشرًا على مصالحها.
وعلى عكس الصومال، تشير الوثيقة بصورة ضمنية إلى اتجاه الإدارة الأمريكية نحو نَهْج المشاركة غير المباشر، وبناء القدرات بدلًا من التدخل العسكري المباشر، وربما عبر الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية وتنفيذ تدريبات متعددة الجنسيات مثل مناورات “فلينتلوك 2026”.([2])
2-توفير “الحماية” للمجتمعات المسيحية:
تشير التقارير إلى أن الهدف الأمريكي من جراء رفع شعارات “حماية المسيحيين” في إفريقيا، واعتبار أن ذلك جزء من مكافحة الإرهاب، إنما يأتي في سياق براجماتي يدعم الرؤية اليمينية في السياسة الخارجية الأمريكية. استمدت الإدارة الأمريكية هذه الرؤية من أصداء الهجوم الذي ضرب ولاية “بلاتو” النيجيرية في أكتوبر 2025؛ حيث اتجهت وسائل الإعلام الأمريكية، وبخاصة اليمينية، إلى اعتبار أن ذلك الحادث يجب أن يدفع الإدارة الأمريكية، وبخاصة البنتاجون، نحو بناء خطوات تهدف لحماية المسيحيين في القارة([3]).
ويشير هذا التوجه إلى أن هناك رغبة أمريكية في إعادة بوصلة الدفاع والأمن الأمريكي؛ فبينما كانت الإستراتيجيات الأمريكية لمكافحة الإرهاب تشير إلى تصعيد التنافس مع كلٍّ من روسيا والصين، استبدلتها بتسليط الضوء على الصراعات الدينية في إفريقيا كذريعة لإعادة التموضع. هذا التصنيف الجديد لا يهدف لرصد العنف فحسب، بل يبدو كمقدمة مستقبلية لتدخلات وضغوطات قد تلجأ إليها الإدارة الأمريكية مستقبلًا تحت غطاء حماية الحريات.
ويستدل على ذلك من خلال إدراج نيجيريا ضمن الدول المثيرة للقلق بموجب قانون الحريات الدينية؛ حيث امتلكت واشنطن بذلك “مطرقة قانونية” تتيح لها ممارسة ضغوط سياسية مباشرة. يأتي هذا التوجُّه في إشارة قوية إلى تجاهل الإدارة الأمريكية لطبيعة الظاهرة الإرهابية في إفريقيا، وبأنها لا تفرق بين الطوائف والمجتمعات الإفريقية؛ حيث إن المسلمين أنفسهم يتعرضون لاستهدافات واسعة مِن قِبَل هذه الجماعات، فوفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2026، تُعدّ إفريقيا مركزًا رئيسيًّا للإرهاب، وشهدت الدول ذات الأغلبية المسلمة في كل من مالي وبوركينا فاسو ونيجيريا والنيجر والصومال أكثر العمليات الإرهابية دموية.
ثانيًا: وسائل التنفيذ… فلسفة الاشتباك الحذر
يتمثل أحد العناصر الجديدة الرئيسية في النهج الأمريكي لمواجهة الإرهاب في إفريقيا في دمج “ثلاثي الأبعاد” يستند إلى الدفاع والدبلوماسية والتنمية، مع التركيز بشكل أساسي على الابتعاد عن مكافحة الإرهاب بالصورة ذات الطابع العسكري البحت، والبحث عن جهود لتحقيق الاستقرار على المدى الطويل في المناطق المُعرَّضة للتطرُّف والإرهاب مثل منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد.
وتقول الإدارة الأمريكية إن: “هذه الإستراتيجية تهدف إلى الابتعاد عن النمط السابق في الحرب على الإرهاب في إفريقيا”؛ حيث تُولي الولايات المتحدة اهتمامًا أكبر للشراكات الأمنية، وتقدم الدعم الاستخباراتي والمراقبة والاستطلاع لهذه القوات، بينما تتولّى القوات المحلية زمام المبادرة في العمليات القتالية فيما يمكن تسميته باسم “الاشتباك الحذر”. وتستند هذه الإستراتيجية لمجموعة من الأدوات على النحو التالي([4]):
1-تقليص الوجود العسكري: ترغب الولايات المتحدة من هذه الإستراتيجية الجديدة في تقليص عدد قواتها، عبر الاعتماد على منظومة “البصمة العسكرية” في التعامل مع الإرهاب بالقارة. ويقوم هذا النظام على الانتقال من نمط التدخل المباشر واسع النطاق ضد الأهداف إلى نمط العمليات الخاطفة التي تتسم بأنها أكثر مرونة وأقل تكلفة. فبدلًا من إرسال قوات نظامية وقواعد عسكرية، ستعتمد الولايات المتحدة على وحدات العمليات الخاصة في تنفيذ عمليات دقيقة وسريعة تستهدف فيها قادة التنظيمات الإرهابية عبر الطائرات بدون طيار وقدرات الاستطلاع والمراقبة في ظل وجود عسكري محدود، وبخاصة في منطقتي الصومال والساحل.
ويستند تقليص الوجود العسكري المباشر إلى رغبة أمريكية في تمكين القوات الإفريقية لتتولى مسؤولية أكبر، في مقابل تنسيق وتقديم دعم معلوماتي استخباراتي دون إبقاء آلاف الجنود الأمريكيين في مهمات دائمة.
2-تطوير العلاقات الثنائية مع الدول الإفريقية: تعتمد الإستراتيجية على العمل من خلال الشركاء لتعزيز قدرات الجيوش الإفريقية؛ لتقليل الحاجة لانتشار القوات الأمريكية على نطاق واسع؛ حيث تهدف الولايات المتحدة، من جراء اعتماد تعزيز العلاقات الثنائية مع الدول الإفريقية في مجال مكافحة الإرهاب، إلى إلقاء المسؤولية الكبرى على الشركاء الإقليميين وعلى الدول الإفريقية الشريكة معها في مواجهة التهديدات الإرهابية.
لكن في الوقت نفسه، فإنها اعتمدت مبدأ الانتقائية في التعامل؛ حيث ربطت الإدارة الأمريكية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب بتعزيز الدول الإفريقية للعلاقات التجارية والاقتصادية معها، في إشارة إلى الرغبة الأمريكية في تطبيق إستراتيجيتها الخارجية التي أعلنت عنها في ديسمبر 2025، والتي كان من بين بنودها في إفريقيا ربط التعاون الأمني بتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري([5]).
3-استخدام الأدوات غير العسكرية: عبر توسيع قاعدة الأدوات القانونية وسياسات الردع من خلال تصنيف المنظمات والجماعات الإرهابية؛ لشلّ شبكات التمويل التي تُزوّد هذه الجماعات. بالإضافة إلى ذلك، فإنه من بين هذه الأدوات تبادل المعلومات الاستخباراتية والتقنية، عبر تعظيم الاستفادة من شبكات مراقبة الحدود ومكافحة تمويل الإرهاب بالاعتماد على مركز تدريب الطائرات المُسيّرة في المغرب لتعزيز الاستطلاع والمراقبة([6])، وبخاصة في منطقة الساحل وغرب القارة.
كما تهدف من جراء هذه الأدوات غير العسكرية إلى تعظيم الدور الوقائي للناتو في الشراكة معها لتحمُّل مسؤوليات كبيرة في عمليات مكافحة الإرهاب في القارة. أيضًا، تضع الإستراتيجية قوات “أفريكوم” ضمن الأدوات غير المباشرة في التعامل مع الإرهاب؛ حيث تعتمد بشكل مكثّف على الذكاء الاصطناعي ودمج البيانات الاستخباراتية في عمليات الرصد والتتبُّع، مما يسمح بمراقبة واسعة النطاق للجماعات الإرهابية.
4-التركيز على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي: ترى الولايات المتحدة أن فشل المقاربات الأمنية الغربية في التعامل مع الإرهاب في إفريقيا فتح الباب أمام النفوذ الروسي. لذا، فإن الرؤية الأمريكية لمكافحة الإرهاب تتضمّن تقديم بدائل غير أمنية بشكل مؤسسي وأكثر استدامة؛ حيث تشير الإدارة الأمريكية إلى أن هذه الإستراتيجية تسعى للتأكيد على أهمية المزاوجة بين الجهود العسكرية والاستثمارات داخل الدول الإفريقية التي تعاني من الإرهاب وبخاصة في: (نيجيريا، ومنطقة الساحل، والصومال، وكينيا في شرق القارة). وترى أيضًا أن بناء الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول يقضي على مشكلات الفقر والبطالة التي هي أحد مُسبّبات الإرهاب.
لذلك تهدف الإستراتيجية إلى زيادة فرص التمويل، وبخاصة في كلٍّ من (كينيا والصومال)، وبناء جاهزية معلوماتية وقدرات تنموية عالية. ويُعدّ هذا التمويل جزءًا من الالتزام بدعم الدول الإفريقية في جهود مكافحة الإرهاب، إلا أنه في الوقت نفسه فإن هذه الجهود المُعلَن عنها في الوثيقة تبدو كأنها بعيدة عن الواقع وتناقض الرؤية الأمريكية نفسها، والتي ترى أن “كل دولار يُنفَق يجب أن يكون مدعومًا بنتائج ملموسة على الأرض”؛ أي: أن أيّ مساعدات أمريكية للدول الإفريقية رهن تحقيق تقدم في مؤشرات مكافحة الإرهاب([7]).
ثالثًا: معضلات ضاغطة… الإستراتيجية المجزأة
تُواجه الإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب في إفريقيا معضلات عدة تنبع من التحديات الجيوسياسية والتعارض بين الشعارات والواقعية، وغياب نَهْج واضح للإدارة الأمريكية يقوم على التوازن بين الجهود التنموية والترتيبات الأمنية. ولذلك فإن هناك مجموعة من المعضلات التي تُواجه هذه الإستراتيجية في إفريقيا على النحو التالي:
1-معضلة الواقعية مقابل المبادئ: تطرح الإستراتيجية فيما يتعلق بإفريقيا تحديًا إستراتيجيًّا يتمثل في أن واشنطن تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما؛ الأول يتمثل في القطيعة التامة مع دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر؛ تلك الدول التي تسير في فلك السياسات الروسية، والثاني هو الواقعية السياسية التي تدفع الإدارة الأمريكية نحو فتح قنوات للتواصل مع هذه الدول الثلاث لتعزيز تدفق المعلومات الاستخباراتية التي تنص عليها الإستراتيجية.
أيضًا، تشير معضلة “الواقعية مقابل المبادئ” إلى المأزق الأخلاقي والإستراتيجي الذي يربط الترتيبات الأمنية بمكاسب اقتصادية، مما يُفْقِد الخطاب الأمريكي بريقه القِيَمي، ويؤكد على أن هذه الإستراتيجية إنما تهدف لفتح الطريق أمام مكاسب اقتصادية أمريكية أكثر من كونها تهدف لحل مشكلات القارة. وهذا يتطلب من الولايات المتحدة الموازنة بين أهدافها في مكافحة الإرهاب وضمانات الحفاظ على الشراكات الإفريقية، مما يضع الولايات المتحدة أمام معضلة إستراتيجية؛ حيث يتعين عليها أن تُقرّر ما إذا كانت ستستمر في التعاون مع الحكومات الجديدة في الدول التي شهدت تغييرًا لنُظُمها السياسية، أم أنها ستخاطر بفقدان نفوذها لصالح قوى أخرى.
2-معضلة تسييل الحرب: تبرز هذه المعضلة في تطبيق هذه الإستراتيجية بإفريقيا فيما يعرف بـ “تسييل الحرب”، والتي تشير إلى عقيدة العمليات الخاصة وأسلوب “البصمة الخفيفة” كبديل لأساليب المكافحة التقليدية؛ حيث تشير المخاوف إلى أن هذا النهج قد يحول مكافحة الإرهاب من حالة استثنائية إلى حرب دائمة قد تفتقر للرقابة والشفافية، مما قد يفتح الباب أمام انتهاكات محتملة ضد المدنيين والأبرياء.
أيضًا يرتبط بـ “تسييل الحرب” قضية أخرى تتمثل في طبيعة الإرهاب في إفريقيا، خاصةً في إطار قضايا التمويل التي تعتمد فيها هذه الجماعات على المصادر المحلية، كالابتزاز والتهريب، بدلًا من التمويل الدولي. هذا التحول يُعقّد إستراتيجيات مكافحة الإرهاب التي تُركّز على تعطيل الشبكات المالية الخارجية. علاوةً على ذلك، يمثل صعود حركات التمرد المحلية في مناطق مثل الساحل والقرن الإفريقي تحديًا مستمرًّا؛ حيث تتكيف هذه الجماعات بسرعة مع التدابير المضادة وتستغل المظالم المحلية([8]).
3-معضلة تغذية السرديات المتطرفة: يُعدّ إضفاء الطابع الأيديولوجي على الإستراتيجية أحد أخطر المعضلات أمام نجاحها ويُخرجها من سياقها؛ فهذا البُعد الطائفي قد يؤدي لمزيد من التطرّف والعنف، بل إن هذا الخطاب نفسه قد تستغله الجماعات الإرهابية لتصوير الصراع على أنه “صراع ديني”، مما يؤدي لتعميق الانقسامات المجتمعية.
4-معضلة التفويض الأمني للقوات الإفريقية: تُعلن الإستراتيجية بوضوح الانتقائية الأمريكية في إفريقيا، مُحمّلةً في الوقت نفسه الدول الإفريقية المسؤولية المباشرة عن العمليات القتالية. ومع ذلك، يكمن التحدي الأبرز في مدى جاهزية الشركاء المحليين لتولّي هذا الدور؛ فالاكتفاء بتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي قد يخلق فراغًا أمنيًّا إذا لم تكن القوات المحلية قادرة على حسم المعارك، مما قد يدفع هذه الدول للبحث عن بدائل أمنية لدى منافسين آخرين.
5-معضلة تخصيص الموارد والمساءلة: يدور نقاش مستمر في أوساط السياسيين الأمريكيين حول تخصيص الموارد لمكافحة الإرهاب في إفريقيا؛ حيث تشير آراء عدة إلى أن الإستراتيجية تفتقر إلى الدعم الدبلوماسي والمالي الكافي لمساندة الجهود العسكرية. وقد سلطت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الضوء على ضرورة الشفافية والمساءلة في تخصيص الموارد، متسائلةً عما إذا كان الخطاب بشأن هزيمة الجماعات المسلحة يقابله دعم كافٍ على أرض الواقع([9]).
أيضًا ثمة آراء أخرى ترى أن من معضلات هذه الإستراتيجية أنها قد تتأثر بالتغيرات السياسية الداخلية؛ إذ قد يؤدي تركيز الإدارة على سياسات “أمريكا أولًا” إلى نَهْج أكثر نفعية في التعاملات الخارجية، مما قد يُهمِّش الالتزامات طويلة الأجل الضرورية لمكافحة الإرهاب بفعالية([10]). وقد ينتج عن هذا التحول غياب شراكات مستدامة مع الدول الإفريقية، مما يُقوِّض جهود الأمن الجماعي.
رابعًا: السيناريوهات المستقبلية بين الانسحاب والمشروطية
تضع الإستراتيجية واشنطن أمام مأزق أخلاقي وإستراتيجي؛ إذ إن ربط الترتيبات الأمنية بمكاسب اقتصادية يُفْقِد الإستراتيجية أهميتها. وأمام المنافسة الدولية المحمومة، تتحوَّل الضغوط الأمريكية المرتكزة على “المشروطية” إلى قوة دفع لصالح المنافسين؛ لذلك فإن هناك مجموعة من السيناريوهات التي تترتب على هذه الإستراتيجية، وذلك على النحو التالي:
السيناريو الأول: الأمن الانتقائي
من المُرجّح أن يؤدي تطبيق الإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب فيما يتعلق بإفريقيا إلى تحوُّل المصالح الأمريكية نحو “الانتقائية” القائمة على المصالح الاقتصادية؛ حيث ستعزّز الإدارة الأمريكية جهودها في مكافحة الإرهاب في مناطق استخراج المعادن في الكونغو، أو في دول الممرات الاقتصادية الهامة مثل كينيا والصومال. ولهذا، فإنه سيتم ربط حماية المجتمعات المحلية بشكل مباشر بالمناطق التي تخدم المصالح الأمريكية، مما يخلق خارطة أمنية متجزأة.
السيناريو الثاني: تجاوز معضلة المبادئ في مقابل الواقعية السياسية
وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية قد تتجه إلى تعزيز العلاقات وفتح قنوات للتواصل مع الدول التي شهدت تغييرًا في أنظمتها السياسية، واتخذت خط القطيعة مع الولايات المتحدة والغرب، وهي: مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
فعلى الرغم من تصنيف الولايات المتحدة لهذه الدول وغيرها على أنها “مثيرة للقلق”، إلا أن واشنطن قد تعرض عليها التعاون الاستخباراتي والدعم التقني مقابل تقليص الاعتماد على المقاربات الأمنية الروسية، مقابل فتح أسواق التعدين لديها؛ وبالتالي، فإن واشنطن قد تلجأ إلى توظيف “قانون الحريات الدينية” كأداة ضغط أو ابتزاز لهذه الدول.
السيناريو الثالث: تبني واشنطن دور المراقب
في هذا السيناريو تتبنّى واشنطن سياسة تقديم الدعم اللوجستي المحدود لبعض الشركاء الأفارقة، وتنسحب من الخطوط الأمامية؛ بهدف ترك روسيا عبر “فيلق إفريقيا” في مستنقع حروب العصابات في الساحل، مما يستنزف الموارد الروسية. أي: أن واشنطن قد تتبنّى سياسة “الاشتباك الحذر”، مما يسمح بتدهور أمني منضبط لا يُهدّد المصالح الأمريكية، ولكنه يضع الوجود الروسي والصيني تحت تكلفة أمنية عالية، وبالتالي الاستنزاف على المدى الطويل.
وختامًا؛ يمكن القول: تُمثّل الإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب 2026 ورؤيتها لإفريقيا نموذجًا مكثفًا لـ”البراجماتية النفعية” التي تسعى لحماية المصالح الحيوية بأقل تكلفة ممكنة عبر عقيدة “البصمة الخفيفة”. إلا أن هذه الرؤية تسقط في فخّ التناقض البنيوي بين شعارات دعم الاستقرار القاري وواقع “الانتقائية الجيواقتصادية”؛ حيث ينصبُّ التركيز الأمني لواشنطن على مناطق الثروات والممرات المائية فقط. وإن تحويل مكافحة الإرهاب إلى أداة لاستنزاف الخصوم الدوليين، وتحديدًا روسيا والصين، عبر الزجّ بهم في حروب عصابات طويلة، يخلق “خارطة أمنية متجزأة” تفتقر للمسؤولية الأخلاقية والسياسية تجاه الشعوب الإفريقية.
علاوة على ذلك، فإن إقحام “الأدلجة” واستخدام الضغوط السياسية كأدوات للابتزاز، بدلًا من بناء شراكات ندّية ومستدامة، لن يؤدي إلى هزيمة الإرهاب بقَدْر ما سيؤدي إلى تآكل المصداقية وفقدان الثقة في السياسات الأمريكية. وفي نهاية المطاف، فإن هذا “النهج الاشتباكي الحذر” يضع الولايات المتحدة في تموضع “المراقب المنضبط” لفوضى أمنية مرسومة، مما قد يدفع القارة الإفريقية للبحث عن بدائل إستراتيجية أكثر واقعية واحترامًا للسيادة الوطنية، بعيدًا عن تقلُّبات الأجندة الأمريكية.
…………………………………………………….
[1] United States Counterterrorism Strategy, (Washington: The White House, may, 2026) p.12
[2] Mahmut Cengiz, U.S. Counterterrorism Strategy in a Fragmented Threat Environment, Homeland Security Today, May 5, 2026, at: https://www.hstoday.us/subject-matter-areas/counterterrorism/u-s-counterterrorism-strategy-in-a-fragmented-threat-environment/
[3] Recent US strategies in Nigeria, PIA Global, November 11, 2025,at: https://noticiaspia.com/las-recientes-estrategias-de-estados-unidos-en-nigeria/
[4]United States Counterterrorism Strategy, op.cit., p.13.
[5] Martina Schwikowski, Will Trump’s security strategy benefit resource-rich Africa? Deutsche Welle, 12/12/2025 December 12, 2025, at: https://shorturl.at/vEEJy
[6] US eyes Morocco for strategic drone hub as Africa security push deepens, Business Insider Africa, 03 April 2026,at: https://africa.businessinsider.com/local/markets/us-eyes-morocco-for-strategic-drone-hub-as-africa-security-push-deepens/1mvsgnl
[7] The U.S. Approach to Counterterrorism in Africa, the Bureau of African Affairs, April 21, 2026, p.2.
[8] Trump’s Africa counterterrorism strategy under Senate scrutiny, Tactics Institute for Security and Counter-Terrorism, April 29, 2026,at: https://tacticsinstitute.com/americas/trumps-africa-counterterrorism-strategy-under-senate-scrutiny/
[9] Idem.
[10] Sam Hananel, Trump’s Short-Sighted Africa Strategy, the Center for American Progress Action Fund, Mar 9, 2026,at: https://www.americanprogress.org/article/trumps-short-sighted-africa-strategy/










































